كتاب الأيمان والنذور من سبل السلام (5)

عنوان الدرس: 
كتاب الأيمان والنذور من سبل السلام (5)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
أربعاء 23/ صفر/ 1441 8:30 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

أحسن الله إليك.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

قال- رحمه الله تعالى- في البلوغ وشرحه في كتاب الأيمان والنذور:

"وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا». وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَسَاقَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ الْأَسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ.

اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّ سَرْدَهَا إدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ."

يعني سرد الأسماء التسعة والتسعين بعد الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، هذه الأسماء التي سردت في جامع الترمذي وابن حبان هذه ليست من أصل الحديث، إنَّما الحديث على العدد الإجمالي فقط؛ ليجتهد المكلف في تتبعها من النصوص، من نصوص الكتاب والسُّنَّة من أجل أن يبذل جهدًا في إحصائها وفهمها ودعاء الله بها، هي تسعة وتسعون موجودة في الكتاب والسُّنَّة، على أنَّ الأسماء الحسنى أكثر من ذلك، لكن المرتب على ذلك من دخول الجنة يحصل بتتبع هذه الأسماء التسعة والتسعين وإحصائها، وليس المراد عددها وسردها وتلاوتها سواء كانت في متن أو شيء، إنَّما المراد فهم معانيها، والعمل بمقتضاها، ووصف الله- جلَّ وعلا- بما تدل عليه من أوصاف ودعاء الله بها.

ومن أفضل من تكلم عليها ابن القيم- رحمه الله- في النونية، تكلم عليها بكلام جيد لا يوجد له نظير عند غيره- رحمه الله-، وأُلِّف في الأسماء الحسنى الكثير، ونظمت في منظومات، وهذه المنظومات تردد صباحًا مساءً في بعض الأقطار، ولا يُقال: إنَّ في هذا شيئًا، لكن ينبغي أن يكون؛ لأنَّها ليست مما يُتعبد بلفظها، ليست كالقرآن يُتعبد بلفظها، إنَّما المراد بها فهم المعاني، وإحصاء المعاني، وما تدل عليه مما يتعلق بالمكلف، ودعاء الله بها.

أحسن الله إليك.

"وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أنَّ أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى مُنْحَصِرَةٌ فِي هَذَا الْعَدَدِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الْعَدَدِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَصْرٌ لَهَا بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»".

هي التي رُتب عليها هذا الوعد، وهو دخول الجنة وإلا فالأسماء كثيرة جدًّا لا يُمكن إحصاؤها ولا الوقوف على جميعها؛ لأنَّ منها ما علَّمه الله أحد من خلقه فتفرد به، ومنها ما استأثر الله بعلمه كما في الحديث الآتي.

أحسن الله إليك.

"وَهُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، فَالْمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ تَخْتَصُّ بِفَضِيلَةٍ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَسْمَاء الله تَعَالَى، وَهُوَ أَنَّ إحْصَاءَهَا سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.

 وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حَصْرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْم غَيْرَها، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك، أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك، أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقِك، أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك»، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ لَهُ تَعَالَى أَسْمَاءً لَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، بَلْ اسْتَأْثَرَ بِهَا. وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ بَعْضَ عِبَادِهِ بَعْضَ أَسْمَائِهِ، وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّها مِنْ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ.

وَقَدْ جَزَمَ بِالْحَصْرِ فِيمَا ذُكِرَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: قَدْ صَحَّ أَنَّ أَسْمَاءَهُ تَعَالَى لَا تَزِيدُ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ اسمًا؛ لِقَوْلِهِ تعالى: «مِائَةً إلَّا وَاحِدًا» فَنَفَى الزِّيَادَةَ وَأَبْطَلَهَا، ثُمَّ قَالَ: وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ فِي إحْصَاءِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ اسْمًا مُضْطَرِبَةٌ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يؤخذ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ وَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-".

هذا الوعد المكفول في الحديث «من أحصاها دخل الجنة»، وعدد الأسماء الحسنى لا يحصيه إلا الله؛ لأنَّ منها ما استأثر الله بعلمه، ومنها ما خصه ببعض خلقه. فإذا كانت العدة عدة الأسماء أكثر من العدد المرتب عليه هذا الثواب، فمن الذي ينال هذا الثواب؟ أنت افترض أنَّ شخصًا تتبع الكتاب والسُّنَّة، واستخرج منها تسعة وتسعين اسمًا، وجاء آخر وتتبع الكتاب والسُّنَّة، واستخرج منها تسعة وتسعين اسمًا غير ما جنح إليه الأول، وثالث وهكذا؛ لأنَّ العدد أكثر ألا يحتمل أن يكون مثلًا يقف خمسة من أصحاب التتبع والاستقراء على ثلاثمائة اسم مثلًا، يختص كل واحد منها بستين ويزيد مما عند الآخر؟ أو أنَّ المرتب عليه هذا الثواب تسعة وتسعين محددة عند الله- جلَّ وعلا- لا ينال الثواب إلا من وافقها؟ عرفت المقصود؟

أقول: إذا كان عدد الأسماء حقيقتها أكثر بكثير من التسعة والتسعين، خلافًا لما ذهب إليه ابن حزم، نفترض أنَّ خمسة من أهل العلم، أهل الاطلاع الواسع والتتبع والاستقراء عثر مجموعهم على ثلاثمائة اسم، عثر من هذا على تسعين، وهذا على تسعين، واتفقوا في مجموع خمسين، ستين حتى تفرد كل واحد منهم بثلاثين مثلًا، أربعين هل الجميع مصيب لهذا الوعد؟ فيدخل الجنة بإحصائها هذه التسعة والتسعين؛ لأنَّه صحَّ أنَّها من أسمائه- جلَّ وعلا-؟ أو نقول: إنَّ الأسماء التسعة والتسعين المشار إليها في الحديث محددة عند الله- جلَّ وعلا- لا بد من إحصائها وإصابتها إصابة ما عند الله- جلَّ وعلا-، وإلا لم يحصل الوعد؟

الحديث محتمل صحيح، لكن ما اللائق بفضل الله- جلَّ وعلا-؟ ما المقصود أنَّ الإنسان يبذل جهده؟ يعني كإخفاء ليلة القدر، إخفاء ساعة الجمعة كلها من أجل أن يشتغل المكلف بما ينفعه ويتعب على ما يوصله إلى الله- جلَّ وعلا-، اجتهد في ليلة القدر، وقام ليلة ما صارت ليلة القدر، واجتهد غيره فأصابها واجتهد، هذا في إحصاء الأسماء الحسنى ما وافقت ما أشير إليه في الحديث، وبعضهم اجتهد ووافق، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

«إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحد»، يعني هل هذا العدد يحتمل أكثر أو أقل مما رُتب عليه الثواب؟

دعونا مما استأثر الله بعلمه أو اختص به أحدًا من خلقه، يعني ما رُتّب عليه الثواب هل يحتمل أن يكون أكثر من تسع وتسعين؟ بعضهم يقول: مائة، بعضهم يقول: مائة إلا واحد، لكن بعضهم يقول: مائة.

