شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1428 هـ) - 08

 

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، في بداية الحلقة نرحب بضيف البرنامج فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا بكم فضيلة الشيخ.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لتذكير الإخوة والأخوات نحن في حديث (944) في المختصر، (1987) في الأصل، وهو حديث عائشة -رضي الله عنها- لعلنا نستكمل مع الإخوة والأخوات ما تبقى من ألفاظ هذا الحديث يا شيخ.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مضى الكلام في الترجمة والإشكالات الواردة عليها مع مطابقتها، مطابقة الحديث لها.

في متن الحديث: هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، السائل كما تقدم هو علقمة، الراوي عن عائشة، قلت لعائشة -رضي الله عنها-: هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يختص شيئًا من الأيام؟

يختص من باب الافتعال، الاختصاص، وفي رواية جرير عن منصور في كتاب الرقاق -على ما سيأتي-: يخص، بغير تاء مثناة من فوق.

قالت: لا، كان عمله ديمة.

المقدم: كيف، يختص من باب ماذا؟

من باب الافتعال، اختصاص.

وفي رواية جرير عن منصور في الرقاق: يخص.

المقدم: من غير تاء.

بدونها، من غير تاء مثناة من فوق.

المقدم: وهي التي ترجم عليها البخاري؟

نعم، ترجم بها، اللفظ عندك في المتن؟

المقدم: في هذا الباب: يختص.

وكذلك الأصل: يختص.

المقدم: لكن في الرقاق: يخص؟

يخص، البخاري -رحمه الله- قد يعمد إلى اللفظة التي لا تطابق الحديث المترجم عليها، من أجل ماذا؟

المقدم: استنهاض الهمم والبحث.

استنهاض الهمم، لماذا عدل مثلًا؟ فيجد الجواب بجمع الطرق والألفاظ.

قالت: لا، كان عمله ديمة.

ديمة، قال الكرماني: بكسر الدال، أي: دائمًا لا ينقطع، ولذلك قيل للمطر الذي يدوم ولا يقلع أيامًا: الديمة -وما زال هذا اللفظ مستعملًا، يقال للمطر المستمر برفق وهدء، وهدوء، يقال له: ديمة- قال الكرماني: أي: دائمًا لا ينقطع، ولذلك قيل للمطر الذي يدوم ولا يقلع أيامًا: الديمة.

قال ابن حجر: ثم أطلقت على كل شيء يستمر، يعني تشبيهًا له بالمطر.

وأيكم يطيق، في رواية جرير: يستطيع، جرير التي أشرنا إليها سابقًا: يستطيع، في الموضعين.

المقدم: وأيكم يستطيع ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستطيع؟

نعم.

المقدم: بدل يطيق؟

نعم.

والمعنى متقارب، والمعنى متقارب، قاله ابن حجر.

قال ابن بطال في شرحه: معناه أنه كان لا يخص شيئًا من الأيام، وإنما، لا يخص شيئًا من الأيام دائمًا ولا راتبًا إلا أنه قد جاء عنه -عليه السلام- أنه كان أكثر صيامه في شعبان، وقد خص -عليه الصلاة والسلام-، أو قد حض -عليه الصلاة والسلام- على صيام الاثنين والخميس، ذكره عبد الرزاق وغيره، لكن كان صيامه -عليه الصلاة والسلام- على حسب نشاطه، فربما وافق الأيام التي رغب فيها، وربما لم يوافقها، وقد روى الطحاوي عن علي بن شيبة قال: حدثنا روح قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا يزيد الرشك عن معاذة عن عائشة أنها سُئلت: أكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؟ قالت: نعم، فقيل لها: من أيه؟ قالت: ما كان يبالي من أي الشهر صامها. هذا في صحيح مسلم.

يعني مما يورد من الإشكال في هذا الباب صيام تسع ذي الحجة، يعني في صحيح مسلم عن عائشة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- ما كان يصومها مع أنه جاء في يوم عرفة ما جاء من الحديث الصحيح، وأنه يحتسب أن يكفر سنتين الماضية والباقية، وأيضًا جاء الحث على عموم الصيام، على عموم العبادات، التعبد في العشر «ما من أيام العمل الصالح فيهن خير وأحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، بما في ذلك بين -عليه الصلاة والسلام- أن الصيام من أفضل الأعمال، فإذا ضممنا هذا إلى هذا تبين لنا أن الصيام في هذه العشر من أفضل الأعمال، هو في الأصل من أفضل الأعمال، «وما من أيام العمل الصالح»، الصيام عمل صالح أو غير صالح؟

المقدم: بلى.

