التعليق على تفسير القرطبي - سورة المجادلة (03)

عنوان الدرس: 
التعليق على تفسير القرطبي - سورة المجادلة (03)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير القرطبي
تاريخ النشر: 
جمعة 21/ ربيع الأول/ 1440 6:15 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-: "قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 5] لَمَّا ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ الْوَاقِفِينَ عِنْدَ حُدُودِهِ ذَكَرَ الْمُحَادِّينَ الْمُخَالِفِينَ لَهَا. وَالْمُحَادَّةُ: الْمُعَادَاةُ وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْحُدُودِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}..."

المحادة هي مخالفةٌ مع نوع معاندة، فإن مجرد المخالفة قد لا تكون محادة بمفردها، لكن إذا صحبها نوع معاندة صارت محادة ومشاقة، نسأل الله العافية.  

"وَقِيلَ: يُحَادُّونَ اللَّهَ أَيْ : أَوْلِيَاءَ اللَّهِ كَمَا فِي الْخَبَرِ: «مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ»." 

واللفظ المشهور: «من عادى لي وليًا»... مخرج «مَنْ أَهَانَ»؟ معروف «من عادى لي وليًا»، لكن ما يمنع أن يكون لفظ محفوظا.

"وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمُحَادَّةُ أَنْ تَكُونَ فِي حَدٍّ يُخَالِفُ حَدَّ صَاحِبِكَ. وَأَصْلُهَا الْمُمَانَعَةُ، وَمِنْهُ الْحَدِيدُ، وَمِنْهُ الْحَدَّادُ لِلْبَوَّابِ."

لأنه يمنع من الدخول.

"{كُبِتُوا} [المجادلة: 5] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَخْفَشُ: أُهْلِكُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: اخْزُوا كَمَا أُخْزِيَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: عُذِّبُوا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لُعِنُوا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: غِيظُوا يَوْمَ الْخَنْدَقِ. وَقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ. وَالْمُرَادُ: الْمُشْرِكُونَ. وَقِيلَ: الْمُنَافِقُونَ {كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [المجادلة: 5] وَقِيلَ: كُبِتُوا أَيْ: سَيُكْبَتُونَ، وَهُوَ بِشَارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ، وَأُخْرِجَ الْكَلَامُ بِلَفْظِ الْمَاضِي تَقْرِيبًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ. "

أو لتحقق وقوعه، يعبر عن أن استقبال بالماضي لتحقق وقوعه، كما في قوله –جل وعلا-: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1].

"وَقِيلَ: هِيَ بِلُغَةِ مَذْحِجٍ {وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [المجادلة: 5] فِيمَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فِيمَا فَعَلْنَا بِهِمْ {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [المجادلة: 5] قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ نُصِبَ بِعَذَابٌ مُهِينٌ أَوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وَاذْكُرْ؛ تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ {يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} [المجادلة: 6] أَيِ: الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ."

يعني متعلق الظرف، إما أن يكون متعلقٌ بعذاب مهين يوم، عذابهم مهين في ذلك اليوم، أو يقدر كما يقدر في نظائره، عند كثير من المفسرين يقدرون: اذكر يوم.

"أَيِ: الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، يَبْعَثُهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ {فَيُنَبِّئُهُمْ} [المجادلة: 6] أَيْ: يُخْبِرُهُمْ بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا {أَحْصَاهُ اللَّهُ} [المجادلة: 6] عَلَيْهِمْ فِي صَحَائِفِ أَعْمَالِهِمْ {وَنَسُوهُ} هُمْ حَتَّى ذَكَّرَهُمْ بِهِ فِي صَحَائِفِهِمْ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة: 6] مُطَّلِعٌ وَنَاظِرٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ."

إذا كان الله –جل وعلا- يعلم السر، وما هو أخفى من السر، فكيف بالعلانية؟

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [المجادلة: 7] فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ سِرٌّ وَلَا عَلَانِيَةٌ، {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى} [المجادلة: 7] قَرَاءَهُ الْعَامَّةِ بِالْيَاءِ، لِأَجْلِ الْحَائِلِ بَيْنَهُمَا. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَالْأَعْرَجُ وَأَبُو حَيْوَةَ وَعِيسَى" مَا تَكُونُ" بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْفِعْلِ."

لأن الفاعل مؤنث، لكن لا يتصور أن قراءة المؤلف تختلف هذا الاختلاف، يعني قد يكون الاختلاف بين التاء والياء، أما في الفعل جملة ترى وتعلم لا، خطأ.

"وَالنَّجْوَى: السِّرَارُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَالْمَصْدَرُ قَدْ يُوصَفُ بِهِ."

تأنيث الفعل تذكيره في مثل هذا، في قراءة العامة فالفعل مذكر والفاعل مؤنث لوجود الفصل، لوجود الفصل بين الفعل والفاعل، وهذا مصوغ ولو كان الفعل المؤنث حقيقي، فكيف به إذا كان تأنيثه غير حقيقي، وإلا فالنجوى مؤنثة، وقرئ على الأصل ما تكون من نجوى، لأن الفاعل مؤنث.

"يُقَالُ: قَوْمٌ نَجْوَى أَيْ: ذَوُو نَجْوَى. "

المصدر يوصف به ولا تغير صيغته، ولا يغير لفظه، بتغير الموصوف، فيوصف به المفرد المذكر، والمفرد المؤنث، والمثنى، والجمع، على لفظٍ واحد، كما تقول: زيدٌ عدلٌ، والزيدان عدلٌ، وهندٌ عدلٌ، والرجال عدلٌ. ما تغير صيغته.

"وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ثَلَاثَةٍ} خُفِضَ بِإِضَافَةِ نَجْوَى إِلَيْهَا. قَالَ الْفَرَّاءُ: ثَلَاثَةٍ نَعْتٌ لِلنَّجْوَى فَانْخَفَضَتْ، وَإِنْ شِئْتَ أَضَفْتَ نَجْوَى إِلَيْهَا. "

الإضافة هي الظاهرة، النجوى ثلاثة لثلاثة أشخاص، أما كونها نعت للنجوى لتكون النجوى ثلاث مرات هذا بعيد.

"وَلَوْ نُصِبَ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ جَازَ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ " ثَلَاثَةً" وَ "خَمْسَةً" بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ بِإِضْمَارِ يَتَنَاجَوْنَ؛ لِأَنَّ نَجْوَى يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَيَجُوزُ رَفْعُ "ثَلَاثَة" عَلَى الْبَدَلِ مِنْ مَوْضِعِ "نَجْوَى". ثُمَّ قِيلَ: كُلُّ سِرَارٍ نَجْوَى. وَقِيلَ: النَّجْوَى: مَا يَكُونُ مِنْ خَلْوَةِ ثَلَاثَةٍ يُسِرُّونَ شَيْئًا وَيَتَنَاجَوْنَ بِهِ. "

يعني إدخال العدد في التعريف، لوروده في النص، لأنه قال: وقيل: النجوى ما يكون من خلوة ثلاثة، يسرون شيئًا، ويتناجون به، لورود ذلك في الآية: (مايكون النجوى ثلاثة)، وإلا أي عدد يمكن أن يدخل في هذا الحد، يعني ثلاثة فأكثر.

"وَالسِّرَارُ: مَا كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ ."

الاثنين سرار.

"{إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] يَعْلَمُ وَيَسْمَعُ نَجْوَاهُمْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ افْتِتَاحُ الْآيَةِ بِالْعِلْمِ ثُمَّ خَتَمَهَا بِالْعِلْمِ. وَقِيلَ: "النَّجْوَى" مِنَ النَّجْوَةِ وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، فَالْمُتَنَاجِيَانِ يَتَنَاجَيَانِ وَيَخْلُوَانِ بِسِرِّهِمَا كَخُلُوِّ الْمُرْتَفِعِ مِنَ الْأَرْضِ عَمَّا يَتَّصِلُ بِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ سَمْعَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِكُلِّ كَلَامٍ."