طالب: ..........

يضيفون لفظ الجلالة المسمى بهذه الأسماء التسعة والتسعين يُضاف إلى لفظ الله- جلَّ وعلا- تصير مائة.

طالب: ..........

تقول ما فيه؟

بعضهم يقول: هي مائة والتسعة والتسعين من أسماء هذا الاسم الذي هو الله- جلَّ وعلا-، فإذا أضيف إليها لفظ الجلالة الله صارت مائة، وهذا مأخذ، يعني قد يُستغرب في أول الأمر، لكن إذا حققت ودققت وجدت أنَّه له حظ من النظر، إذا قلت: لزيد عشرة أسماء، أو قلت: لأبي محمد عشر كُنى، الآن زيد واحد منها أو لا؟ ولأبي محمد واحد من هذه الكُنى أو لا؟

طالب: ..........

وزيد؟

طالب: ..........

يعني كل الأسماء العشرة هذه زائدة على زيد؟ أو نقول: إنَّ الاسم عين المسمى في مثل هذه الصورة، فيكون المسمى بهذا الاسم له عشرة أسماء، عشر كُنى، تسع وتسعين اسمًا، فيكون الاسم المذكور الذي هو عين المسمى هذا الاسم من التسعة والتسعين.

طالب: ..........

يكون منها إذا قلنا: الاسم عين المُسمَّى.

طالب: ..........

«إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا» الجملة انتهت، اكتملت، الجملة اكتملت.

طالب: ..........

الجملة «إنَّ لله» جار ومجرور متعلق بالخبر «تسعة وتسعين اسمًا» هذه اسم (إنَّ) اكتملت الجملة، هو يريد أن يجعل أنَّ تسعة وتسعين اسمًا لله من أحصاها، بدون خبر (إنَّ) على كل الأمر سهل.

القارئ: أحسن الله إليك. رأيكم في كتاب....

من هو؟

القارئ: .........

ما أدري، هي الأسماء للخطابي، وفي المقصد الأسنى للغزالي، وللقشيري في كتب للمتقدمين والمتأخرين وللقرطبي، وفي منظومة القول الأسنى في نظم الأسماء الحسنى للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ مجموعة من الكتب كلها تستنبط من الكتاب والسُّنَّة.

أحسن الله إليك.

"ثم قال: وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ فِي إحْصَاءِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ اسْمًا مُضْطَرِبَةٌ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يؤخذ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ، وَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ سَرَدَ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ اسْمًا اسْتَخْرَجَهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. قَالَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّلْخِيصِ: إنَّهُ ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَحَدًا وَثَمَانِينَ اسْمًا، وَاَلَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي كَلَامِ ابْنِ حَزْمٍ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ. وَقَدْ نَقَلْت كَلَامَهُ وَتَعْيِينَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي هَامِشِ التَّلْخِيصِ. وَاسْتَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَطْ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، وَسَرَدَهَا فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بن إبْرَاهِيمَ فِي إيثَارِ الْحَقِّ أَنَّهُ تَتَبَّعَهَا مِنْ الْقُرْآنِ، فَبَلَغَتْ مِائَةً وَثَلَاثًا وَسَبْعِينَ اسْمًا".

ثلاثةَ، وثلاثة.

أحسن الله إليك.

"أَنَّهُ تَتَبَّعَهَا، فَبَلَغَتْ مِائَةً وَثَلَاثَة وَسَبْعِينَ اسْمًا، وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْإِيثَارِ: مِائَةً وَسَبْعَةً وَخَمْسِينَ، فَإِنَّا عَدَدْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا كَمَا قُلْنَاه أَوَّلًا، وَعَرَفْت مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ سَرْدَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمَعْرُوفَةَ مَدْرَجٌ عِنْد الْمُحَقِّقِينَ".

يعني نظمه بعض المحققين، ويردده كثير من المسلمين حتى في الإذاعات يرددونها بأصوات ندية شجية على أنَّه نشيد، مثل هذا لا يترتب عليه ثواب.

أحسن الله إليك.

"وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

وَذَهَبَ كَثِيرُونَ إلَى أَنَّ عددها مَرْفُوعٌ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ فِي ذِكْرِ عَدِّ الْأَسْمَاءِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهَا مَا لَفْظُهُ، وَرِوَايَةُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ هِيَ أَقْرَبُ الطُّرُقِ إلى الصحة، وَعَلَيْهَا عَوَّلَ غَالِبُ مَنْ شَرَحَ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى ثُمَّ سَرَدَهَا عَلَى رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَذَكَرَ اخْتِلَافًا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا وَتَبْدِيلًا فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ لِلَّفْظِ بِلَفْظِ ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:

 الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الِاسْمُ الْعَلَمُ وَهُوَ اللَّهُ، وَالثَّانِي: مَا يَدُلُّ عَلَى الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ لِلذَّاتِ كَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ، وَالثَّالِثُ: مَا يَدُلُّ عَلَى إضَافَةِ أَمْرٍ إلَيْهِ كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ، وَالرَّابِعُ: مَا يَدُلُّ عَلَى سَلْبِ شَيْءٍ عَنْهُ كَالْعَلِيِّ وَالْقُدُّوسِ؛ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ بمعنى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَقَّ مِنْ الْأَفْعَالِ الثَّابِتَةِ لِلَّهِ تَعَالَى اسْمًا بَلْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ إلَّا مَا وَرَدَ بِهِ نَصُّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ".

