كتاب النكاح من سبل السلام (10)

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

قال المصنف –رحمه الله تعالى-: الحديث الخامس:

"وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئل عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ، مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ - امْرَأَةٌ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْت فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ –رضي الله عنه-، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ، وَحَسَّنَهُ جَمَاعَةٌ.

قوله: وَعَنْ عَلْقَمَةَ أَيْ ابْنِ قَيْسٍ، أَبِي شِبْلِ ابْنِ مَالِكٍ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ النَّخْعِ النخعي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ اُشْتُهِرَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَصُحْبَتِهِ، وَهُوَ عَمُّ الْأَسْوَدِ النَّخَعِيِّ، مَاتَ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ رَجُل تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا (لَا  وَكْسَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ هُوَ النَّقْصُ أَيْ لَا تنقص مِنْ مَهْرِ نِسَائِهَا (وَلَا شَطَطَ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الْجَوْرُ أَيْ لَا يُجَارُ عَلَى الزَّوْجِ بِزِيَادَةِ مَهْرِهَا عَلَى نِسَائِهَا".

يعني إذا فُوِّض في المهر، كثير من الناس لا يحدِّد مهرًا، إلى وقتنا هذا، يطلب المأذون أو العاقد كم نكتب مهرًا؟ يقول: ما يحتاج إلى تسمية، المتفق عليه أو شيء من هذا، أحيانًا يُصرح بمبلغٍ يسير لا يُتصور كونه مهرًا، كريال أو شِبهه، ويريد ما تعارف عليه الناس، لا يريد حقيقة هذا المبلغ الذي نطق به، حينئذٍ يُنظر فيها إلى نسائها، مهر نسائها كم؟ تزوجت أختها، وعمتها وخالتها، فيُفرض لها مثلها.

"(وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ (ابْنُ سِنَانٍ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَنُونٍ فَأَلِفٍ فَنُونٍ (الْأَشْجَعِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ، وَمَعْقِلٌ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ، وَحَدِيثُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ صَبْرًا.

 (فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بِرْوَعَ، بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ فَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ (بِنْتِ وَاشِقٍ) بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ فَأَلِفٍ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَقَافٍ، (امْرَأَةُ مِنَّا) بِكَسْرِ الْمِيمِ فَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ فَأَلِفٍ (مِثْلَ مَا قَضَيْت فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ)".

لا شك أن موافقة الحق تُدخل الفرح والسرور، كما أن مخالفة الحق تُدخل الغم على مَن اجتهد فأخطأ، موافقة الحق لا شك أنها مُفرحة، كما فرح عمر –رضي الله تعالى عنه- بموافقة ما في نفس عبد الله ابنه للغز الذي ذكره النبي –عليه الصلاة والسلام-، وتمنى أن لو ذكر ذلك؛ لأنه يسره ما يسر ابنه، وموافقة الحق لا شك أنها تثلج الصدر، ويفرح بها الإنسان بخلاف مخالفته، ولو لم يكن في ذلك إلا ما ذُكر من اجتهاد المجتهد، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجرٌ واحد، فهو فوات هذا الأجر لا شك أنه يجعل في النفس شيئًا من الضيق والحرج.

"(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَجَمَاعَةٌ)".

وحسنه، عندك: وجماعة؟

طالب: ....

ما فيه: وحسّنه جماعة؟

طالب: ...

نعم.

طالب: وصححه جماعة....

وصحّحه الترمذي وحسّنه جماعة.

طالب: ....

أين؟

طالب: ....

وحسّنه جماعة.

طالب: ....

نعم.

طالب: ..............

طيب، يتفق المتن مع الشرح، الأصل أن سبل السلام مُجرد عن المتن، فالذين طبعوه أدخلوا فيه متنًا، وما بحثوا عن متنٍ يوافق المتن المشروح، النسخة التي وقف عليها الشارح، ولذلك تجدهم أحيانًا يذكرون متنًا فيه مخالفات لما في الشرح.

"مِنْهُمْ ابْنُ مَهْدِيٍّ وَابْنُ حَزْمٍ، وَقَالَ: لَا مَغْمَزَ فِيهِ لِصِحَّةِ إسْنَادِهِ، وَمِثْلُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَحْفَظُهُ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ مِثْلُهُ، وَقَالَ: لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ بِرْوَعَ لَقُلْت بِهِ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ إنْ كَانَ يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَهُوَ أَوْلَى الْأُمُورِ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِنْ كَبِرَ".