أما أخذ النجوى من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض، المرتفع شيءٌ بارز وظاهر، والنجوى فيها السر والإخفاء، ولو قيل: إن النجوى من نجوت الشجرة، يعني قطعتها، وهم يريدون أن يقطعوا الطريق على من يريد استماع عليهم، فلا يسمع كلامهم ما بعد، أما كونه مأخوذ من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض ففيه بُعد، ما يلوح المعنى المقارب لذلك.

"وَالْمَعْنَى أَنَّ سَمْعَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِكُلِّ كَلَامٍ، وَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ مُجَادَلَةَ الْمَرْأَةِ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا زَوْجُهَا.

{وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ} [المجادلة: 7] قَرَأَ سَلَّامٌ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَنَصْرٌ وَعِيسَى بِالرَّفْعِ عَلَى مَوْضِعِ {مِنْ نَجْوَى} [المجادلة: 7] قَبْلَ دُخُولِ "مِنْ"."

لأن عندهم تقدير أن (من) عندهم صلة، لكن يستقيم من دونها، وإن كانت مفيدة للتأكيد من حيث المعنى، إلا أنها لو حذفت فهم الكلام، وإذا رفعت (من) صار موضع نجوى الرفع، فيكون معطوف عليها مرفوع، فإن رفع على هذه القراءة صار معطوفًا على موضع من نجوى، وإذا جر يجر بالفتحة على وزن أفعل ممنوع من الصرف، كان على لفظها.

"{مِنْ نَجْوَى} [المجادلة: 7] قَبْلَ دُخُولِ "مِنْ" لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: مَا يَكُونُ نَجْوَى، وَ ثَلَاثَةٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلَى مَحَلِّ لَا مَعَ أَدْنَى كَقَوْلِكَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةٌ إِلَّا بِاللَّهِ بِفَتْحِ الْحَوْلِ وَرَفْعِ الْقُوَّةِ."

لأن محل حول قبل دخول (لا) الرفع، فيكون معطوفًا على المحل، وإذا عطفت على اللفظ لاسيما مع تكرير العامل، قلت لا حولَ ولا قوةَ، وهذا هو المعتبر.

"وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَرْفُوعَيْنِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، كَقَوْلِكَ لَا حَوْلٌ وَلَا قُوَّةٌ إِلَّا بِاللَّهِ. وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ) بَيَانُ هَذَا مُسْتَوْفًى. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَعِكْرِمَةُ" أَكْبَرَ" بِالْبَاءِ. وَالْعَامَّةُ بِالتاءِ وَرفع الرَّاءِ."

والعامة بالثاء أكثر، من قراءة من ذكر الزهري وعكرمة أكبر، ولا شك أن قراءة أكثر أرجح، لأنها في العدد، والعدد يقتضي الكثرة والقلة، لا الكبر بالحجم والصغر.

"وَالْعَامَّةُ بِالثَّاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى اللَّفْظِ وَمَوْضِعُهَا جَرٌّ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] قَالَ: الْمَعْنَى غَيْرُ مَصْمُودٍ وَالْعَدَدُ غَيْرُ مَقْصُودٍ."

لأن هذا العدد لا يقتصر عليه علم الله –جل وعلا- ومعيته. لو كانوا أكثر أو أقل دخلوا في المقصود، لكن التنصيص على هذا العدد غير مقصود.

"لِأَنَّهُ -تَعَالَى- إِنَّمَا قَصَدَ -وَهُوَ أَعْلَمُ- أَنَّهُ مَعَ كُلِّ عَدَدٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، يَعْلَمُ مَا يَقُولُونَ سِرًّا وَجَهْرًا وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ اكْتَفَى بِذِكْرِ بَعْضِ الْعَدَدِ دُونَ بَعْضٍ. وَقِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُمْ بِعِلْمِهِ حَيْثُ كَانُوا مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ وَلَا انْتِقَالٍ. وَنَزَلَ ذَلِكَ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا فَعَلُوا شَيْئًا سِرًّا فَأَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، قَالَه ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ. {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ} يُخْبِرُهُمْ بِمَا عَمِلُوا مِنْ حَسَنٍ وَسَيِّئٍ."

يقرر أن المعية، معية الله –جل وعلا- لخلقه، سواء كانت العامة والخاصة، لا تقتضي المخالطة ولا الامتزاج، ولا مفارقة ما هو مستو عليه، ومباينة لعلوه الذي جاءت به النصوص القطعية، وهو عالٍ على عرش، بائن من خلقه، وهو مع المتقين، ومع المحسنين، وأيضًا مع خلقه، فمعيته الخاصة والعامة لا تنافي علوه واستواؤه على عرشه، كما قالوا في نظيره من النزول في الثلث الأخير من الليل، قالوا: لا يقتضي مفارقة العرش.

"{ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ} يُخْبِرُهُمْ بِمَا عَمِلُوا مِنْ حَسَنٍ وَسَيِّئٍ {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8] فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ :

الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى} [المجادلة: 8] قِيلَ: إِنَّ هَذَا فِي الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ حَسَبَ مَا قَدَّمْنَاهُ. وَقِيلَ: فِي الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ؛ كَانُوا يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيَنْظُرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَتَغَامَزُونَ بِأَعْيُنِهِمْ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: لَعَلَّهُمْ بَلَغَهُمْ عَنْ إِخْوَانِنَا وَقَرَابَتِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ قَتْلٌ أَوْ مُصِيبَةٌ أَوْ هَزِيمَةٌ، وَيَسُوءُهُمْ ذَلِكَ، فَكَثُرَتْ شَكْوَاهُمْ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَنَهَاهُمْ عَنِ النَّجْوَى فَلَمْ يَنْتَهُوا فَنَزَلَتْ."

نعم مثل هذه الأساليب التي يستعملها اليهود والمنافقون، من الأساليب الاستفزازية، هي ما زالت في وراثهم إلي يومنا هذا، وإلى يوم القيامة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. تجد إذا وجد الرجل الصالح تجد من الفساق، من فساق هذه الأمة من يغمز لصاحبه، أو يسر في أذنه، هو ما عنده شيء لكن يريد غيظه، كما كان يفعل هؤلاء من اليهود والمنافقين، يتناجون بينهم لكي يغتم المسلمون، والظنون تذهب بهم كل مذهب، والإنسان الشيطان في الغالب إنما يقرب له الشر والسوء، يعني لو سمع اثنين يتناجيان قال: أكيد أن هؤلاء يتآمران عليّ. ما قال له الشيطان إن هذين الرجلين يستشيروا بعضهم بعضًا فيما يعطونك، أو يبذلون لك، ما يمكن أن يتبادر إلى ظنه هذا، فالشيطان من هذا الباب يسول لهؤلاء، وهذه طبيعة وجبلة في البني آدم، أنه يخشى الشر وهجومه على قلبه، ومبادرته إلى ذهنه أقرب من مبادرة الخير، هذا جبلي، ولذا نهي عن النجوى، فلا يتناجيان بحضرة الثالث، لأن هذا أمر جبل عليه الناس، فالذي يسلك هذا المسلك ممن يناجي صاحبه ليغيظ أخاه يدخل في هذه الآية، سواء كان من المنافقين واليهود، كما هو في سبب النزول، أو من يشابههم من المسلمين، لأن المسألة لا يقتضي إخراج من ملة. هي معصية استحق عليها العقوبة.

"وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبَيْنَ الْيَهُودِ مُوَادَعَةٌ، فَإِذَا مَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تَنَاجَوْا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَظُنَّ الْمُؤْمِنُ شَرًّا، فَيَعْرُجَ عَنْ طَرِيقِهِ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَنْتَهُوا؛ فَنَزَلَتْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَسْأَلُ الْحَاجَةَ وَيُنَاجِيهِ وَالْأَرْضُ يَوْمَئِذٍ حَرْبٌ، فَيَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُ يُنَاجِيهِ فِي حَرْبٍ أَوْ بَلِيَّةٍ أَوْ أَمْرٍ مُهِمٍّ فَيَفْزَعُونَ لِذَلِكَ فَنَزَلَتْ.

الثَّانِيَةُ: رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: كُنَّا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَتَحَدَّثُ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «مَا هَذِهِ النَّجْوَى أَلَمْ تُنْهَوْا عَنِ النَّجْوَى» فَقُلْنَا: تُبْنَا إِلَى اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي ذِكْرِ الْمَسِيخِ -يَعْنِي الدَّجَّالَ- فَرَقًا مِنْهُ. فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْهُ؟» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ."

عندنا في الكتاب الخاء معجمة، المسيخ الدجال، وهو يضبط بالمعجمة بالمهملة المسيح معروف هذا هو أشهر، ولذا جاء به أكثر من النصوص، والمسيخ لأنه ممسوخ، نسأل الله العافية، فعيل بمعنى مفعول، فرقًا منه، يعني خوفًا منه، نسأل الله العافية.

فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْهُ؟» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ لِمَكَانِ رَجُلٍ» ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ."

وجاء فيه نصوص أخرى أن أكثر ما يخاف النبي -عليه الصلاة والسلام- على أمته، الشرك الأصغر، الشرك الخفي، ولاشك أنه آفة، وداء عضال في القلب، لا تستقيم معه العبادة، فإن شاركها من أصلها فهي باطلة، «من عمل عملاً أشرك فيه معي غيره تركته شركه»، وإن طرأ عليها الناهز للعبادة، الإخلاص لله –جل وعلا-، ثم طرأ له ما يعرض له، ثم بعد ذلك طرده من غير تردد، هذا لا يضر ولا يؤثر، لكن إن استمر معه إلى نهايتها فهذا محل الخلاف بين أهل العلم، هل تبطل العبادة أو لا تبطل، وعلى كل حال شأنه خطير، وهو داخلٌ في قوله –جل وعلا- {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] عند جمع من أهل العلم، أن الشرك لا يغفر ولو كان أصغر. 

"وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ" وَيَنْتَجُونَ" فِي وَزْنِ يَفْتَعِلُونَ..."

ينتجون ليست على وزن يفتعلون، على وزن يفتعون، ينتجون على وزن يفتعون، أما الذي على وزن يفتعلون ينتجيون، ينتجيون على وزن يفتعلون.

"وَهِيَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "وَيَتَنَاجَوْنَ" فِي وَزْنِ يَتَفَاعَلَوْنَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} [المجادلة: 9] وَتَنَاجَوْا." 

كلها من باب المفاعلة، فالذي يناسب يتناجون مناسب لتناجيتم وتناجون.

"قال النَّحَّاسُ: وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّ تَفَاعَلُوا وَافْتَعَلُوا يَأْتِيَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، نَحْوَ تَخَاصَمُوا وَاخْتَصَمُوا، وَتَقَاتَلُوا وَاقْتَتَلُوا فَعَلَى هَذَا يَتَنَاجَوْنَ وَ" يَنْتَجُونَ" وَاحِدٌ."

ظاهر ينتجيون على وزن يفتعلون.

"وَ" يَنْتَجُونَ" وَاحِدٌ. وَمَعْنَى {بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المجادلة: 9] أَيِ: الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ، {وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ} [المجادلة: 9] أَيْ: مُخَالَفَتِهِ. وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ وَحُمَيْدٌ" وَمَعْصِيَاتِ الرَّسُول" بِالْجَمْعِ. "

على أن المفرد في مثل هذا معصية الرسول مفرد مضاف فيعم جميع أنواع المعاصي، فلا حاجة للجمع.

"الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} [المجادلة: 8] لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّقَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْيَهُودُ، كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَقُولُونَ: السَّامُّ عَلَيْكَ. يُرِيدُونَ بِذَلِكَ السَّلَامَ ظَاهِرًا وَهُمْ يَعْنُونَ الْمَوْتَ بَاطِنًا، فَيَقُولُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «عَلَيْكُمْ» فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «وَعَلَيْكُمْ». قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهِيَ مُشْكِلَةٌ."

يعني رواية «وَعَلَيْكُمْ» مشكلة، لأنها تقتضي معطوفًا عليه، كأنه قال: السام كما هو علينا وعليكم أيضًا، يعني الموت.

"وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمَا أَمْهَلَنَا اللَّهُ بِسَبِّهِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ، وَجَهِلُوا أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى حَلِيمٌ لَا يُعَاجِلُ مَنْ سَبَّهُ، فَكَيْفَ مَنْ سَبَّ نَبِيَّهُ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى الْأَذَى مِنَ اللَّهِ، يَدْعُونَ لَهُ الصَّاحِبَةَ وَالْوَلَدَ وَهُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا كَشْفًا لِسَرَائِرِهِمْ، وَفَضْحًا لِبَوَاطِنِهِمْ، مُعْجِزَةً لِرَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: السَّامُّ عَلَيْكُمْ. فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا قَالَ هَذَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: قَالَ: " كَذَا رُدُّوهُ عَلَيَّ" فَرَدُّوهُ."

ردوه لأن ردوْه من التردية، كأنه فوق جدار، أو على جبل فأردوه، لكن ردوه، لأن مثل هذه الأفعال مثل ما يقول بعض الناس: تراصوا، غلط، وهو يقوم الصفوف، هذا خبر يعني ترصوا وانتهوا، لكن الفعل الأمر تراصوا.

قَالَ:" كَذَا رُدُّوهُ عَلَيَّ" فَرَدُّوهُ، قَالَ: "قُلْتَ السَّامُّ عَلَيْكُمْ" قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ ذَلِكَ: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا عَلَيْكَ مَا قُلْتَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} [المجادلة: 8] قُلْتُ: خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالُوا: السَّامُّ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقُلْتُ: السَّامُّ عَلَيْكُمْ وَفَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ وَفَعَلَ. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَهْ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتَ تَرَى مَا يَقُولُونَ؟ فَقَالَ: «أَلَسْتِ تَرَيْنَ أَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَا يَقُولُونَ أَقُولُ وَعَلَيْكُمْ» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} [المجادلة: 8] أَيْ: إِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ عَلَيْكَ وَهُمْ يَقُولُونَ السَّامُّ عَلَيْكَ، وَالسَّامُّ الْمَوْتُ. خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» كَذَا الرِّوَايَةُ" وَعَلَيْكُمْ "بِالْوَاوِ، وتَكَلَّمَ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ."

قد تستقضي الحاجة، قد تقتضي الحاجة تحريف الكلم، وتدعو إليه، فأنت ممنوع من بداءة المشرك الكافر، ومثل من كبرت بدعته أن تبدأهم بالسلام، وأنت في مكانٍ فيه حرج عليك أو خوف، فهل تفعل مثل ما فعل هؤلاء اليهود، فتقول لهؤلاء المشركين: السام عليكم، ويكون هذا في حقك مشروعًا أو لا؟ أنت ممنوع من بدائتهم بالسلام، يعني تأتي بلفظ لا يوقعك في الحرج، وأنت في مكان لا تستطيع أن تظهر ما عندك من حق، لضعف موقفك وقوتهم، فالمشرك لا يبدأ بالسلام معروف، ففي حكمه من بدعته مكفرة، أيضًا يتعامل معه على هذا الأساس، لكن يبقى أنك في مكان لهم في شوكة وقوة ومنعة، وأنت ضعيف، وكل من مر عليك قال: السلام عليكم، فأنت تخشى إن انفردت بشيء دون غيرك، فهل يصوغ لك أن تقول مثل هذا الكلام؟

لكن أنت بين الأمرين: بين هذا وبين أن تقع فيما نوهيت عنه. أنت لا تستطيع أن تصرح ما تريد. أنت الآن كل من دخل قال: السلام عليكم...إذا كان عليك خوف توري...

يعني الآن إذا قلت مثل هذا لمسلم حرام عليك الاتفاق، والإجماع ويرد فيه ما ورد هنا، لكن إذا أحرجت مع غير المسلم لا يجوز تبدأه بالسلام، وأنت لا تستطيع أن تصرح بما عندك، ماذا تقول؟ ما يطيعونك عارف أنها للكفار هذه، تقع في نفس الحرج، ولا هذا هو اللفظ الشرعي بالنسبة لهم...

في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «عَلَيْكُمْ» في الرد، ومبتدأ الجار والمجرور المحذوف، يعني عليكم السام، فإذا جاز في الرد جاز الابتداء به مع الحاجة، هذا الكلام صحيح أو غير صحيح؟ نعم هذا الجواب.  

"كَذَا الرِّوَايَةُ" وَعَلَيْكُمْ "بِالْوَاوِ، وتَكَلَّمَ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ، لِأَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ فِيمَا دَعَوْا بِهِ عَلَيْنَا مِنَ الْمَوْتِ، أَوْ مِنْ سَآمَةِ دِينِنَا وَهُوَ الْمَلَالُ. يُقَالُ: سَئِمَ يَسْأَمُ سَآمَةً وَسَآمًا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:

فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى

أَيْ: لَمَّا أَجَزْنَا انْتَحَى، فَزَادَ الْوَاوَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لِلِاسْتِئْنَافِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَالسَّامُّ عَلَيْكُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ عَلَى بَابِهَا مِنَ الْعَطْفِ وَلَا يَضُرُّنَا ذَلِكَ، لِأَنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. رَوَى الزُّبَيْرُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَلَّمَ نَاسٌ مِنْ يَهُودٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

معلوم أن ابتداء السلام إنشاء، لأنه دعاء، فهل يتجه أن يكون جوابه خبرًا؟ إذا قلت: وعليكم، يعني هذا السام الذي تذكرونه كما أنه علينا، وعليكم أيضًا، لأن الله كتب الموت على كل حي، هذا الموت هو مكتوب عليكم وعلينا، فينتقل الأسلوب من كونه دعاء إنشاء إلى كونه خبر. نعم لا يبعد أن يكون هذا مرادا.

"رَوَى الزُّبَيْرُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَلَّمَ نَاسٌ مِنْ يَهُودٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالُوا: السَّامُّ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ: «عَلَيْكُمْ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَغَضِبَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «بَلَى قَدْ سَمِعْتُ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا» خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ . وَرِوَايَةُ الْوَاوِ أَحْسَنُ مَعْنًى، وَإِثْبَاتُهَا أَصَحُّ رِوَايَةٍ وَأَشْهَرُ.

الواو لابد منها في الجواب، فإذا سلم المسلم على أخيه فقال: السلام عليكم، أو سلام عليكم، قال: وعليكم السلام، لابد من الواو، حتى فقال بعضهم: لا يجوز الرد بدون الواو، وبعضهم يتساهل بهذا ويتسامح، فيقول: إذا كان المعنى معروف عند المتكلم، والمخاطب ولا يلتبس بشيء، فلا مانع من حذف الواو كما تحذف في مواضع وهي مقدرة.

العرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجمع وهذا نص في البخاري في تفسير سورة إنا أنزلناه في صحيح البخاري قال أن العرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجمع فلا مانع أن تقول: السلام عليكم وعليكم السلام وهو واحد.... (فحيوا بأحسن منها أو ردُّوها) بعضهم يقول أن الأمر عام (فحيوا بأحسن منها أو ردُّوها) عام. لكن إذا كان السلام أو رده يقتضي الدعاء للكافر بالسلامة فقد جاء المنع من الابتداء فيسري المنع في الجواب لأن العلة في المنع من ابتدائهك نفس العلة الموجودة في جوابهم...

"وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رَدِّ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ كَالرَّدِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ، لِلْأَمْرِ بِذَلِكَ. وَذَهَبَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَإِنْ رَدَدْتَ فَقُلْ: عَلَيْكَ. وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ طَاوُسٍ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: عَلَاكَ السَّلَامُ أَيِ: ارْتَفَعَ عَنْكَ. وَاخْتَارَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا..."

لكن بعض اللغات عند العرب، ومازالت مستعملة في بعض البوادي، إذا أراد أن يقول عليك قال: علاك، فما يختلف المعنى، لا يتحقق المعنى الذي أشار له المؤلف.

"وَاخْتَارَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: "السِّلَامُ" بِكَسْرِ السِّينِ، يَعْنِي الْحِجَارَةُ. وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَوْلَى اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالُوا: السَّامُّ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: «وَعَلَيْكُمْ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُّ وَالذَّامُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَا عَائِشَةُ لَا تَكُونِي فَاحِشَةً»، فَقَالَتْ: مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمُ الَّذِي قَالُوا قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ». وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: فَفَطِنَتْ بِهِمْ عَائِشَةُ فَسَبَّتْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَهْ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ» وَزَادَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} [المجادلة: 8] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. "الذَّامُ" بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ هُوَ الْعَيْبُ، وَفِي الْمَثَلِ (لَا تَعْدَمُ الْحَسْنَاءُ ذَامًا) أَيْ: عَيْبًا، وَيُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، يُقَالُ: ذَأَمَهُ يَذْأَمُهُ..."

في قول عائشة: عليكم السام هو ذام، لا يبعد أن يكون لفظ ذام باب الاتباع، من باب الاتباع، والاتباع أسلوب معروف تتبع الكلمة المقصودة بكلمةٍ أخرى على زنتها: حياك الله وبياك، ضعيفٌ نعيف، ثقةٌ تقة، وهكذا، في باب الاتباع يريدون مثل هذا، فالذام ليس مقصودا لذاته، وإن كان له معنى بالأصل، إنما هو من باب الاتباع، والاتباع أسلوب معروف فيه مؤلفات، من أفضلها كتاب لأبي الطيب الحلبي اللغوي، كتاب مطبوع ومشهور في مجلد.

"يُقَالُ: ذَأَمَهُ يَذْأَمُهُ، مِثْلُ ذَأَبَ يَذْأَبُ، وَالْمَفْعُولُ "مَذْءُومٌ" مَهْمُوزًا، وَمِنْهُ: {مَذْءُومًا مَدْحُورًا} [الأعراف: 18] وَيُقَالُ: ذَامَهُ يَذُومُهُ مُخَفَّفًا كَرَامَهُ يَرُومُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8] قَالُوا: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَعَذَّبَنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ فَهَلَّا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ. وَقِيلَ: قَالُوا: إِنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْنَا وَيَقُولُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُّ وَالسَّامُّ الْمَوْتُ، فَلَوْ كَانَ نَبِيًّا لَاسْتُجِيبَ لَهُ فِينَا وَمُتْنَا. وَهَذَا مَوْضِعُ تَعَجُّبٍ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَكَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ يُغْضَبُونَ فَلَا يُعَاجَلُ مَنْ يُغْضِبُهُمْ بِالْعَذَابِ."

