شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (533)

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (533)
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
أربعاء 19/ رمضان/ 1438 5:15 م

سماع الدرس

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

 الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم مستمعينا الكرام إلى هذا اللقاء في برنامج شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح. والذي يتولى الشرح فيه معالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، حياكم الله معالي الشيخ، وأهلًا وسهلًا.

حياكم الله، وبارك فيكم، وفي المستمعين.

المقدم: وبكم حفظكم الله.

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «أراني أتسوك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت فيهما السواك الأصغر فقيل لي: كبر! فدفعته إلى الأكبر منهما».

الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك، على عبده ورسوله ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فراوي الحديث الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن، وقد مر بكم مرارًا.

 وقد ترجم عليه الإمام البخاري، بقوله: باب دفع السواك إلى الأكبر.

قال ابن حجر: قوله "باب دفع السواك إلى الأكبر"، وقال عفان: قال الإسماعيلي: أخرجه البخاري بلا رواية.

قلت -والقائل ابن حجر-: وقد وصله أبو عوانة في صحيحه عن محمد بن إسحاق الصاغاني، وغيره عن عفان، وكذا أخرجه أبو نعيم، والبيهقي من طريقه.

قال العيني: أي هذا باب في بيان دفع السواك إلى الأكبر، والمناسبة بين البابين ظاهرة، أي هذا الباب والذي قبله "باب السواك"، وأن هذا فرع منه، والترجمة الأولى باب السواك أعم، وهنا" دفع السواك إلى الأكبر أخص، فهو فرع منه.

وفي شرح الملقن: الحديث ظاهر لما ترجم له، وهو تقديم ذوي السن في السواك، وكذا ينبغي تقديم ذوي السن في الطعام، والشراب، والكلام، والمشي، والكتاب، وكل منزلة قياسًا على السواك، والاستدلال من قوله- صلى الله عليه وسلم-، لحويصة، ومحيصة: «كبر، كبر» يريد ليتكلم الأكبر، وهذا من أدب الإسلام، وهو من شرح ابن الملقن، وهو موجود بحروفه في شرح ابن بطال، وشرح ابن بطال أقدم من شرح ابن الملقن. والاستدلال من قوله -صلى الله عليه وسلم- لحويصة، ومحيصة: «كبر، كبر» يريد ليتكلم الأكبر، وهذا من أدب الإسلام، يعني في قصة القسامة. حينما قتل القتيل مع أنه أراد أن يتكلم أخوه، أخو القتيل أراد أن يتكلم، لكنه أصغر، فقيل له: "كبر، كبر"، مما يدل على أن تقديم الكبير في الإسلام له شأن.

 أراني قال الكرماني: بفتح الهمزة..

 المقدم: ممكن أن يحكم بسنية هذا الأمر يا شيخ؟

بلا شك! "كبر، كبر".

 أراني قال الكرماني: بفتح الهمزة، بلفظ متكلم المضارع، والفاعل والمفعول عبارتان عن معنى واحد، وهذا من خصائص أفعال القلوب، والفاعل والمفعول عبارتان عن معنى واحد، عن شيء واحد، فالرائي، والمرئي هو المتكلم، يعني الفاعل والمفعول هو المتكلم. وهذا من خصائص أفعال القلوب، وفي بعضها بضم الهمزة بمعناه "أظن نفسي".

وقال ابن حجر: بفتح الهمزة من الرؤية، ووهم من ضمها، في رواية المستملي: رآني، بتقديم الراء، والأول أشهر.

المقدم: والذي قال بضمها يعني أراني؟

لا! في رواية المستملي "رآني، وليس أراني، بتقديم الراء.

المقدم: رآني، نعم.

