التعليق على تفسير القرطبي - سورة الحديد (02)

عنوان الدرس: 
التعليق على تفسير القرطبي - سورة الحديد (02)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير القرطبي
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 02/ ربيع الثاني/ 1440 2:30 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} الْعَامِلُ فِي "يَوْمَ" ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ."

أكثر المفسرين يقدرون العامل في (يوم): اذكر. واذكر{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} ، لأن الفعل هو الذي يعمل في الظرف وكون هذه الجملة ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ عاملة باعتبار أن معناها في معنى الفعل، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني ذلك هو اليوم الذي يفوز فيه المؤمنون فوزًا عظيمًا {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} وعلى كل الأكثر يقدرون في مثل هذه الحالة (اذكر).

"{انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ} قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِوَصْلِ الْأَلِفِ مَضْمُومَةُ الظَّاءِ مِنْ نَظَرَ، وَالنَّظَرُ الِانْتِظَارُ أَيِ: انْتَظِرُونَا. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "أَنْظِرُونَا" بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الظَّاءِ مِنَ الْإِنْظَارِ. أَيْ: أَمْهِلُونَا وَأَخِّرُونَا، أَنْظَرْتُهُ أَخَّرْتُهُ، وَاسْتَنْظَرْتُهُ أَيِ: اسْتَمْهَلْتُهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنْظِرْنِي: انْتَظِرْنِي، وَأُنْشِدَ لِعَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

أَبَا هِنْدٍ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا وَأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ الْيَقِينَا

أَيِ: انْتَظِرْنَا. {نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} أَيْ: نَسْتَضِيءُ مِنْ نُورِكُمْ."

ما الفرق بين قراءتين بالوصل والقطع؟ انظرونا بهمزة وصل، يعني من الانتظار، {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}[البقرة:280] والقراءة الأخرى "أنظرونا" من الانتظار. الأولى من النظر والانتظار أي انتظرونا، والثانية من الإنظار. انظرونا من الانتظار، والثانية أنظرونا أي أمهلونا وأخرونا، ومنه قوله: {فَنَظِرَةٌ}. ثم في الأخير وَقَالَ الْفَرَّاءُ: تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنْظِرْنِي: انْتَظِرْنِي. أنظرني بقطع الهمزة، والنظر الانتظار أي انتظرونا فصار معناهما واحدًا على كلام الفراء وأنشد لعمرو بن كلثوم في معلقته الشهيرة: أَبَا هِنْدٍ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا وَأَنْظِرْنَا. أنظرنا ما هو من الإمهال والتأخير إنما هو من الانتظار. وَأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ الْيَقِينَا يقول: أَنَّا نُـوْرِدُ الـرَّايَاتِ بِيْضـاً، وَنُصْـدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رُوِيْنَـا، فعاد الأمر إلى أن المعنى واحد، على كلام الفراء، مع أن انظرونا معناها الانتظار، وأنظرونا من الإمهال والتأخير والمعنى متقارب لأن الانتظار والإنظار كلاهما مقتضٍ للتأخير...

طالب:.......

لأنها إذا طفأت أنوار المنافقين قالوا للمؤمنين: {انْظُرُونَا} يعني انتظرونا قليلًا نسير معكم في نوركم.

"{نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} أَيْ: نَسْتَضِيءُ مِنْ نُورِكُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو أُمَامَةَ: يَغْشَى النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظُلْمَةٌ -قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَظُنُّهَا بَعْدَ فَصْلِ الْقَضَاءِ- ثُمَّ يُعْطُونَ نُورًا يَمْشُونَ فِيهِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يُعْطِي اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ يَمْشُونَ بِهِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَيُعْطِي الْمُنَافِقِينَ أَيْضًا نُورًا خَدِيعَةً لَهُمْ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ}. وَقِيلَ: إِنَّمَا يُعْطُونَ النُّورَ، لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ أَهْلُ دَعْوَةٍ دُونَ الْكَافِرِ ثُمَّ يُسْلَبُ الْمُنَافِقُ نُورَهُ لِنِفَاقِهِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ."

يعطى النور في أول الأمر لأنه مع المسلمين في الظاهر يصلي معهم، ويجاهد معهم فهو معهم في الظاهر فيأخذ النور مكافأة له على الموافقة في الظاهر، ثم بعد ذلك يعامل معاملة الباطن لأنه كافر في الباطن فينطفئ نوره، وهو بهذا يكون أعظم عقوبة من الكافر الذي لا يعطى نور من الأصل. الذي يئس من النور أصلاً أسهل من الذي يعطى نور ثم يطفئ ذلك النور ويسلب. نسأل الله العافية!...

ماذا يقول يقول الماوردي؟ أَظُنُّهَا بَعْدَ فَصْلِ الْقَضَاءِ، يَمْشُونَ بِهِ عَلَى الصِّرَاطِ... يقول الماوردي: أَظُنُّهَا بَعْدَ فَصْلِ الْقَضَاءِ. هو يعطى المنافق لا كرامة له إنما مخادعة له وزيادة في غيظه، كما يفتح للكافر في قبره بابا إلى الجنة ويقال له: انظر إلى مقعدك من الجنة أو إلى مكانك ومنزلك من الجنة لو آمنت. يفتح له كرامة له؟ هذا ليست كرامة.

"وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: يُعْطَى الْمُؤْمِنُ النُّورَ وَيُتْرَكُ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ بِلَا نُورٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بَلْ يَسْتَضِيءُ الْمُنَافِقُونَ بِنُورِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يُعْطَوْنَ النُّورَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَمْشُونَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رِيحًا وَظُلْمَةً فَأَطْفَأَ بِذَلِكَ نُورَ الْمُنَافِقِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} يَقُولُهُ الْمُؤْمِنُونَ، خَشْيَةَ أَنْ يُسْلَبُوهُ كَمَا سُلِبَهُ الْمُنَافِقُونَ، فَإِذَا بَقِيَ الْمُنَافِقُونَ فِي الظُّلْمَةِ لَا يُبْصِرُونَ مواقع أقدامهم..."

مَوَاضِعَ...ماذا عندك؟

"لَا يُبْصِرُونَ مَوَاضِعَ أَقْدَامِهِمْ قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسُ مِنْ نُورِكُمْ}، {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ} أَيْ: قَالَتْ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ "ارْجِعُوا". وَقِيلَ: بَلْ هُوَ قَوْلُ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذْنَا مِنْهُ النُّورَ فَاطْلُبُوا هُنَالِكَ لِأَنْفُسِكُمْ نُورًا فَإِنَّكُمْ لَا تَقْتَبِسُونَ مِنْ نُورِنَا. فَلَمَّا رَجَعُوا وَانْعَزَلُوا فِي طَلَبِ النُّورِ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ وَقِيلَ: أَيْ: هَلَّا طَلَبْتُمُ النُّورَ مِنَ الدُّنْيَا بِأَنْ تُؤْمِنُوا."

يعني بأن بذلتم أسباب حصول النور وهو الإيمان الصحيح، الذي يقر في القلب ويصدقه العمل. أما الإيمان بالجوارح مع الكفر بالباطن نسأل الله العافية هذا أشد من الكفر الصريح ظاهرًا وباطنًا لأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.

"بِسُورٍ أَيْ: سُورٍ، وَالْبَاءُ صِلَةٌ؛ قَالَهُ الْكِسَائِيُّ. وَالسُّورُ حَاجِزٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ السُّورَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ مَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِوَادِي جَهَنَّمَ. {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ} يَعْنِي مَا يَلِي مِنْهُ الْمُؤْمِنِينَ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يَعْنِي مَا يَلِي الْمُنَافِقِينَ. قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: هُوَ الْبَابُ الَّذِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ الْمَعْرُوفُ بِبَابِ الرَّحْمَةِ."