وإن كبر كابن مسعود مثلًا في هذه القصة.

"وَلَا شَيْءَ فِي قَوْلِهِ إلَّا طَاعَةُ اللَّهِ بِالتَّسْلِيمِ لَهُ، وَلَمْ أَحْفَظْهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ مِثْلُهُ، مَرَّةً يُقَالُ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ، وَمَرَّةً عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَمَرَّةً عَنْ بَعْضِ أَشْجَعَ لَا يُسَمِّي. هَذَا تَضْعِيفُ الشَّافِعِيِّ بِالِاضْطِرَابِ".

نعم، بالاضطراب، بمعنى أن يُروى الحديث على أوجه، سواء كان ذلك في متنه أو في إسناده، على أوجه مختلفة غير متفقة، يُروى على أكثر من وجه، وتكون هذه الأوجه مختلفة، وتكون أيضًا في الوقت نفسه متساوية، بمعنى أنه لا يمكن ترجيح بعضها على بعض، فإن أمكن الترجيح، فالراجح هو المحفوظ، وما يقابله يُحكم عليه بالشذوذ.

"وَضَعَّفَهُ الْوَاقِدِيُّ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ وَرَدَ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَمَا عَرَفَهُ علماء الْمَدِينَةِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ رَدَّهُ بِأَنَّ مَعْقِلَ بْنَ سِنَانٍ أَعْرَابِيٌّ بَوَّالٌ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاضْطِرَابَ غَيْرُ قَادِحٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَصَحَابِيٍّ، وَهَذَا لَا يَطْعَنُ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ".

نعم، سواءٌ قيل: ابن سنان، أو ابن يسار ما يضر، حتى لو لم يُعرف اسمه، لو قيل: عن رجلٍ صحب النبي –عليه الصلاة والسلام- كفى؛ لأن جهالة الصحابي لا تضر.

"وَعَنْ قَوْلِهِ: إنَّهُ يُرْوَي عَنْ بَعْضِ أَشْجَعَ فَلَا يَضُرُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ فُسِّرَ ذَلِكَ الْبَعْضُ بِمَعْقِلٍ فقد تبين".

نعم، قد يكون عن بعض أشجع غير رواية معقل، فتكون شاهدةً لها مما يقويها.

"فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ صَحَابِيٌّ، وَأَمَّا عَدَمُ مَعْرِفَةِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ له فَلَا يَقْدَحُ بِهَا مَعَ عَدَالَةِ الرَّاوِي، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ: لَمْ تصِحَّ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكمُ مِنْ حَدِيثِ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ إنْ صَحَّ حَدِيثُ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ عملتُ بِهِ، قَالَ الْحَاكِمُ".

قلتُ به.

طالب: نعم، عملتُ به...

ما فيه فرق، الشافعي علق القول في مسائل كثيرة على ثبوت الخبر، وهذا منها، وللسبكي رسالة لطيفة ذكر بعض المسائل التي علق فيها الشافعي على صحة الخبر، وسماها: قول المُطَّلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي.

"قَالَ الْحَاكِمُ قُلْت: فقد صَحَّ فَقُلْ بِهِ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ".

لكن يخاطبه بعد وفاته بمائتي سنة، يخاطب الشافعي يقول: قد صح، قُل به، ولم يُرد حقيقة هذا الكلام، إنما يريد حكمه، يريد من يتبعه، فالحاكم شافعي المذهب.

"وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ فِي الْعِلَلِ ثُمَّ قَالَ: وَأَنْسَبُهَا إسْنَادًا حَدِيثُ قَتَادَةَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظِ اسْمَ الصَّحَابِيِّ، قُلْت: لَا يَضُرُّ جَهَالَةُ اسْمِهِ عَلَى رَأْيِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمَا قَالَ الْمُصَنَّفُ مِنْ أَنَّ لِحَدِيثِ بِرْوَعَ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- زَوَّجَ امْرَأَةً رَجُلًا فَدَخَلَ بِهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّ سَهْمِي بِخَيْبَرَ لَهَا، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ.

