كتاب النكاح من سبل السلام (11)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

أحسن الله إليك.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-:

"بَابُ الْوَلِيمَةِ:

الْوَلِيمَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْوَلْمِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَهُوَ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَالْفِعْلُ مِنْهَا أَوْلَمَ".

هذا إذا قلنا: إن الوليمة خاصة بوليمة العرس، وإذا قلنا بأن الوليمة عام في كل ضيافة، قلنا: لأنه يجتمع فيها الضيوف.

"وَتَقَعُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ يُتَّخَذُ لِسُرُورٍ حَادِثٍ، وَوَلِيمَةُ الْعُرْسِ مَا يُتَّخَذُ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَمَا يُتَّخَذُ عِنْدَ الْإِمْلَاكِ".

"الحديث الأول: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: «فَبَارَكَ اللَّهُ لَك، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ".

"عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ لَهُ: «مَا هَذَا؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَك، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ".

هذا من شؤم التصرف في كتب أهل العلم، يعني إدخال المتن، والمؤلف ما أدخله، جعله يكرر المتن مرتين بحروفه، أحيانًا يأتي المتن ممزوجًا، فإدخال المتن كاملًا له وجه، لكن أحيانًا يكون غير ممزوج، فيدخله ثانيًا، ولا داعي لمثل هذا الإدخال، وتبقى كتب أهل العلم على ما تركها مؤلفوها، أنتم لاحظتم أن الحديث هو هو ما تغير.

أحسن الله إليك.

"جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ تَفْسِيرُ الصُّفْرَةِ بِأَنَّهَا رَدِغٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ أَثَرُ الزَّعْفَرَانِ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ عُلِمَ النَّهْيُ عَنْ التَّزَعْفُرِ، فَكَيْفَ لَمْ يُنْكِرْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟

 قُلْت: هَذَا مُخَصِّصٌ لِلنَّهْيِ بِجَوَازِهِ لِلْعَرُوسِ، وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي ثِيَابِهِ دُونَ بَدَنِهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِهِ فِي الثَّوْبِ".

منهم من قال: إنه انتقل إليه من المرأة، يعني لم يقصد التزعفر، لكن هي متزعفرة، فانتقل إليه منها؛ وهذا للجمع بين النصوص.

"وَقَدْ مَنَعَ جَوَازَهُ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَمَنْ تَبِعْهُمَا، وَالْقَوْلُ بِجَوَازِهِ فِي الثِّيَابِ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ، وَعُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِمَفْهُومِ النَّهْيِ الثَّابِتِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْخَلُوقِ»".

«فِي جَسَدِهِ» مفهومه أنه لو كان في ثوبه لما كان فيه بأس، هذا مفهوم من وجه، لكن هناك مفهوم من وجهٍ آخر، وهو أنه يبقى النهي عن الجسد والثوب، لكن يختص هذا الحكم بما كان في الجسد، وهو عدم قبول الصلاة، ويبقى أنه محرم، لكن صلاته مقبولة.

"وَأُجِيب بِأَنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ لَا يُقَاوِمُ النَّهْيَ الثَّابِتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَبِأَنَّ قِصَّةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَتْ قَبْلَ النَّهْيِ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَبِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الصُّفْرَةَ الَّتِي رَآهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَتْ مِنْ جِهَةِ امْرَأَتِهِ عَلِقَتْ بِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَقْصُودٍ لَهُ، وَرَجَّحَ هَذَا النَّوَوِيُّ، وَعَزَاهُ لِلْمُحَقِّقِينَ، وَبَنَى عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ.

وَقَوْلُهُ: عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قِيلَ: الْمُرَادُ وَاحِدَةُ نَوَى التَّمْرِ، قِيلَ: كَانَ قَدْرُهَا يَوْمِئِذٍ رُبْعَ دِينَارٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ نَوَى التَّمْرِ يَخْتَلِفُ".

حجمه مختلف، يختلف كبرًا وصغرًا، من النوى ما هو كبير، ومنه ما هو صغير.

"فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِعْيَارًا لِمَا يُوزَنُ؟ وَقِيلَ: إنَّ النَّوَاةَ مِنْ ذَهَبٍ عِبَارَةٌ عَمَّا قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيُّ".

يعني فئة من العملة اسمها نواة يتداولها الناس بهذا الاسم، وتكون قيمتها خمسة دراهم.

"وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَزْنُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قُوِّمَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ قَتَادَةَ: قُوِّمَتْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَثُلُثًا، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، لَكِنْ جَزَمَ بِهِ أَحْمَدُ، وَقِيلَ فِي قَدْرِهَا غَيْرُ ذَلِكَ. وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ النَّوَاةَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رُبْعُ دِينَارٍ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ أَنَّهُ يُدْعَى لِلْعَرُوسِ بِالْبَرَكَةِ، وَقَدْ نَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَرَكَةَ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ حَتَّى قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتنِي لَوْ رَفَعْت حَجَرًا لَرَجَوْت أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ فِي آخِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ."

لكن الدعوة هل هذه عامة في جميع أموره وأحواله في كل شيءٍ من تصرفاته، أو أنها خاصة في هذا الباب الذي هو الزواج والنكاح، والدعوة له في باب المال دعوةٌ آخرى؟ يعني بارك الله لك فيما صنعت من زواج، وأما كونه لو رفع حجرًا وجد عنده أو معه أو باع ترابًا ربح فيه، فسببه دعوةٌ آخرى تتعلق بالمال "فَلَقَدْ رَأَيْتنِي لَوْ رَفَعْت حَجَرًا لَرَجَوْت أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً"، يعني كل من دعا لهم النبي –عليه الصلاة والسلام- بهذه المناسبة أصابه مثل هذا، أو أنهم بورك لهم استجابةً لهذه الدعوى؟

بورك لهم في زواجهم وما يدور حوله.

أحسن الله إليك.

"وَفِي قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْوَلِيمَةِ فِي الْعُرْسِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الظَّاهِرِيَّةُ؛ قِيلَ: وَهُوَ نَصٌّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَمَّا خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ-رضي الله عنهما-: «لَا بُدَّ مِنْ وَلِيمَةٍ»، وَسَنَدُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْوَلِيمَةِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْوُجُوبِ، وَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «الْوَلِيمَةُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ فَمَنْ دُعِي وَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى». وَالظَّاهِرُ مِنْ الْحَقِّ الْوُجُوبُ، وَقَالَ: أَحْمَدُ الْوَلِيمَةُ سُنَّةٌ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: مَنْدُوبَةٌ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَهَا، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ الْخِلَافَ، وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى النَّدْبِيَّةِ بِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَمَرَ بِذَلِكَ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَرَكَ الْوَلِيمَةَ. رَوَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلَى كَوْنِ الْوَلِيمَةِ غَيْرَ وَاجِبَةٍ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.

 وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ الْوَلِيمَةِ هَلْ هِيَ عِنْدَ الْعَقْدِ، أَوْ عَقِبَهُ، أَوْ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَهِيَ أَقْوَالٌ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ".

أما الأمر «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» فالأمر الأصل فيه الوجوب، لكن هل من تمام الوجوب أن تكون الوليمة شاة، والنبي –عليه الصلاة والسلام- أولم بما دون ذلك؟ يعني هل تجب الشاة؟ هل الأمر هنا مُنصب إلى الوليمة وكونها بالشاة، أو الأمر مُنصب إلى الوليمة فيما تيسير؟ وقوله: «وَلَوْ بِشَاةٍ» يعني أن أقل ما يولم به الشاة والنبي -عليه الصلاة والسلام- أولم بأقل من الشاة، فكونه أولم بما هو دون الشاة يدل على أن الأمر بالنسبة للمتعلق جار ومجرور أنه على سبيل الندب، وأما أصل الوليمة فالأمر في الأصل الوجوب.

طالب:.........

على كل حال كونه –عليه الصلاة والسلام- أولم بدون ذلك يدل على أنه بما تيسر.

"وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عِنْدَ الْعَقْدِ، وَبَعْدَ الدُّخُولِ".

على كل حال هذه تختلف البلدان والأزمان والأشخاص، منهم من تكون الوليمة محددة معروفة، قد يولم ولائم كثيرة في ظل هذه المناسبة، لكن ما اشتهر بينهم وما عُرف أن هذه الوليمة بسبب العرس وهي الوليمة الرسمية الأصلية، وما يتبع ذلك من ولائم زائدة جاء النهي عن الإكثار والإسراف في الولائم، وأن ما زاد على الاثنتين أو الثلاث داخل في حيز الإسراف.

 المقصود أن التي تجب إجابتها والواجبة هي التي تكون بسبب العُرس، والتي يتعارف الناس عليها أنها هي وليمة العُرس، وإلا فالأعراف مختلفة، منهم من يولم عند العقد، لكن هل هذه وليمة عُرس؟ يضعون وليمة عند العقد، ثم يضعون وليمة آخرى عند الدخول، ثم يضعون وليمة ثالثة عند الانتقال إلى بيت الزوج، وأصل الوليمة وجوبها على الزوج.

طالب:.........

ما يمنع هذا يقبل الهدية ويقبل النيابة، فلو لزمك شيء وتبرع به شخص من غير ظهورٍ لمنته، فلا مانع من أن تقبل، لا مانع من قبوله.

طالب:.........

هذا الأصل فيه لو جاء واحد، وقال: أنا عندي صاع زائد، أنت اشتريت زكاة فطر أو ما اشتريت؟ أنا والله عندي صاع زائد، خذه تصدق به، تقول له: هذه قيمته، يقول لك: ما يحتاج يا أخي، هذا أمره سهل، الذي بيننا وبينك أكبر من هذا، تجزي أم ما تجزي؟ والمنة زائلة باعتبار أنك أردت أن تدفع إليه الثمن ولم يرضَ.

طالب:........

هذا من تتمة تكاليف الزواج التي هي الأصل أن يقوم بها الزوج، ومتعارف عند الناس أن والد الزوجة ينفق على عرسها ضعف ما يأخذ من الزوج، لكن الأصل هكذا أنها على الزوج، لكن إذا قامت الوليمة وتعارف الناس على هذا مثل ما ذكرنا قريبًا، لو تبرع ناس أو اجتمعوا أو كذا من غير منّة أو تعاون الإخوان أو تعاون الأب مع أولاده، ما فيه ما يمنع إن شاء الله تعالى.

أحسن الله إليك.

"وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا عِنْدَ الدُّخُولِ، قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: وَالْمَنْقُولُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى قِصَّةِ زَوَاجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ؛ لِقَوْلِ أَنَسٍ: أَصْبَحَ -يَعْنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَرُوسًا بِزَيْنَبِ فَدَعَا الْقَوْمَ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ بَابَ وَقْتِ الْوَلِيمَةِ".

"وَأَمَّا مِقْدَارُهَا فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْلَمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَغَيْرِهَا بِأَقَلَّ مِنْ شَاةٍ، وَأَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ بِشَاةٍ، وَقَالَ أَنَسٌ: لَمْ يُولِمْ عَلَى غَيْرِ زَيْنَبَ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَيْهَا، إلَّا أَنَّهُ أَوْلَمَ عَلَى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ لَمَّا تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ عَامَ الْقَضِيَّةِ، وَطَلَبَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَحْضُرُوا، فَامْتَنَعُوا بِأَكْثَرَ مِنْ وَلِيمَتِهِ عَلَى زَيْنَبَ، وَكَأَنَّ أَنَسًا يُرِيدُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي وَلِيمَةِ زَيْنَبَ بِالشَّاةِ مِنْ الْبَرَكَةِ فِي الطَّعَامِ مَا لَمْ يَقَعْ فِي غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ أَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَكَانَ الْمُرَادُ لَمْ يُشْبِعْ أَحَدًا خُبْزًا وَلَحْمًا فِي وَلِيمَةٍ مِنْ وَلَائِمِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ فِي وَلِيمَةِ زَيْنَبَ".