صالح.

المقدم: من أفضل الأعمال الصالحة.

من أفضل الأعمال، إذًا؛ يدخل في الحث على صيام العشر، طيب عائشة ثبت عنها أنه -عليه الصلاة والسلام- ما كان يصوم العشر، ما كان يصوم العشر، هل نقول: هذا مثل ما ثبت الحث عنه مما لم يفعله؟ مثل ما قلنا في عمرة رمضان، مثل ما قلنا في عمرة رمضان، وغير ذلك كثير، يحث النبي -عليه الصلاة والسلام- لكنه يترك شفقة على أمته، يعني تصور الآن الزحام في رمضان لمجرد الحث من غير فعل، يعني لو تضافر الفعل مع الحث؟

المقدم: كانت مشكلة كبيرة.

جدًّا، أمر لا يطاق، الآن شيء في العشر لا يكاد يطاق، فكيف لو تضافر مع ذلك فعله -عليه الصلاة والسلام-.

الأمر الثاني: أنه قد يفعل، يحث النبي -عليه الصلاة والسلام-، ويرغب في العمل الصالح، لكن ظرفه -عليه الصلاة والسلام- قد لا يمكنه من فعله، يعني يوجد الحث ويوجد مانع، ويكون بمثابته -عليه الصلاة والسلام- من ظرفه مثله، يعني لو افترضنا أن شخصًا ليس له عمل عام، وليس له أعمال متعدية تتعطل بالصيام، ألا يقال له: أكثر من الصيام؟ أكثر من تلاوة القرآن؟ أكثر من النوافل؟

المقدم: بلى.

أحيانًا ليس عنده عمل متعدٍّ، لكن إذ كانت عنده أعمال منوطة بأعمال أمة.

المقدم: متعدية النفع.

متعدية، ويترتب على كثرة النوافل من صيام وتلاوة وصلاة وغيرها من الأعمال.

المقدم: تعطيل العمل المتعدي.

تعطيل العمل العام، قلنا: لا، الأفضل في حقك ألا تصوم، وإذا كان هذا ينطبق عليه -عليه الصلاة والسلام- أنه لم يصم العشر؛ للأعمال التي أنيطت به لكافة الأمة، يكون في حكمه من يقوم مقامه.

المقدم: وهذا ظاهر في قوله: «ذهب المفطرون بالأجر»؛ لأن العمل متعدٍّ هناك؟

بلا شك، نعم.

أيضًا جاء من حديث بعض أمهات المؤمنين أنه كان -عليه الصلاة والسلام- يصوم العشر، لكنه ليس في الصحيح، صحيح مسلم حديث عائشة، ومع ذلك أهل العلم، الإمام أحمد يثبت حديث بعض أمهات المؤمنين، يقول: إن المثبت مقدم على النافي، وعلى كل حال؛ لا تردد في مشروعية صيام تسع ذي الحجة، وأنها من أفضل الأعمال.

المقدم: يثبت قولهن أو فعلهن يا شيخ، الإمام أحمد؟

لا، نسبة إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه كان يصوم.

المقدم: وليس فعلهن؛ لأنه ثبت عنهن أنهن يصمن، زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-؟

نعم، لكن عن بعض أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه كان يصوم العشر.

هذا كلام.

هذا الحديث -حديث عائشة- خرجه الإمام البخاري في موضعين.

الأول: هنا في كتاب الصوم، باب هل يخص شيئًا من الأيام؟

قال -رحمه الله-: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: قلت لعائشة- رضي الله عنها-: هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يختص من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، الحديث.

وسبق الكلام الطويل في المناسبة.

والموضع الثاني: في كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل.

قال -رحمه الله-: حدثني عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: سألت أم المؤمنين عائشة، قلت: يا أم المؤمنين! كيف كان عمل النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ هل كان يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا.

هذه الرواية التي سبق وأن أشرنا إليها.

