شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (534)

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (534)
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
أربعاء 19/ رمضان/ 1438 5:15 م

سماع الدرس

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم مستمعينا الكرام إلى هذا اللقاء الجديد في شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح. والذي يتولى الشرح فيه معالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، حياكم الله معالي الشيخ، وأهلًا وسهلًا.

حياكم الله، وبارك فيكم، وفي المستمعين.

المقدم: قال المؤلف -رحمه الله-، عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما-، قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوئك للصلاة، ثم اضجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة، ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم أنزلت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به، قال: فرددتها على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت».

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك، على عبده ورسوله ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

 فراوي الحديث هو البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي صحابي ابن صحابي نزل الكوفة، استصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لدَا.

 المقدم: ما معنى لدَا يا شيخ؟

يعني متقاربين في السن، مات سنة اثنتين وسبعين، وتقدمت ترجمته في باب "الصلاة من الإيمان".

 والحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: " باب فضل من بات على الوضوء".

قال ابن حجر قوله: "باب فضل من بات على الوضوء، ولغير أبي ذر: "على وضوء"، وفي إرشاد الساري للقسطلاني " باب فضل من بات على الوضوء بالألف، واللام، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: "وضوء" بالتنكير.

ابن حجر يقول: قوله "باب فضل من بات على الوضوء" ولغير أبي ذر: على وضوء" معناه أن رواية أبي ذر..

المقدم: على غير الوضوء.

على الوضوء، ورواية أبي ذر: على الوضوء، ولغيره: "على وضوء" بدون "ال"، أبو ذر على كلام ابن حجر: على الوضوء، ولغيره: على وضوء".

المقدم: تنكير؟

وابن حجر يعتمد على رواية أبي ذر، ويشير إلى ما عداها كما هنا، قوله" باب فضل من بات على الوضوء" ولغير أبي ذر على "وضوء" بغير "ال"، وننظر ما قاله القسطلاني في إرشاد الساري.

يقول القسطلاني: " باب فضل من بات على الوضوء" بالألف، واللام، ولأبوي ذر، والوقت والأصيلي: وضوء بالتنكير، عكس ما قاله الحافظ ابن حجر، فمن المعتمد منهما؟

لا شك أن ابن حجر أصل، وأن عنايته بالبخاري تفوق غيره، وعنايته بأبي ذر برواية أبي ذر، على وجه الخصوص لا يدانى فيها، ولا يجارى، وقد اعتمد عليها في شرح البخاري، وأشار إلى ما عداها، كما ذكرنا مرارًا.

والقسطلاني له عناية فائقة بجمع الروايات، واعتماده على اليونيني؛ لأنه اعتمد على نسخته، وإن كان في أول الأمر اعتمد على الفرع؛ لأنه لم يجد الأصل، فقابل نسخته ستة عشر مرة، حتى أتقنها وضبطها، واستخرج منها الصحيح بدقة من خلال فرع اليونينية، وبعد مدة وجد المجلد الثاني من النسخة اليونينية يباع فاشتراه، فقابل عليه النصف الثاني مما نقله من الفرع، ثم بعد مدة وجد النصف الأول فقابله، ويقول: " لم أجد فرقًا ولا في موضع واحد بين الفرع والأصل، مما يدل على أن الفرع متقن، والقسطلاني عندما يقابل ستة عشر مرة، يدل على اهتمام زائد في الكتاب. فنحن بين القسطلاني، وبين ابن حجر كلاهما من أهل العناية، والضبط، والإتقان لا سيما الصحيح.

 نعم، ابن حجر لا يذكر اختلاف الروايات كلها، وإنما يشير إلى بعضها عند الحاجة، والقسطلاني لا يترك شيئًا من الروايات إلا ويشير إليه، ولو كان حرفًا، ولو كان الفرق حرفًا، ولو كان الفرق لا يترتب عليه شيء، ولا يترتب عليه فائدة، وأنه من باب الأمانة يثبت كل شيء.

فعناية القسطلاني في البخاري لا شك أنها فائقة، وإتقانه للروايات وضبطه، وترتيبه لها بحيث لا يفوت شيئًا، وأيضًا ابن حجر -رحمه الله تعالى- في هذا الباب قدحه معلى، وعنايته فائقة، وعلى كل حال سواء كانت" من بات على الوضوء" أو "على وضوء" بالتعريف أو بالتنكير لا يختلف الأمر، يعني على الوضوء السابق، أو على وضوء قد سبق، أو يتوضأ ثم ينام.