الشبع وعدمه أمور نسبية، تختلف باختلاف كثرة الطعام، وجودة الطعام، كثرة الحضور وقلتهم.

"الحديث الثاني: وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ: «إذَا دَعَا أَحَدَكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ».

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ أَيْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إذَا دَعَا أَحَدَكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ».

 الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ إلَى الْوَلِيمَةِ".

من حق المسلم على المسلم إجابته إذا دعاه، إذا دعاك فأجبه، هذا من الحقوق، لكن هل هذا الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ أما يتعلق بوليمة العُرس، فالمرجح عند المحققين أن إجابة الدعوة فيها ظاهرة تجب إجابة الدعوى فيها ما لم يكن ثَمّ منكر لا يمكن إزالته، فإذا خلت الوليمة عن المنكر فلابد من الإجابة، ويأثم إذا تركها، لاسيما إذا كانت مما يكون بين الطرفين حقٌ قدرٌ زائد على ذلك من قرابةٍ أو جوارٍ أو ما أشبه ذلك، تتأكد حينما تكون بين الأقارب أو بين الجيران وما أشبهه، والأصل فيها الوجوب.

 ويعتري هذا الوجوب ما يخففه من بعض الإشكالات التي توجد في هذه المناسبات، قد يتعارض الوجوب مع وجود منكر، العلماء يقولون: لا يجيب، يتعارض الوجوب عن منكر ظاهر واضح لا تأويل فيه، وقد يتعارض مع منكرٍ فيه تأويل، فلان من الناس يرى أن مثل هذه الوليمة فيها إسراف، والإسراف منكر، لكن لا يتذرع بهذا ليرضي ما في نفسه وفي الواقع ليس كذلك، من الناس من يتذرع ببعض الأمور التي يظهرها للناس بأنها هي المانع له من الحضور وحقيقة الأمر ليست كذلك، مثل هذا لا يعفيه، لكن العبرة بالواقع والمسألة ديانة، وأنه مطالبٌ بهذا شرعًا لا يجوز له إلا إذا كان المنكر حقيقيًّا محققًا، أما التوهم أو مجرد الاحتمال فهذا لا يكفي.

طالب: إذا كان المنكر سيأتي بعد ذهاب الوليمة؟

على كل حال هو ما فيه منكر الآن، وإذا كان تركك للوليمة مما يردعهم في تركهم منكرهم، أو لماذا لم يحضر فلان؟ لأن فيه منكرًا سيأتي، أوعرفنا أنكم سوف تعصون بعد خروجه، مثل هذه الأمور تقدر بقدرها، كل إنسان له ظروفه، يعني العالم غير العامي، أنا أعرف واحدًا من المشايخ دُعي إلى فطور في الصباح، فقدمت له وليمة، وليمة عشاء، ذبائح وما يتبعها، فرفض الدخول، فرفض أن يدخل عليها، ولا أكل منها شيئًا ألبتة، ورفض كل ما قُدم له من قِبل هذا الشخص، هذا من باب التأديب يحصل مثل هذا، ولا يلام الشيخ الذي حصل منه هذا؛ لأن هذا في هذا الوقت يُعد إسرافًا، لكن لو قُدمت في عشاء فما يعد إسرافًا، قد يعتري بعض الأمور ما يجعلها تُجاب أو لا تُجاب.

أحيانًا قد يكون الحضور والمنكر موجود أرجح من عدمه؛ لأن هذا الذي يحضر قد يُستحيا منه، فيزال المنكر مجرد حياء من الشخص، أو يخف المنكر بحيث يكون وجوده كعدمه، مثل هذا يحضر.

طالب:........

يمنع، يمنع، هذا منكر إذا لم يستطع إزالته يمنع.

أحسن الله إليك.