المناسبة ظاهرة، يعني كان لا يخص شيئًا من الأيام، في الترجمة في كتاب الرقاق، وباب القصد والمداومة على العمل، يعني ما مناسبة الباب للكتاب؟

الرقاق جمع رقيقة؛ كالعظام جمع عظيمة، وهي التي ترقق القلوب وتنشطها على العمل، فإذا سمعنا هذه الأحاديث الرقاق التي تحث على العمل، ويقول أهل العمل: إنها بمنزلة السياط للقلوب، قد يجد الإنسان في نفسه نشاطًا، فيتعدى المشروع تأثرًا بهذه الأحاديث الرقاق، هذا موجود أو غير موجود؟

المقدم: موجود.

موجود، إذًا ترجم البخاري -رحمه الله تعالى-، وهذا من نباهته؛ لئلا يسترسل الإنسان مع هذه النصوص، فينسى نفسه، ويتعدى المشروع، فقال: باب القصد والمداومة على العمل.

المقدم: رحمه الله.

نعم، تجد الإنسان في خضم هذه الأحاديث التي تحثه وتسوقه سوقًا إلى العمل بما يسمع، قد ينسى نفسه فيتعدى، ثم بعد ذلك النتيجة أنه ينقطع، فحث على القصد من أجل ضمان الاستمرار؛ لأن «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل».

المقدم: «أدومه وإن قل».

الحديث هل كان يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا، والمطابقة ظاهرة، المداومة على العمل؛ لقوله: المداومة على العمل، كان عمله ديمة.

المقدم: قال -رحمه الله تعالى- عن عائشة وابن عمر -رضي الله عنهم- قالا: لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ، إلا لمن لم يجد الهَدْي.

راويا الحديث أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، والصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب، تقدم ذكرهما مرارًا.

عن عائشة وابن عمر -رضي الله عنهم_.

عنهم، جمع الضمير في عنهم؛ لأن المراد؟

المقدم: ثلاثة.

ثلاثة، عائشة..

المقدم: وابن عمر، وعمر.

وعمر، نعم.

قالا، ثنى.

المقدم: في القول.

نعم، لماذا؟

المقدم: القول لهما.

لأن الرواية لاثنين فقط، الذكر لثلاثة، والرواية لاثنين، فغاير بين الضمائر.

هذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب صيام أيام التشريق، باب صيام أيام التشريق.

قال ابن حجر: باب صيام، قوله: باب صيام أيام التشريق، أي: الأيام التي بعد يوم النحر، يقول ابن حجر: باب صيام أيام التشريق، أي: الأيام التي بعد يوم النحر، وقد اختلف في كونها يومين أو ثلاثة، اختلف في كونها يومين أو ثلاثة.

قال العيني: والأصح أنها ثلاثة -ثلاثة أيام بعد يوم النحر-، وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: لا يدخل فيها اليوم الثالث بعد يوم النحر، الأصح أنها ثلاثة -يعني من حيث الدليل، وإلا مذهب العيني حنفي، ولذلك يقول: والأصح أنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: لا يدخل فيها اليوم الثالث بعد يوم النحر.

ألا يمكن أن يقال: إنها اثنان لبعض الناس، وثلاثة لبعض الناس؟ أو يجزم بأنها اثنان؛ كما هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، أو يجزم بأنها ثلاثة كقول الشافعي؟

{ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ } [البقرة: 203]، يعني بالنسبة للحاج، على التخيير، فإن أراد التعجل فهي يومان؛ لأنها هي أيام منى، هل نقول: إنها مرتبطة بالحاج أو بالجميع؟ أو نقول: هي ثلاثة ويعفى عمن تعجل عن اليوم الثالث؟ أو نقول: هل بالنسبة للصيام ثلاثة وبالنسبة للذبح ثلاثة بغض النظر عن الحاج تقدم أو تأخر؟ كلام لأهل العلم في هذه الأيام.

يقول ابن حجر: سميت أيام التشريق؛ لأن لحوم الأضاحي تُشرق فيها، أي: تنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس أو بعد شروق الشمس، وقيل: التشريق التبكير، وقيل: التشريق التبكير دبر كل صلاة، ونسبه العيني لأبي حنيفة.

وفي شرح الكرماني: يحتمل أن تسمى به -يعني بالتشريق-؛ لأن ليالي هذه الأيام مشرقات، لأن ليالي هذه الأيام مشرقات، وهذه الأيام يقال لها أيضًا: أيام منى. انتهى كلام الكرماني.