يعني هذا هو المعروف عند جمهور أهل العلم أنَّها الأسماء توقيفية، ودائرة الصفات أوسع منها، فهي تؤخذ من الأسماء والعكس، والإخبار عن الله- جلَّ وعلا- أوسع، بمعنى أنَّه يجوز أن يُخبر عنه بما يليق به، ولو لم يرد به نص، ولم يؤخذ من صفة فهو أوسع وأضيقها الأسماء.

أحسن الله إليك.

"فَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ: الْمَشْهُورُ عَنْد أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ. وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ".

معلوم أنَّ الأشاعرة يُثبتون الأسماء، والرازي منهم.

"وقالت المعتزلة وَالْكَرَامِيَّةُ: إذَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ".

هذه لابد من الأدلة السمعية، هذه أمور لا تُدرك بعقل، وإنَّما مردَّها إلى السمع.

"وقال القاضي أبو بكر وَالْغَزَالِيُّ: الْأَسْمَاءُ تَوْقِيفِيَّةٌ دُونَ الصِّفَاتِ".

لأنَّ الصفات تؤخذ من الأسماء، والعكس.

"كما قَالَ الْغَزَالِيُّ: كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نُسَمِّيَ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِاسْمٍ لَمْ يُسَمِّهِ بِهِ أَبُوهُ وَلَا أُمُّهُ، وَلَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى".

توسعوا في أسمائه- عليه الصلاة والسلام- وذكروا أشياء جاء ورودها لأدنى مناسبة لا يُقصد بها التسمية جعلوها من الأسماء.

أحسن الله إليك.

"وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ تَعَالَى اسْمٌ أَوْ صِفَةٌ تُوهِمُ نَقْصًا فَلَا يُقَالُ: مَاهِدٌ وَلَا زَارِعٌ وَلَا فَالِقٌ وَإِنْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [سورة الذاريات:48]، {أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [سورة الواقعة:64]، {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [سورة الأنعام:95]، وَلَا يُقَالُ: مَاكِرٌ وَلَا بَنَّاءٌ وَإِنْ وَرَدَ {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [سورة آل عمران:54]، {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا} [سورة الذاريات:47]، وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: الْأَسْمَاءُ تُؤْخَذُ تَوْقِيفًا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، فَكُلُّ اسْمٍ وَرَدَ فِيهَا منها وَجَبَ إطْلَاقُهُ فِي وَصْفِهِ، وَمَا لَمْ يَرِدْ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ صَحَّ مَعْنَاهُ.

وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْبَحْثَ فِي كِتَابِنَا إيقَاظِ الْفِكْرَةِ".

في كتب اللغة يتداوله أهل العلم من غير نكير في تعريف النية بالقصد، يقولون: نواك الله بخير، يعني قصدك، هل مثل هذا يحتاج إلى نص؟ أو نقول: إنَّ هذا مجرد إخبار ومعناه صحيح، ومرادفه صحيح، فلا يحتاج إلى نص، ولا يُنكر مثل هذا؛ لأنَّ الأخبار أوسع، وهذا الذي درج عليه أهل العلم من غير نكير.

أحسن الله إليك.

"وَقَوْلُهُ: «مَنْ أَحْصَاهَا» اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِحْصَاءِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ: مَعْنَاهُ حَفِظَهَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَإِنَّ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مُفَسِّرَةٌ لِلْأُخْرَى، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أَحَدُهَا أَنْ يَعُدَّهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهَا بِمَعْنَى لَا يَقْتَصِرَ عَلَى بَعْضِهَا فَيَدْعُوَ اللَّهَ بِهَا كُلِّهَا، وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِهَا، فَيَسْتَوْعِبَ الْمَوْعُودَ عَلَيْهَا مِنْ الثَّوَابِ. وَثَانِيهَا: مَنْ أَطَاقَ الْقِيَامَ بِحَقِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهَا".

أين؟

وثانيها: الْمُرَادُ بِالْإِحْصَاءِ الْإِطَاقَةُ، وَالْمَعْنَى مَنْ أَطَاقَ الْقِيَامَ بِحَقِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ.. إلخ.

أحسن الله إليك.

"وثانيها: الْمُرَادُ بِالْإِحْصَاءِ الْإِطَاقَةُ، وَالْمَعْنَى مَنْ أَطَاقَ الْقِيَامَ بِحَقِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهَا، وَهُوَ أَنْ يَعْتَبِرَ مَعَانِيَهَا فَيُلْزِمَ نَفْسَهُ بِمُوجِبِهَا، فَإِذَا قَالَ: الرَّزَّاقُ وَثِقَ بِالرِّزْقِ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَسْمَاءِ.

وثَالِثُهَا: الْإِحَاطَةُ بِمَعَانِيهَا".

المراد به.

"وثالثها: الإحاطة بمعانيها".

المراد به الإحاطة بمعانيها.

"وثالثها: المراد به الإحاطة بمعانيها، وَقِيلَ: أَحْصَاهَا عَمِلَ بِهَا، فَإِذَا قَالَ: الْحَكِيمُ، سَلَّمَ لِجَمِيعِ أَوَامِرِهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهَا عَلَى الْحِكْمَةِ، وَإِذَا قَالَ: الْقُدُّوسُ، اسْتَحْضَرَ كَوْنَهُ مُقَدَّسًا مُنَزَّهًا عن جَمِيعِ النَّقَائِصِ، ومنزهًا عن الظلم وعن الرضا بالقبائح وسائر المعاصي، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هو أَنَّ مَا كَانَ يَسُوغُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ..".

 طَرِيقُ الْعَمَلِ بِهَا.

أحسن الله إليك.

"وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: طريق العمل بها هو أَنَّ مَا كَانَ يَسُوغُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَالرَّحِيمِ وَالْكَرِيمِ فَيُمَرِّنُ الْعَبْدُ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يَصِحَّ لَهُ الِاتِّصَافُ بِه، وَمَا كَانَ يَخْتَصُّ بِهِ الله تعالى كَالْجَبَّارِ وَالْعَظِيمِ، فَعَلَى الْعَبْدِ الْإِقْرَارُ بِهَا، وَالْخُضُوعُ لَهَا، وَعَدَمُ التَّحَلِّي بِصِفَةٍ مِنْهَا، وَمَا كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْوَعْيدِ يَقِفُ فِيهِ عِنْدَ الطَّمَعِ وَالرَّغْبَةِ".

الوعد، الوعد.

أحسن الله إليك.

"وما كان فيه معنى الوعد يقف منه عند الطمع والرغبة، وَمَا كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْوَعِيدِ يَقِفُ فيه عِنْدَ الْخَشْيَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ حِفْظَهَا لَفْظًا مِنْ دُونِ اتِّصَافٍ كَحِفْظِ الْقُرْآنِ مِنْ دُونِ عَمَلٍ لَا يَنْفَعُ كَمَا جَاءَ «يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»، وَلَكِنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَره لَا يَمْنَعُ مِنْ ثَوَابِ مَنْ قَرَأَهَا سَرْدًا، وَإِنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَعْصِيَةٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَقَامَ الْكَمَالِ الَّذِي لَا يَقُومُ بِهِ إلَّا أَفْرَادٌ مِنْ الرِّجَالِ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ لَا تَخْلُو عن تَكَلُّفٍ تَرَكْنَاهَا.

فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَتِمُّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حِفْظِهَا عَلَى مَا هُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ، وَلَمْ يَأْتِ بِعَدَدِهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؟

قُلْت: الْمُرَادَ مَنْ حَفِظَ كُلَّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَفِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْجُودُ فِيهِمَا أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ فَقَدْ حَفِظَ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي ضِمْنِهَا، فَيَكُون حَثًّا عَلَى تَطَلُّبِهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَحِفْظِهَا.

وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، الْمَعْرُوفُ الْإِحْسَانُ وَالْمُرَادُ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِ إنْسَانٌ بِأَيِّ إحْسَانٍ، فَكَافَأَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، فَقَدْ أبَلَغَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَبْلَغًا عَظِيمًا، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَافَأَهُ عَلَى إحْسَانِهِ، بَلْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي الثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّ الدُّعَاءَ إذَا عَجَزَ الْعَبْدُ عَنْ الْمُكَافَأَةِ مُكَافَأَةٌ»، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَ الْحَدِيثِ هُنَا غَيْرُ مُوَافِقٍ لِبَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ بَابُ الْأَدَبِ".

لأنَّه ما فيه دلالة على اليمين، ولا على النذر بخلاف الذي قبله، فإنَّ الأسماء الحسنى تنعقد بها اليمين، فهذه مناسبة دخولها في الباب بخلاف هذا.

أحسن الله إليك.

"وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَنْ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ: «إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، هَذَا أَوَّلُ الْكَلَامِ فِي النُّذُور. والنَّذر لُغَةً: الْتِزَامُ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَفِي الشَّرْعِ: الْتِزَامُ الْمُكَلَّفِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا النَّهْيِ، فَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقِيلَ: بَلْ مُتَأَوَّلٌ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: تَكَرُّرُ النَّهْيِ عَنْ النذر فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِأَمْرٍ وَتَحْذِيرٌ عَنْ التَّهَاوُنِ بِهِ بَعْدَ إيجَابِهِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الزَّجْرُ حَتَّى لَا يُفْعَل لَكَانَ فِي ذَلِكَ إبْطَالٌ الحكمة، وَإِسْقَاطٌ لِلُّزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ، إذَ كَانَ بِالنَّهْيِ يَصِيرُ مَعْصِيَةً فَلَا يَلْزَمُ، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ لَا يَجُرُّ لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ نَفْعًا، وَلَا يَصْرِفُ عَنْهُمْ ضُرًّا، وَلَا يَرُدُّ قَضَاءً، فَقَالَ: لَا تَنْذِرُوا عَلَى أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَكُمْ أَوْ يصرف عَنْكُمْ شيئًا، فَإِذَا نَذَرْتُمْ فَأَخْرِجُوا عَنْهُ بِالْوَفَاءِ منه، فَإِنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوهُ لَازِمٌ لَكُمْ اهـ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ نَقْلِ مَعْنَاهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ".

على كل حال هذه المسألة من الغرائب في مسائل العلم، إذ إنَّ الجادة أنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، المقصد هنا واجب، والوسيلة منهيٌ عنها، نهى عن النذر، لكن إذا نذر يجب عليه الوفاء به، إذا كان مما يوفى به ما لم يكن نذر معصية، أو فيما لا يملك ابن آدم على ما سيأتي.

أحسن الله إليك.

"وَقَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ نَقْلِ مَعْنَاهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ: وَهَذَا عِنْدِي بَعِيدٌ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاذِرَ يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ مُسْتَثْقِلًا لَهَا لَمَّا صَارَتْ عَلَيْهِ ضَرْبَةَ لَازِبٍ".

يعني لمـَّا تعينت عليه لا بد أن يأتي به، لا بد أن يفي بنذره.

"فَلَا يَنْشَطُ لِلْفِعْلِ نَشَاطَ مُطْلَقِ الِاخْتِيَارِ، أَوْ لِأَنَّ النَّاذِرَ يُصَيِّرُ الْقُرْبَةَ كَالْعِوَضِ عَنْ الَّذِي نَذَرَ لِأَجْلِهِ، فَلَا تَكُونُ خَالِصَةً، وَيَدُلُّ له قَوْلُهُ: «إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ»، قَالَ عِيَاضٌ: الْمَعْنَى أَنَّهُ لا ينفع في ذلك، وأنَّ النهي لخشية أن يقع في ظن بعض الجهلة في ذلك.

وَقَوْلُهُ: «لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ»".

وقال القاضي عياض: إنَّ المعنى أنَّه يُغَالِبُ الْقَدَرَ، وَالنَّهْيَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَقَعَ فِي ظَنِّ بَعْضِ الْجَهَلَةِ ذَلِكَ، يعني أنَّ له تأثيرًا في القدر، أنَّه إذا نذر يُشفى مريضه، والأمر ليس كذلك.

أحسن الله إليك.

"وقال عياض: المعنى أنَّه يُغَالِبُ الْقَدَرَ، وَأنَّ النَّهْيَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَقَعَ فِي ظَنِّ بَعْضِ الْجَهَلَةِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: «لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ» مَعْنَاهُ أَنَّ عُقْبَاهُ لَا تُحْمَدُ. وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ أو أَنَّهُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِخَيْرٍ لَمْ يُقَدَّرْ فَيَكُونُ مُبَاحًا.

وَذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ- وَنُقِلَ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ- إلَى أَنَّ النَّذْرَ مَكْرُوهٌ؛ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَيْسَ طَاعَةً مَحْضَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ خَالِصَ الْقُرْبَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا ضَرَرًا بِمَا الْتَزَمَ. وَجَزَمَ الْحَنَابِلَةُ بالكراهة، وَعِنْدَهُمْ رِوَايَةٌ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ كَرَاهَتَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يُكْرَهُ النَّذْرُ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَإِنْ نَذَرَ بِالطَّاعَةِ وَوَفَّى بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ. وَذَهَبَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إلَى أَنَّ النَّذْرَ مُسْتَحَبٌّ".

يعني بناءً على أنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، كيف يُوجب النذر، يوجب الوفاء به، ومع ذلك تُكره وسيلته؟ فجاء الباب واحدًا ماشٍ على جادة، مادام الوفاء بالنذر واجبًا، فإبرامه أقل أحواله يكون مستحبًّا.

أحسن الله إليك.

"وذهب النووي في ذرح المهذَّب إلى أنَّ النذر مستحب، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَنَا أَتَعَجَّبُ مِمَّنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ مَعَ ثُبُوتِ النَّهْيِ الصَّرِيحِ فَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: النَّذْرُ شَبِيهٌ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، لَكِنَّهُ مِنْ الْقَدَرِ، وَقَدْ ندب إلَى الدُّعَاءِ وَنَهَى عَنْ النَّذْرِ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ عَاجِلَةٌ، وَيَظْهَرُ بِهِ التَّوَجُّهُ إلَى اللَّهِ وَالْخُضُوعُ وَالتَّضَرُّعُ، وَالنَّذْرُ فِيهِ تَأْخِيرُ الْعِبَادَةِ إلَى حِينِ الْحُصُولِ، وَتَرْكُ الْعَمَلِ إلَى حِينِ الضَّرُورَةِ اهـ.

قُلْت: الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ النَّذْرِ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَيَزِيدُهُ تَأْكِيدًا تَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ «لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ» فَإِنَّهُ يَصِيرُ إخْرَاجُ الْمَالِ فِيهِ مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ مُحَرَّمَةٌ، فَيَحْرُمُ النَّذْرُ بِالْمَالِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: «وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ»، وَأَمَّا النَّذْرُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الطَّاعَاتِ، فَلَا تَدْخُلُ فِي النَّهْيِ. وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الطبري بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [سورة الإنسان:7]."

عندك ما أخرجه؟

القارئ: الطبري يا شيخ.

الطبراني.

القارئ: عندي بالأصل الطبراني في الحاشية.

وبعد؟

القارئ: وهو خطأ، الصحيح ما أثبتناه كما ورد في الفتح، والأثر أخرجه الطبري في تفسيره.

نعم.

أحسن الله إليك.

"فِي قَوْله: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [سورة الإنسان:7]، قَالَ: كَانُوا يَنْذِرُونَ طاعة مِنْ الصَّلَاةِ وَسَائِرِ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تعالى عَلَيْهِمْ، وَهُوَ إِنْ كَانَ أَثَرًا فَهُوَ يُقَوِّيهِ مَا ذُكِرَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ. هَذَا وَأَمَّا النُّذُورُ الْمَعْرُوفَةُ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ عَلَى الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ وَالْأَمْوَاتِ فَلَا كَلَامَ فِي تَحْرِيمِهَا؛ لِأَنَّ النَّاذِرَ يَعْتَقِدُ فِي صَاحِبِ الْقَبْرِ أَنَّهُ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ، وَيَجْلِبُ الْخَيْرَ، وَيَدْفَعُ الشَّرَّ، وَيُعَافِي الْأَلِيمَ.."

إذا اعتقد ذلك أشرك، نسأل الله العافية.

"وَيَشْفِي السَّقِيمَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ عِبَادُ الْأَوْثَانِ بِعَيْنِهِ فَيَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ النَّذْرُ عَلَى الْوَثَنِ، وَيَحْرُمُ قَبْضُهُ؛ لِأَنَّهُ تَقْرِيرٌ عَلَى الشِّرْكِ، وَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ وَإِبَانَةُ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَنَّهُ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ، لَكِنْ طَالَ الْأَمَدُ حَتَّى صَارَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، وَصَارَتْ تُعتقد الولايات لِقِبَاضِ النُّذُورِ.."

تُعْقَدُ اللِّوَاءَاتُ.

أحسن الله إليك.

"تُعْقَدُ اللِّوَاءَاتُ لِقِبَاضِ النُّذُورِ عَلَى الْأَمْوَاتِ، وَيُجْعَلُ لِلْقَادِمِينَ إلَى مَحَلِّ الْمَيِّتِ الضِّيَافَاتُ، وَيُنْحَرُ فِي بَابِهِ النَّحَائِرُ مِنْ الْأَنْعَامِ، وَهَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا فِي رِسَالَةِ تَطْهِيرِ الِاعْتِقَادِ عَنْ دَرَنِ الْإِلْحَادِ، وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي النَّهْيِ عَنْ النَّذْرِ مُطْلَقًا مَا يُنْذَرُ بِهِ ابْتِدَاءً كَمَنْ يَنْذِرُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ كَذَا، وَمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ مُعَلَّقًا كَأَنْ يَقُولُ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ تَصَدَّقْت بِكَذَا.

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ «إذَا لَمْ يُسَمِّهِ» وَصَحَّحَهُ.

 ولمسلم.."

وعن عقبة.

القارئ: ثانيًا يا شيخ؟

نعم، عن عقبة بن عامر الحديث.

"وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ: «إذَا لَمْ يُسَمِّهِ»، وَصَحَّحَهُ".

إن نذر نذرًا مطلقًا يكفي أن يُكفِّر كفارة يمين، أو نذر شيئًا لا يطيقه، ولا يقدر عليه، يُكفِّر بكفارة يمين.

"ولمسلم من حديث عمران «لا وفاء لنذر في معصية»، الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ بِأَيِّ نَذْرٍ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ فِي رَجُلٍ جَعَلَ مَالَهُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةً، قَالَتْ: "كَفَّارَةُ يَمِينٍ"، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ صَفِيَّةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-"

عمن؟

 أم صفية، ماذا عندكم؟

طالب: ..........