فَلَا يَخْفَى أَنه لَا شَهَادَةَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي امْرَأَةٍ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا، نَعَمْ فِيهِ شَاهِدُ أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ".

ولا مخالفة في الحديث الأول؛ لأن الصداق يلزم الزوج، فإن تبرَّع به أحدٌ عنه ولو كان الزوج قادرًا موسرًا صح، المقصود أن يُدفع لهذه المرأة مال في مقابل هذا الزواج.

طالب: ...

أكثر ما يؤكدون عليه أن النكاح منافع مجتمعة، أعظمها البضع، أعظمها الوطء، وأن ما يُدفع من صداق هو في مقابلة ما استحل من فرجها، ولذلك لا يرجع إليه ما دفعه بعد الدخول لما استحله من فرجها؛ بينما إذا كان قبل الدخول رجع إليه نصف ما دفعه. فيه إشكال؟

طالب: لا، يعني...

هو فيه إشكال حول مَن يثير بعض الإشكالات، وذكر هذا قاسم أمين في كتابه تحرير المرأة، أن الفقهاء عمومًا ينظرون إلى النكاح إلى أنه مجرد شهوة وقضاء وطر، ولا يرون أن فيه تعاونًا على الحياة، وأن الرجل كالمرأة له ولها من الحقوق مثل ما له.

المقصود أنهم يثيرون إشكالات مثل هذه، وتجد مَن يكتب حول هذه القضايا مأخوذًا بحروفه عن ذلك الكتاب المشؤوم، نسأل الله السلامة والعافية.

طالب: ....

بلا شك.

"والحديثُ دليلٌ علَى أن المرأَةَ تَسْتَحِقُّ كَمَالَ الْمَهْرِ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا".

يختلف الموت عن الطلاق فيما إذا حصل كل واحدٍ منهما قبل الدخول، حصل الموت قبل الدخول، أو حصل الطلاق قبل الدخل، أما إذا حصل الطلاق قبل الدخول فلا تستحق إلا نصف المسمى بعد العقد، وحينئذٍ لا عدة عليها، والغنم مع الغرم.

أما إذا مات عنها قبل الدخول فتستحق المهر كاملًا، وترِث، ومع ذلك عليها العدة كاملة.

"والحديثُ دليلٌ علَى أن المرأَةَ تَسْتَحِقُّ كَمَالَ الْمَهْرِ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا، وَلَا دَخَلَ بِهَا، وَتَسْتَحِقُّ مَهْرَ مِثْلِهَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ؛ الْأَوَّلُ: الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ، وَأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ كَمَا ذُكِرَ، وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ اجْتِهَادٌ مُوَافِقٌ الدَّلِيلَ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَآخَرِينَ وَالدَّلِيلُ الْحَدِيثُ، وَمَا طُعِنَ فِيهِ قَدْ سَمِعْت دَفْعَهُ.

والقول الثَّانِي: لَا تَسْتَحِقُّ إلَّا الْمِيرَاثَ لِعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْهَادِي وَمَالِك، وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، قَالُوا: لِأَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَوْفِ الزَّوْجَ الْمُعَوَّضَ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْ قِيَاسًا عَلَى ثَمَنِ الْمَبِيعِ، قَالُوا: وَالْحَدِيثُ فِيهِ تِلْكَ الْمَطَاعِنُ، قُلْنَا: تلك الْمَطَاعِنُ قَدْ دُفِعَتْ فَنَهَضَ الْحَدِيثُ لِلِاسْتِدْلَالِ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ".

نعم، هم يقولون: ما يُبذل في مقابل البضع، والبضع ما انتفع به، إذًا لا تستحق ما يُدفع في مقابله، والحنفية يذهبون إلى أبعد من هذا، فيجعلون نصاب السرقة.

طالب: ...

كم؟

طالب: ....

كيف؟

طالب: ...

أقل ما يكون مهرًا، أو العكس، يجعلون المهر بقدر نصاب السرقة، الذي هو عشرة دراهم عندهم، نعم يجعلون المهر أقله نصاب السرقة الذي هو عشرة دراهم عندهم؛ لأن هذا في مقابل قطع اليد، وهذا في مقابل انتهاك البضع.

قال: "الحديث السادس: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:  «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا فَقَدْ اسْتَحَلَّ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَأَشَارَ إلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ.