هذا مما تلقاه من الإسرائيليات ولا يثبت ولا يصح.

"وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إِنَّهُ سُورُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الشَّرْقِيُّ بَاطِنُهُ فِيهِ الْمَسْجِدُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يَعْنِي جَهَنَّمَ. وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِي سَوَادَةَ: قَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَلَى سُورِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ فَبَكَى، وَقَالَ: مِنْ هَاهُنَا أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى جَهَنَّمَ."

تخريجه؟

مما تلقي من الإسرائيليات.

"وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ حَائِطٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ يَعْنِي الْجَنَّةَ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يَعْنِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّهُ حِجَابٌ كَمَا فِي (الْأَعْرَافِ) وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي فِي بَاطِنِهِ نُورُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْعَذَابَ الَّذِي فِي ظَاهِرِهِ ظُلْمَةُ الْمُنَافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُنَادُونَهُمْ} أَيْ: يُنَادِي... "

الأصل أن الرحمة التي في باطنه يقول: نور المؤمنين يعني ما يستحقه المؤمنون من نعيم وإكرام وظاهره العذاب الذي في ظاهره ما يستحقه المنافق والكافر من العذاب. نسأل الله العافية.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُنَادُونَهُمْ} أَيْ: يُنَادِي الْمُنَافِقُونَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ فِي الدُّنْيَا يَعْنِي نُصَلِّي مِثْلَ مَا تُصَلُّونَ، وَنَغْزُو مِثْلَ مَا تَغْزُونَ، وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا تَفْعَلُونَ. {قَالُوا بَلَى} أَيْ: يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ بَلَى قَدْ كُنْتُمْ مَعَنَا فِي الظَّاهِرِ {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} أَيِ: اسْتَعْمَلْتُمُوهَا فِي الْفِتْنَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَهْلَكْتُمُوهَا بِالنِّفَاقِ. وَقِيلَ: بِالْمَعَاصِي؛ قَالَهُ أَبُو سِنَانٍ. وَقِيلَ: بِالشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ، رَوَاهُ أَبُو نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيِّ. {وَتَرَبَّصْتُمْ} أَيْ: تَرَبَّصْتُمْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَوْتَ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ الدَّوَائِرَ. وَقِيلَ: تَرَبَّصْتُمْ بِالتَّوْبَةِ {وَارْتَبْتُمْ} أَيْ: شَكَكْتُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ {وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ} أَيِ: الْأَبَاطِيلُ. وَقِيلَ: طُولُ الْأَمَلِ. وَقِيلَ: هُوَ مَا كَانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ مِنْ ضَعْفِ الْمُؤْمِنِينَ وَنُزُولِ الدَّوَائِرِ بِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ : الْأَمَانِيُّ هُنَا خُدَعُ الشَّيْطَانِ. وَقِيلَ: الدُّنْيَا؛ قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ أَبُو سِنَانٍ: هُوَ قَوْلُهُمْ سَيُغْفَرُ لَنَا. وَقَالَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ: ذِكْرُكَ حَسَنَاتَكَ وَنِسْيَانُكَ سَيِّئَاتِكَ غِرَّةٌ."

كل هذا مما يغتر به الإنسان وغيره من طول الأمل والتسويف، وتأخير التوبة. كل إنسان يتمنى أن يموت على الإسلام وأن يختم له بخير ومع ذلك لا يبذل الأسباب، يؤخر ويؤجل ويسوف، في يوم كذا، أو في شهر كذا، إو إذا جاء رمضان، أو إذا جاءت المواسم سوف أتوب وسوف أفعل، ثم يؤخذ على غرة يغتر بهذه الأماني يؤخذ على غرة ويفوته كل خير، {وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ} كما يفعل كثير من فساق المسلمين جاء يزاول المعاصي والجرائم ويقول: سوف أتوب. من يضمن لك أن تعيش حتى تتوب؟ بل عليه أن يبادر من التوبة مهما كان الذنب من الشرك والنفاق والبدع والمعاصي والكبائر والصغائر وغير ذلك، ثم بعد ذلك عليه بعد هذه التخلية والتوبة من هذه المعاصي والجرائم أن يسارع ويسابق {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} وهذا التسويف وطول الأمل الذي يشب مع ابن آدم كل ما كبر سنه زاد معه طول الأمل. يشب ابن آدم ويشب منه خصلتان: حب الدنيا وطول الأمل، وهذان حب الدنيا وطول الأمل مثل الغرس إذا استمر الإنسان في هذه الآمال وهذه الغرور وهذا التسويف فكأنما يسقي غرسًا من هذه الأمور التي لا تنفعه، فيزداد تشبثًا بطول الأمل. يعني تجد أمل الصغير أقل من أمل الكبير من الشاب والشاب أقل أمل من الكهل، والكبير أيضًا أمله طويل بل أطول من غيره تجده يضرب الأمثال والنظائر، تجده إذا كان من أجداده أو من آبائه أو من أهل أحد عمر لا ينظر إلا إليه. يقول: عمي فلان مائة وعشرين وخالي فلان عاش كذا. ما ينظر إلى من مات في المهد، أو مات في ريعان الشباب أو مات في كهولته وما أشبه ذلك. هو يسقي هذا الغرس حتى يكون ملكةً راسخة في قلبه. كثير من الناس يخطط إلى ما بعد عشرين، ثلاثين، أربعين سنة ماذا يريد أن يعمل؟ تجد عنده المشاريع لا تنتهي، فهذا غرور. عليك أن تستغل لحظتك التي أنت فيها، وتندم على ما فات من التفريط وتعزم على أن تعمر بقية أوقاتك بأفضل مما فات، وبأفضل مما أنت عليه الآن. هذا الغرور وطول الأمل يضر على كافة المستويات، وفي جميع نواحي الحياة. طالب العلم الذي يقول: أريد أن أحفظ القرآن لكن الآن انتهى النهار لكن من الغد في الصباح إن شاء الله، فإذا جاء الصباح قال: اليوم دوام أتركه ليوم ما فيه دوام، سهرت البارحة وأتركه ليوم ما سهرت فيه وهكذا، ثم يستدرج حتى ينتهي عمره ما صنع شيئًا. تجد الطلاب إذا قرب الامتحان وأرادوا المذاكرة، مثل هذا، إن شاء الله أضع جدول وأخطط جدول وأبدأ من السبت، واليوم الاثنين بقي أربعة أيام أو خمس. لماذا لا تستغل هذه أربعة أيام قبل؟ وإذا جاء السبت قال الآن باقي كذا خلي. هذا التسويف هو الذي يضر الإنسان في أي عمل كان حتى في التجارة حتى في أمور الدنيا وفي أمور الآخرة كلها في التسويف، وطول الأمل والغرور هذا مضر جدًا في حياة الإنسان بل على الإنسان إذا هم بشيء أن يبادر إليه إذا كان خيرًا له. وإذا هممت بأمر خير فاعجل بادر، ما تدري ما يصيبك. يمكن يتغير رأيك وهو أمر خير، تصرف عنه لكن إذا بادرت وباشرته وتلذذت به ضمن لك الاستمرار فيه، لكن ما دامت المسألة مسألة تسويف وغرور فإن هذا لا يدرك به شيئًا. يشب ابن آدم ويشب منه خصلتان: حب الدنيا وطول الأمل. فحب الدنيا لا شك أنه ينسي الآخرة لأنها ضرة. طول الأمل يجعلك تتريث وتتراخى حتى أن جاءك الأجل وأنت ما صنعت شيئًا، «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» لماذا نتشبث بهذه الدنيا ونبني القصور ونجمع الأموال ونترك الآخرة التي من أجلها خلقنا. خلقنا للعبودية، وننشغل بغيرها؟ «كن في الدنيا كأنك غريب» الغريب ما يمكن أن يفعل أفعال ويعمل أعمال المقيم، لأنه سيرحل «أو عابر سبيل» مار بهذه القرية أو بهذه الشجرة، أو بهذا المكان الذي يرتاح فيه، هذا ما يمكن. هل رأيتم أحدًا استظل بشجرة فبنى تحتها بيتًا؟ يمكن؟ استظل بشجرة حتى يبرد الجو القيلولة في الظهيرة، يقول إذا صليت العصر أمشي إذا برد الجو، ثم تجده يحضر الماء والطين ويبني غرفة يستظل بها؟ ما يمكن. «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح" ومع لك اعمل! اعمل لدينك الذي هو الأصل حقق العبودية التي من أجلها خلقت ولا تنس نصيبك من الدنيا لأنه لا يمكن التحقق من العبودية إلا بشيء من عرض الدنيا تقتات به وتعيش منه. وحال كثير من المسلمين العكس. تجد أكثر همه الدنيا وأكثر عمله وشغله وتعبه ونصبه للدنيا ويحتاج أن يقال له: لا تنس نصيبك من الآخرة.