نعم.

أحسن الله إليك.

"وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أمِّ صَفِيَّةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَإِنْسَانٌ يَسْأَلُهَا عَنْ الَّذِي يَقُولُ: كُلُّ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ كُلُّ مَالِهِ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ مَا يُكَفِّرُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: "يُكَفِّرهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ".

وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا فِي غَيْرِ الْعِتْقِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الْعَتَاقَ يَقَعُ، وكذا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.."

نعم؛ لأنَّ الشرع يتشوَّف إلى العتق، وجعله كفارة لكثير مما يقع من العقود المبرمة بين العبد وبين ربه، جعل كفارته عتق؛ لأنَّ الشرع يتشوَّف إليه.

"وَدَلِيلُهُمْ حَدِيثُ عُقْبَةَ هَذَا. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى تَفْصِيلٍ فِي الْمَنْذُورِ بِهِ،.."

تفاصيل.

أحسن الله إليك.

"وذهب بعضهم إلى تفاصيل في المنذور به، فَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ بِهِ فِعْلًا فَالْفِعْلُ إنْ كَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عليه فَهُوَ غير مُنْعَقِدٌ، وَإِنْ كَانَ مَقْدُورًا فَإِنْ كَانَ جِنْسُهُ وَاجِبًا لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ، وعند آخَرِينَ، وَقَوْلُ للشَّافِعِيِّ.."

وجماعة آخرين.

القارئ: وعند.

لا، عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ.

"وَإِنْ كَانَ مَقْدُورًا فَإِنْ كَانَ جِنْسُهُ وَاجِبًا لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ، وعند آخرين.."

لا لا، وجماعة آخرين فقط، وقول الشافعي: إنَّه لا ينعقد.. إلخ.

"وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ، بَلْ يَكُونُ يَمِينًا يُكَفِّرُهَا، ذُكِرَ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْبَحْرِ، وَذَهَبَ دَاوُد وَأَهْلُ الظَّاهِرِ. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ وَوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِ إذَا كَانَ الْمُلْتَزَمُ طَاعَةً فَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحًا كَدُخُولِ السُّوقِ لَمْ يَنْعَقِدْ النَّذْرُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.

 وَقَالَ أَحْمَدُ: وَطَائِفَةٌ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَفي بداية الْمُجْتَهِدِ: إنَّهُ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ بِالْمَالِ إذَا كَانَ فِي سَبِيلِ الْبِرِّ.."

عندك الكتاب: في نهاية المجتهد، مرَّ بنا مرارًا أنَّ صحة اسمه بداية المجتهد ونهاية المقتصد.

أحسن الله إليك.

"وقال في بداية المجتهد: إنَّهُ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ بِالْمَالِ إذَا كَانَ فِي سَبِيلِ الْبِرِّ، وَكَانَ عَلَى جِهَةِ الْجَزْمِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ فَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُ كَالْجَزْمِ، وَلَا كَفَّارَةَ يَمِينٍ فِي ذَلِكَ".

يعني إن حصل كذا فعليَّ كذا، نعم.

أحسن الله إليك.

"إلَّا أَنَّهُ إذَا نَذَرَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لَزِمَ ثُلُثُ مَالِهِ إذَا كَانَ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ مُعَيِّنًا.."

كما قال النبي- عليه الصلاة والسلام-: «الثلث، والثلث كثير».

"وإن كان معينًا الْمَنْذُورَ بِهِ لَزِمَهُ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعَ مَالِهِ.

وَكَذَا إذَا كَانَ الْمُعَيَّنُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا تَجِبُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ أَلْحَقَهَا بِالْأَيْمَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَقَاوِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا يَنْهَضُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ، وَذَكَرَ مُتَمَسَّكَ الْقَائِلِينَ بِأَدِلَّةِ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ النَّذْرِ، وَلَا تَنْطَبِقُ عَلَى الْمُدَّعِي. وَحَدِيثُ عُقْبَةَ أَحْسَنُ مَا يَعْتَمِدُ النَّاظِرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ حَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّذْرِ، وَقَالُوا: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَنْذُورَاتِ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ اليَمِينٍ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ إطْلَاقُ حَدِيثِ عُقْبَةَ."

وقوله: "مخير في جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة يمين"، يقول: "وهو الذي دل عليه إطلاق حديث عقبة" أنَّ النذر يكفر بكفارة يمين على أي حال كان، لا يتعلق ذلك بما كان غير مقدور عليه، إذا كان غير مقدور عليه فهذا ما فيه إشكال، أو كان نذر معصية أو شيء لا يُمكن تحقيقه فإنَّه يُكفِّر كفارة يمين، وهي البديل، وإذا كان مما يُطاق ويُستطاع تحقيقه فلا بد من تحقيقه، لكن المصنف مال إلى أنَّه يُكفر بكفارة يمين، وهو الذي دل عليه إطلاق حديث عقبة.

أحسن الله إليك.

طالب: ..........

منهم من يقول: إذا نذر معصية فالنذر تحقق، لكن لا يتحقق الوفاء به إبرامه للنذر حصل، لكنَّ الوفاء ممنوع منه، فيعدل إليه إلى البدل أو كفارة اليمين.

أحسن الله إليك.

لو كفَّر كفارة يمين تحل هذا النذر وتكفر هذه المعصية التي نذر أن يرتكبها ما بَعُد.

طالب: .........

لا، منهم من يقول: إنَّ النذر ما انعقد، يعني كما لو نذر أن يصوم يوم العيد، منهم من يقول: يلزمه أن يصوم، لكن الوفاء متعذر، فيعدل عنه إلى غيره.

طالب: ..........

وما هو؟

طالب: ..........

أي في حديث عقبة أنَّه كله لا تقع هذا عنده.

"وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- مَرْفُوعًا: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ..»".

نعم، بناءً على أنَّ النذر انعقد، لكن لا يُمكن تحقيقه بارتكاب المعصية، فيُعدل عنه إلى البدل.