"قوله: (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا» هُوَ دَقِيقُ الْقَمْحِ الْمَقْليّ أَوْ الشَّعِيرِ أَوْ الذُّرَةِ أَوْ غَيْرِهَا  «أَوْ تَمْرًا فَقَدْ اسْتَحَلَّ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَأَشَارَ إلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ) وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ: فِيهِ مُوسَى بْنُ مُسْلِمِ بْنُ رُومَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَقْوَى، انْتَهَى.

فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُشِيرَ إلَى أَنَّ فِيهِ ضَعْفًا عَلَى عَادَتِهِ، وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ بَلَاغًا".

على كل حال الحديث ضعيف عند أهل العلم، وأما إذا دُفع لها ما يصح أن يُسمى مالًا صح النكاح، الصداق لابد منه، لكن إن دفع لها ما يُسمى مال ولو قلّ، في الحديث الصحيح:  «التمس ولو خاتمًا من حديد»، فإذا أعطاها ما يمكن أن يُتموّل، لذلك لما أشار إلى ردائه قال: ما تصنع بردائك؟

لأنه ما يملك غيره، إن أعطاه إياها جلس بلا رداء، وإن قسمه نصفين لم ينتفع به لا هو ولا هي، فلا يصلح أن يكون مالًا ولا يُنتفع به.

فإذا أعطاها ما يُنتفع به ويُسمى مالًا كفى.

"وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ كَوْنُ الْمَهْرِ مِنْ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ مُطْلَقُ السَّوِيقِ وَالتَّمْرِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ، وَتَقَدَّمَتْ أَقَاوِيلُ الْعُلَمَاءِ فِي قَدْرِ أَقَلِّ الْمَهْرِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْوَاهِبَةِ نَفْسهَا".

الحديث السابع: "وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ.

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالزَّايِ، وَفِي نَسَبِهِ خِلَافٌ كَثِيرٌ، قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –".

مقتضى ضبطه أن يكون عَنْزِيًّا، لكن المشهور أن القبيلة بفتح النون مُحرّكة، عنَزة.

"قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –وَهُوَ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ، مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعِينَ (عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ وَخُولِفَ) أَيْ التِّرْمِذِيُّ (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي التَّصْحِيحِ.

 لَفْظُ الْحَدِيثِ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:  «أرَضِيت مِنْ نَفْسِك وَمَالِك بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَجَازَهُ»، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى".

يعني أجاز النكاح، وصححه.

"وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ جَعْلِ الْمَهْرِ أَيَّ شَيْءٍ لَهُ ثَمَنٌ، وَقَدْ سَلَفَ أَنَّ كُلَّ مَا صَحَّ جَعْلُهُ ثَمَنًا صَحَّ جَعْلُهُ مَهْرًا، وَفِيهِ مَأْخَذٌ لِمَا وَرَدَ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَنَّهَا لَا تَتَصَرَّفُ".

لا تتصرف.

طالب: أحسن الله إليك.

طالب: ...

من لازِمِه، نعم.

طالب: ...

أجاز النكاح بناءً على صحة المهر.

طالب: ....

المقصود أنه ينصرف إلى الجميع، ما فيه ما يمنع، فيه مأخذٌ لما ورد في غيره من أنه لا تتصرف المرأة في مالها إلا برأي زوجها، جاء في الحديث في سنن أبي داود أنها لا يجوز لها أن تتصدق وزوجها حاضرٌ إلا بإذنه، وهو حديثٌ مُحسَّن عند أهل العلم.

وفي الحديث الصحيح أن النبي –عليه الصلاة والسلام- لما وعظ النساء في صلاة العيد جعلن يتصدقن، ويلقين الفتَخ والأقراط في ثوب بلال من غير إذن أزواجهن، فعلى هذا المرأة تتصرف كيفما شاءت بمالها، لكن لعل الحديث الآخر محمولٌ على الأدب الذي يؤدي إلى استمرار العشرة، وطيب النفس بين الزوجين، من باب تقدير الزوج واحترامه، ينبغي أن يُؤخذ رأيه.

الحديث الثامن: "وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: زَوَّجَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ".

ما زوّج؛ لأنه لم يجد الخاتم من حديد، إن كان القصد بحديث الواهبة، ما وجد ولا خاتمًا من حديد، فإن كان بناءً على فهم من الراوي أنه ما دام قال له:  «التمس»، فهو في حكم ما لو وجد تزوج، وإلا ففي حديث الواهبة أنه لم يجد.

"أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ.

 قوله: (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: زَوَّجَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ سَهْلٍ فِي الْوَاهِبَةِ نَفْسهَا بِطُولِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ مَنْ خَطَبَهَا أَنْ يَلْتَمِسَ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَزَوَّجَهُ إيَّاهَا عَلَى تَعْلِيمِهَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ.

 فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ فَلَمْ يَتِمَّ جَعْلُ الْمَهْرِ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ كَمَا عَرَفْت، وَإِنْ أُرِيدَ غَيْرُهُ فَيُحْتَمَلُ".

لكن لم يتم جعل المهر خاتمًا إلا من الحديث حديث الواهبة يتم، لكنه لم يجد، وهنا جزم قال: زوَّج النبي –صلى الله عليه وسلم- رجلًا امرأةً بخاتم، فإن كان يقصد ذلك الحديث، فالنبي ما زوجه على الخاتم، إنما زوَّجه على ما يحفظه من القرآن، على أن يعلمها إياه كما جاء في الروايات.

ولا يتم الاستدلال إلا لو كان قد وجد الخاتم ودفعه، وعُقد عليه له بعد وجود الخاتم، لكنه لم يجد الخاتم.

"وَإِنْ أُرِيدَ غَيْرُهُ فَيُحْتَمَلُ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: (وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ)، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أُرِيدَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ، فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَذِنَ فِي جَعْلِ المهر خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَقْدُ عَلَيْهِ".

الحديث التاسع: "عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ.

(وَعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ) أَيْ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَلَمْ يَصِحَّ، وَالْحَدِيثُ مُعَارِضٌ لِلْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمَرْفُوعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ أَيِّ شَيْءٍ صحَّ جعْله ثمنًا، صحَّ جَعْلُهُ مَهْرًا كَمَا عَرَفْت، وَالْمَقَالُ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّ فِيهِ مُبَشِّرَ بْنَ عُبَيْدٍ، قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ".

هذا حديث مُضعَّف، ضعفه شديد، فلا يُتمسك به، ولا يُحتج به.

الحديث العاشر: "عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:  «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:  «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ» أَيْ أَسْهَلُهُ عَلَى الرَّجُلِ، (أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ)

 فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِ الْمَهْرِ، وَأَنَّ غَيْرَ الْأَيْسَرِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا كَمَا أَشَارَتْ إلَيْهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِي قَوْلِهِ تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء:20].

وَتَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ الْمُغَالَاةِ فِي الْمُهُورِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيْك يَا عُمَرُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا مِنْ ذَهَبٍ قَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصِمَتْهُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ: "مِنْ ذَهَبٍ" هِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَهُ طُرُقٌ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْخَيْرِيَّةَ بَرَكَةُ الْمَرْأَةِ، فَفِي الْحَدِيثِ:  «أَبْرَكهُنَّ أَيْسَرهُنَّ مَؤُونَةً».

يعني أعظمهن بركةً أيسرهن مؤونة، لو كان في كثرة الصداق وإرهاق الزوج مكرمة له أو لها لكان صداق أزواج النبي –عليه الصلاة والسلام- وبنات النبي –عليه الصلاة والسلام- أفضل الخلق بعده وبعد كبار الصحابة، من أعلى أو من أرفع المهور.

لكن النبي –عليه الصلاة والسلام- يتزوج يدفع خمسمائة درهم، ويأخذ على بناته أربعمائة، والله المستعان.

الحديث الحادي عشر: "عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الْجَوْنِ تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ تَعْنِي لَمَّا تَزَوَّجَهَا - فَقَالَ: لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَفِي إسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ.

وَأَصْلُ الْقِصَّةِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ.

قوله: (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الْجَوْنِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ فَنُونٍ، (تعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ يَعْنِي لَمَّا تَزَوَّجَهَا فَقَالَ: لَقَدْ عُذْت بِمَعَاذِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مَا يُسْتَعَاذُ بِهِ، (فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فمتعها بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ، وَأَصْلُ الْقِصَّةِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ.

وَقَدْ سَمَّاهَا فِي الْحَدِيثِ عَمْرَةَ، وَوَقَعَ مَعَ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فِي اسْمِهَا وَنَسَبِهَا كَثِيرٌ، لَكِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ".