"وَالثَّانِي: دَالٌّ عَلَى وُجُوبِهَا إلَى كُلِّ دَعْوَةٍ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَا عَنْ رَاوٍ وَاحِدٌ؛ لأنه يحتمل أنه تارةً اقتصر على بعض الحديث، وتارةً استوفاه أو أن ذلك من أحد رواته، وَقَدْ أَخَذَت الظَّاهِرِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ بِظَاهِرِهِ، فَقَالُوا: تَجِبُ الْإِجَابَةُ إلَى الدَّعْوَةِ مُطْلَقًا، وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَغَيْرِهَا، فَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى وُجُوبِ إجَابَةِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَصَرَّحَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ".

"وَعَنْ الْبَعْضِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَعَدَمِ الرُّخْصَةِ فِي غَيْرِهَا فَإِنَّهُ قَالَ إتْيَانُ دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ حَقٌّ، وَالْوَلِيمَةُ الَّتِي تُعْرَفُ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ، وَكُلُّ دَعْوَةٍ دُعِيَ إلَيْهَا رَجُلٌ وَلِيمَةٌ فَلَا أُرَخِّصُ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لي أَنَّهُ عَاصٍ كَمَا تَبَيَّنَ لِي فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَفِي الْبَحْرِ لِلْمَهْدِيِّ حِكَايَةُ إجْمَاعِ الْعِتْرَةِ".

(الْعِتْرَةِ) يعني أهل البيت.

أحسن الله إليك.

"وَفِي الْبَحْرِ لِلْمَهْدِيِّ حِكَايَةُ إجْمَاعِ الْعِتْرَةِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فِي الْوَلَائِمِ كُلِّهَا هَذَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ -فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ-: وَقَدْ يَسُوغُ تَرْكُ الْإِجَابَةِ لِأَعْذَارٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي الطَّعَامِ شُبْهَةٌ، أَوْ يُخَصَّ بِهَا الْأَغْنِيَاءُ، أَوْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ مَعَهُ، أَوْ لَا يَلِيقُ لِمُجَالَسَتِه،ِ أَوْ يَدْعُوهُ لِخَوْفِ شَرِّهِ أَوْ لِطَمَعٍ فِي جَاهِهِ، أَوْ لِيُعَاوِنَهُ عَلَى بَاطِلٍ، أَوْ يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ مِنْ خَمْرٍ أَوْ لَهْوٍ أَوْ فِرَاشِ حَرِيرٍ أَوْ سِتْرٍ لِجِدَارِ الْبَيْتِ أَوْ صُورَةٍ فِي الْبَيْتِ، أَوْ يَعْتَذِرُ إلَى الدَّاعِي فَيَتْرُكُهُ، أَوْ كَانَتْ فِي الثَّالِثِ كَمَا يَأْتِي، فَهَذِهِ الْأَعْذَارُ وَنَحْوُهَا فِي تَرْكِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالنَّدْبِ بِالْأَوْلَى، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِمَّا عُلِمَ مِنْ الشَّرِيعَةِ، وَمِنْ قَضَايَا وَقَعَتْ لِلصَّحَابَةِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ دَعَاهُ ابْنُ عُمَرَ، فَرَأَى فِي الْبَيْتِ سِتْرًا عَلَى الْجِدَارِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: غَلَبَنَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ فَقَالَ: مَنْ كُنْت أَخْشَى عَلَيْهِ، فَلَمْ أَكُنْ أَخْشَى عَلَيْك، وَاَللَّهِ لَا أُطْعَمُ لَك طَعَامًا فَرَجَعَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَمُسَدَّدٌ.

 وَأَخْرَجَه الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: عَرَّسْت فِي عَهْدِ أَبِي فَأَذِنَّا النَّاسَ، فَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ فِيمَنْ أَذِنَّا، وَقَدْ سَتَرُوا بَيْتِي بِبِجَادٍ أَخْضَرَ، فَأَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ، فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ: أَتَسْتُرُونَ الْجُدُرَ؟ فَقَالَ أَبِي وَاسْتَحَى: غَلَبَنَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ يَا أَبَا أَيُّوبَ، فَقَالَ: مَنْ خَشِيت أَنْ تَغْلِبَهُ النِّسَاءُ فَذَكَرهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدْخُلُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، حَتَّى أَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ، وَفِيهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَقْسَمْت عَلَيْك لَتَرْجِعَنَّ، فَقَالَ: وَأَنَا أَعْزِمُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أَدْخُلَ يَوْمِي هَذَا، ثُمَّ انْصَرَفَ".