 والأول أشهر، ولمسلم من طريق علي بن نصر الجهضمي عن صخر: "أراني في المنام" أو "أراني في المنام"، وللإسماعيلي: "رأيت في المنام" فعلى هذا هو من الرؤية، قال العيني: وقال بعضهم، يعني ابن حجر، يعني قال العيني: وقال بعضهم ومر علينا مرارًا، يريد ابن حجر، ولا يقول ذلك إلا إذا أراد أن يرد عليه، وإذا لم يرد الرد عليه فإنه ينقل منه بالعزو، وتقدم هذا مرارًا.

وقال بعضهم- يعني ابن حجر-: ووهم من ضمها، قلت- أي قال العيني-: ليس بوهم! "أرانيّ" هذا ليس بوهم، والعبارتان تستعملان، لكن الفرق بينهما أنه إذا قال: أراني كأن محقق الرؤية، وإذا قال: أُراني كان مظنونًا، فبينهما فرق، والثابت لا شك أنه إحدى العبارتين، فالمسألة مردها إلى الرواية، فإذا كانت مروية بسند صحيح فلا كلام لابن حجر، وإن كانت غير مروية فلا كلام للعيني.

قال العيني: ليس بوهم، قلت- وهو العيني-: ليس بوهم، والعبارتان تستعملان، نعم هما مستعملتان، لكن كل واحدة في موضعها، لا يستعملان في موضع واحد، يعني ابن حجر يقول: وهم من ضمها في هذا الموضع، كونها تضم "أُراني" بمعنى أظنني، أو أظن نفسي، في موضع آخر، في سياق آخر ما يخالف فيه لا ابن حجر ولا غيره.

 وفي مبتكرات اللآلئ والدرر بعد أن نقل كلام ابن حجر والعيني قال: أقول: عبارة ابن حجر "أَراني" بفتح الهمزة من الرؤية، ووهم من ضمها، فالشيخان متفقان على أن الرواية بالفتح. يعني وهم من ضمها من حيث الرواية لا من حيث الاستعمال.

فالشيخان متفقان على أن الرواية بالفتح، والكرماني يقول: وفي نسخة بالضم! وابن حجر نسب صاحب هذه النسخة إلى الوهم، وقول العيني في نفي الوهم: فالعبارتان مستعملتان لا يصلح دليلًا لرد ابن حجر، يعني مثل ما قلت سابقًا كون هذه تستعمل في موضعها، وهذه تستعمل في موضعها هذا لا ينفيه ابن حجر، لكن مورد اللفظين على الرواية نفسها في موضع واحد هذا محل التوهم!

وقول العيني في نفي الوهم: فالعبارتان مستعملتان لا يصلح دليلًا للرد ابن حجر؛ لأنه لا يوجد من ينكر الاستعمال، فضلًا عن ابن حجر، وإنما الكلام في الرواية، ولم يذكرها العيني ولا الكرماني، نعم، قال الكرماني: موجود في نسخة، لكن لا يعني أنها ثبتت بالرواية، وقد تكون من خطأ بعض النساخ.

«فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت" أي أعطيت" السواك الأصغر، فأعطيت السواك الأصغر، فقيل لي»، قال ابن حجر: قائل ذلك له هو جبريل -عليه السلام-، كما سيذكر في رواية ابن المبارك، "كبر" قال الكرماني: أي قدم الأكبر في السن، والمراد من الكبر هي الزيادة في العمر أي الأسن، فدفعته إلى الأكبر منهما، من باب الامتثال لهذا الأمر، فدفعه إلى الأكبر منهما.

قال الإمام البخاري بعد ذكر الحديث، قد يكون الكبر، كبر السن معارضًا بفضائل أخرى، كون الأصغر عن يمين الجالس فيقدم كما في حديث..

المقدم: الغلام!

نعم! أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدَّم ابن عباس على أبي بكر وعمر، قدم الأعرابي، وقدم كذا، يعني فيه مفاضلة بين أسباب التفضيل.

المقدم: تارة يقدم للأيمن، وتارة للأكبر؟

هم يقولون: " كبر، كبر" ما لم يترتبوا، فإن ترتبوا قدَّم الأيمن، وقد يكون الأيمن أو الأيسر أبًا!