"{حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ} يَعْنِي الْمَوْتَ. وَقِيلَ: نُصْرَةُ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِلْقَاؤُهُمْ فِي النَّارِ. {وَغَرَّكُمْ} أَيْ: خَدَعَكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ أَيِ: الشَّيْطَانُ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ. وَقِيلَ: الدُّنْيَا؛ قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ لِلْبَاقِي بِالْمَاضِي مُعْتَبَرًا، وَلِلْآخَرِ بِالْأَوَّلِ مُزْدَجَرًا، وَالسَّعِيدُ مَنْ لَا يَغْتَرُّ بِالطَّمَعِ، وَلَا يَرْكَنُ إِلَى الْخُدَعِ، وَمَنْ ذَكَرَ الْمَنِيَّةَ نَسِيَ الْأُمْنِيَّةَ، وَمَنْ أَطَالَ الْأَمَلَ نَسِيَ الْعَمَلَ، وَغَفَلَ عَنِ الْأَجَلِ. وَجَاءَ الْغَرُورُ عَلَى لَفْظِ الْمُبَالَغَةِ لِلْكَثْرَةِ. "

يعني فعول من صيغ المبالغة.

"وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ "الْغُرُورُ" بِضَمِّ الْغَيْنِ يَعْنِي الْأَبَاطِيلَ، وَهُوَ مَصْدَرٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَّ لَنَا خُطُوطًا، وَخَطَّ مِنْهَا خَطًّا نَاحِيَةً، فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا مَثَلُ ابْنِ آدَمَ وَمَثَلُ التَّمَنِّي، وَتِلْكَ الْخُطُوطُ الْآمَالُ ، بَيْنَمَا هُوَ يَتَمَنَّى إِذْ جَاءَهُ الْمَوْتُ». وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ وَسَطَهُ خَطًّا وَجَعَلَهُ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ خُطُوطًا صِغَارًا فَقَالَ: «هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجُلُهُ مُحِيطٌ بِهِ وَهَذَا أَمَلُهُ قَدْ جَاوَزَ أَجَلَهُ وَهَذِهِ الْخُطُوطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا». قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ} أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ {وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَيْأَسُهُمْ مِنَ النَّجَاةِ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ يُؤْخَذُ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَلِأَنَّهُ قَدْ فَصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفِعْلِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ "تُؤْخَذُ" بِالتَّاءِ."

لئلا يظن أن العقوبات في الآخرة مثل العقوبات في الدنيا. يمكن أن يحكم على الإنسان بسجن أو بجلد، ثم يقبل منه العقوبة بالمال، ويفتدي نفسه بالمال. في اليوم المشار إليه هو يوم القيامة، {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ما فيه إلا عقوبة الأبدان نسأل الله العافية والأرواح، العذاب الأبدي السرمدي، الدائم الذي لا يزول ولا ينقطع ولا ينتهي. قراءة العامة يؤخذ بالياء لأن التأنيث غير حقيقي. هناك التأنيث الحقيقي، وهناك التأنيث المجازي. فدية مؤنث، لكن ليس تأنيثها مثل تأنيث فاطمة وعائشة، التأنيث الحقيقي، والأمر الثاني أنه فضل بين الفعل والفاعل وإذا فصل بينهما جاز التذكير والتأنيث ولو كان التأنيث حقيقيًا. فاجتمع الأمران التأنيث غير حقيقي وفصل بينه وبين فعله، لكن لو كان التأنيث حقيقيًا قالت فاطمة: وجب تأنيث الفعل، ولو كان التأنيث حقيقيًا أو مجازيًا، والفاعل ضمير يعود إليه وجب تأنيث الفعل.

"وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ "تُؤْخَذُ" بِالتَّاءِ وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِمٍ لِتَأْنِيثِ الْفِدْيَةِ. وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ، أَيْ: لَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ بَدَلٌ وَلَا عِوَضٌ وَلَا نَفْسٌ أُخْرَى. {مَأْوَاكُمُ النَّارُ} أَيْ: مَقَامُكُمْ وَمَنْزِلُكُمْ {هِيَ مَوْلَاكُمْ} أَيْ: أَوْلَى بِكُمْ."

لكن في الدنيا تقبل الفدية. «من أعتق عبدًا كان فكاكه من النار، ومن أعتق امرأتين كانتا فكاكه من النار»، يفتدي بمثل هذه الأعمال لكن في الآخرة هل يأتي ويقول: لي عبيد يريد أن يقدم واحدا اثنين ثلاثة عشرة مائة ألف، لا يقبل بدل ولا عوض في الآخرة، {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}[الفجر:24] ما ينفع يندم الندم الذي لا نظير له ولا مر به مثله لكن لات ساعة مندم.

"وَالْمَوْلَى: مَنْ يَتَوَلَّى مَصَالِحَ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيمَنْ كَانَ مُلَازِمًا لِلشَّيْءِ. وَقِيلَ: أَيِ: النَّارُ تَمْلِكُ أَمْرَهُمْ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُرَكِّبُ فِيهَا الْحَيَاةَ وَالْعَقْلَ فَهِيَ تَتَمَيَّزُ غَيْظًا عَلَى الْكُفَّارِ، وَلِهَذَا خُوطِبَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد}. {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أَيْ: سَاءَتْ..."

يعني تخاطب خطابًا حقيقيًا وترد وتقول: قولًا حقيقيًا يسمع. هذا في قول عامة أهل العلم ولا مانع يمنع منه والقدرة الإلهية صالحة لذلك وما هو فوق ذلك. ومنهم من يقول أنه يقال لها، وتقول بلسان الحال كما تخاطب القبور فيردون عليك بلسان الحال مثل ما ردوا على علي بن أبي طالب، لكن لا يوجد ما يمنع من أن يكون الخطاب حقيقيًا كما هو الأصل.                                     

"{وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أَيْ: سَاءَتْ مَرْجِعًا وَمَصِيرًا، قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا} أَيْ: يَقْرَبُ وَيَحِينُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَلَمْ يَأْنِ لِي يَا قَلْبُ أَنْ أَتْرُكَ الْجَهْلَا وَأَنْ يُحْدِثَ الشَّيْبُ الْمُبِينُ لَنَا عَقْلَا

وَمَاضِيهِ أَنَى - بِالْقَصْرِ- يَأْنِي."