مثل هذا الاسم، اسم هذه المرأة التي حصل منها ما حصل، لا يتداوله الرواة؛ سترًا عليها، ولأنه لا يترتب على عدم معرفته اختلافٌ في الحكم.

"وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَعَوُّذِهَا مِنْهُ؛ فَفِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، فَدَاخَلَ نِسَاءَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَيْرَةٌ فَقِيلَ لَهَا: إنَّمَا تَحْظَى الْمَرْأَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ تَقُولَ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك، فاستعيذي منه.

وَفِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ، أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ دَخَلَتَا عَلَيْهَا أَوَّلَ مَا قَدِمَتْ مَشَطَتَاهَا وَخَضَّبَتَاهَا، وَقَالَتْ لَهَا إحْدَاهُمَا: إنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعْجِبُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا أَنْ تَقُولَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك، وَقِيلَ فِي سَبَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَاتَّفَقَ الْأَكْثَرُ عَلَى وُجُوبِهَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا صَدَاقًا إلَّا عَنْ اللَّيْثِ وَمَالِكٍ، وَقَدْ قَالَ –تَعَالَى-: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة:236]،

ولعل هذا لا يثبت عن أُمَّيّ المؤمنين؛ لأن هذا مثل أن تطلب المرأة طلاق ضراتها، مثله بل أشد، مثل هذا بل أشد.

"وَقَدْ قَالَ الله –تَعَالَى-: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة:236]، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ".

لا شك في الوجوب، وإن كان أكثر أهل العلم على الاستحباب، لكن كلٌّ يعطي على قدره، الغني يعطي، والمتوسط يعطي، والفقير يعطي، لكن كلٌّ على حسبه، ولا يُكلَّف ما يشق عليه.

"وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَسُّ: النِّكَاحُ، وَالْفَرِيضَةُ: الصَّدَاقُ. قوله: وَمَتِّعُوهُنَّ، قَالَ: هُوَ عَلَى الزَّوْجِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُمَتِّعَهَا عَلَى قَدْرِ عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ – الْحَدِيثَ.

وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: مُتْعَةُ الطَّلَاقِ أَعْلَاهَا الْخَادِمُ، وَدُونَ ذَلِكَ الْوَرِقُ، وَدُونَ ذَلِكَ الْكسْوَةُ، نَعَمْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي مَتَّعَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا فَمَتَّعَهَا كَمَا قَضَتْ بِهِ الْآيَةُ الكريمة، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ سَمَّى لَهَا فَمَتَّعَهَا إحْسَانًا مِنْهُ وَفَضْلًا.

وَأَمَّا تَمْتِيعُ مَنْ لَمْ يُسَمِّ الزَّوْجُ لَهَا مَهْرًا وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ فَارَقَهَا فَقَد اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ وَالشَّافِعِيُّ إلَى وُجُوبِهَا أَيْضًا؛ عَمَلًا بِقَوْلِهِ –تَعَالَى-: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241].

 وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا مَهْرُ الْمِثْلِ لَا غَيْرَ، قَالُوا: وَعُمُومُ الْآيَةِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ دُخِلَ بِهَا، وَالَّذِي خَصَّهُ الْآيَةَ الْأُخْرَى الَّتِي أَوْجَبَ فِيهَا الْمُتْعَةَ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهَا عَدَمَ الْمَسِّ، وَهَذَا قَدْ مَسَّ.

وَأَمَّا قَوْله –تَعَالَى-: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} [الأحزاب:28] فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ نَفَقَةَ الْعِدَّةِ، وَلَا دَلِيلَ مَعَ الِاحْتِمَالِ، هَذَا وَقَدْ سَبَقَتْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اللَّيْثَ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِ الْمُتْعَةِ مُطْلَقًا، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَكَانَتْ مُقَدَّرَةً، وَدُفِعَ بِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَقْدِيرَ لَهَا".

عموم قوله –جل وعلا-: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:241] يشمل المدخول بها وغير المدخول بها، المُسمى لها وغير المسمى لها، فكل مَن طُلقت تُجبر بهذا المال الذي لا يكلف الزوج شيئًا.

والله أعلم.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.