 وقال العيني: أي هذا باب في بيان " فضل من بات على الوضوء"، و"بات" من البيتوتة يقال: بات يبيت، وبات يبات، بيتوتةً، وبات يفعل كذا إذا فعله ليلًا، كما يقال: ظل يفعل كذا إذا فعله بالنهار، ووجه المناسبة بين البابين هذا،" فضل من بات على الوضوء" والذي قبله باب" دفع السواك إلى الأكبر" من حيث اشتمال كل منهما على بيان اكتساب فضيلة الأجر، على اكتساب فضيلة وأجر؛ لأن السواك فضيلة وأجر، والبيتوتة على وضوء فضيلة وأجر.

المقدم: مقترنان بالوضوء.

والجامع بينهما الحرص على سنتين، الأولى السواك، والثانية" البيتوتة على وضوء، وأما إدخاله هذا الباب في الأبواب المتقدمة فظاهر؛ لأنه من تعلقات الوضوء؛ لأن الكتاب كتاب الوضوء.

وقال ابن حجر: وجه مناسبته للترجمة قوله: "فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة"، والمراد بالفطرة السنة. قلت: ففيه فضل المبيت على الوضوء أنه من السنَّة، يعني الوضوء قبل النوم، والنوم على وضوء من الفطرة يعني من السنة، ففيه بيان فضل الوضوء، فضل من بات على وضوء.

قوله: على الوضوء" بالألف واللام في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: على وضوء" بغير الألف واللام، وتقدم ما بين ابن حجر والقسطلاني من اختلاف في عزو الروايتين بالألف واللام وبدونها.

 ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، ووجه ظهورها أنها في الحث على الوضوء؛ لأنه من الفطرة أي السنة، والترجمة باب فضل من بات على الوضوء.

 قوله: " إذا أتيت مضجعك" قال الكرماني: بفتح الميم، وفي بعضها: مضجعك أي إذا أردت أن تأتي مضجعك فتوضأ كقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ}،[النحل:98]، أي إذا أردت القراءة.

وذكرنا مرارًا أن الفعل الماضي الأصل فيه إرادة الفراغ من الحدث، إرادة الفراغ منه، من الفعل الذي يعبر عنه بالحدث، وهذا هو الأصل، ولذلك قيل: ماضٍ، ويطلق ويراد به إرادة الشيء، فإذا قرأت القرآن فاستعذ، يعني إذا أردت، ويطلق ويراد به الشروع في الفعل، كقوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث «وإذا ركع» يعني الإمام، فاركعوا لا يراد منه إذا أراد الركوع، ولا إذا فرغ من الركع.

المقدم: إذا شرع.

 وإنما يراد به إذا شرع في الركوع، فاركعوا. وهنا «إذا أردت أن تأتي مضجعك» كما في قوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ}.

 وقال العيني: بفتح الجيم، من "ضجع، يضجع" من باب" منع، يمنع" ويروى مضجعك، أصله مضتجعك من باب الافتعال، لكن قلبت التاء، طاء، والمعنى أنه «إذا أردت أن تأتي مضجعك فتوضأ» كما في قوله فذكر الآية، يعني كلام العيني مأخوذ من كلام الكرماني.

وفي المطبوع من عمدة القارئ: ويروى "مضجعك" وهو خطأ؛ لأن مضجعك هو الثابت في أصل الرواية، وقال ابن الملقن: معنى «إذا أتيت مضجعك» معنى النوم، وهو بفتح الجيم، وعن القرطبي كسرها أيضًا.

المقدم: مضجَعك!

نعم مضجَعك! كالمطلع وهو موضع الضجع، قوله: «فتوضأ» ظاهره استحباب تجديد الوضوء، لكل من أراد النوم فتوضأ وضوئك للصلاة، تجديد الوضوء لكل من أراد النوم، ولو كان على طهارة. ويحتمل أن يكون مخصوصًا بمن كان محدثًا، وقد روى هذا الحديث الشيخان وغيرهما من طرق عن البراء، وليس فيها ذكر الوضوء إلا في هذه الرواية، وكذا قال الترمذي، إذا لم يكن هناك ذكر للوضوء، فما مناسبة الحديث للترجمة؟" توضأ وضوءك للصلاة " تصير فيه مناسبة؟

المقدم: لا.

ما فيه مناسبة؛ لكن لو قدر أنه ذكر الوضوء في رواية لا توجد عند البخاري، وأورد الحديث في فضل من بات على وضوء، ولم يذكر الوضوء في هذه الرواية التي وضعها للترجمة، والبخاري يفعل ذلك كثيرًا، يورد الترجمة ويذكر تحتها أحاديث ما فيه ما يشير إلى هذه الترجمة.

المقدم: لكن الحديث لم ينطبق عليه شرطه ولذلك أدرج..