وفي إرشاد الساري: أفضلها أولها، وهو يوم القر -بفتح القاف وتشديد الراء-؛ لأن أهل منى يستقرون فيه، ولا يجوز فيه النفر.

هل تُلتحق، هل تَلتحق بيوم النحر؟ هذا يقول: وهل تلتحق بيوم النحر في ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج أو يجوز صيامها مطلقًا؟ لأن الترجمة باب صيام أيام التشريق، يعني ما حكمها؟ هل تصام أو لا تصام؟ أو تصام للحاج الذي لم يجد الهدي؟ أو لا تصام مطلقًا؟ جاء هذا الكلام، وهل تُلتحق بيوم النحر في ترك الصيام كما، أو هل تَلتحق بيوم النحر في ترك الصيام؛ كما تلتحق به في غيره في النحر وغيره من أعمال الحج؟ أو يجوز صيامها مطلقًا؟ أو للمتمتع خاصة؟ أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخاري -رحمه الله تعالى- جواز، والراجح جوازها للمتمتع، فإنه ذكر في الباب حديثي عائشة وابن عمر في جواز ذلك، ولم يورد غيره.

يقول: وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، فإنه ذكر في الباب حديثي عائشة وابن عمر في جواز ذلك، ولم يورد غيره.

قال العيني في شرح الترجمة -الذي تقدم كلام ابن حجر-، يقول العيني في شرح الترجمة: أي: هذا باب في بيان صوم أيام التشريق، ولم يذكر الحكم لاختلاف العلماء فيه، واكتفاءً بما في الحديث، وأيام التشريق يقال لها: الأيام المعدودات، { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ } [البقرة: 203]، وأيام منى، وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، وقال: مطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه لم يوضح الإطلاق الذي فيها، وكان إطلاقها لأجل الاختلاف في صوم أيام التشريق، فأوضح الخلاف الذي يتضمن هذا الإطلاق بأثر عائشة- يعني الذي ذكره في صدر الباب- أنها كانت تصوم أيام منى، وكان أبوها؛ كما في رواية كريمة يصومها، وأبوها أبو بكر.

المقدم: يصوم أيام منى، المقصود في منى؟

لا.

المقدم: أليس المعتاد إذا سموها أيام منى يريدون بها للحاج حتى لغير الحاج يسمونها أيام منى؟

لا، هي أيام التشريق، هي أيام التشريق.

المقدم: كأنها جرت عادتهم.

باب صيام أيام التشريق، عندك: قال أبو عبد الله: قال لي محمد بن المثنى قال: حدثنا يحيى عن هشام قال: أخبرني أبي: كانت عائشة -رضي الله عنها- تصوم أيام منًى، وكان أبوها، وكان أبوه يصومها.

في رواية، في بعض الروايات: وكان أبوها.

المقدم: أبوه: أبو الراوي؟

نعم، يأتي ذكره، شف: قال: مطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه لم يوضح الإطلاق الذي فيها، وكان إطلاقها لأجل الاختلاف في صوم أيام التشريق، فأوضح الخلاف الذي يتضمن هذا الإطلاق بأثر عائشة -يعني الذي ذكره في صدر الباب- كانت -رضي الله عنها- تصوم أيام منًى، وكان أبوه يصومها.

يعني الذي في صدر الباب أنها كانت تصوم أيام منًى، وكان أبوها؛ كما في رواية كريمة يصومها، وأبوها أبو بكر، وفي رواية غير كريمة: وكان أبوه، تعني عروة أبا هشام الراوي عنها، الراوي عن أبيه، والقائل لهذا الكلام- أعني: وكان أبوه- هو يحيى القطان.

قال ابن حجر: وكان أبوه يصومه، هو كلام القطان.

وفي رواية كريمة: القائل عروة، وكان أبوها يعني عائشة، وأبوها أبو بكر، وبأثرها أيضًا وأثر ابن عمر أن الجواز لمن لم يجد الهدي لا مطلقًا، لمن لم يجد الهدي لا مطلقًا.

هل نقول: إن أبا بكر لم يجد هديًا فكان يصومها؟ هل نقول: إن عائشة لم تجد هديًا فكانت تصومها؟

المقدم: لا.

