كتاب بدء الوحي (085)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمَّا بعد:
ففي الحديث الطويل المشتمل على قصَّة هرقل مع أبي سفيان من حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- وما زال الحديث فيه في قوله: "أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت" يعني أعرضت كما تقدم، "فإن عليك إثم الأريسيين" وتكلمنا في المراد بالأريسي واليريسي في كلام سقناه لبعض أهل العلم، وما زال الكلام فيه من خلال نقول أهل العلم والتعليق عليها.

 فيقول ابن حجر: "قوله: الأريسيين جمع أريسي، وهو منسوبٌ إلى أريس، بوزن: فعيل، وقد تُقلب همزته ياءً كما جاءت به رواية أبي ذر والأصيلي، وغيرهما هنا، قال ابن سيده: الأريس الأكَّار، أي: الفلاح، الأكَّار أي: الفلاح عند ثعلب، وعند كُراع" وهو كُراع النمل كما يقولون من أئمة اللغة وهذا لقب، واسمه، ابن فارس هذا أم.. أحد يحفظ اسمه؟ هذا لقب، وله كتاب في اللغة ومطبوع.
الطالب:...
هو لقب غلب عليه، لكن نُسِي اسمه مثل ثعلب، مثل ثعلب، الآن نسيت اسمه إلا أن كتابه عندي، يدور اسمه كثيرًا، لكن العلماء جميعًا ما يذكرون اسمه، إنما يذكرون هذا اللقب بحيثُ نُسيَ الاسم. قال: "الأريس هو الأمير".
الطالب:....
نعم، وما الورقة التي معك؟
الطالب:....
نعم، نحتاج إلى ترجمة؛ لأنه إمام في هذا الباب ومشهور، قال: "وعند كُرَاعٍ الأريس: هو الأمير" وقال الجوهري: "هي لغةٌ شاميَّة، وأنكر ابن فارس أن تكون عربية، وقيل في تفسيرِه غير ذلك" يعني: إما فلاح عند ثعلب، أو أمير، فهل يكون مثل هذا مما له أضداد، بمعنى أنه يطق على الكبير وعلى الصغير، الفلاح، لا شك أنَّ ما هو مثل الأمير هذا من علية القوم وهذا من أدناهم.
الطالب:....
كيف؟ الأمراء، كل الأمراء الذين يتبعونك.
الطالب:....
على كل حال: هذا قول إمام معروف ومعتبر، لا بد من ذكره. " وقيل في تفسيره غسر ذلك، لكن هذا هو الصحيح هنا؛ فقد جاء مصرحًا به في رواية ابن إسحاق عن الزهري بلفظ: فإن عليك إثم الأكارين، زاد برقاني في روايته: يعني الحراثين، ويؤيده أيضًا ما في رواية المدائني من طريق مرسلة: فإن عليك إثم الفلاحين، وكذا عند أبي عبيد في كتاب "الأموال" من مرسل عبد الله بن الشداد وإن لم تدخل في الإسلام فلا تحل بين الفلَّاحين وبين الإسلام.

 قال أبو عبيد: المراد بالفلاحين: أهل مملكته؛ لأن كل من كان يزرع فهو عند العربي فلَّاح" كل من كان عند العرب يزرع فهو فلَّاح، وما زال هذا الاستعمال موجودًا إلى الآن، الفلاح معروف، ويسمون المزرعة فلاحة، مازالت هذه مستعملة، "فهو عند العرب فلاح سواء كان يلي ذلك بنفسه أو بغيره"، لكن العرف عندنا أن الفلاح من يلي ذلك بنفسه.

 قال الخطابي: "أراد أن عليك، أراد أن عليك إثم الضعفاء والأتباع إذا لم يسلموا تقليدًا له؛ لأن الأصاغِر أتباعُ الأكابِر"، وسبق الاعتراض بمثل قوله –جل وعلا-  { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الأنعام: 164]، كيف كان عليه إثم الأريسيين وهذا وزرهم، فكيف يحمله عنهم؟
ذُكر في الأجوبة السَّابقة أنه هو المتسبب في صدهم عن الدين، فالذي عليه وزره هو لا وزرهم، أوزارهم عليهم، {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل:25] يحملون؛ لأنهم تسببوا في إضلالهم أو في الحيلولة بينهم وبين الإسلام.

 يقول ابن حجر: "وفي الكلام حذفٌ دلَّ المعنى عليه، وهو: فإن عليكَ مع إثمك إثم الأريسيين" يعني: من يتصور أن عليه إثم الأريسيين فقط، وإثمه مرفوع عنه، يعني: إضافة إلى إثمه إثم الأريسيين، "إثمه بالمباشرة، وإثم الأريسيين بالتسبب؛ لأنه إذا كان عليه إثم الأتباع؛ بسبب أنهم تبعوه على استمرار الكفرِ فلأن يكون عليه إثم نفسه من باب أولى"، هذا من باب الأولى، ويُسمى: قياس الأولى. "وهذا معدود من مفهوم الموافقة" المفهوم ما يؤخذ من اللفظ، وإنما يؤخذ من فحواه، لكن هناك مفهوم المخالفة، وهناك مفهوم الموافقة، مفهوم الموافقة إذا اتحد مع المنطوق في الحكم، مفهوم المخالفة إذا اختلف مع المنطوق في الحكم، وهذا يعدُّ من مفهوم الموافقة، ولا يُعارَض بقوله تعالى: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الأنعام: 164]؛ لأن وزر الآثم لا يتحمله غيره، ولكن الفاعل المتسبب، والمتلبس بالسيئات يتحمل من جهتين: جهة فعله، وجهة تسببه. قال ابن حجر: "وقد ورد تفسير الأريسيين بمعنًى آخر، فقال الليث بن سعد عن يونس فيما رواه الطبراني في "الكبير" من طريقه، الأريسيون: العشَّارون، الأريسيون العشَّارون، يعني أهل المكس، والأول أظهر، وهذا إن صح أنه المراد فالمعنى المبالغة في الإثم، ففي الصحيح في المرأة التي اعترفت بالزنا «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت». يعني مبالغة في عظم إثم صاحب المكس –نسأل الله السلامة والعافية- وقال ابن حجر في مقدمة "الفتح" مقدمة الشَّرح، وهذه أدق من قولنا "مقدمة الفتح" مقدمة الشَّرح، "هدي الساري" لماذا لا نقول: مقدمة الفتح؟ طولنا الكلام عليها، لماذا؟ يعني ما لها ارتباط.
الطالب:.....
ماذا؟
الطالب:.....
ما مر علينا يا إخوان، وقد أوضحتُ ذلك في مقدمة "الشرح الكبير" هذه؟ و"الشرح الكبير" غير "الفتح" وشرع في شرح البخاري شرحًا كبيرًا، جعل "هدي الساري" مقدمة له، ثم عدل عنه إلى هذا الشرح المختصر "فتح الباري"، لماذا عدل عنه ابن حجر؟ لماذا عدل عن الشرح الكبير، خشي أن لا يتمه، فالعدول من التطويل إلى التخفيف له وجه، عدل الطبري عن التطويل في التفسير والتاريخ؛ لقصور الهمم، أن الطلاب لا يتحملون.

 على كل حال: كلٌّ لهُ وجهه، التطويل فيه فرائد لا تُوجد في المختصرات، والاختصار يمكِّن من الوصول إلى أبواب لا يوصل إليها مع التطويل.
قال في "هدي الساري": " قوله: إثم الأريسيين، بفتح أوله، وكسر الراء، وتشديد الياء بعد المهملة، وللنسفي: بياء بدل الهمزة الأولى، بدل الهمزة الأولى" فيه ثانية، همزة ثانية؟
الطالب:....
نعم؟
الطالب: ذكرنا الدرس الماضي...
منقلبة عن همزة، لكنها باقية، وللنسفي: "بياءٍ بدل الهمزة". الهمزة غير الياء.
الطالب:....
والياء الثانية باقية، أين هي؟
الطالب:....
الكلام في (ألأ) (والي) والأريسي واليريسي.
الطالب:.....
هل الأصل همزة ففت صارت ياءً، أو ياء انقلبت همزة؟
"وفيه روايات أخرى خارج الصحيح وهو نسبةٌ إلى أريس، قيل: هم أتباع عبد الله بن أريس، وكان قد ابتدع فيهم دينًا، وقيل: هم الملوك الذين يخالفون أنبياءهم، وقيل: هم الفلاحون والأتباع، وجزم به الليث بن سعد، ويؤيده ما في بعض رواياته: فإن عليك إثم رعاياك" : فإن عليك إثم رعاياك. وفي "عمدة القارئ"، وهو يذكر اختلاف الروايات، وفي الإسماعيلي: "فإن عليك إثم الركوسيين، الركوسيين، وهم: أهل دين النصارى والصابئة، يقال لهم: الركوسية.

 ومثله في "التوضيح" لابن الملقن، وفيه أيضًا: "كتب معاوية إلى الطاغية ملك الروم لما بلغه أنه يريد قصد بلاد الشام أيام صفين" يعني: استغل الظرف في انشغال معاوية بالحرب مع أمير المؤمنين علي –رضي الله عنهما- عن علي وعن معاوية جميعًا، وعن جميع أصحاب النبي –عليه الصلاة والسلام- وفيه أيضًا: "كتب معاوية إلى الطاغية ملك الروم لما بلغه أنه يريد قصد بلاد الشام أيام صفين: تالله لئن هممت على ما بلغني، تالله لئن هممت على ما بلغني، وذكر كلامًا ثم قال: والله لأردنَّك أريسًا من الأرارسة ترعى الدوائل، والله لأردنَّك، لأردنك أريسًا من الأرارسة ترعى الدوائل". يعني: ذكور الخنازير".
ابن حزم في كتابه "الفصَل في الملل والأهواء والنحل" في أوائله في الجزء الأول صفحة ثمانية وأربعين يقول: "والنصارى فرق ، منهم أصحاب أريوس وكان قسيسًا بالإسكندرية، ومن قوله: التوحيد المجرَّد، وأن عيسى عبدٌ مخلوق، وأنه كلمة الله– تعالى-  التي بها خلق السماوات والأرض، وكان في زمن قسطنطين الأول باني القسطنطينية، وأول من تنصر من ملوك الروم، وكان على مذهب أريوس هذا".
يوجد نقل عن "شرح المشكل" "شرح مشكل الآثار" للطحاوي، قال في "شرح مشكل الآثار": "باب بيان مشكل مل روي عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مما خاطب به قيصر في كتابه إليهم من قوله له: أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فعليك إثم الأريسيين" قال أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة بن أبي خليفة الرعيني قال: "حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي" من هو؟ الطَّحاوي المصنف، والذي قبله "حدثنا أبو القاسم"؟ راوي الكتاب عنه، راوي الكتاب عن الطحاوي، وإلا فالكتاب للطحاوي، وطريقة التصنيف عند المتقدمين يُذكر الروي في صلب الكتاب، يذكر الراوي في صلب الكتاب، ولذلك تجدون في المسند من أوله إلى آخره، "المسند الأصلي" دون الزوائد، "حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي"، مسند الإمام أحمد، وعبد الله بن الإمام أحمد، كيف دخل عبد الله في صلب المسند، في كل حديث من أحاديثه؟ هذه طريقة المتقدمين، والذي لا يعرف هذه الطريقة يشكِّك في ثبوت نسبة هذه الكتب. الإمام مالك في جميع الموطأت يُذكر من روى الموطأ عنه، ثم حدثنا يحيى بن .. قال: حدثنا مالك، وهكذا في بقية الموطآت، الشافعي، قال الربيع، قال الشافعي، وهكذا، هذه طريقة المتقدمين يُذكر الراوي عن المصنف، والذي لا يعرف هذه الطريقة عندهم يشكك في ثبوت هذه الكتب.

 كما كتب من كتب، "إصلاح أشنع خطأ في تاريخ التشريع الإسلامي (الأم) ليست للإمام الشافعي"، إشكال الذي يكتب في هذا الباب أديب لا علاقة له بالعلم الشرعي، ولا بالكتب الشرعية، قال أبو جعفر.. "لكن صنيع الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند، حينما حذف عبد الله بن أحمد، وحذف أحمد مباشرة: حدثنا شيخ الإمام أحمد" يريده على الطريقة المألوفة في التصنيف، "لا شك أن هذا تعدًّ على الكتاب، وإخلال، والأصل أن يبقى الكتاب كما هو.

 قال: "حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي قال: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عباس أخبره، قال: أخبرني أبو سفيان بن حرب، أخبرني أبو سفيان بن حرب بن أميَّة من فيه إلى في" هذا ابن عباس "أن هرقل دعا لهم بكتاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك، فإنما عليك إثمُ" أم: إثمَ؟
الطالب:....
نعم.
الطالب:...
كافة، كفت إن عن العمل، لو كانت: فإن عليك إثمَ، تعين ذلك، لكن قال: "فإنما عليك إثمُ الأريسيين {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران:64]  إلى قوله {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط، فأمر بنا فأخرجنا فقلت لأصحابي: لقد عظم أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بنو الأصفر، وما زلت موقنًا بأمر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه سيظهر حتى أدخل الله –عز وجل- عليَّ الإسلام".
قال: "حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا موسى بن هارون البردي، قال: حدثنا محمد بن حرب الأبرش، قال: حدثنا الزبيدي، عن الزهري، ثم ذكر بإسناده مثله، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، الليث بن قالا: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نلفع، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، ثم ذكر بإسناده مثله، قال: حدثنا عبيد بن الرجال، أو: الرحال، قال: حدثنا أحمد بن صالحٍ قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عن معمر عن الزهري، ثم ذكر بإسناده مثله".
قال أبو جعفر -هذا الطحاوي المؤلف- قال أبو جعفر: "فاحتجنا أن نعلم من الأريسيون، من الأريسيون المذكورون في هذه الآثار، وجدنا أبو عبيد قال في كتابه الذي سماه "كتاب الأموال" مما كتب فيه إلى علي بن عبد العزيز، مما كتب به إليَّ".
الطالب:....
علي بن عبد العزيز، "يحدثنيه به عنه، قال: هم الخدم والخوَل، قال أبو جعفر: كأنه يعني أنه يكون عليه إثمهم؛ لصده إياهم عن الإسلام بملكته لهم، ورياسته عليهم، كمثل ما حكى الله –عز وجل- عن من يقول يوم القيامة: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب:67] ، وكمثل قول سحرة فرعون لفرعون لما قامت عليهم الحجة لموسى –صلى الله عليه وسلم- من الآية المعجزة التي جاءهم بها من عند الله –عز وجل- مما لا يجيء به، مما لا يجيؤا من السحر مثله {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ} [طه:73]، أي: استعملتنا فيه، وأجريتنا عليه ، قال أبو عبيد في هذه الرواية: وهكذا يقول أصحاب الحديث". يعني: ما يقولونه من الأريسيين والصحيح: أن الأريسيين.
"الأريسيين، والصحيح الأريسين" بدون ياء ثانية، قال أبو جعفر: "وهذا عندنا بخلاف ما قال أبو عبيد؛ لأن ما قاله من أصحاب الحديث مما حكاه عنهم، وعلى نسبته إياهم إلى رئيس، يُقال له: أريس، فيُقال في جره ونصبه: الأريسين، ويقال في رفعه: الأريسيون، كما يقال القوم إذا كانوا منسوبين إلى رجل، إلى رجل يقال له يعقوب: اليعقوبيين في نصب ذلك وفي جره، وتقول في رفعه: هؤلاء اليعقوبيون، فمثل ذلك بما ذكرنا الأريسيين والأريسيون، وإذا أردت بذلك الجمع للأعداد لا الإضافة إى رجل يُقال له يعقوب، قلتَ بالجر والنصب : اليعقوبيين، وقلت في الرفع: اليعقوبيون، فبان بحمد الله ونعمته أن أصحاب الحديث لم يخطؤوا فيما ادعى عليهم أبو عبيد الخطأ فيه، وأنَّهم قالوا: محتمل لما قالوه، وأنما ما قالوه محتمل".

 على كل حال "والله أعلم بحقيقة ما قاله رسول الله –صلى الله عليه وسلم في ذلك، وقد ذكر بعض أهل المعرفة بهذا المعاني أن في رهط هرقل فرقة تُعرف بالأروسية توحد الله –عز وجل- وتعترف بعبودية المسيح –صلى الله عليه وسلم- لله –عز وجل- ولا تقول بشيء مما تقوله النصارى في ربوبيته، ومن جنوة، وأنها متمسكة بدين المشيح –عليه الصلاة والسلام- ومؤمنة به، ومؤمنة بما في إنجيليه، جاحدة لما تقوله النصارى سوى ذلك، وإن كان ذلك، وإذا كان ذلك كذلك جاز أن يُقال لهذه الفرقة: الأريسيون في الرفع، والأريسيين في النصب والجر، كما ذهب إليه أصحاب الحديث، وجاز بذلك أن تكون هذه الفرقة التي ذكرها رسول الله –صلى  اله عليه وسلم- بحديث عياض بن حمار، الذي قد رويناه في الباب الذي قبل هذا، أو رويناه في الباب الذي قبل من كتابنا هذا، وجاز أن يكون قيصر حين كان حين كتب إليه النبي –صلى الله عليه وسلم بما كتب عليه، على مثل ما هي عليه، فجاز بذلك إذا اتبع النبي -صلى الله عليه وسلم- ودخل في دينه أن يؤتيه الله أجره مرتين. وجاز أن تكون هذه الفرقة علمت بمكان النبي -صلى الله عليه وسلم- وبدينه قبل أن يعلمه قيصر فلم يتبعوه ولم يدخلوا فيه، ولم يقروا بنبوته، وفي كتاب عيسى -صلى الله عليه وسلم- بشارته به، كما قد حكى الله -عز وجل- في كتابه وهو قوله -عز وجل-: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6]، فخرجوا بذلك من دين عيسى -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن عيسى –عليه الصلاة والسلام- الذي يؤمن به هو عيسى الذي بشر بأحمد لا عيسى سواه.

 فكتب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى قيصر: إنك إن توليت فعليك إثم الأريسيين الذين خرجوا من ملة عيسى -صلى الله عليه وسلم-. فقال هذا القائل: وكيف يكون عليه إثم غيره؟

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله -عز وجل- وعونه: أن الإثم الذي يكون عليه إن تولى إنما هو مثل إثم الأريسيين" يعني: ليس عليه إثمهم، إنما عليه مثله؛ لأن الشيء يطلق على الشيء ويطلق على نظيره، إذا كان مطابقًا له، عليك مثل كذا، أو عليك كذا، من يذكر مثالًا؟
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] أن هذه مبالغة، فإذا نفي مثل المثل فلأن ينفى المثل من باب أولى، رأى رجل بيد آخر ثوبًا فقال: اشتر لي مثله، اشتر لي مثله، فاشترى ذلك الثوب بعينه، فقال له: أنا لا أريد هذا الثوب، أنا أريد مثل هذا لثوب، أنا وكلتك لتشتري مثل هذا الثوب، أنا لا أريد هذا الثوب، فتحاكما عند شريح القاضي فألزمه بأخذ الثوب بنفسه وقال: لا شيء أشبه بالشيء من الشيء نفسه، وهذا يُذكر في بيان كلام الحاكم في خطبة المستدرك، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث احتج بمثلها الشيخان رواتها ثقات، أو بمثل رجالها الشيخان، استعمل المثل فيما هو أعم من الشيء نفسه أو مثله، "فكان الجواب أنه له في ذلك بتوفيق الله –عز وجل- وعونه أن الإثم الذي يكون عليه إن تولى، إنما هو مثل إثم الأريسيين، لا إثم الأريسيين بعينه، وهذا كمثل قول الله -عز وجل- : {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء:25]" إذا جلدت الأمة نصف ما على المحصنة، فهل يُحسم هذا النصف مما على المحصنة؛ لأنا أخذنا نصفه؟
أخذنا مثل نصفه، لم نأخذ النصف المنصوص عليه.

"ليس أنه يكون عليهن شيء من العذاب الذي يكون على المحصنات، ولكنه مثل نصف العذاب الذي يكون على المحصنات، فمثل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: فإن توليت فعليك إثم الأريسيين إنما هو بمعنى قوله: فعليك مثل إثم الأريسيين، فقال هذا القائل : فقد رويت لنا فيما تقدم من كتابك هذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وقوله مع ذلك : "فإني أخاف أن يناله العدو" وفيما رويته في هذا الحديث كتابه إلى قيصر بشيء من القرآن مما يقع في يده بعد وصول الكتاب إليه. فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله -عز وجل- وعونه : أن هذا ليس بخلاف لنهيه أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وخوف أن يناله العدو إنما هذا على السفر ببعضه إلى العدو وما قبله على السفر بكله إلى العدو، فتصحيحها إباحة السفر بالأحراز التي فيها من القرآن ما يكون في أمثالها، والكراهة للسفر بكليته إليهم عنه خوفهم عليه، والله نسأله التوفيق".
سيأتي قراءة الكافر لشيء من القرآن، والسفر بشيء من القرآن إلى أرض العدو، وقراءة الجنب أيضًا لشيء من القرآن، كل هذا سيأتي بالتفصيل، يقول شيخ الإسلام  ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في الفتاوي: أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كتب إلى هرقل: "فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين" فأخبر أن هرقل لما كان إمامهم المتبوع في دينهم، أن عليه إثم الأريسيين، وهم: الأتباع". وإن كان قد قبل: إن أصل هذه الكلمة من الفلاحين والأكرة كلفظ الطائي.