" «وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ رَجَّحَ الْحُفَّاظُ وَقْفَهُ على ابن عباس من قوله. أَمَّا النَّذْرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ كَأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ. فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لَا غَيْرُ، وَعَلَيْهِ دَلَّ حَدِيثُ عُقْبَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَمَّا النَّذْرُ بِالْمَعْصِيَةِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ سَوَاءٌ فَعَلَ الْمَعْصِيَةَ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا كَطُلُوعِ السَّمَاءِ وَحَجَّتَيْنِ فِي عَامٍ فَلَا يَنْعَقِدُ وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ ودَاوُد وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ما أَخْرَجَه الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ»."

بناءً على أنَّ النذر لم ينعقد أصلًا، لم ينعقد؛ لأنَّه منهيٌ عنه، وهذا مثل ما لو حلف أو نذر أن يصوم يوم العيد منهم من يقول: إنَّ المحل ليس قابلًا، فلا يجوز نذره ولا اليمين عليه، فلا يلزم الوفاء به ولا كفارة له؛ لأنَّه لم ينعقد أصلًا.

"مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً وَحَدِيثُ عُمَرَ «لَا يَمِينَ عَلَيْك وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَابْنُ حَنْبَلٍ إلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-.

 وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»، فَقَدْ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَلَكِنَّ فِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيَّ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَلَهُ طريق أُخْرَى فِيهَا عِلَّةٌ، وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِيهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِيهِ أَيْضًا مَتْرُوكٌ.

 وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ؛ لِقَوْلِهِ: «فَلَا يَعْصِهِ»".

لا يكفي أن نقول: لا يلزم الوفاء، بل نقول: لا يجوز الوفاء بالنذر؛ لأنَّه يتضمن ارتكاب المعصية، والمعصية لا يجوز ارتكابها، فلا يجوز الوفاء بهذا النذر.

أحسن الله إليك.

"وَلِمَا يُفِيدُهُ حَدِيثِ عِمْرَانَ «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ» فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْوَفَاءِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ".

وهو عند مسلم.

"وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ- رضي الله عنه- قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاسْتَفْتَيْته فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. وَلِأَحْمَدَ وَالْأَرْبَعَةُ فَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِك شَيْئًا مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ، وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ لِغَيْرِ عَجْزٍ، وَإِلَيْهِ.."

لأنَّ التعب لا يُقصد لذاته، المشقة غير مقصودة لذاتها شرعًا، إنَّما يؤجر عليها الإنسان إذا جاءت تبعًا لعبادة. أمَّا إذا جاءت استقلالًا فلا قيمة لها، إنَّ الله- جلَّ وعلا- غني عن تعذيب هذا نفسه، أو عن شقاء هذه المرأة.

أحسن الله إليك.

"وله أن يركب لغير عجز، وإليه ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرُّكُوبُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ، فَإِذَا عَجَزَ جَازَ لَهُ الرُّكُوبُ، وَلَزِمَهُ دَمٌ، مُسْتَدِلِّينَ بِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: فإنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، وَإِنَّهَا لَا تُطِيقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِك فَلْتَرْكَبْ، وَلْتُهْدِ بَدَنَةً»، قَالُوا: فَتَقْيِيدُ رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ، وَلْتَمْشِ إنْ اسْتَطَاعَتْ وَتَرْكَبْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا تُطِيقُ الْمَشْيَ فِيهِ أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهَا.

 وَقَوْلُهُ: «فَلْتَخْتَمِرْ» ذَكَرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ لِلَّهِ مَاشِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، قَالَ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ.."

وهذا نذر معصية إذا كانت بحضرة الرجال الأجانب فهذه معصية.

"قَالَ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «مُرْهَا..» الْحَدِيثَ، وَلَعَلَّ الْأَمْرَ بِصِيَامِ ثلاثة أَيَّامٍ لِأَجْلِ النَّذْرِ بِعَدَمِ الِاخْتِمَارِ فَإِنَّهُ نَذْرٌ بِمَعْصِيَةٍ، فَوَجَبَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي النَّذْرِ بِمَعْصِيَةٍ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ فِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافًا، وَقَدْ ثَبَتَ إهداء البدنة فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: «فَلْتَرْكَبْ، وَلْتُهْدِ بَدَنَةً»، قيل: وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْأَمْرُ بِالْإِهْدَاءِ، فَإِنْ صَحَّ فهو أَمْرُ نَدْبٍ، وَفِي وَجْهِهِ خَفَاءٌ."

نعم، لحظة.

طالب: ..........

لكنه تبعًا للعبادة، لكن لو راح إلى مسجد أفضل المساجد ومشى لمَّا وصل باب المسجد فرجع، يؤجر أم ما يؤجر؟ لكنها تابعة للعبادة لها أجرها المرتب عليها.

طالب: ........

ماذا فيه؟

طالب: ..........

نعم، لا فرق بين أن تمشي وتركب؛ لأنَّه لم يرد في النصوص تفضيل المشي على الركوب والعكس، والمسألة خلافية بين أهل العلم، منهم من قال: المشي أفضل؛ لأنَّه قُدِّم، {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [سورة الحج:27]، ومنهم من قال: الركوب أفضل؛ لأنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- حج راكبًا، والمسألة مسألة إباحة لا يُرتب عليها أجر.

أحسن الله إليك.

"وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ فَقَالَ: «اقْضِهِ عَنْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا هُوَ النَّذْرُ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ البخاري: أَفَيُجْزِئُ عنها أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا فَقَالَ: «أَعْتِقْ عَنْ أُمِّك»، فَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا نَذَرَتْ بِعِتْقِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ- رضي الله عنها- قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ..".

عنه.

"وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْت: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَقْيُ الْمَاءِ» فَإِنَّهُ فِي أَمْرٍ آخَرَ غَيْرِ الْفُتْيَا؛ إذْ هنا فِي سُؤَالِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ الصَّدَقَةِ تَبَرُّعًا عَنْهَا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مَا فُعِلَ إليه مِنْ بَعْدِهِ مِنْ عتاقة أو صَدَقَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وفيما قرُب.

وَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْوَارِثِ؟ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ أَنْ يَقْضِيَ النَّذْرَ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مَالِيًّا وَلَمْ يَخْلُفْ تَرِكَةً، وَكَذَا غَيْرُ الْمَالِيِّ، وَقَالَتْ الظَّاهِرِيَّةُ: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ سَعْدٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ سَعْدٍ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَالظَّاهِرُ مَعَ الظَّاهِرِيَّةِ؛ إذ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ."

وإذا نذر أن يصوم يعني يستحب لوليه أن يفي، «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، هو محمول على النذر عند جمع من أهل العلم.

طالب: ..........

لو ترك مالًا يتعين أن يُصام عنه من ماله.

أحسن الله إليك.

"وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ" هُوَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْأَشْهَلِيُّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو قِلَابَةَ وَغَيْرُهُ، "قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ" بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبفَتْحِهَا بَعْدَ (الْأَلِفِ) (نُونٌ)، مَوْضِعٌ بِالشَّامِ، وَقِيلَ: أَسْفَلَ مَكَّةَ دُونَ يَلَمْلَمَ.

"فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ»، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِك»"

فكل هذا فرارًا من مشابهة المشركين، والاقتداء بهم في أفعالهم.

"فقال: لا، فقال: «أَوْفِ بِنَذْرِك فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كَرْدَمٍ، بِفَتْحِ (الْكَافِّ) وَسُكُونِ (الرَّاءِ) وَفَتْحِ (الدَّالِ) الْمُهْمَلَةِ. عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْحَدِيثُ لَهُ سَبَبٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْت إنْ وُلِدَ لِي وَلَدٌ ذَكَرٌ أَنْ أَذْبَحَ عَلَى رَأْسِ بُوَانَةَ- فِي عَقَبَةٍ مِنْ الصَّاعِدَةِ- عَنْهُ.. الْحَدِيثَ".

 وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ أو يَأْتِيَ بِقُرْبَةٍ فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْهَادَوِيَّةِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ لِغَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ اهـ. وَلَكِنَّهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ»، فَيَكُونُ قَرِينَةً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ هُنَا لِلنَّدْبِ كَذَا قِيلَ، وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا حديث جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْك مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: «صَلِّ هَاهُنَا»، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «صَلِّ هَاهُنَا»، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «فَشَأْنُكَ إذَنْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، َصَحَّحَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الِاقْتِرَاحِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَكَانُ فِي النَّذْرِ- وَإِنْ عُيِّنَ- إلَّا نَدْبًا."

اللهم إلا إذا كان تعيين في مكان أفضل من غيره مطلقًا فلا يجوز فيما دونه، من نذر أن يعتكف في المسجد الحرام مثلًا لا يكفي أن يعتكف في غيره، من نذر أن يعتكف في المسجد النبوي أجزأه إذا اعتكف في المسجد الحرام؛ لأنَّه أفضل ولا عكس، وهكذا.

أحسن الله إليك.

"وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثِة مَسَاجِدَ، مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي آخِرِ بَابِ الِاعْتِكَافِ، وَلَعَلَّهُ أَوْرَدَهُ هَاهُنَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ النَّذْرَ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَكَانُ إلَّا إلى أحد الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ. وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى لُزُومِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ بِالصَّلَاةِ فِي أَيِّ الثَّلَاثَةِ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ مَحَلٍّ شَاءَ، وَإِنَّه يَجِبُ عِنْدَهُ الْمَشْيُ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إذَا كَانَ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى عَدَمِ لُزُومِ الْوَفَاءِ لَوْ نَذَرَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا إلَّا نَدْبًا، وَأَمَّا شَدَّ الرِّحَالِ لِلذَّهَابِ إلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ، وَالْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: إنَّهُ حَرَامٌ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إلَى اخْتِيَارِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ:.."

نعم، والذي يدل عليه الحديث: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثِة مَسَاجِدَ»، والمسألة فيها كلام طويل لأهل العلم بين شيخ الإسلام وبين خصومه، وألفت فيه كتب، ولا شك أنَّ شد الرحال إلى المشاهد وإلى القبور وزيارة المشاهد كلها من وسائل الغلو الذي جاء النهي عنه.

"قال النووي: وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ. قَالُوا: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْفَضِيلَةَ التَّامَّةَ إنَّمَا هِيَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إلَى الثَّلَاثَةِ خَاصَّةً وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي آخِرِ بَابِ الِاعْتِكَافِ.

وَعَنْ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.."

لحظة لحظة.

طالب: ..........

هذا النووي، النووي نعم.

طالب: .........

لا يحرم، نعم، أبو محمد الجويني.

طالب: ........

أبوه، أـبوه، إمام الحرمين أبو المعالي، وأبوه أبو محمد، نعم.

"وَعَنْ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: "فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً".

دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ بِهِ إذَا أَسْلَمَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ مِنْ الْكَافِرِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّقَرُّبُ بِالْعِبَادَةِ".

لأنَّه نوع من أنواع العبادة، النذر من أنواع العبادة التي لا يصرف إلا لله- جلَّ وعلا-، فلا تنعقد من الكافر كحجه وصيامه وغير ذلك.

"قَالَ: وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَهِمَ مِنْ عُمَرَ- رضي الله عنه- أَنَّهُ سَمَحَ بِفِعْلِ مَا كَانَ نَذَرَ فَأَمَرَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ طَاعَةٌ وَلَيْسَ هُوَ مَا كَانَ نَذَرَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إنَّمَا أَمَرَ بِهِ اسْتِحْبَابًا، وَإِنْ كَانَ الْتِزَامُهُ فِي حَالٍ لَا يَنْعَقِدُ فِيهَا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَوْفَقُ بِالْحَدِيثِ وَالتَّأْوِيلُ تَعَسُّفٌ".

يعني أنَّه يلزم الوفاء به إذا أسلم، يعني في ذمته دين حتى يُسلم أو يموت على كفره، فلا إشكال في كونه لا يفي بنذره إذا مات على كفره، لكن إذا أسلم يلزمه الوفاء به.

"وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ؛ إذ اللَّيْلُ لَيْسَ ظَرْفًا لَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ "يَوْمًا وَلَيْلَةً"، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الصَّوْمِ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «اعْتَكِفْ وَصُمْ» وَهُوَ ضَعِيفٌ."

والله أعلم.

 وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 وهذا آخر الدروس بالنسبة لهذا الوقت إلى الأسبوع الثاني- إن شاء الله تعالى- من الفصل الثاني.

طالب: ..........

نعم.

طالب: ..........

هو تسلف له من أجل إيش؟

 علاج؟

طالب: .........

على كل حال هي له ولورثته، استحقها بميراثه تركة.