ولذا الخلاف على ثلاثة أقوال: يجوز صيامها مطلقًا، ولا يجوز مطلقًا، ويجوز لمن لم يجد الهدي.

لذلك أطلق الترجمة، باب صيام أيام التشريق، وصدَّر الكلام بأثر عائشة، وابن حجر يقرر أن البخاري إذا لم يجزم بالحكم، وأردفه بموقوف أو مقطوع، فهو اختياره.

المقدم: معناه يختار الصيام؟

ولذلك قال ابن حجر هناك في أول الكلام: والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، فإنه ذكر في الباب حديثي عائشة وابن عمر في جواز ذلك، ولم يورد غيره.

كيف يقول جواز؟ إذًا؛ ليست بإطلاق، الترجمة مطلقة، وأردفها بفعل عائشة، وفعل عروة أو فعل أبي بكر، مقتضى ما قرره ابن حجر أنه إذا أطلق في الترجمة، وأردفها بموقوف أو مقطوع، فهو اختياره، كيف يقول هنا: والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، فإنه ذكر في الباب حديثي عائشة وابن عمر في جواز ذلك، ولم يورد غيره.

المقدم: هذا إشكال صحيح.

إشكال، لكن يبقى أنه هل حديث عائشة وحديث ابن عمر الثاني -الذي هو حديث الباب- موقوف أم مرفوع؟

المقدم: الأصل أنه مرفوع، لم يرخص في أيام، ما يقولون هذا من أنفسهم.

لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، كان أبو بكر يصومها، عائشة تصومها، سيأتي الكلام في هذا اللفظ: لم يُرخص، هل هو من قبيل المرفوع أو الموقوف.

قبل ذلك يقول العيني: فإن قلت: أثر عائشة المذكور أولًا مطلق، والثاني مقيد، فما وجه ذلك؟ فما وجه ذلك؟ قلت: يجوز أن تكون عائشة عدت أيام التشريق من أيام الحج، وخفي عليها ما كان من نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الصيام في هذه الأيام الذي يدل على أنها لا تدخل فيما أباح الله -عز وجل- صومه من ذلك، فإن قلت: كيف يخفى عليها هذا المقدار مع مكانتها في العلم وقربها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قلت: هذا منها اجتهاد، والمجتهد قد يخفى عليه ما لا يخفى على غيره.

طيب، هي روت حديث: لم يرخص في أيام التشريق، فكيف يقول العيني: إنه خفي، قلت: يجوز أن تكون عائشة عدت أيام التشريق من أيام الحج، وخفي عليها ما كان من نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الصيام في هذه الأيام الذي يدل على أنها لا تدخل فيما أباح الله -عز وجل- من ذلك، فإن قلت: كيف يخفى عليها هذا المقدار مع مكانتها في العلم وقربها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قلت: هذا منها اجتهاد، والمجتهد قد يخفى عليه ما لا يخفى على غيره.

يعني عائشة، لعل العيني يريد أن يقرر أن عائشة طالت بها الحياة بعد النبي -عليه الصلاة والسلام-، يعني عاشت بعده نصف قرن تقريبًا، فلعلها نسيت هذا النهي، فكانت تصومها.

المقدم: لكن ما يستقيم مع صوم والدها؟

هذا على القول بأنه أبوها، وإلا على القول بأنه عروة، يستقيم.

سيأتي الكلام في بقية ألفاظ الحديث، وحكم صيام أيام التشريق بالإطلاق أو بالتقييد بالبسط -إن شاء الله تعالى-.

المقدم: جزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم، ونفع بعلمكم، إذًا؛ نستكمل -بإذن الله- ما تبقى من أحكام هذا الحديث في حلقة قادمة وأنتم على خير، أيها الإخوة والأخوات نصل إلى ختام هذه الحلقة، ونذكر الإخوة والأخوات بأنهم بإمكانهم أن يتابعوا بث هذه الحلقات على الموقع الخاص بضيف البرنامج الشيخ عبد الكريم الخضير khudheir بإمكانهم أن يتابعوا بث هذه الحلقات لمن فاته بث هذه الحلقات موجودة على هذا الموقع المذكور، شكرًا لطيب المتابعة، لقاؤنا بكم في الحلقة القادمة -بإذن الله تعالى- وأنتم على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.