أَلَمْ يَأْنِ لِي يَا قَلْبُ أَنْ أَتْرُكَ الْجَهْلَا، يعني إذا تعدى مرحلة الشباب يحاسب نفسه، عليه أن يحاسب نفسه، لأن الشباب ليس بمعذور بعد التكليف لكن إذا كان الشباب المطغي الملهي والمرء يتمتع بكامل قواه وحواسه فكيف بحال من شاب وضعفت قواه، هذا عليه أن يحاسب نفسه ويراجع قلبه. أَلَمْ يَأْنِ لِي يَا قَلْبُ أَنْ أَتْرُكَ الْجَهْلَا إلى متى؟ وَأَنْ يُحْدِثَ الشَّيْبُ الْمُبِينُ لَنَا عَقْلَا. مع الأسف تجد من المسلمين من في السبعين  وفي الثمانين بل أكثر من ذلك من يصحب الشباب ليضحكهم، ويسليهم على حساب دينه، وعلى حساب عقله يسخرون منه، كأنه ملعب بين أيديهم، يتصرف تصرفات تضحكهم هذا موجود مع الأسف، وبدون مقابل مجرد ما يقال لو تخرج معنا اليوم للاستراحة يفرح. لكن بعد هذه السن «أعذر الله لامرئ بلغه الستين». إلى متى؟ ونجد من الندامى الذين يضحكون الناس من جاوزوا السبعين والثمانين، وهو على وضعه القديم، فعليه أن يحاسب نفسه ويرجع إلى ربه. أنذر الله أو «أعذر الله لامرئ بلغه الستين» «أعمار أمتي بين الستين والسبعين».

     وَمَنْ سَارَ نَحْوَ الدَّارِ سِتِّينَ حِجَّةً     فَقَدْ حَانَ مِنْهُ الْمُلْتَقَى وَكَأَنَ قَدْ

خلاص وصل. ما بقي شيء. والله المستعان.

"وَمَاضِيهِ أَنَى - بِالْقَصْرِ- يَأْنِي، وَيُقَالُ: آنَ لَكَ - بِالْمَدِّ - أَنْ تَفْعَلَ كَذَا يَئِينُ أَيْنًا أَيْ: حَانَ، مِثْلُ: أَنَى لَكَ وَهُوَ مَقْلُوبٌ مِنْهُ. وَأَنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ:

    أَلَمَّا يَئِنْ لِي أَنْ تَجَلَّى عَمَايَتِي     وَأَقْصُرُ عَنْ لَيْلَى بَلَى قَدْ أَنَى لِيَا

فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ."

هذا إن كان هذا أراد به الخير وأراد أن يختم له بخاتمة السعادة ليكون من أهل الحسنى والزيادة هذا يحاسب نفسه ويرجع. يقول الله: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر:18] عليه أن يحاسب نفسه. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فإذا استجاب ورجع مما كان فيه هذا أراد الله به خيرا، لكن كثير من الناس ترواده نفسه ويتمنى أن يعود ويرجع لكنه لا يبذل الأسباب، فيستمر والله المستعان.

"وَقَرَأَ الْحَسَنُ "أَلَمَّا يَأْنِ" وَأَصْلُهَا "أَلَمْ" زِيدَتْ "مَا" فَهِيَ نَفْيٌ لِقَوْلِ الْقَائِلِ: قَدْ كَانَ كَذَا، وَ" لَمْ " نَفْيٌ لِقَوْلِهِ: كَانَ كَذَا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كُنَّا بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ."

طالب: أحسن الله إليكم. ما يرده قوله إنها سورة مدنيىة في بداية السورة؟

لا، يأتي وتقدم أن بينها ثلاث عشرة سنة.

"قَالَ الْخَلِيلُ: الْعِتَابُ مُخَاطَبَةُ الْإِدْلَالِ..."

على كل حال ما دام في الصحيح ليس لأحد كلام ولكن يبقى أنه لا يمنع أن تكون آية مكية وبقية السورة مدنية.

"قَالَ الْخَلِيلُ: الْعِتَابُ مُخَاطَبَةُ الْإِدْلَالِ وَمُذَاكَرَةُ الْمُوجِدَةِ، تَقُولُ عَاتَبْتُهُ مُعَاتَبَةً أَنْ تَخْشَعَ أَيْ: تَذِلَّ وَتَلِينَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ {وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} رُوِيَ أَنَّ الْمِزَاحَ وَالضَّحِكَ كَثُرَ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَرَفَّهُوا بِالْمَدِينَةِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يَسْتَبْطِئُكُمْ بِالْخُشُوعِ» فَقَالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: خَشَعْنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ..."

تخريجه؟ يعني بدون إسناد.

"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، فَعَاتَبَهُمْ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ نُزُولِ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ سَأَلُوا سَلْمَانَ أَنْ يُحَدِّثَهُمْ بِعَجَائِبِ التَّوْرَاةِ فَنَزَلَتْ: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} إِلَى قَوْلِهِ: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} الْآيَةَ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ هَذَا الْقَصَصَ أَحْسَنُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَنْفَعُ لَهُمْ، فَكَفُّوا عَنْ سَلْمَانَ، ثُمَّ سَأَلُوهُ مِثْلَ الْأَوَّلِ فَنَزَلَتْ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْعَلَانِيَةِ بِاللِّسَانِ. قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِالظَّاهِرِ وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ سَعْدٌ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنَا فَنَزَلَ: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} فَقَالُوا بَعْدَ زَمَانٍ: لَوْ حَدَّثْتَنَا فَنَزَلَ: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} فَقَالُوا بَعْدَ مُدَّةٍ: لَوْ ذَكَّرْتَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عُوتِبْنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ وَيَقُولُ: مَا أَحْدَثْنَا؟ قَالَ الْحَسَنُ: اسْتَبْطَأَهُمْ وَهُمْ أَحَبُّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: هَذَا الْخِطَابُ لِمَنْ آمَنَ بِمُوسَى وَعِيسَى دُونَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لِأَنَّهُ قَالَ عَقِيبَ هَذَا: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} أَيْ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَنْ تَلِينَ قُلُوبُهُمْ لِلْقُرْآنِ، وَأَلَّا يَكُونُوا كَمُتَقَدِّمِي قَوْمِ مُوسَى وَعِيسَى، إِذْ طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَبِيِّهِمْ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا يَكُونُوا} أَيْ: وَأَلَّا يَكُونُوا فَهُوَ مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى {أَنْ تَخْشَعَ}، وَقِيلَ: مَجْزُومٌ عَلَى النَّهْيِ، مَجَازُهُ وَلَا يَكُونَنَّ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ رِوَايَةُ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ "لَا تَكُونُوا" بِالتَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عِيسَى وَابْنِ إِسْحَاقَ. يَقُولُ: لَا تَسْلُكُوا سَبِيلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أُعْطُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فَطَالَتِ الْأَزْمَانُ بِهِمْ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، فَاخْتَرَعُوا كِتَابًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمُ اسْتَحَلَّتْهُ أَنْفُسُهُمْ، وَكَانَ الْحَقُّ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ شَهَوَاتِهِمْ، حَتَّى نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ثُمَّ قَالُوا..."

يعني مع طول الوقت وانقطاع المدد الإلهي للقلوب، يعني تصور إنسان طلب العلم في أول وقته وأردك خيرًا كثيرًا ثم انصرف عنه انصرف عن هذا العلم، مع طول المدة وطول الأمد ينسى هذا العلم الذي كن مقرونًا بالعمل، وتبعًا له يذهب العمل. وتجدون الزملاء في الدراسة دفعة واحدة تخرجوا وهم متقاربون في السن، وفي التحصيل دراستهم واحدة، وقد تكون مستوياتهم في التحصيل متقاربة، ثم ابحث عنهم بعد خمس سنين من التخرج، أو عشر سنين بعد التخرج تجد واحد منهم عالما، وتجد الثاني عاميا، لماذا؟ لأن الأول تابع التحصيل واستمر في المطالعة والمراجعة، ومدارسة العلم وتعليم العلم، والتأليف في العلم والثاني انصارف بالكلية إما أن يزاول التجارة البيع والشراء، أو أخذ وظيفة إدارية وصار يكتب معاملات الناس التي لا تمت إلى العلم بصلة، خمس عشر سنوات ثم تجد عاميا لا فرق بينه وبين العوام، والثاني الذي تابع التحصيل تجده من أهل العلم. لو فتشنا ونظرنا في حال هؤلاء العلماء الذين برزوا وصار يشار إليهم وحصلوا وعلموا ونفع الله بهم نفعًا عظيمًا قد لا يكونون من أوائل الطلاب. تجد مثلًا الأول على الدفعة تبحث عنه ما يعرف بين الناس. لماذا؟ لأنه صار بعد أن تخرج والتحق بعمل إداري لا يمت إلى العلم بصلة، أو عمل تجاري وما أشبه ذلك. بينما من دونه تابع التحصيل، تابع التعلم، تابع المطالعة والمراجعة والكتابة، وعلم الناس الخير، فنفع الله به واستمر في ازدياد وعلو دون الآخر، والله المستعان.

"ثُمَّ قَالُوا: أَعْرِضُوا هَذَا الْكِتَابَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنْ تَابَعُوكُمْ فَاتْرُكُوهُمْ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُمْ. ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُرْسِلُوهُ إِلَى عَالِمٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، وَقَالُوا: إِنْ هُوَ تَابَعَنَا لَمْ يُخَالِفْنَا أَحَدٌ، وَإِنْ أَبَى قَتَلْنَاهُ فَلَا يَخْتَلِفُ عَلَيْنَا بَعْدَهُ أَحَدٌ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ، فَكَتَبَ كِتَابَ اللَّهِ فِي وَرَقَةٍ وَجَعَلَهَا فِي قَرْنٍ وَعَلَّقَهُ فِي عُنُقِهِ ثُمَّ لَبِسَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، فَأَتَاهُمْ فَعَرَضُوا عَلَيْهِ كِتَابَهُمْ، وَقَالُوا: أَتُؤْمِنُ بِهَذَا؟ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: آمَنْتُ بِهَذَا -يَعْنِي الْمُعَلَّقَ عَلَى صَدْرِهِ-."

يعني خشية القتل، وإلا لو لم يكن هناك قتل الذي يدخله في حكم المكره، لا يجوز له أن يصنع مثل هذا الصنيع ولا يكفي أن يقول مثل هذا الكلام لأنه يغتر بكلامه من يحضره يظن آمن بما حرفوه وما ألفوه من تلقاء أنفسهم. والتأويل والمعاريض إنما تنفع المظلوم إنما تنفع المظلوم، يخرج بها من مظلمته من غير كذب صريح، وأما غير مظلوم لا تنفع ولا يكفي أن يصنع مثل هذا الصنيع وهو آمن يشير إلى شيء، هل رأيت فلانًا؟ والله ما رأيت، هو بجواره قبل قليل، قد يكون جالسا معه ويقسم أنه ما رآه، خشية عليه أو على نفسه يقول: ما رأيته، متؤولًا بذلك. رأى من الرئة والرئة خفية عليه ما يمكن أن يرى رأته ولا أن يصنع برأته شيئًا. تأويل بعيد جدًا، أو يطلب المال مدين ويقسم بالله أن ليس في يدي شيء وما كان بيده شيء يكني بذلك عن ملكه. هذا إذا كان مظلوما ينفعه مثل التورية وهذه المعاريض، وإلا فلا. وأما هذا الذي قال: آمنت بهذا الكتاب الذي بينه وبين ثيابه، هذا خشية القتل، وإلا فلا يجوز له أن يصنع مثل هذا.

طالب:.....

هو ترتب عليه مفسدة لكن {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:106]، العزيمة أن يبين الحق مهما ترتب عليه.

طالب:...........

هو سبب في قتله؟ إذا كان سببا في قتله لا يجوز أن يقدم نفسه على أحد كائنا من كان وليس قتل غيره أولى من قتله. يعني لو أكره على قتل إنسان لا يجوز له بحال، اقتله وإلا قتلناك لا يجوز.

طالب:......

على كل حال هو تأول وتخرج بذلك وللدين رب يحميه...خشي لنفسه من القتل {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} لكن العزيمة أن يبين ولو ترتب عليه ما ترتب كما فعل الأئمة في مسألة خلق القرآن...هو يقول إذا خشي على نفسه أو خشي على ولده ممن يملك الفعل إذا هدد هذا في مندوحة.

"فَافْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَخَيْرُ مِلَلِهِمْ أَصْحَابُ ذِي الْقَرْنِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى مُنْكَرًا، وَبِحَسْبِ أَحَدِكُمْ إِذَا رَأَى الْمُنْكَرَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ كَارِهٌ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يَعْنِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ وَاسْتَبْطَئُوا بَعْثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} يَعْنِي: الَّذِينَ ابْتَدَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ. وَقِيلَ: مَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يَتَدَيَّنُ بِهِ مِنَ الْفِقْهِ وَيُخَالِفُ مَنْ يَعْلَمُ. وَقِيلَ: هُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. ثَبَتَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى دِينِ عِيسَى حَتَّى بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنُوا بِهِ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ رَجَعُوا عَنْ دِينِ عِيسَى وَهُمُ الَّذِينَ فَسَّقَهُمُ اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كَانَتِ الصَّحَابَةُ بِمَكَّةَ مُجْدِبِينَ، فَلَمَّا هَاجَرُوا أَصَابُوا الرِّيفَ وَالنِّعْمَةَ، فَفَتَرُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ فَأَفَاقُوا. وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِقَوْمِهِ: لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَقْسُو قُلُوبُكُمْ، فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ. وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَانْظُرُوا فِيهَا -أَوْ قَالَ فِي ذُنُوبِكُمْ- كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ، فَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: مُعَافًى وَمُبْتَلًى، فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} كَانَتْ سَبَبُ تَوْبَةِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، ذَكَرَ أَبُو الْمُطَرِّفِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ الْقَلَانِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ، قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ الزَّيَّاتُ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي أَبَانٍ، قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دَاهِرٍ، قَالَ سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ بَدْءِ زُهْدِهِ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا مَعَ إِخْوَانِي فِي بُسْتَانٍ لَنَا، وَذَلِكَ حِينَ حَمَلَتِ الثِّمَارُ مِنْ أَلْوَانِ الْفَوَاكِهِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا حَتَّى اللَّيْلَ فَنِمْنَا، وَكُنْتُ مُولَعًا بِضَرْبِ الْعُودِ وَالطُّنْبُورِ، فَقُمْتُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ فَضَرَبْتُ بِصَوْتٍ يُقَالُ لَهُ رَاشِينَ السَّحَرِ، وَأَرَادَ سِنَانٌ يُغَنِّي، وَطَائِرٌ يَصِيحُ فَوْقَ رَأْسِي عَلَى شَجَرَةٍ، وَالْعُودُ بِيَدِي لَا يُجِيبُنِي إِلَى مَا أُرِيدُ، وَإِذَا بِهِ يَنْطِقُ كَمَا يَنْطِقُ الْإِنْسَانُ -يَعْنِي الْعُودَ الَّذِي بِيَدِهِ- وَيَقُولُ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} قُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ! وَكَسَرْتُ الْعُودَ، وَصَرَفْتُ مَنْ كَانَ عِنْدِي، فَكَانَ هَذَا أَوَّلُ زُهْدِي وَتَشْمِيرِي. وَبَلَغْنَا عَنِ الشِّعْرِ الَّذِي أَرَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْ يَضْرِبَ بِهِ الْعُودَ:

     أَلَمْ يَأْنِ لِي مِنْكَ أَنْ تَرْحَمَا     وَتَعْصَ الْعَوَاذِلَ وَاللُّوَّمَا

     وَتَرْثِي لِصَبٍّ بِكُمْ مُغْرَمٌ       أَقَامَ عَلَى هَجْرِكُمْ مَأْتَمَا

     يَبِيتُ إِذَا جَنَّهُ لَيْلُهُ         يُرَاعِي الْكَوَاكِبَ وَالْأَنْجُمَا

     وَمَاذَا عَلَى الصَّبِّ لَوْ أَنَّهُ      أَحَلَّ مِنَ الْوَصْلِ مَا حَرَّمَا

وَأَمَّا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ فَكَانَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً فَوَاعَدَتْهُ لَيْلًا، فَبَيْنَمَا هُوَ يَرْتَقِي الْجُدْرَانَ إِلَيْهَا إِذْ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} فَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَهُوَ يَقُولُ: بَلَى وَاللَّهِ قَدْ آنَ، فَآوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى خَرِبَةٍ وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّابِلَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: إِنَّ فُضَيْلًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ. فَقَالَ الْفُضَيْلُ: أَوَّاهُ أَرَانِي بِاللَّيْلِ أَسْعَى فِي مَعَاصِي اللَّهِ، قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَخَافُونَنِي! اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ تَوْبَتِي إِلَيْكَ جِوَارَ بَيْتِكَ الْحَرَامِ."

طالب:.........

إذا ترتب عليها مصلحة راجحة ليس فيها شيء هذا سهل بعد التوبة منها...ثبتت أو ما ثبتت فالعبرة بما جاء عن الله وعن الرسول لكم مثل هذه يذكرها أهل العلم من باب الاعتبار وإلا ما يترتب عليها حكم...على كل حال ثبتت أو لم تثبت فلا يترتب عليها الحكم وما يضر ولا يتحرى بإسنادها...الأصل في باب التذكير أن يكون بكتاب الله {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} لكن إذا كان مثل هذه الأمور تبعا لما جاء عن الله وعن الرسول ما تضر... لابن قدامة كتاب اسمه (التوابون) وذكر فيه كثيرا من هذه قصص.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أَيْ: يُحْيِي الْأَرْضَ الْجَدْبَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِالْمَطَرِ. وَقَالَ صَالِحٌ الْمُرِّيُّ: الْمَعْنَى: يُلَيِّنُ الْقُلُوبَ بَعْدَ قَسَاوَتِهَا. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يُحْيِيهَا بِالْعَدْلِ بَعْدَ الْجَوْرِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ يُحْيِي الْكَافِرَ بِالْهُدَى إِلَى الْإِيمَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِالْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ. وَقِيلَ: كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى مِنَ الْأُمَمِ، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الْخَاشِعِ قَلْبُهُ وَبَيْنَ الْقَاسِي قَلْبُهُ، {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أَيْ: إِحْيَاءُ اللَّهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا دَلِيلٌ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَمُحْيِي الْمَوْتَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ فِيهِمَا مِنَ التَّصْدِيقِ، أَيِ: الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى. الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ أَيِ: الْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ، وَكَذَلِكَ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ. وَهُوَ حَثٌّ عَلَى الصَّدَقَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا بِالصَّدَقَةِ وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ الْحَسَنُ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْقَرْضِ الْحَسَنِ فَهُوَ التَّطَوُّعُ. وَقِيلَ: هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا مُحْتَسِبًا صَادِقًا. وَإِنَّمَا عُطِفَ بِالْفِعْلِ عَلَى الِاسْمِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الِاسْمَ فِي تَقْدِيرِ الْفِعْلِ."

أي أن الذين تصدقوا واللواتي التي تصدقن وأقرضوا الله يعني المصدقين والمصدقات في معنى الفعل الذين تصدقوا.

"أَيْ: إِنَّ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا وَأَقْرَضُوا يُضَاعَفُ لَهُمْ أَمْثَالُهَا. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "يُضَاعِفُهُ" بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَزِيَادَةِ هَاءٍ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ "يُضَعَّفُ" بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِهَا. {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} يَعْنِي الْجَنَّةَ. "

المصدق واحد المصدقين يطلق ويراد به المتصدق، فأدغمت التاء بالصاد ويطلق ويراد به الساعي على الصدقة، «ولا يخرج في الصدقة تيس، ولا هرمة، إلا أن يشاء المصدق»، يطلق ويراد به المصدق، إذا كانت المشيئة إليه، فلابد أن يتحرى الأحظ للفقراء والمساكين، ولا يتحرى الأحظ لنفسه والذي يظهر المراد بالمصدق هنا؛ هو الساعي الذي هو أقرب إلى التجرد من باذل الصدقة في هذه الأمور التي هي في الأصل دون وأقل من المطلوب لا يجوز إخراجها إلا إذا رأى المصدق الذي هو الساعي على الصدقة الذي يجمعها من أربابها للفقراء والمساكين هذا أقرب إلى النظر في حظ المساكين، لأنه لا حظ له لنفسه بخلاف باذل الصدقة، لأنه متهم، يخرج التيس لأنه أقل، ويخرج المعيب لأنه لا يدرج في الأسواق، بينما قد ينظر الساعي إلى أن هذا التيس أوفر اللحم أو أكثر قيمة لو بيع، فهو أحظ للمسكين وكذلك المعيبة التي فيها عيب خلقي قد تكون أوفر للمساكين أكثر لحما. فإذا رأى الساعي أن هذه أحظ للمساكين فلا مانع من أن يأخذها وإلا فالأصل أنها لا ، ولا يرد ذلك إلى مشيئة المتصدق، لأنه متهم في إخراج المعيبة ليس مثل الساعي الذي لا حظ له فيها.

طالب:..........

هو يبنى للمجهول للعلم به يعني من دواعي بناء الفعل للمجهول أن يكون الفاعل معلومًا {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28] معروف أن الخالق هو الله جل وعلا. وقد يكون من دواعيه أن يكون مجهولًا: سرق المتاع، وهكذا وقد يبنى للستر عليه، وقد يبنى تعظيمًا له أو تحقيرًا له. المقصود أن الدوافع كثيرة، {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} للعلم به.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} اخْتُلِفَ فِي الشُّهَدَاءِ هَلْ هُوَ مَقْطُوعٌ مِمَّا قَبْلُ أَوْ مُتَّصِلٌ بِهِ."

يعني الوقف {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} تقف ثم تستأنف وتقول: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} أو تصل {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ} عطف وهذا مما اختلف فيه وعلامة الوقف عندكم {أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ} الوصل أولى، ما أدري عن هذا على مصحف فاروق، عندكم مصحف المدينة؟ نعم لأن المطبوع مع التفسير فالأصل مصحف فاروق... وبينهم اختلاف يسير في الوقوف بينهم اختلاف....بلدنا قراءتهم حفص. مصحف المدينة أنفع لهم من غيره.

"فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: إِنَّ الشُّهَدَاءَ وَالصِّدِّيقِينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَّهُ مُتَّصِلٌ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُوقَفُ عَلَى هَذَا عَلَى قَوْلِهِ: الصِّدِّيقُونَ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}."

{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ} حصر هم الذين صدقوا الله ورسوله وهم الذين يشهدون على غيرهم، ولا يقصد بالشهادة معناها الخاص، وإذا قصد بالشهادة معناها الخاص فلتقف على الصديقين.

"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} فَالصِّدِّيقُونَ هُمُ الَّذِينَ يَتْلُونَ الْأَنْبِيَاءَ، وَالشُّهَدَاءُ هُمُ الَّذِينَ يَتْلُونَ الصِّدِّيقِينَ، وَالصَّالِحُونَ يَتْلُونَ الشُّهَدَاءَ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ فِي جُمْلَةِ مَنْ صَدَّقَ بِالرُّسُلِ، أَعْنِي {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ}. وَيَكُونُ الْمَعْنِيُّ بِالشُّهَدَاءِ مَنْ شَهِدَ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، فَيَكُونُ صِدِّيقٌ فَوْقَ صِدِّيقٍ فِي الدَّرَجَاتِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّاتِ الْعُلَا لَيَرَاهُمْ مَنْ دُونَهُمْ كَمَا يَرَى أَحَدُكُمُ الْكَوْكَبَ الَّذِي فِي أُفُقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا»."