قالوا: هذا موضع تعجب منهم.هم الذين يتعجبون أو يتعجب منهم؟ يتعجب منهم، لأن قوله: فإنهم كانوا أهل كتاب، وكانوا يعلمون أن الأنبياء قد يغضبون فلا يعاجل من يغضبهم بالعذاب، لاشك أن هذا مثار عجب. يتعجب منهم بسببه، لأنهم ليسوا بمشركين، لا خبر عندهم ولا علم، ولا أثر، أنهم أهل كتاب عندهم ما عندهم من كتب، وإن حرفوا، بدلوا، وزادوا، ونقصوا، لكن يبقى أنهم ليسوا كغيرهم من طوائف الكفر الذي لا سبق لهم بعلم، ولذا النبي عليه الصلاة والسلام لما بعث معاذا إلى اليمن قال: «أنك تأتي قومًا أهل كتاب»، يعني عندهم شيء من العلم، وليسوا مثل طوائف المشركين الذين لا علم عندهم البتة، فكيف يقولون مثل هذا الكلام؟ هذا مثار عجب، يتعجب منهم بسببه.

"{حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا} [المجادلة: 8] أَيْ: كَافِيهِمْ جَهَنَّمُ عِقَابًا غَدًا {فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8] أَيِ: الْمَرْجِعُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} [المجادلة: 9] نَهَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَنَاجَوْا فِيمَا بَيْنَهُمْ كَفِعْلِ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} [المجادلة: 9] أَيْ: تَسَارَرْتُمْ، {فَلَا تَتَنَاجَوْا} [المجادلة: 9] هَذِهِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَعَاصِمٍ وَرُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ" فَلَا تَنْتَجُوا" مِنَ الِانْتِجَاءِ {بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرّ} [المجادلة: 9] أَيْ: بِالطَّاعَةِ وَالتَّقْوَى بِالْعَفَافِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلْمُنَافِقِينَ، أَيْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِزَعْمِهِمْ. وَقِيلَ: أَيْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى. {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المجادلة: 9] أَيْ: تُجْمَعُونَ فِي الْآخِرَةِ.

قوله تعالى: { إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } فِيهِ مَسْأَلَتَانِ:

الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ} أَيْ: مِنْ تَزْيِينِ الشَّيَاطِينِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا إِذْ تَوَهَّمُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُصِيبُوا فِي السَّرَايَا، أَوْ إِذَا أَجْرَوُا اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى مُكَايَدَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَرُبَّمَا كَانُوا يُنَاجَوْنَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَظُنُّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ يَنْتَقِصُونَهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ} أَيِ: التَّنَاجِي شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ: بِمَشِيئَتِهِ وَقِيلَ: بِعِلْمِهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بِأَمْرِهِ.

{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أَيْ: يَكِلُونَ أَمْرَهُمْ إِلَيْهِ، وَيُفَوِّضُونَ جَمِيعَ شُئُونِهِمْ إِلَى عَوْنِهِ، وَيَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَمِنْ كُلِّ شَرٍّ، فَهُوَ الَّذِي سَلَّطَ الشَّيْطَانَ بِالْوَسَاوِسِ ابْتِلَاءً لِلْعَبْدِ وَامْتِحَانًا وَلَوْ شَاءَ لَصَرَفَهُ عَنْهُ.

الثَّانِيَةُ: فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِذَا كَانَ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْوَاحِدِ». وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ»."

والحزن يقع للمسلم الذي ينتاجى اثنان بحضرته. فلو افترضنا أن جمعًا غفيرًا في مناسبة، كما يحصل الآن في المناسبات، في الأعياد، في الأفراح، والأعراس وغيرها، تجد كل اثنين يناجي أحدهما الآخر، وقد يكون بين هذين الاثنين، وذينك الاثنين بينهم واحد، هذا ملتفت عن يمين، وبجنبه واحد على الشمال والذي بجنبه هناك ملتفت على الشمال، لاشك أن هذا يحزنه ويتمنى أن لو يجد من يتحدث معه. فهل مثل هذا يكفي في الدخول في المنع، أو أنه مادام العدد أكثر من ثلاثة فالأمر سهل، الحزن موجود، يعني كونه يحزن هو يحزن، أن الذي عن اليمين مع الثاني، والذي على يساره مع الثالث، وهو جالس بينهم. يكون مثل هذا لا شك أن العلة متحققة أنه يحزنه، لكنه ليس بالحزن الذي بحيث يصل إلى حد الخوف على نفسه من هذا، أو من ذاك، فأقل أحواله في مثل هذه الحالة الكراهة، لابد أن يشرك...

هما اثنان فقط...في المجلس اثنين فصار واحد يتكلم أو قل مثل أن يكون العدد غفيرا لكن بينهم واحد لا يحسن لغتهم فتجدهم يتكلمون ويتناجون وهذا ما يدري ماذا يقولون فمثل هذا يحزنه بلا شك...

اثنين بينهما مكالمة بالجوال بحضور ثالث. هما اثنان في المجلس وواحد يكلم أحدا في الخارج...في الغالب أنه لا يخفض صوته وإذا أراد أن ترتفع العلة لا يخفض صوته في الغالب أنه لا يخفض صوته. إذا أراد أن ترتفع العلة لا يخفض صوته. يسمع الحاضر وإن احتاج إلى خفض الصوت يخرج...

لا شك أن كل ما يحزن الجليس يدخل بدء من خوفه على نفسه من القتل إلى فيما صورناه آنفا أنه يهجر ويكلم عن يمين وعن شمال ويترك. ما عليه الخطر لكن هذا يحزنه...

كثير من الخدم لا يحسن اللغة التي يتقنها من يناجي صاحبه ولا يحصل فرق بين أن يكون طريقة الكلام بالنجو أو العلانية. يعني تجد اثنين يريدان ألا يعرف هذا الخادم ما عندهم ويفهم كلامه فهذا نجوى إذا كان يفهم اللغة...إذا كان لا يفهم اللغة سواء أسروا أو جهروا ولا فرق في ذلك...على كل حال يجتنب ما يدخل الخبر في جميع صوره...

«إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً» خطاب للمسلمين «فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ»...

ما يضر إن شاء الله... لأن إغاظته مطلوبة...            

"فَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَايَةَ الْمَنْعِ وَهِيَ أَنْ يَجِدَ الثَّالِثُ مَنْ يَتَحَدَّثُ مَعَهُ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ، ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَ رَجُلٍ فَجَاءَ آخَرُ يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ فَلَمْ يُنَاجِهِ حَتَّى دَعَا رَابِعًا، فَقَالَ لَهُ وَلِلْأَوَّلِ: تَأَخَّرَا وَنَاجَى الرَّجُلَ الطَّالِبَ لِلْمُنَاجَاةِ. خَرَّجَهُ الْمُوَطَّأُ، وَفِيهِ أَيْضًا التَّنْبِيهُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ أَيْ: يَقَعُ فِي نَفْسِهِ مَا يَحْزَنُ لِأَجْلِهِ. وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَدِّرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْهُ بِمَا يَكْرَهُ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَرَوْهُ أَهْلًا لِيُشْرِكُوهُ فِي حَدِيثِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُلْقِيَاتِ الشَّيْطَانِ وَأَحَادِيثِ النَّفْسِ. "

وسبق أن ذكرنا أن الشيطان إنما يبادر الإنسان بما يحزنه، لا بما يسره ويفرحه، وهذا ظاهر. لو إنسان أرسل ولده بسيارته ليحضر غرضًا ثم خرج الأب ووجد حادثا، ما الذي يتبادر لذهنه؟ البلد فيه ملايين، ما يتبادر في ذهنه إلا الحادث لولده، وهذا شيء يجده كل إنسان في نفسه، وهذا من تلاعب الشيطان بالناس.

"وَحَصَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ بَقَائِهِ وَحْدِهُ، فَإِذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ أَمِنَ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ كُلُّ الْأَعْدَادِ، فَلَا يَتَنَاجَى أَرْبَعَةٌ دُونَ وَاحِدٍ وَلَا عَشَرَةٌ وَلَا أَلْفٌ مَثَلًا؛ لِوُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي حَقِّهِ، بَلْ وُجُودُهُ فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَمْكَنُ وَأَوْقَعُ، فَيَكُونُ بِالْمَنْعِ أَوْلَى. وَإِنَّمَا خَصَّ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ عَدَدٍ يَتَأَتَّى ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ. "

لأنهم لا يوجد له مخصص.

"وَسَوَاءٌ أَكَانَ التَّنَاجِي فِي مَنْدُوبٍ أَوْ مُبَاحٍ أَوْ وَاجِبٍ فَإِنَّ الْحُزْنَ يَقَعُ بِهِ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَالِ الْمُنَافِقِينَ فَيَتَنَاجَى الْمُنَافِقُونَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ سَقَطَ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ خَاصٌّ بِالسَّفَرِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ فِيهَا صَاحِبَهُ، فَأَمَّا فِي الْحَضَرِ وَبَيْنَ الْعِمَارَةِ فَلَا، فَإِنَّهُ يَجِدُ مَنْ يُعِينُهُ، بِخِلَافِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ الِاغْتِيَالِ وَعَدَمِ الْمُغِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ."

لكن إذا نظرنا إلى العلة التي هي الحزن، لا شك أنها محققة بالحضر كتحققها في السفر.

كل ما يحزن المسلم ينبغي أن يدخل فيه. إذا كان يحزنه يدخل. وليس من أدب مجلس ولو رفعت صوتك توجه الخطاب إلى الواحد ويترك الثاني ولو لم يدخل في التناجي وإن كان أخف لكن ليس من أدب المجلس أن يهمل مسلم ويكون وجوده في المجلس كعدمه.

"قولُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11] فِيهِ سَبْعُ مَسَائِلَ:

الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجلِسِ."

نعم هذه قراءة نافع التي درج عليها المؤلف –رحمه الله-.

"لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْيَهُودَ يُحَيُّونَهُ بِمَا لَمْ يُحَيِّهِ بِهِ اللَّهُ وَذَمَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَصَلَ بِهِ الْأَمْرُ بِتَحْسِينِ الْأَدَبِ فِي مُجَالَسَةِ رَسُولِ اللَّهِ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حَتَّى لَا يُضَيِّقُوا عَلَيْهِ الْمَجْلِسَ، وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّعَاطُفِ وَالتَّآلُفِ حَتَّى يَفْسَحَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، حَتَّى يَتَمَكَّنُوا مِنَ الِاسْتِمَاعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ. قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأُمِرُوا أَنْ يُفْسِحَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ."

قد يدعوهم هذا التنافس، والحرص على القرب منه –عليه الصلاة والسلام-، أن لا يفسحوا المجال لغيرهم، أن لا يفسحوا المجال لغيرهم لئلا يحول دونهم، ودون هذا القرب، فإذا كان من كان بالمجلس فسحة أن يجلس المتأخر في آخره، بحيث يسمع الكلام، هذا لا إشكال لكن إذا لم يكن هناك فسحة، المكان ضيق، والعدد أكبر فمثل هذا يتجه إليهم تفسحوا في المجالس، يعني يستون وتراصون، ويقرب بعضهم من بعض حتى يستوعب الحضور.

"قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأُمِرُوا أَنْ يُفْسِحَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. وَقَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَجَالِسُ الْقِتَالِ إِذَا اصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ. قَالَ الْحَسَنُ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ: كَانَ النَّبِيُّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا قَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ تَشَاحَّ أَصْحَابُهُ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَلَا يُوَسِّعُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، رَغْبَةً فِي الْقِتَالِ وَالشَّهَادَةِ فَنَزَلَتْ. فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: {مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121]." 

لكن هذا تفسير للعام ببعض أفراده، لا يقتضي التخصيص، إنما هو تفسير للعام ببعض أفراده، ببعض الأمثلة التي تدخل تحته، وهو شامل لجميع المجالس.

"وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ النَّبِيُّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الصُّفَّةِ، وَكَانَ فِي الْمَكَانِ ضِيقٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ."

يعني لو دخل شخص يوم الجمعة ووجد الصف الأول ما فيه فرصة إلا بالتفسح، وهذا الداخل محتاج في الصف الأول ليعتمد على التُكأَة الموضوع على الصف الأول، مثل هذا يقال لهم تفسحوا، وأما من لا يحتاج إلى ذلك فيجوز حيث انتهى به المجلس. المكان واسع وإذا أردت أن تكرم نفسك فتقدم، لكن إذا كان من يحتاج إلى ذلك كبير السن، أو مريض، أو ما أشبه ذلك، يتجه القول بالتفسح، والأمر به، وإن كان له حق على بعض الجالسين، وأراد أن يؤثرهم بمكانه، والمصلحة مترتبة على ذلك أعظم من مصلحة الحصول على الجلوس في الصف الأول، فمسائل الإيثار معروفة...

طيب لو جاء شخص في سرعة، عند خباز أو في دورة مياه وما أشبه ذلك، هل يستطيع أن يقول: تفسحوا، أو اسمحوا لي، يعني لو سمح لك واحد ما يسمح الذين وراه كلهم، يأتي إلى الأخير فيقول اسمح لي أنا مضطر، أو أريد أن آخذ خبز وأمشي. لو سمح لك هذا الشخص كل الذين وراه لهم الحق قبلك، فقد يكون بالفعل مضطر، هل يستسمح الجميع؟ وجد مضطر في مزدلفة يحتاج إلى دورة المياه، ضرورة قصوى، فجاء إلى الشخص الذي عند الباب فاشترى مكانه، قال: هذه خمسمائة لكن تذهب أنت الأخير مكاني، هذا ما فيه إشكال، لأنه ما تضرر أحد، لكن لو جاء واستأذن وقال: خلاه يجلس أمامه وهؤلاء الذين وراه كلهم لهم حق، كلهم قبله، فهذه الأمور مراعاتها الشرع لم يهمل مثل هذه الأمور... كذلك كل الأمور التي فيها مشاحة، لكن بعض الموظفين، وبعض من وكل إليهم هذا الأمر، تجده يقدم ويؤخر، ويسعى في مصلحة هذا، ويترك هذا، وقد يهين بعض المراجعين، هذا كله خلاف ما جاء به الشرع، كله لا يجوز.

"وَكَانَ النَّبِيُّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكْرِمُ أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَجَاءَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَقَدْ سُبِقُوا فِي الْمَجْلِسِ، فَقَامُوا حِيَالَ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أَرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يُوَسَّعَ لَهُمْ فَلَمْ يُفْسِحُوا لَهُمْ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ: قُمْ يَا فُلَانُ وَأَنْتَ يَا فُلَانُ بِعَدَدِ الْقَائِمِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ، وَعَرَفَ النَّبِيُّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْكَرَاهِيَةَ فِي وُجُوهِهِمْ، فَغَمَزَ الْمُنَافِقُونَ وَتَكَلَّمُوا بِأَنْ قَالُوا: مَا أَنْصَفَ هَؤُلَاءِ وَقَدْ أَحَبُّوا الْقُرْبَ مِنْ نَبِيِّهِمْ فَسَبَقُوا إِلَى الْمَكَانِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ. {تَفَسَّحُوا} [المجادلة: 11] أَيْ: تَوَسَّعُوا، وَفَسَحَ فُلَانٌ لِأَخِيهِ فِي مَجْلِسِهِ يَفْسَحُ فَسْحًا أَيْ: وُسِّعَ لَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: بَلَدٌ فَسِيحٌ وَلَكَ فِي كَذَا فُسْحَةٌ، وَفَسَحَ يَفْسَحُ مِثْلُ مَنَعَ يَمْنَعُ، أَيْ: وَسَّعَ فِي الْمَجْلِسِ، وَفَسَحَ يَفْسُحُ فَسَاحَةً مِثْلُ كَرُمَ يُكْرِمُ كَرَامَةً أَيْ: صَارَ وَاسِعًا، وَمِنْهُ مَكَانٌ فَسِيحٌ."