أما الستور المرخاة على الجدران أو على النوافذ أو غيرها فهذا أمرٌ يتداوله الناس من غير نكير، وفيه ما أُثر عن السلف مما سمعتم وفيه غيره أيضًا، ولا شك أن مثل هذا ينبغي أن يتقيه المسلم لاسيما طالب العلم الذي يُقتدى به، والله المستعان.

"وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ أَنَّ رَجُلًا دَعَا ابْن عُمَرَ إلَى عُرْسٍ، فَإِذَا بَيْتُهُ قَدْ سُتِرَ بِالْكُرُورِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا فُلَانُ، مَتَى تَحَوَّلَتْ الْكَعْبَةُ فِي بَيْتِك؟! ثُمَّ قَالَ لِنَفَرٍ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لِيَهْتِكَ كُلُّ رَجُلٍ مَا يَلِيهِ".

لكن هل يستوي في ذلك الستور الملصقة كالورق وشبهها أو الستور المرخاة من غير إلصاق؟ لو قدرنا أن هذا الجدار مستور بورق ملصق يُسمى سترًا أو ما يسمى، أو هذا يأخذ حكم اللون البوية؟

طالب: والسيراميك؟

والسيراميك هذا وغيره تسمى ستورًا، الأصل في الستور أن تكون من الخرق والقماش وما أشبه ذلك.

طالب:........

على كل حال المدار في المسألة على استعمال القدر الزائد عن الحاجة، ومثل هذا العمل ليس فيه خير ولا بركة، الإسراف في مثل هذه الأمور لا يرجى نفعه.

أحسن الله إليك.

"وَالْحَدِيثُ وَمَا قَبْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ سَتْرِ الْجُدْرَانِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ بِالثِّيَابِ»، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ مَوْقُوفًا أَنَّهُ أَنْكَرَ سَتْرَ الْبَيْتِ، فَقَالَ: مَحْمُومٌ بَيْتُكُمْ أَوْ تَحَوَّلَتْ الْكَعْبَةُ عندكم، ثُمَّ قَالَ: لَا أَدْخُلُهُ حَتَّى يُهْتَكَ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ جَزَمَ جَمَاعَةٌ بِالتَّحْرِيمِ لِسَتْرِ الْجِدَارِ، وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ»، وَجَذَبَ السِّتْرَ حَتَّى هَتَكَهُ فِي قِصَّةٍ مَعْرُوفَةٍ، وَقَدْ كُنَّا كَتَبْنَا فِي هَذَا رِسَالَةً جَوَابَ سُؤَالٍ فِي مُدَّةٍ قَدِيمَةٍ.

 وأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ إجَابَةِ طَعَامِ الْفَاسِقِينَ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ»، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَبِالْجُمْلَةِ الدَّعْوَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلْإِجَابَةِ، وَحُصُولُ الْمُنْكَرِ مَانِعٌ عَنْهَا، فَتَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضَى، وَالْحُكْمُ لِلْمَانِعِ".

لأن الحظر مقدم على الإباحة.

"الحديث الثالث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-«شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ». َأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

 وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا» وَهُمْ الْفُقَرَاءُ كَمَا يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ: بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى إلَيْهَا الشَّبْعَانُ، وَيُمْنَعُ عَنْهَا الْجِيعَانُ، انتهـى. فَلَوْ شَمِلَتْ الدَّعْوَةُ الْفَرِيقَيْنِ زَالَتْ الشَّرِّيَّةُ عَنْهَا. «وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا» يَعْنِي الْأَغْنِيَاءُ".