تخريجه؟

طالب:......

على كل حال عطية مضعف

"وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ أَنَّ الشُّهَدَاءَ غَيْرُ الصِّدِّيقِينَ. فَالشُّهَدَاءُ عَلَى هَذَا مُنْفَصِلٌ مِمَّا قَبْلَهُ وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: الصِّدِّيقُونَ حَسَنٌ. وَالْمَعْنَى وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ أَيْ: لَهُمْ أَجْرُ أَنْفُسِهِمْ وَنُورُ أَنْفُسِهِمْ. وَفِيهِمْ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ الرُّسُلُ يَشْهَدُونَ عَلَى أُمَمِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ؛ قَالَهُ الْكَلْبِيُّ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}، الثَّانِي: أَنَّهُمْ أُمَمُ الرُّسُلِ يَشْهَدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِيمَا يَشْهَدُونَ بِهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا عَمِلُوا مِنْ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ، الثَّانِي: يَشْهَدُونَ لِأَنْبِيَائِهِمْ بِتَبْلِيغِهِمُ الرِّسَالَةَ إِلَى أُمَمِهِمْ؛ قَالَهُ الْكَلْبِيُّ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ قَوْلًا ثَالِثًا: إِنَّهُمُ الْقَتْلَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، قَالَ: أَرَادَ شُهَدَاءَ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْوَاوُ وَاوُ الِابْتِدَاءِ. وَالصِّدِّيقُونَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَقْطُوعٌ مِنَ الشُّهَدَاءِ. "

يعني كل هذا مداره على الواو هل هي عاطفة أو استئنافية؟ إن كانت عاطفة تعطف الشهداء على الصديقين وإن كان استئنافية فالوقف على الصديقين والشهداء استئناف.

"وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهِمْ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ، أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَحَمْزَةُ. وَتَابَعَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أَلْحَقَهُ اللَّهُ بِهِمْ لَمَّا صَدَّقَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ."

لأنه تأخر إسلامه عنهم.

"وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: الصِّدِّيقُونَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرُّسُلِ وَلَمْ يُكَذِّبُوهُمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مِثْلُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَصَاحِبِ آلِ يَاسِينَ، وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَصْحَابِ الْأُخْدُودِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أَيْ: بِالرُّسُلِ وَالْمُعْجِزَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ فَلَا أَجْرَ لَهُمْ وَلَا نُورَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} وَجْهُ الِاتِّصَالِ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتْرُكُ الْجِهَادَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْقَتْلِ، وَخَوْفًا مِنْ لُزُومِ الْمَوْتِ فَبَيَّنَ أَنَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا مُنْقَضِيَةٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ أَمْرَ اللَّهِ مُحَافَظَةً عَلَى مَا لَا يَبْقَى."

يعني هذه الحياة الدنيا من وصفها اللهو واللعب، أنها متاع الغرور، لا تستحق أن يتشبث بها الإنسان ويترك ما خلق من أجله لأجلها.

"وَ"مَا" صِلَةٌ تَقْدِيرُهُ: اعْلَمُوا أَنَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا لَعِبٌ بَاطِلٌ، وَلَهْوُ فَرَحٍ ثُمَّ يَنْقَضِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَعِبٌ وَلَهْوٌ: أَكْلٌ وَشُرْبٌ. وَقِيلَ: إِنَّهُ عَلَى الْمَعْهُودِ مِنَ اسْمِهِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ لَعِبٍ لَهْوٌ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي (الْأَنْعَامِ). وَقِيلَ: اللَّعِبُ مَا رَغِبَ فِي الدُّنْيَا، وَاللَّهْوُ مَا أَلْهَى عَنِ الْآخِرَةِ، أَيْ: شَغَلَ عَنْهَا. وَقِيلَ: اللَّعِبُ: الِاقْتِنَاءُ، وَاللَّهْوُ: النِّسَاءُ. {وَزِينَةٌ} الزِّينَةِ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ، فَالْكَافِرُ يَتَزَيَّنُ بِالدُّنْيَا وَلَا يَعْمَلُ لِلْآخِرَةِ."

لأنها جنته لأن الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن، والآخرة جنة المؤمن وسجن الكافر.

"وَكَذَلِكَ مَنْ تَزَيَّنَ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ، {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} أَيْ: يَفْخَرُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِهَا. وَقِيلَ: بِالْخِلْقَةِ وَالْقُوَّةِ. وَقِيلَ: بِالْأَنْسَابِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْمُفَاخَرَةِ بِالْآبَاءِ."

قيل الأولى أن يكون بجميع ذلك يفخر الإنسان بنفسه يفخر بماله، يفخر بولده، يفخر بحسبه يفخر بنسبه.

"وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» وَصَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ» الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيعُ هَذَا. {وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} لِأَنَّ عَادَةَ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ تَتَكَاثَرَ بِالْأَبْنَاءِ وَالْأَمْوَالِ، وَتَكَاثُرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَعِبٌ كَلَعِبِ الصِّبْيَانِ وَلَهْوٌ كَلَهْوِ الْفِتْيَانِ وَزِينَةٌ كَزِينَةِ النِّسْوَانِ وَتَفَاخُرٌ كَتَفَاخُرِ الْأَقْرَانِ وَتَكَاثُرٌ كَتَكَاثُرِ الدِّهْقَانِ."

يعني التجار.

"وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ الدُّنْيَا كَهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الزَّوَالِ وَالْفَنَاءِ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِعَمَّارٍ: لَا تَحْزَنْ عَلَى الدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا سِتَّةُ أَشْيَاءَ: مَأْكُولٌ وَمَشْرُوبٌ وَمَلْبُوسٌ وَمَشْمُومٌ وَمَرْكُوبٌ وَمَنْكُوحٌ، فَأَحْسَنُ طَعَامِهَا الْعَسَلُ وَهُوَ بَزْقَةُ ذُبَابَةٍ، وَأَكْثَرُ شَرَابِهَا الْمَاءُ يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ الْحَيَوَانِ، وَأَفْضَلُ مَلْبُوسِهَا الدِّيبَاجُ وَهُوَ نَسْجُ دُودَةٍ، وَأَفْضَلُ الْمَشْمُومِ الْمِسْكُ وَهُوَ دَمُ فَأْرَةٍ، وَأَفْضَلُ الْمَرْكُوبِ الْفَرَسُ وَعَلَيْهَا يُقْتَلُ الرِّجَالُ."

المقصود بالفأرة هنا ليست الفويسقة المعروفة، إنما هي فأرة المسك التي توجد في الغزال.

"وَأَمَّا الْمَنْكُوحُ فَالنِّسَاءُ وَهُوَ مَبَالٌ فِي مَبَالٍ، وَاللَّهِ إِنَّ الْمَرْأَةَ لَتُزَيِّنُ أَحْسَنَهَا يُرَادُ بِهِ أَقْبَحُهَا. ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا مَثَلًا بِالزَّرْعِ فِي غَيْثٍ فَقَالَ: كَمَثَلِ غَيْثٍ."

تزين أحسنها هو الوجه والمراد منها ما هو غير ذلك ما هو أقبح.