الآن مستعمل في مجالس الرسمية ما يضطرون الناس إلى أن يقام أحد من مجلسه، تحجز له المكان لكن من الأصل، أو يجلس فيها ناس جلوس مؤقت، من صغار الموظفين يقال: تجلس في هذا وهذا وهذا، بحيث لو جاء فلان تقوم أنت يا فلان، ولو جاء فلان من الكبار تقوم أنت يا فلان وهكذا، هذا ما فيه إحراج لأحد، وهذا الموظف الذي تقدم، أو قُدم ليحجز المكان لغيره لا يكون في نفسه شيء، لأنه أتي به من أجل هذا، ويحصل حرج عظيم لو تقدم واحد ليس من أهل الشأن، ثم جاء واحد يعني له شأنه، وقد أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، لا تسطيع أن تقول قم يا فلان، لكن بهذه الطريقة التي يسلكونها فيها شيء من المحافظة على ما يراد، مع عدم إحراج أحد، لأنهم يأتون بصغار موظفين يقول له: اجلس وإذا جاء فلان تقوم عنه، وجلس على هذا الأساس، وليس له مصلحة بالبقاء في هذا الكرسي، وما جاء من أجل أن يجلس ليقرب من المسئول، أو ليقرب من صاحب الشأن...   

"الثَّانِيَةُ: قَرَأَ السُّلَمِيُّ وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وَعَاصِمٌ {فِي الْمَجَالِسِ} [المجادلة: 11].   وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هندٍ وَالْحَسَنُ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ "إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَاسَحُوا" والْبَاقُونَ "تَفَسَّحُوا فِي الْمَجْلِسِ" فَمَنْ جَمَعَ فَلِأَنَّ قَوْلَ: {تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ} [المجادلة: 11] يُنْبِئُ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَجْلِسًا. وَكَذَلِكَ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْحَرْبُ."

ولا يمنع أن يكون المجلس واحدا تفسحوا في المجلس، وجمع المجلس لتعدد المجالس. هو في الأصل هذا المجلس واحد، لكن أيضًا له نظائر من المجالس، تفسحوا في المجلس الواحد، وتفسحوا أيضًا في نظائره من المجالس.

"وَكَذَلِكَ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْحَرْبُ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ به مَسْجِدُ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَجَمَعَ لِأَنَّ لِكُلِّ جَالِسٍ مَجْلِسًا. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ إِنْ أُرِيدَ بِالْمَجْلِسِ الْمُفْرَدِ مَجْلِسُ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجَمْعُ عَلَى مَذْهَبِ الْجِنْسِ، كَقَوْلِهِمْ: كَثُرَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ."

الواحد ليس بكثير، لكن المقصود الجمع، جنس الدينار وجنس الدرهم.

"قُلْتُ: الصَّحِيحُ فِي الْآيَةِ أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ لِلْخَيْرِ وَالْأَجْرِ، سَوَاءٌ كَانَ مَجْلِسَ حَرْبٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ مَجْلِسَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَحَقُّ بِمَكَانِهِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ قَالَ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَلَكِنْ يُوَسِّعُ لِأَخِيهِ مَا لَمْ يَتَأَذَّ بذلك فَيُخْرِجُهُ الضِّيقُ عَنْ مَوْضِعِهِ. "

يقول المؤلف: الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر، لكن إذا كان الاجتماع لأمرٍ آخر إما مباح أو مكروه؟ جاء إلى هذا المكان المباح الجلوس فيه، فاحتاج إلى هل يدخل، أو أن هذا خاص بالمكان الذي يسمع فيه الخير، ويطلب فيه الأجر؟ هذا المباح يعني دخوله ممكن، لكن إذا كان المجلس هذا فيه مشاهدة محرم، هل يؤمر الإنسان ليتفسح ليجلس هذا، أو كلهم مأمورين بالإنصراف عنه؟ لا لا يدخل، إذا كان فيه مشاهد محرمة لا يدخل في هذا الأمر.

"رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ». وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسُ فِيهِ آخَرُ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يُجْلَسُ مَكَانَهُ. لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.

الثَّالِثَةُ: إِذَا قَعَدَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُقِيمَهُ حَتَّى يَقْعُدَ مَكَانَهُ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يُخَالِفُ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدُ فِيهِ وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا»." 

من التصرفات السيئة المخالفة لهذه التوجيهات الشرعية، وجد من يعدل الصف ليجد مكان، ليجد مكان في فروجات الصف، وهذا متأخر والصف الأول ما فيه فرصة إلا أن يسوى، فسواه وأمرهم بالتراص، وأشار إليهم بما لا يخل بصلاتهم، ثم صارت هناك فرصة جاء واحد وسبقه إليه، هذا خلاف ما جاءت به الشريعة، هذه منابذة للتوجيهات الشرعية، يعني هو أحق به بلا شك، فيأتي هذا فيجد هذا المكان، ثم يسبق من تعب عليه، لا شك أنه أساء وظلم صاحبه وصلاته صحيحة.  

"فَرْعٌ: الْقَاعِدُ فِي الْمَكَانِ إِذَا قَامَ حَتَّى يُقْعِدَ غَيْرَهُ مَوْضِعَهُ نُظِرَ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي قَامَ إِلَيْهِ مِثْلَ الْأَوَّلِ فِي سَمَاعِ كَلَامِ الْإِمَامِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنَ الْإِمَامِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتُ حَظِّهِ."

نعم لأن فيه إيثار بهذه القربة التي لا يدركها في المكان الثاني.

"الرَّابِعَةُ: إِذَا أَمَرَ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا أَنْ يُبَكِّرَ إِلَى الْجَامِعِ فَيَأْخُذُ لَهُ مَكَانًا يَقْعُدُ فِيهِ لَا يُكْرَهُ، فَإِذَا جَاءَ الْآمِرُ يَقُومُ مِنَ الْمَوْضِعِ، لِمَا رُوِيَ: أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يُرْسِلُ غُلَامَهُ إِلَى مَجْلِسٍ لَهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَيَجْلِسُ لَهُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ قَامَ لَهُ مِنْهُ."

وهذا وإن حصل له، ما حصل من القرب من الإمام، والصف الأول وما أشبه ذلك، إلا أنه لا يحصل له أجر التبكير.

"فَرْعٌ: وَعَلَى هَذَا مَنْ أَرْسَلَ بِسَاطًا أَوْ سَجَّادَةً فَتُبْسَطُ لَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ..."

مثل هذا لا يشرع، وليس له الحق في أن يحجز المكان...

لا، هذا القياس مع الفارق لأن للغلام أن يبقى فيه وأما السجادة فلا تكفي... سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ.

"الْخَامِسَةُ: رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ: «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»."

بشرط أن يكون رجوعه قريبا. لو جالس بالمسجد وفي حلقة الدرس، ثم خرج ليجدد الوضوء وما أشبه ذلك، أو مكالمة ضرورية خفيفة، وعاد إليه قريبا، هو أحق به، وإن طال الفصل ليس له فيه حق.

"قالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ اخْتِصَاصِ الْجَالِسِ بِمَوْضِعِهِ إِلَى أَنْ يَقُومَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ أَوْلَى بِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ فَقَبْلَهُ أَوْلَى بِهِ وَأَحْرَى. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ مُتَمَلَّكٍ لِأَحَدٍ لَا قَبْلَ الْجُلُوسِ وَلَا بَعْدَهُ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَلَّكٍ لَكِنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ إِلَى أَنْ يَفْرُغَ غَرَضُهُ مِنْهُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهُ؛ إِذْ قَدْ مُنِعَ غَيْرُهُ مَنْ أَنْ يُزَاحِمَهُ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ."