بسبب أن القلوب تغيرت تغيرًا واضحًا، فإذا دُعي الإنسان ما أجاب، وإذ لم يُدعَ غضب وحمل في نفسه هذا الشخص نفسه، يعني إن لم يدع صار في نفسه وصارت عداوة بينهما، وإن دُعي ما أجاب، هذا الحاصل من الطرفين، وهذا كثير. فعلى الإنسان أن يتقي الله –جل و علا-، وأن يمتثل الأمر إن لم يكن ثَمّ مانع ولا يشق عليه الحضور، ما الذي يمنعه من إجابة دعوة أخيه؟ فإذا دُعي فعليه أن يجيب إلا إذا وجد ما يعارض هذه الدعوة من دعوةٍ سابقة أو ظرفٍ قاهر أو لوجود مانع في نفس الدعوى من منكر أو غيره، يلاحظ أن الناس في مجالسهم يتحدثون فلان دُعي، وفلان ما دُعي، هذا الذي دُعي ما يحضر، والذي لم يُدعَ أرسل لسانه في صاحب الدعوى، يعني الذي لا يريد الحضور إذا لم يُدعَ، ما يقول: الحمد لله سقط عني الواجب، وأنا من الأصل حضوري فيه نظر، والله المستعان.

أحسن الله إليك.

"قال: «وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ» بفتح الدال المهملة على المشهور، وضمها قطربٌ في مثلثته وغُلِّط. «فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» َأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

الْمُرَادُ مِنْ الْوَلِيمَةِ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ لِمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِنْ أَنَّهَا إذَا أُطْلِقَتْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ انْصَرَفَتْ إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَشَرِّيَّةُ طَعَامِهَا قَدْ بَيَّنَ وَجْهَهُ قَوْلِهِ: «يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا» فَإِنَّهَا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِوَجْهِ شَرِّيَّةِ الطَّعَامِ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ يُدْعَى الْإِجَابَةُ، وَإِنْ كَانَتْ إلى شَرّ طَعَامٍ، وَأَنَّهُ يَعْصِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ مَنْ لَمْ يُجِبْ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ".

وهذا من أقوى أدلة وجوب الدعوى؛ لأن الأمر يحتمل أن يكون للوجوب، وأن يكون للاستحباب، لكن التنصيص على أنه عصى، المعصية لا تكون إلا على ترك واجب.

أحسن الله إليك.

"وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ".

"وَعَنْهُ أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ»".

يعني يدعو يصلي صلاةً لغوية وهي الدعاء، ومنهم من يرى أن يصلي ركعتين وينصرف، قال بهذا جمعٌ من أهل العلم، والأكثر على أن المراد به الدعاء، الصلاة اللغوية.

"وفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ صَائِمًا أَنْ لَا يَعْتَذِرَ بِالصَّوْمِ، ثُمَّ إنَّهُ قَد اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ فَلْيَدْعُ لِأَهْلِ الطَّعَامِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْبَرَكَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْمَعْرُوفَةِ أَيْ يَشْتَغِلُ بِالصَّلَاةِ؛ لِيُحَصِّلَ فَضْلَهَا، وَيَنَالَ بَرَكَتَهَا أَهْلُ الطَّعَامِ وَالْحَاضِرُونَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُلْزِمُهُ الْإِفْطَارَ فيجيب".

ليجيب.

"لِيُجِيبَ، فَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ فَرْضًا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ، وَإِنْ كَانَ نَفْلًا جَازَ لَهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَلْيَطْعَمْ وُجُوبُ الْأَكْلِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَكْلُ فِي طَعَامِ الْوَلِيمَةِ وَلَا غَيْرِهَا".

وإنما تكفيه الإجابة أن يحضر ولو لم يأكل، لكن إذا كان عدم أكله يقع في نفس الداعي أكثر مما لو لم يحضر؛ لأنه لو لم يحضر فاحتمال أن يلتمس له عذرًا، أنه حصل له مانع، لكن إذا حضر ولم يأكل فلا شك أنه يقع في نفس الداعي، وحينئذٍ عليه أن يأكل إلا إذا كان الأكل يضره فالضرر يزال.