"كَمَثَلِ غَيْثٍ أَيْ: مَطَرٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ. الْكُفَّارُ هُنَا: الزُّرَّاعُ لِأَنَّهُمْ يُغَطُّونَ الْبَذْرَ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا كَالزَّرْعِ يُعْجِبُ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ لِخُضْرَتِهِ بِكَثْرَةِ الْأَمْطَارِ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَصِيرَ هَشِيمًا كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَإِذَا أَعْجَبَ الزُّرَّاعَ فَهُوَ غَايَةُ مَا يُسْتَحْسَنُ. وَقَدْ مَضَى مَعْنَى هَذَا الْمَثَلِ فِي (يُونُسَ) وَ(الْكَهْفِ). وَقِيلَ: الْكُفَّارُ هُنَا الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ إِعْجَابًا بِزِينَةِ الدُّنْيَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، فَإِنَّ أَصْلَ الْإِعْجَابِ لَهُمْ وَفِيهِمْ، وَمِنْهُمْ يَظْهَرُ ذَلِكَ، وَهُوَ التَّعْظِيمُ لِلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَفِي الْمُوَحِّدِينَ مِنْ ذَلِكَ فُرُوعٌ تَحْدُثُ مِنْ شَهَوَاتِهِمْ، وَتَتَقَلَّلُ عِنْدَهُمْ وَتَدِقُّ إِذَا ذَكَرُوا الْآخِرَةَ. وَمَوْضِعُ الْكَافِ رَفْعٌ عَلَى الصِّفَةِ."

الأصل في مثل هذا الإعجاب هو من الكفار، الذين هم لا يتدينون بدين وجاء في الحديث الصحيح: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة»، هم الذين يعتنون بهذه الأشياء في هذه الدنيا لأنهم مفاليس في الآخرة نسأل الله العافية. وقد يطرأ على بعض المسلمين شيء من ذلك إذا غفل عن آخرته ثم إذا لا يلبث أن يذكر الآخرة، فيزهد في هذه الأمور.

"{ثُمَّ يَهِيجُ} أَيْ: يَجِفُّ بَعْدَ خُضْرَتِهِ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا أَيْ: مُتَغَيِّرًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ النُّضْرَةِ. {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} أَيْ: فُتَاتًا وَتِبْنًا فَيَذْهَبُ بَعْدَ حُسْنِهِ، كَذَلِكَ دُنْيَا الْكَافِرِ. {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أَيْ: لِلْكَافِرِينَ. وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ حَسَنٌ، وَيَبْتَدِئُ {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} أَيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ."

الآخرة دار الجزاء، فيجازى كل بعمله. عذاب شديد للكافرين، ومغفرة من الله ورضوان للمؤمنين. الدنيا دار العمل، والآخرة هي دار الجزاء على ذلك العمل.

"وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ تَقْدِيرُهُ إِمَّا عَذَابٌ شَدِيدٌ وَإِمَّا مَغْفِرَةٌ."

يعني لا تجتمع. ليست الواو لمطلق الجمع والعطف. الإنسان الواحد يحصل له العذاب الشديد والمغفرة من الله، اللهم إلا عصاة الموحدين يعذبون على قدر ذنوبهم، ثم يؤول بهم الأمر إلى مغفرة من الله رضوان، لكن الجمع بينهما في آن واحد لا يمكن، وفي شخص واحد لا يمكن، إنما العذاب الشديد للكافي والمغفرة والرضوان للمؤمن.

"فَلَا يُوقَفُ عَلَى شَدِيدٌ. {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} هَذَا تَأْكِيدُ مَا سَبَقَ، أَيْ: تَغُرُّ الْكُفَّارَ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَالدُّنْيَا لَهُ مَتَاعٌ بَلَاغٌ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: الْعَمَلُ لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَتَاعُ الْغُرُورِ تَزْهِيدًا فِي الْعَمَلِ لِلدُّنْيَا، وَتَرْغِيبًا فِي الْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} أَيْ: سَارِعُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ. وَقِيلَ: سَارِعُوا بِالتَّوْبَةِ، لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى الْمَغْفِرَةِ؛ قَالَهُ الْكَلْبِيُّ. وَقِيلَ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ؛ قَالَهُ مَكْحُولٌ. وَقِيلَ: الصَّفُّ الْأَوَّلُ."

كل هذه تدل على المسارعة والمسابقة. الذي يسارع ويبادر بالتوبة ولا يسوف ولا يؤخر داخل في المسارعة، والمسابقة، والذي يبادر إلى الصلاة مع الأذان أيضًا هذا مسابق، ومسارع ومثله الذي يبادر إلى إدراك الصلاة من أولها. فالمسابقة والمسارعة أمور نسبية. فالمسابقة والمسارعة مفاعلة تقع بين اثنين، الأول منهما هو السابق هو المسارع، والثاني منهما هو المسبوق، لكنه سابق بالنسبة لمن يأتي بعده. فعلى الإنسان أن يحرص ألا يُسبق فإن سبق فالأقل أن يكون مع السابقين.

طالب:.........

...إذا سمعت الإقامة فأتوا إليها وأنتم تمشون...امشوا وعليكم السكينة...

"{وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} لَوْ وُصِّلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي جَمِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ مَبْسُوطَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا. وَقِيلَ: يُرِيدُ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْ: لِكُلِ وَاحِدٍ جَنَّةٌ بِهَذِهِ السَّعَةِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: عَنَى بِهِ جَنَّةً..."

قد يقول قائل: لو صارت هذه الجنات هذه الجنة التي عرضها السموات والأرض لواحد، أين يروح الناس الباقون؟ الواحد آخر من يدخل الجنة يقال له: تمنى فيتمنى فتنقطع به الأماني حتى يقال له: أترضى أن يكون لك ملك أكبر أو أعظم ملك في الدنيا؟ يقول: أي ربِ يرضى، يكون له مثل ملك هارون الرشيد، قال لك: ومثله ومثله ومثله عشر أمثاله، ولا يقول قائل وين يروحون الناس؟ فضل الله لا يحد وقدرته لا يقف دونها شيء.

"وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: عَنَى بِهِ جَنَّةً وَاحِدَةً مِنَ الْجَنَّاتِ، وَالْعَرْضُ أَقَلُّ مِنَ الطُّولِ."

إذا كان هذا العرض فما طولها؟

"وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تُعَبِّرُ عَنْ سَعَةِ الشَّيْءِ بِعَرْضِهِ دُونَ طُولِهِ. قَالَ:

كَأَنَّ بِلَادَ اللَّهِ وَهْيَ عَرِيضَةٌ عَلَى الْخَائِفِ الْمَطْلُوبِ كِفَّةُ حَابِلِ."

المطلوب الذي يبحث عنه هذا تضيق به الأرض ذرعًا ولا يمكن أن يهنئ بعيش ولا يمكن أن يقول أنا مفلت، لا يمكن أن يوقف عليه، لا! هذا تضيق به الدنيا ذرعًا حتى يسعى إلى أن يسلم نفسه، مع سعة الأرض، مع طولها، مع عرضها. يقول:

كَأَنَّ بِلَادَ اللَّهِ وَهْيَ عَرِيضَةٌ عَلَى الْخَائِفِ الْمَطْلُوبِ كِفَّةُ حَابِلِ.

يعني كأنها كلها حبة التي تمسكونها.

طالب:........

"وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلُّهُ فِي (آلِ عِمْرَانَ). وَقَالَ طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ: قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أَرَأَيْتُمُ اللَّيْلَ إِذَا وَلَّى وَجَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ؟ فَقَالُوا: لَقَدْ نَزَعْتَ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِثْلُهُ. {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} شَرْطُ الْإِيمَانِ لَا غَيْرَ، وَفِيهِ تَقْوِيَةُ الرَّجَاءِ. وَقَدْ قِيلَ: شَرْطُ الْإِيمَانِ هُنَا، وَزَادَ عَلَيْهِ فِي (آلِ عِمْرَانَ) فَقَالَ: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}. "

والمطلق هنا محمول على المقيد في سورة آل عمران. الإيمان وحده لابد له من عمل. المسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة يدخل فيه العمل، فإذا لم ينص عليه فالمراد به العملي والاعتقادي والنطق.

"{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} أَيْ: إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تُنَالُ وَلَا تُدْخَلُ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي (الْأَعْرَافِ) وَغَيْرِهَا. {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}."

صلى الله على نبينا محمد.