 المقدم: وقد يكون الأيمن ابنًا.

 نعم، وقد يكون الأيسر عمًّا، فحينئذ هناك مفاضلات بين أسباب التقديم، مبنية على ما يترتب على ذلك من جهات أخرى كالبر ونحوه، كما قالوا في الإيثار، والإيثار بالقرب عند أهل العلم على حسبها إذا كانت القربة واجبة فلا يجوز، وإن كانت مستحبة نظر في المفاضلة بينهما وبين سبب هذا الإيثار، إذا كان في الدخول للمسجد مثلًا المبادرة إلى الدخول قربة، وهو الأيمن فيدخل قبل غيره، ولا يؤثر غيره إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة راجحة بأن يكون الأيسر أبًا مثلًا، أو له حق عليه فيؤثره؛ لأن المصلحة راجحة، المقصود أن هناك تفصيلات تنتاب هذه المسألة، تفصيلها وتوضيحها في موضع أنسب من هذا.

المقدم: لكن بالعموم يا شيخ إذا كان ليس ثمة تراتب، "كبر".

"كبر" القاعدة الشرعية.

وقال الإمام البخاري بعد ذكر الحديث، قال أبو عبد الله: اختصره نعيم، عن ابن المبارك عن أسامة، عن نافع عن ابن عمر، قال الكرماني: معنى الاختصار هنا أنه محصل الحديث وحذفوا بعض مقدماته، يعني الذي لا يترتب عليها خلل في المعنى، حذف ما لا يترتب عليه خلل في المعنى، ولذلك يجيزون الاختصار والحذف، والاقتصار على بعض الحديث دون بعض ما لم يكن المحذوف مما يحتاج إليه المذكور، ويترتب عليه فهم المذكور، بأن لا يفهم المذكور إلا به، كأن يكون استثناء مثلًا، أو وصفًا مؤثرًا لفهم الحديث فإنه حينئذ لا يجوز الاختصار في هذه الحالة.

وفي فتح الباري قوله، قال أبو عبد الله أي البخاري، اختصره، أي المتن، نعيم وهو ابن حماد، وأسامة هو ابن زيد الليثي، ورواية نعيم وصلها الطبراني في الأوسط، عن بكر بن سهل عنه بلفظ: «أن قدم الأكابر»، وقد رواه جماعة من أصحاب ابن المبارك بلفظ: "أمرني جبريل أن أكبر"، فيها ألف، لكن أن كبر في الظاهر، يعني" كبر، كبر"، ورويناها في الغيلانيات من رواية أبي بكر الشافعي، عن عمر بن موسى، عن نعيم بلفظ «أن قدم الأكبر».

 وقد رواه جماعة من أصحاب ابن المبارك عنه بغير اختصار، أخرجه أحمد والإسماعيلي والبيهقي عنه بلفظ: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يستنوا فأعطاه أكبر القوم، ثم قال: «إن جبريل أمرني أن أكبر، أمرني جبريل بأن أكبر»، ثم قال: «أمرني جبريل بأن أكبر» ليست كبر، فيها الألف ثابتة.

 وهذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في اليقظة، وحديث الباب يدل على أنها في المنام، كما تقدم، ويجمع بينه وبين رواية صخر، رواية الباب أن ذلك لما وقع في اليقظة أخبرهم -صلى الله عليه وسلم- بما رآه في النون تنبيهًا على أمره بذلك أنه بوحي متقدم، وحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه بعض، ويشهد لرواية ابن المبارك ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عائشة قالت: " كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يستن وعنده رجلان، فأوحي إليه أن أعطِ السواك الأكبر.

 قال ابن بطال: فيه تقدير ذوي السن في السواك، وكذلك ينبغي تقديم ذوي السن في الطعام، والشراب، والكلام والمشي، والكتاب، وكل منزلة قياسًا على السواك، واستدلالًا بقوله -عليه السلام- لحويصة ومحيصة: «كبر، كبر» يريد أن يتكلم الأكبر، وهذا من باب أدب الإسلام.

وقال المهلب: تقديم ذي السن أولى في كل شيء، ما لم يترتب القوم.

المقدم: وما المقصود بترتب القوم هنا يا شيخ؟

في الجلوس.

المقدم: وليس في المكانة الاجتماعية، أو هذا أب، وهذا ابن.

يقول: ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فتقديم الأيمن، فالأيمن، يعني فالسنة تقديم الأيمن فالأيمن من الرئيس، من صدر المجلس الذي يتصدر المجلس وهو كبيرهم يبدأ من عنده ثم من على يمينه، فمن الرئيس أو العالم على ما جاء في حديث شرب اللبن.

يعني الآن في الرتب العسكرية خلاف كبر كبر، يعني يلزم الكبير..

المقدم: سنًا؟

لا، الكبير.

المقدم: رتبة.

يقدم الصغير في السن الكبير رتبة، على الكبير في السن الصغير رتبة، الأقل رتبة.

والأولى أن الشرع حاكم على الجميع.

وقال ابن حجر: وهو صحيح، وسيأتي فيه في الأشربة أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، إلا أن المستحب أن يغسله ثم يستعمله.

وفي حديث عن عائشة بسنن أبي داود قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعطني السواك لأغسله، فأبدأ به فاستاك ثم أغسله، ثم أدفعه إليه".

 يقول: وفيه أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه إلا أن المستحب أن يغسله ثم يستعمله، وفي حديث عن عائشة بسنن أبي داود قالت: " كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعطني السواك لأغسله يعني قبل الغسل، تبدأ باستعماله قبل الغسل؛ للتبرك بريقه -عليه الصلاة والسلام-.

المقدم: نعم.

 وابن حجر يقول: فيه أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، إلا أن المستحب أن يغسله ثم يستعمله في حديث عائشة، استدل بحديث عائشة على هذا، وحديث عائشة لا يدل على هذا، استعملته قبل غسله، ثم غسلته، فقد قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعطني السواك لأغسله، فأبدأ به" يعني قبل الغسل، فلا يدل على ما ذهب إليه ابن حجر.

 نعم! إذا كان المستعمل الثاني يأنف أن يستاك بسواك غيره قبل الغسل، فلا شك أن الغسل أولى، أما إذا كان لا يأنف كما يحصل مثلًا بين الزوجين مثلًا، فإن هذا لو استعمل من غير غسل كما فعلت عائشة -رضي الله عنها-، إضافة إلى أن عائشة طلبت التبرك بريقه -عليه الصلاة والسلام-.

"فأبدأ به فأستاك ثم أغسله ثم أدفعه إليه" وهذا دال على عظيم أدبها، وكبير فطنتها؛ لأنها لم تغسله ابتداءً حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه، ثم غسلته تأدبًا وامتثالًا، ويحتمل أن يكون المراد بأمرها بغسله تطييبه وتليينه قبل أن يستعمله -والله أعلم.

 في حاشية الداودي على صحيح البخاري: قوله: «أمرني جبريل» في الحكيم الترمذي، يعني في نوادر الأصول، تكلمنا عليه قريبًا.

 وفي الحكيم الترمذي عن زيد بن ربيع قال: دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جبريل، وميكائيل وهو يستاك، فناول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السواك جبريل، فقال جبريل: "كبر" أي ناول ميكائيل فإنه أكبر! ومعلوم أن ما تفرد به الحكيم فهو ضعيف إن لم يكن موضوعًا لا أصل له.

وهذا الحديث خرَّجه الإمام مسلم، وهو متفق عليه، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقدم: أحسن الله إليكم معالي الشيخ، ونفع بما قلتم.

 أيها الإخوة المستمعون الكرام، بهذا نصل إلى ختام هذه الحلقة، أتقدم في نهايتها بالشكر الجزيل معالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء.

 شكر الله له ولكم ونلقاكم -بإذن الله تعالى- في لقاء مقبل، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.