نعم، خرجه غيره مما يدل على الترجمة، البخاري -رحمة الله عليه- أحيانًا قد تكون الرواية التي فيها ما يطابق الترجمة عنده في باب آخر، ولم يردها في هذا الباب ليشحذ همة القارئ من أن يجمع طرق الحديث، لا يمكن أن يترجم شيء ويؤتي تحته بحديث لا يدل على الترجمة، ولا في رواية من رواياته، وإنما تكون المطابقة من وجه خفي لم يستطع الشراح، أو بعضهم على استخراجها..

المقدم: وبجمع طرق الحديث يتبين.

 يتبين المراد.

 وقد ورد في الباب حديث معاذ بن جبل أخرجه أبو داود، وحديث عن علي أخرجه البزار، وليس واحد منهما على شرط البخاري، وسيأتي الكلام على فوائد هذا المتن في كتاب الدعوات، إن شاء الله تعالى. لأن موضوعه الأذكار والدعوات.

 وقال ابن الملقن قوله: «فتوضأ» هو للندب؛ لأن النوم وفاة، وربما يكون موتًا فقد تقبض روحه في نومه فيكون ختم عمله بالوضوء، فيجب أن نحافظ على ذلك ولا يفوته.

قوله: «فتوضأ» هو للندب ؛لأن النوم وفاة، وربما يكون موتًا، فالله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها، فلا شك أن النوم وفاة وربما يكون موتًا فقد تقبض روحه في نومه فيكون ختم عمله بالوضوء، فينبغي أن يحافظ على ذلك ولا يفوته، وفيه سر آخر، وهو أنه أصدق لرؤياه، وأبعد عن لعب الشيطان به في منامه، وترويعه إياه، وما أحسن هذه الخاتمة والدعاء عقبها.

المقدم: يعني الوضوء.

 ما أحسن هذه الخاتمة التي هي بالوضوء، والدعاء عقبها الذي هو أفضل الأعمال، لا شك أن الدعاء، والذكر من أفضل الأعمال، وجاء الترغيب فيهما {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}،[غافر:60] أمر! وجاء في الذكر نصوص كثيرة جدًّا.

 فإذا تكلم بعد ذلك، يعني بعد أن ينهي هذا الذكر، إذا تكلم استأنف..

المقدم: يا شيخ عفوًا في قوله هنا: " والدعاء أفضل العبادة" مثل هذه المطلقات يا شيخ، كيف يقرأها طالب العلم؟

 لأنه جاء أن «الدعاء هو العبادة»، جاء في الحديث " «الدعاء هو العبادة»، وجاء أيضًا: «مخ العبادة»، ولا شك أن الدعاء الذي يصاحبه استحضار، وانكسار بين يدي الله تعالى لا شك أنه له منزلة عند الله -جل وعلا-، وورد في فضله، بل ورد الأمر به.

 والله يغضب إن تركت سؤاله             وإن بني آدم حين يسأل يغضب!

لا شك أن {قل لا يعبأ بكم ربي لولا دعائكم}.

المقدم: لولا دعاؤكم.

 والمراد بالدعاء العبادة؛ لأن هناك دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وفضل الدعاء يشمل الأمرين.

 فإذا تكلم بعد ذلك استأنفها، ثم ينام على ذلك اقتداء بالشرع في قوله: «واجعلهن آخر ما تتكلموا به»؛ لكن لو قدر له أن يتكلم بعدهن، يعيد! ليكون..

المقدم: أخر ما تكلم.

ليكون آخر ما يتكلم به.

المقدم: وهل هذا يصدق في الأذكار الأخرى يا شيخ؟ يعني ورد في أذكار النوم عدة أذكار منها قراءة آية الكرسي، والمعوذات، والنفس فيها ثم مسح الجسد، هذا موضعه..

لا، هذا يجعلهن أخريات ما يتكلم به، مقتضى ذلك أن ما جاء من أذكار النوم يكون قبل هذا الذكر..

المقدم: ويختم به؟

بالمناسبة ابن القيم -رحمه الله- أوصل أذكار النوم إلى نحو الأربعين؛ لأنه ذكر في طريق الهجرتين بيان حال الأبرار، وبيان حال المقربين، فذكر من حال المقربين أنهم إذا أووا إلى فرشهم تهيؤوا للنوم، حرصوا على أذكار النوم، وهي نحو الأربعين.

المقدم: أحسن الله إليكم ونفع بما قلتم، وجزيتم عنا خيرًا، أيها الإخوة بهذا نصل إلى ختام هذه الحلقة، ونتقدم في ختامها بالشكر الجزيل لمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء على ما تفضل به من شرح لحديث البراء بن عازب- رضي الله عنهما-، ولعل في الحلقات المقبلة إن شاء الله إكمالًا لشرح هذا الحديث، نستودعكم إن شاء الله.

 وصلى الله على محمد وعلى آله، وصحبه أجمعين.