هدي النبي في رمضان (24)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

إخوتنا المستمعين الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم إلى لقاء جديد يجمعنا بفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير وفقه الله، فحيا الله فضيلته وأهلاً وسهلاً به معنا في هذا اللقاء، حياكم الله يا شيخ عبد الكريم.

حياكم الله وبارك فيكم.

أيها الإخوة المستمعون الكرام: في هذا الشهر الفضيل الذي تتنوع فيه أنواع من العبادات الفاضلة التي حري بالمؤمن أن يتقلب فيها ومن ضمن هذه الأعمال الفاضلة العمرة في هذا الشهر الكريم حبذا يا شيخ عبد الكريم لو تفضلتم ببيان فضل العمرة في رمضان وترغيب الإخوة المستمعين لهذا العمل الفاضل.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد روى الإمام البخاري وغيره من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس «ما منعك أن تحجي معنا؟» قالت كان لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه لزوجها وابنها وترك ناضحًا ننضح عليه قال «فإذا كان رمضان اعتمري فيه، فإن عمرة في رمضان حجة» أو نحوًا مما قال وفي رواية عند البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما رجع النبي -عليه الصلاة والسلام- من حجته قال لأم سنان الأنصارية «ما منعك من الحج؟» قالت أبو فلان تعني زوجها كان له ناضحان حج على أحدهما والآخر يسقي أرضًا لنا قال «فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي»، يقول ابن العربي: حديث العمرة في رمضان صحيح وهو فضل من الله ونعمة فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها بانضمام رمضان إليها، وقال ابن خزيمة: في هذا الحديث أن الشيء يشبه بالشيء ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها؛ لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر؛ لأنه قد يستشكل مثل هذا الحديث يستشكله بعض الناس، ويقول: هل تجزيء هذه الحجة التي هي بسبب العمرة في رمضان؛ لأن العمرة في رمضان تعدل حجة وتقضي حجة، هل معنى هذا أنها تسقط الفرض أو النذر؟ يقول ابن خزيمة: في هذا الحديث أن الشيء يشبه بالشيء ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها؛ لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر، ونقل الترمذي عن إسحاق بن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء نظير ما جاء أن الإخلاص: ١  تعدل ثلث القرآن، يعني التشبيه من بعض الوجوه لا يعني التشبيه من سائر الوجوه، سمعنا أن من قام ليلة القدر وأنها تعدل القدر: ٣  ليس معنى هذا أنه يترك عبادة ثلاث وثمانين سنة اعتمادًا على أنه أدرك ليلة القدر لا، التفضيل والمفاضلة من وجه لا تعني التفضيل من جميع الوجوه، ومثله من قرأ الإخلاص: ١  ثلاث مرات لا يعني أنه أن أجره مثل أجر من ختم القرآن كاملاً مثله أيضًا تشبيه رؤية الباري -عز وجل- برؤية القمر ليلة البدر تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي ومثله أيضًا تشبيه السجود على اليدين بقوة لبروك البعير لا يعني أن من يقدم أو يضع يديه على الأرض مجرد وضع بدون قوة بدون إثارة للغبار وتفريق للحصى أنه حينئذٍ يكون مشبهًا للبعير، المقصود أنه إن وجد الشبه من وجه لا يعني أنه يوجد من جميع الوجوه، ابن القيم -رحمه الله تعالى- وهو يقرر أن عمَر النبي -عليه الصلاة والسلام- الأربع كلها كانت في أشهر الحج وأن هذه مخالفة لهدي المشركين فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ويقولون هي من أفجر الفجور يقول: وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضل منه في رجب بلا شك، وفي المسألة حديث ابن عمر وأن النبي -عليه الصلاة والسلام- اعتمر في رجب وردت عليه عائشة -رضي الله عنها- استدركت عليه وقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن كما في الصحيح ما اعتمر النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا وهو شاهد وما اعتمر في رجب قط، المقصود أن عمر النبي -عليه الصلاة والسلام- كلها في القعدة يقول وأما المفاضلة بينه يعني بين العمرة في أشهر الحج وبين الاعتمار في رمضان فموضع نظر فقد صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه أمر أم معقل لما فاتها الحج معه أن تعتمر في رمضان وأخبرها أن عمرة في رمضان تعدل حجة وأيضًا فقد اجتمع في عمرة رمضان أفضل الزمان وأفضل البقاع ولكن الله لم يكن ليختار لنبيه -صلى الله عليه وسلم- في عمره إلا أولى الأوقات وأحقها بها فكانت العمرة في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره وهذه الأشهر قد خصها الله تعالى بهذه العبادة وجعلها وقتًا لها والعمرة حج أصغر فأولى الأزمنة فأولى الأزمنة بها أشهر أشهر الحج وذو القعدة أوسطها، يقول وهذا مما نستخير الله فيه فمن كان عنده فضل علم فليشد إليه يعني ابن القيم -رحمه الله- توقف في تفضيل عمرة رمضان على العمرة في أشهر الحج على العمرة في أشهر الحج؛ لأن عمر النبي -عليه الصلاة والسلام- كلها في القَعدة وهو من أشهر الحج فهذا التوقف من ابن القيم -رحمه الله تعالى- بين قوله -عليه الصلاة والسلام- وبين فعله بين قوله -عليه الصلاة والسلام- وبين فعله ففعله يدل على تفضيل العمرة في أشهر الحج وقوله يدل على تفضيل العمرة في رمضان، يقول وقد يقال أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يشتغل في رمضان من العبادات بما هو أهم من العمرة ولم يكن يمكنه الجمع بين تلك العبادات وبين العمرة فأخّر العمرة إلى أشهر الحج ووفر نفسه على تلك العبادات في رمضان مع ما في ترك ذلك من الرحمة بأمته والرأفة بهم فإنه لو اعتمر في رمضان لبادرت الأمة إلى ذلك وكان يشق عليها الجمع بين العمرة والصوم وربما لا تسمح أكثر النفوس بالفطر في هذه العبادة حرصًا على تحصيل العمرة وصوم رمضان فتحصل فتحصل المشقة فأخرها إلى أشهر الحج وقد كان يترك كثيرًا من العمل وهو يحب أن يعمله خشية المشقة عليهم، ومن ذلكم أنه لما دخل البيت الكعبة خرج منه -عليه الصلاة والسلام- حزينًا فقالت له عائشة في ذلك فقال «إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي» وهَمَّ -عليه الصلاة والسلام- أن يستسقي مع سقاة زمزم للحاج فخاف أن يغلب أهلها على سقايتهم بعده والله أعلم، هذه المشقة التي أشار إليها ابن القيم بسبب الحاصلة بسبب الجمع بين الصيام والعمرة هذه المشقة، كيف لو أدرك ابن القيم الزحام الذي يوجد الآن في المسجد الحرام في رمضان ناهيك عن العشر الأخير يعني لو لو لا شك أن لو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- فعل مع قوله لتقاتل الناس على العمرة في رمضان ولكن من رأفته ورحمته -عليه الصلاة والسلام- بأمته وشفقته عليهم حثهم على ذلك مجرد حث وبين فضلها دون الفعل، يعني لو توافر أو تظافر الفعل مع القول لتقاتل الناس على العمرة في هذا الوقت، وهذا من فضّل الله -عز وجل- ومن رحمته -عليه الصلاة والسلام- بأمته وشفقته عليهم، على أن بعض المتقدمين كسعيد بن جبير قال لا نعلم هذا إلا لهذه المرأة وحدها يعني كون العمرة في رمضان تعدل حجة هذا خاص بهذه المرأة، لكن أهل العلم يقررون أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا الفضل للأمة كلها وفضل الله واسع ووقع عند أبي داود من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن أم معقل في آخر حديثها قال فكانت تقول الحج..، الحج حجة، والعمرة عمرة، وقد قال هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لي فما أدري ألي خاصة تعني أو للناس عامة انتهى، لكن الظاهر حمله على العموم هذا هو الأصل الظاهر حمله على العموم، مثل ما تقرر عند أهل العلم قاطبة أن العبرة بعموم اللفظ وإن كان السبب خاصًّا.

 

أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ ونفع بما قلتم إنه سميع مجيب، أيها الإخوة المستمعون الكرام بهذه الكلمات نصل إلى ختام هذه الحلقة وسنكمل -إن شاء الله تعالى- مع فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير ما يمكن أن يورد في هذا الموضوع حول العمرة وفضلها في حلقة مقبلة -بإذن الله تعالى-، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

"