يعني لو أن إنسانا في مسجد في الصف الأول، وأدى التحية والراتبة ثم قام ليأتي بمصحف، ثم جاء شخص وجلس في هذا المكان، أو ليأخذ منديلا لحاجته إليه مثلاً، فلاشك أنه أحق به، ولا يمكن أن يختلف في مثل هذا، لإنه في داخل المسجد. ولو حجز مكانا في الصف الأول ووضع فيه السجادة أو العصا، وانتقل منه إلى مكان في المسجد يستريح به، يحتاج إليه فهو أحق به، لكن الشأن إذا حجز مكانا، وخرج من المسجد هذا ليس له حقية إلا أن يعود قريبًا، فإن طال الفصل فغيره مثله...

إذا كان يعرف أن هذا شخص جالس وينتظر هذه فرجة تتسع فلا شك أنه خلاف الأولى وإن كان لا يعرف فلا يؤاخذ...

"السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} [المجادلة: 11] أَيْ: فِي قُبُورِكُمْ. وَقِيلَ: فِي قُلُوبِكُمْ. وَقِيلَ: يُوَسِّعُ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} [المجادلة: 11] قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِمَا. وَكَسَرَ الْبَاقُونَ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ: {يَعْكُفُونَ} [الأعراف: 138] وَيَعْرِشُونَ وَالْمَعْنَى: انْهَضُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ وَعَمَلِ الْخَيْرِ، قَالَه أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ فَقُومُوا إِلَيْهَا. وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالًا تَثَاقَلُوا عَنِ الصَّلَاةِ فَنَزَلَتْ .وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: أَيِ: انْهَضُوا إِلَى الْحَرْبِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذَا فِي بَيْتِ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالنَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا عَنِ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَانْشُزُوا؛ فَإِنَّ لَهُ حَوَائِجَ فَلَا تَمْكُثُوا."

يعني كما جاء الأمر بالانصراف، والانتشار بعد الطعام، لأن الإثقال على النبي –عليه الصلاة والسلام-، ليكون كل واحد منهم آخرهم عهدًا به، هذا لا شك أنه يؤذي النبي –عليه الصلاة والسلام-، وقد يحتاج الأمر إلى أن يبقوا كل واحد ينتظر أن يكون الآخر، يمكن ما يطلعون بهذه الطريقة، إذا كان كل واحد ينتظر غيره يلزم عليه التسلسل. إذا طعمتم فانتشروا، خلاص انتهى، يعني موضع الجلوس انتهى، الغاية منه الطعام وانتهى، لكن إذا كان المضيف صاحب المحل يسر ببقاءهم وطول مكثهم، يقال فيه كما يقال في المريض أن الأصل في عيادته التخفيف، إلا إذا كان يأنس بذلك فلا مانع من البقاء عنده.

"وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمَعْنَى أَجِيبُوا إِذَا دُعِيتُمْ إِلَى أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يَعُمُّ."

لأن المعروف يعم كل ما ذكر، انشزوا للصلاة، انشزوا للجهاد، انشزوا للحج، لجميع أنواع العبادات فيدخل في المعروف.

"وَالنَّشْزُ: الِارْتِفَاعُ، مَأْخُوذٌ مِنْ نَشْزِ الْأَرْضِ وَهُوَ ارْتِفَاعُهَا. يُقَالُ: نَشَزَ يَنْشُزُ وَيَنْشِزُ إِذَا انْتَحَى مِنْ مَوْضِعِهِ، أَيِ: ارْتَفَعَ مِنْهُ. وَامْرَأَةٌ نَاشِزٌ مُنْتَحِيَةٌ عَنْ زَوْجِهَا. وَأَصْلُ هَذَا مِنَ النَّشَزِ، وَالنَّشَزُ هُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ وَتَنَحَّى؛ ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ.

السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] أَيْ: فِي الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ وَفِي الْكَرَامَةِ فِي الدُّنْيَا، فَيَرْفَعُ الْمُؤْمِنَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَالْعَالِمَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَدَحَ اللَّهُ الْعُلَمَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُؤْتَوُا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ أَيْ: دَرَجَاتٍ فِي دِينِهِمْ إِذَا فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، وَقِيلَ: كَانَ أَهْلُ الْغِنَى يَكْرَهُونَ أَنْ يُزَاحِمَهُمْ مَنْ يَلْبَسُ الصُّوفَ فَيَسْتَبِقُونَ إِلَى مَجْلِسِ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَالْخِطَابُ لَهُمْ. وَرَأَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَجُلًا مِنَ الْأَغْنِيَاءِ يَقْبِضُ ثَوْبَهُ نُفُورًا مِنْ بَعْضِ الْفُقَرَاءِ أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا فُلَانُ خَشِيْتُ أَنْ يَتَعَدَّى غِنَاكَ إِلَيْهِ أَوْ فَقْرَهُ إِلَيْكَ...

مخرج؟ الغالب أنه لا أصل له.

"وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الرِّفْعَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ لَا بِالسَّبْقِ إِلَى صُدُورِ الْمَجَالِسِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} [المجادلة: 11] الصَّحَابَةُ {وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَالِمَ وَالطَّالِبَ لِلْحَقِّ. قُلْتُ: وَالْعُمُومُ أَوْقَعُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَوْلَى بِمَعْنَى الْآيَةِ، فَيَرْفَعُ الْمُؤْمِنَ بِإِيمَانِهِ أَوَّلًا ثُمَّ بِعِلْمِهِ ثَانِيًا. وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَانَ يُقَدِّمُ... "

ولا عبرة بالعلم دون الإيمان، لا عبرة بعلمٍ لا إيمان معه، بل العلم دون إيمان لا يسمى علم، وصاحبه لا يستحق أن يكون عالما أو يسمى عالما حتى مع الفسق، الذي لا ينافي أصل الإيمان، لأن ما يحمله الفساق ليس بعلم، لأن العلم ما نفع، لأن العلم ما نفع، أما ما يحمله من لا ينتفع به هذا الحقيقة ليس بعلم.

"وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَانَ يُقَدِّمُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الصَّحَابَةِ، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ فَدَعَاهُمْ وَدَعَاهُ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ تَفْسِير: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] فَسَكَتُوا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْلَمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوِرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا. الْحَدِيثَ، وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ (الْأَعْرَافِ)، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَهُ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنُ أَبْزَى. فَقَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا. قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى! قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ. قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» وَقَدْ مَضَى أَوَّل الْكِتَابِ."

والنسب لا يجدي عن صاحبه شيئًا إذا تخلف العمل، «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، ما ينفعه نسبه.

"وَمَضَى الْقَوْلُ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَابِدِ مِائَةُ دَرَجَةٍ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حَضْرُ الْجَوَادِ الْمُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً»."

يعني المسافة، المسافة التي يقضيها الجواد المضمر في مدة سبعين سنة.

مخرج؟ على كل حال الدرجات منصوص عليها في القرآن: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] والدرجة معروفة، درجة الجنة مثل ما بين السما والأرض واحدة، والله المستعان.

"وَعَنْهُ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ»، وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْعُلَمَاءُ ثُمَّ الشُّهَدَاءُ» فَأَعْظِمْ بِمَنْزِلَةٍ هِيَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالشَّهَادَةِ بِشَهَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: خُيِّرَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْمَالِ وَالْمُلْكِ فَاخْتَارَ الْعِلْمَ فَأُعْطِيَ الْمَالَ وَالْمُلْكَ مَعَهُ."

يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ...ماذا قال عنه؟

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.