طالب:........

يتحايل، يُريهم وجهه ويمشي، هو أجاب الدعوة على كل حال، لكن يبقى أنه إذا كان ما يزول ما في النفس إلا بحضوره إلى الوليمة، فمثل هذه الإجابة لا تكفي.

طالب: ممكن في مكان ممنوع اصطحاب الأطفال، هل هذا مسوغ لعدم الحضور؟

محظور للآباء؟

طالب: نعم.

الآباء ما هم من شأنهم حفظ الأطفال إلا إذا كان في بيتٍ لا يوجد فيه غيره، بحيث يتعين عليه حفظ هذا الطفل، مسوغ، أما إذا كان يوجد من يحفظه ويقوم بشأنه غيره فليس بمسوغ.

طالب: ......... 

كيف تقليد؟

طالب: ......... 

المسألة ما هي مسألة تقليد، مسألة الضرر اللاحق بسبب الأطفال سواءٌ كان في الولائم أو في الأماكن العامة كالمساجد وغيرها، لا شك أن وجود الأطفال مؤذٍ لكثيرٍ من الناس، ولا يترتب على وجودهم مصلحة.    

"وَقِيلَ: يَجِبُ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَأَقَلُّهُ لُقْمَةٌ، وَلَا تَجِبُ الزِّيَادَةَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْأَكْلَ الْأَمْرُ لِلنَّدَبِ، وَالْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ إلَيْهِ".

"الحديث الرابع: وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- نَحْوَهُ، وَقَالَ: إنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.

 وهو قَوْلُهُ: (وَلَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ– نَحْوَهُ".

قال: قوله وقوله مرتين كلام ما له داعٍ أبدًا؛ لأنه يضطر أن يربط قوله، ثم يأتي بالحديث، ثم يقول: لقوله مثلاً أو يشير إليه قوله، ثم يأتي بها ثانية؛ لأنه أعاد الحديث مرة ثانية، وقلنا: إن هذا من شؤم التصرف في كتب أهل العلم، فالأولى أن لا يدخل النص إذا جُرِّد الشرح منه، وقل مثل هذا في فتح الباري، وهو أشد؛ لأن الذي أدخل المتن ما أدخل النسخة التي اعتمد عليها الشارح، فوُجِد الخلل.

 الذي أدخل القرآن في تفسير القرطبي أدخل قراءة غير التي اعتمدها المفسر، فيحصل إرباك للقارئ، فالأولى أن تكون الكتب التي وضعها مؤلفوها مجردةً أن تستمر مجردة.

أحسن الله إليك.

"مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ– نَحْوَهُ، وَقَالَ: إنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَإِنَّهُ خَيَّرَهُ، وَالتَّخْيِيرُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِلْأَكْلِ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ- رحمه الله- عَقِيبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه-".

طالب: حديث جابر نحوَه أو نحوُه؟

ماذا؟

طالب: ......... 

نحوُه له نحوُه، لو قال: روى مسلمٌ من حديث جابر نحوَه.

"عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلُ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ.

عندك «وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ به»؟

طالب: لا يا شيخ.

هذا يجيء في الشرح.

"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ.

وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ» أَيْ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ «وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ".

يعني ما أثبت اللفظ لا في المتن ولا في الشرح، «وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ به».

طالب: ......... 

يعني ما علق عليه عندك؟

طالب: ......... 

 نعم.

أحسن الله إليك.

" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ، وَهُوَ كَثِيرُ الْغَرَائِبِ وَالْمَنَاكِيرِ.

قَالَ الْمُصَنَّفُ كَالرَّادِّ عَلَى التِّرْمِذِيِّ مَا لَفْظُهُ: وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّ زياد".

إن زيادًا.

أحسن الله إليك.

"إن زِيَادًا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَشَيْخُهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ اخْتَلَطَ، وَسَمَاعُهُ مِنْهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ، انْتَهَى. قُلْت: وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: إنَّ رِجَالَهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. ثُمَّ قَالَ: وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْ