كتاب الجامع من المحرر في الحديث - 09

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف –رحمه الله تعالى-: "وعنه" يعني عن أبي هريرة راوي الحديث الذي قبله.

"أَن رَسُولَ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ»تحذير من الظن، والظن المراد به في الحديث التهمة التي لا تُبنى على دليل، يتهم المسلم أخاه بما لم يثبت عنه، {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12].

«إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ»، ولا شك أن الظن في النصوص جاء بإزاء عدة معانٍ، جاء بمعنى اليقين {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ} [البقرة:46]، لا بُد من اليقين والإيمان الذي لا شك فيه ولا تردد بالبعث وبلقاء الله –جلَّ وعلا-، فالظن هنا بمعنى اليقين، والظن يُطلَق بإزاء الاحتمال الراجح، وعليه مدار أكثر الأحكام، مدار أكثر الأحكام على الظن الراجح، والاحتمال الراجح يُقال له: ظن، والاحتمال المرجوح يُقال له: وهم، والاحتمال المساوي يُقال له: شك، والذي لا يحتمل النقيض يُقال له: يقين، ويُقال له: علم، والقول المخالف للواقع ليس له أدنى نسبة من الموافقة يُقال له: كذِب.

فعندنا الاحتمال هنا الظن هنا هو التهمة، الذي لا يُغني من الحق شيئًا، وهو الظن الذي يلزم منه الإثم في قوله –جلَّ وعلا-: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12]، وهو الظن الذي لا يُغني من الحق شيئًا؛ ولتعدد المعاني والحقائق لهذا اللفظ استعمله بعض الناس في غير موضعه، وحملوا عليه بعض النصوص التي لا تحتمله، وبنوا عليه أصولًا وقواعد نفوا بسببها ما ثبت عن الله –جلَّ وعلا-، وثبت عن نبيه –عليه الصلاة والسلام- من أسمائه وصفاته، بل بعضهم نفى ثبوت الأحكام بناءً على هذا الوهم في معنى الظن، وقالوا: الظن لا يُغني من الحقيقة شيئًا.

وأحاديث الآحاد لا تُفيد إلا الظن قد صرَّح بذلك جمعٌ من أهل العلم أنها لا تُفيد إلا الظن، لكن ليس الظن الذي يزعمونه وأنه لا يُغني من الحق شيئًا، إنما هو الظن الذي تثبت به الأحكام؛ لأن ثبوت الأحكام مبني على غلبة الظن الذي هو الاحتمال الراجح.

وقول جمهور أهل العلم في كون خبر الواحد لا يُفيد إلا الظن هو مجرد اصطلاح؛ لأن الواحد من الرواة وإن بلغ ما بلغ من الثقة والضبط والإتقان والتحري لا بُد أن يقع في حديثه شيءٌ من الخطأ، فمالك نجم السُّنن حُفِظ عليه بعض الأخطاء، ومَن يعرى من الخطأ والنسيان؟ وما دام هذا الاحتمال موجودًا فإن خبر الإمام مالك ومن في منزلته في الحفظ والضبط والإتقان؛ فإنه لن يصل إلى نسبة مائة بالمائة، بل لا بُد أن تنزل هذه النسبة بحسب نسبة ما يقع في خبره من الخطأ، هذا مجرد اصطلاح، وإذا حُكِم للراوي بأنه ثقة بمعنى أنه عدلٌ ضابط فإن حديثه يجب قبوله ما لم يُخالف من هو أوثق منه، ويثبت به الحكم، ويجب العمل بمقتضاه في جميع أبواب الدين إذا كانت هذه صفته، ولو قال الجمهور: إنه يُفيد الظن، الظن مُثبتٌ للحكم في جميع أبواب الدين بمعنى الاحتمال الراجح؛ لأنه يحصل خلط في هذه المسألة، أهل الكلام قالوا: الظن لا يُغني من الحق شيئًا، وخبر الواحد لا يُفيد إلا الظن فنحن لا نعمل به. هذا الكلام باطل، ومردودٌ على قائله.

«إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ» يعني التهمة أن تتهم أخاك بما لم يثبت في حقه.

ثم بعد ذلك قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» يعني أن تتهم أخاك بما لم يثبت عنه هذا أكذب الحديث.

هذا الظن هو في حق شخصٍ لم يثبت عنه ما ظُنَّ واتُهِم به، مع أنه لا يستحيل أن يقع منه ما اتُّهِم به، بل قد تُوجد بعض العلامات والقرائن الضعيفة التي لا يجوز أن يُرتَّب عليها حكم تجعل الإنسان يظن به هذا الظن.

هو أكذب الحديث، لكن كيف يكون مثل هذا الاتهام في حق شخصٍ يُوجد منه نوع قبول فيما ظُنَّ به واتُهِم به؛ لأن حاله ليست بتلك الحالة التي تنفي عنه الظن بالكلية، يعني شخص عليه مخالفات، اتُّهِم بما لم يثبت عنه فاحتمال أنه وقع منه ولو ضعيف واحد، اثنان، خمسة بالمائة، لا يجوز أن يُتَّهم إلا بدليل، لكن مع ذلك وقوع الظن والتهمة لهذا الشخص الذي عنده قابلية ولو ضعيفة كيف يكون مثل هذا الظن أكذب الحديث؟ هذا من باب التنفير، التنفير من الظن بالمسلم الذي لم يثبت في حقه ما اتُّهِم به، ومعلومٌ أن الكذب حرامٌ بالإجماع، وسيأتي في شأنه أحاديث من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

«فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»، وفي القرآن {لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم:28]، {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12]، مفهوم الآية أن بعض الظن ليس بإثم، إذا وُجِدت القرائن القوية لا سيما فيما يتعدى ضرره ويفوت وقته.

شخص عُرِف عنه الجرائم والفواحش، واتُّهِم بشيءٍ هو مظنة له، وله سوابق فيه، واتُّهِم في أمرٍ يفوت، يعني غلب على الظن أنه خلا برجلٍ ليقتله، نقول: هذا يُترَك؛ لأن هذا مجرد ظن؟ أو خلا بامرأةٍ ليفجر بها، يُترَك؟ بل يُتَتبَع إذا كان أهلًا وله سوابق؛ لأن هذا الأمر يفوت، وقد نص على ذلك أهل العلم.

«فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا» بالحاء المهملة، وبالجيم المعُجمة.

«وَلَا تَحَسَّسُوا» يعني: لا تُفتشوا عن بواطن الأمور، أنتم ما كُلِّفتُم بالبحث عن البواطن، وليس لكم إلا الظاهر من حال المسلم، حاله العدالة ظاهره العدالة ليس لك أن تبحث عمَّا وراء ذلك، لا تحسس ولا تجسس عليه إلا في الحالة التي سبقت الإشارة إليها، إذا خلا رجل بآخر وغلب على الظن أنه يُريد أن يفتك به، أو خلا بامرأةٍ يُريد أن يفجُر بها، مثل هذا يُتَجسس عليه فلا مانع ونص على ذلك أهل العلم.

قالوا عن الجاسوس: أنه صاحب سر الشر بخلاف الناموس الذي هو صاحب سر الخير.

«وَلاَ تَنَافَسُوا» في أمور الدنيا هناك منافسات، وهناك مشاحنات تؤثر على القلوب، ويترتب عليها البغضاء والشحناء، والشُّح هذا منهيٌّ عنه، لكن المنافسة في الخيرات المسابقة والمسارعة إلى الخيرات هذه منافسة، هذه مطلوبة سارعوا سابقوا في أمور الآخرة على المسلم أن يُنافس {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26].

أما أمور الدنيا وحطامها فإنه لا يجوز للمسلم أن يصل إلى حد أن يُنافس غيره، فيترتب على ذلك بغضه، والإساءة إليه، ومحاولة الوقيعة به، والشرع حسم كل ما يؤدي إلى هذا الباب، فجاء النهي عن النجش، وجاء النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه، وجاء أيضًا النهي عن البيع على بيع أخيه، كل هذا من أجل سد الباب الموصِل إلى الشحناء والبغضاء بين المسلمين.

«وَلاَ تَنَافَسُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا»، الحسد هو تمني زوال النِّعمة عن الغير، إذا رأيت أخاك يتقلب في النِّعم، نِعم الله –جلَّ وعلا- مما حُرِمت منها أو من بعضها فلك أن تتمنى أن يُعطيك الله مثلها، وهذا ما يُسمى عند أهل العلم بالغبطة، «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فهو ينفقه عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ»، يُنفقه فيما ينفع من أمور الدين وأمور الدنيا، يُنفقه على المحتاجين والمعاويز، يُنفقه في المشاريع الخيرية، تتمنى أن يكون لك مال فتفعل مثل ما يفعل فلان، هذه غبطة.

«وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ» في بعض الأحاديث «القُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ»، هذا المغبوط تتمنى أن تكون مثله، لكن لا يجوز أن تتمنى زوال هذه النِّعمة هذا هو الحسد المذموم الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

ففرقٌ بين الحسد المذموم والحسد المحمود الذي جاء في حديث: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ»، وهو المعروف بالغبطة، فأنت إن تمنيت زوال النعمة عن أخيك فأنت آثم ومخالف لقوله: «وَلاَ تَحَاسَدُوا»، وجاء في الحسد أحاديث كثيرة.

وبعض العامة يُطلقون الحسد على العين، في حسد يعني في عين، هذا الكلام ليس بصحيح، قد تكون العين سببها الحسد، لكن ليس هو الحسد، الحسد شيء، والعين شيءٌ آخر.

«وَلاَ تَحَاسَدُوا» عرفنا أنه إذا تمنى زوال النعمة عن غيره من المسلمين فإنه آثم، ومن أدواء القلوب إذا استعصت واستشرت في قلب المسلم صعب شفاؤه منها، وهو أيضًا سببٌ لشقائه، سلامة القلب مطلوبة، وجاء في نصوصٍ كثيرة، بل من أعظم ما جاء في ذلك {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88-89]، فالذي يبيت وليس في قلبه حسد ولا غش ولا حقد على أحدٍ من المسلمين هذا بخيرٍ عظيم مرتاح، هذه هي الراحة الحقيقية، أما من بات وقلبه يغلي على المسلمين فهذا عنده كذا، وذاك عنده كذا، هذا عنده أموال، وهذا عنده ضِياع، وهذا عنده قصور، وأنا لماذا؟ أنت تشكو مَن إذا قلت هذا الكلام؟ أنت تشكو ربك.

يقول الناظم:

وَكُنْ صَابِرًا للْفَقْرِ وَادَّرِعْ الرِّضَا
 

 

بِمَا قَدَّر الرَّحْمَنُ وَاشْكُرْهُ وَاحْمَدِ
 

«وَلاَ تَحَاسَدُوا» الحسد من أعمال القلوب، فهل الحسد المحرَّم الذي هو مجرد تمني في النفس من غير أن يتكلم أو يعمل أو أن هذا النوع داخل في قوله: «عُفي لأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ما لَمْ تَتكلَّمْ أو تَعْمَلْ»، يعني شخص يتمنى زوال النعمة عن فلان من المسلمين، لكنه ما فعل شيئًا، ولا تكلم بهذا، هل يقع في الإثم أو لا؟

الجمهور على أنه يقع؛ لأن هذا من أعمال القلوب، ورُتِّبت عليه على اعتبار أنه من أعمال القلوب كالإخلاص مثلًا، نقول: لا يُثاب على الإخلاص حتى يتكلم ويعمل؟ لا، الإخلاص من أعمال القلوب تترتب عليه آثاره، والحسد من أعمال القلوب تترتب عليه آثاره، وإن لم يتكلم ولم يعمل.

بعض العلماء قال: هو داخل في الحديث ما دام ما سعى إلى ضرر أخيه، ولا تكلم بما يُعين على زوال النعمة عن أخيه، فإنه من حديث النفس المعفو عنه.

وعلى كل حال على المسلم أن يُجاهد نفسه ويُحاول علاج قلبه من هذه الصفة الذميمة.

«وَلاَ تَبَاغَضُوا» عندنا، «وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ تَنَافَسُوا»، التجسس والتحسس في الغالب أنه يكون من طرفٍ واحد، واحد يتجسس على غيره، أو يتحسس على غيره، لكن المنافسة في الغالب أن تكون بين طرفين مفاعلة، وكذلك التحاسد، وقد يقع من واحد، وقد تقع المنافسة من واحد، والثاني غافل عنه ما كأنه موجود، وكذلك التحاسد قد يحسد المسلم أخاه، والطرف الآخر غافلٌ عنه مُعرضٌ عنه لا يهتم بشأنه، ولا يرفع به رأسًا، وكذلك التباغض الأصل أنه إذا أبغض زيدٌ عمروًا فإن عمرًا في الغالب أن يُبادله نفس الصفة أنه إذا أبغضه فإنه يُبغضه، وقد يُوجد من طرفٍ واحد، ولذلك تجدونه في الصيغة اختلف، «وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَجَسَّسُوا» ثم قال: «وَلاَ تَنَافَسُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا».

«وَلاَ تَدَابَرُوا» يعني لا تقاطعوا، وفي هذا ذمٌّ للقطيعة ونهيٌ عنها، وسُميت القطيعة تدابرًا؛ لأن كل من أبغض غيره أدبر عنه وأعرض عنه وولاه دبره، فالمقصود بالتدابر القطيعة.

«وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»، ولا شك أن الصفات السابقة مؤثرة في الأخوة، «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، فهذه الأخوة يخدش فيها الصفات التي جاء النهي عنها في هذا الحديث وفي غيره.

«وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» الأصل أن المسلم أخو المسلم، «المُؤْمِنَ للمؤمنِ كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضًا» هذا الأصل {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، فعلى المسلمين عمومًا أن يسعوا لتحقيق هذه الأخوة، وأخوة الدين هي الأخوة الحقيقية، أما أخوة النسب فلا شك أن لها أثرًا، ولها شأن في الشرع إذا وُجِدت الأخوة الحقيقية التي هي أخوة الدين، أما إذا فُقِدت أخوة الدين فلا قيمة لأخوة النَّسب، الحصر في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] يقتضي أن المؤمن مع غيره ليسوا بإخوة.

«وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»، «وَكُونُوا» أمر من كان الناقصة، واسمها ضمير الجمع الواو، وخبرها خبر كان؟

طالب: ...........

إخوانًا أو عباد الله؟

طالب: ...........

الأمر هنا بتحقيق العبودية أم بتحقيق الأخوة؟

طالب: ...........

بتحقيق الأخوة كونوا إخوانًا عباد الله، يعني يا عباد الله منادى بحرف النداء المحذوف، يا عباد الله كونوا إخوانًا.

ثم قال –رحمه الله-: "عَنْ أبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنْ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لَا يحلُّ لمسْلِمٍ»" يعني يحرم على المسلم؛ لأن الذي يُقابل الحلال هو الحرام {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف:157]، «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ» فإذا نُفي الحِل ثبت التحريم.

«لَا يحلُّ لمسْلِمٍ» يعني يحرم على المسلم «أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ» يهجر أخاه يترك أخاه فلا يُكلمه، ولا يُسلِّم عليه، يحرم عليه ذلك، «أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ»، فالهجر هو الترك، ومنه الهجرة ترك البلد بلد الكفر إلى بلد الإسلام، والهجر هنا هو الترك ترك التكليم وترك التسليم.

«أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ» الأخوة أعم من أن تكون أخوة نسب أو أخوة دين، «يَهْجُرَ أَخَاهُ»، والإشارة في قوله: «لمسْلِمٍ» تُفيد أن الأخ هو المسلم، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم.

«فَوْقَ ثَلاَثِ لَياَلٍ» وفي بعض الروايات: «أيام»، المقصود ثلاثة أيام بلياليها أو ثلاثة ليالٍ بأيامها اثنتان وسبعون ساعة، ما يقول: يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ أنه ما فيه بأس أنه لا يُكلمه بالليل، ولو طالت المدة أو بالنهار فقط، لا، المقصود بلياليها هو الليل بنهاره.

«أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَياَلٍ» الهجر يوم، يومان، ثلاث، مفهوم الحديث أنه لا بأس به، وإن كان مذمومًا، لكنه لا يدخل في حيز التحريم مُفاد من قوله: «لَا يحلُّ لمسْلِمٍ» لا يأثم إذا هجر أخاه يومًا أو يومين أو ثلاثة.

شخص قال: هو يهجر أخاه ثلاث ليالٍ، ثم يُكلمه ساعة، ثم يهجره ثلاث ليالٍ، ثم يُكلمه ساعة، ثم يهجره، يدخل أم ما يدخل؟ هذا مبني على ما يرفع القطيعة، ويرفع الهجر.

«فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بالسَّلَامِ»، هل يرتفع الهجر والقطيعة بمجرد إلقاء السلام أو لا يرتفع الهجر إلا أن يعود الحال على ما كان عليه قبل؟ مسألة خلافيةٌ بين أهل العلم.

«لَا يحلُّ لمسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَياَلٍ «طيب الرسول –صلى الله عليه وسلم- هجر نساءه شهرًا، آلى من نسائه شهرًا، وهجر الثلاثة الذين خُلِّفوا خمسين يومًا، هذا يدل على أنه إذا كانت الهجرة بسبب أمرٍ ديني فإنه لا بأس أن تزيد على الثلاث؛ حتى تتحقق المصلحة من الهجر، وكلٌّ من الصِّلة والهجر علاج، بل علاجٌ شرعي بعض الناس المتجه في حقه الصِّلة، وبعض الناس المتجه في حقه الهجر، فالعاصي إذا لم تُجدِ فيه النصيحة يُهجَر حتى يرعوي ويتوب عن معاصيه، المبتدع يُعامل بالحسنى، ويُلاطف، ويُدعى بالتي هي أحسن، فإن استجاب وإلا يُهجَر، وكلام أهل العلم في هذا الباب كثير، ولو طالت المدة؛ لأنها معلقة على مصلحة، إذا لم تترتب عليها هذه المصلحة ما يكفي، تهجر مبتدعًا ثلاثة أيام، ثم تعود لصلته ومؤاخاته، لا؛ حتى يتوب من بدعته.

الأب يهجر ولده ولو طال؛ لأنه يُعالجه بهذا الهجر، يُعالج خطأً حتى يرجع عنه.

طالب: الزوجة؟

{وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} [النساء:34].  

طالب: ما فيه مدة محددة؟

ما فيه مُحددة، لكنه في المضجع لا أمام الناس، ولا أمام الأولاد، في المضجع.

«لَا يحلُّ لمسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَياَلٍ».

{وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} [النساء:34]، كلام أهل العلم في الآية عامتهم على أن الهجر الترك المعروف، ويرى بعضهم أنه مثل هجر البعير تُربَط مثل هجر البعير، هجره ربط قدمه، عقله، وهذا غريب ممن اختاره ورجَّحه كلام إمام المفسرين ابن جرير الطبري كأنه يُوحي بهذا، على كل حال كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرَد.

«يَلْتَقِيَانِ» يُقابل أحدهما الآخر، ومن أشق الأمور على نفس المسلم أن يُقابله أخوه بوجهٍ غير طلق، «لا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»، بعض الناس –نسأل الله العافية- دائم العبوس في وجوه إخوانه، وقد يُطلق وجهه لبعض الناس دون بعض، ومن أشق الأمور مواجهة الأخ المسلم بما يسوؤه، والنبي –عليه الصلاة والسلام- ما واجه أحدًا بما يسوؤه، ولما استأذن عليه من استأذن قال: «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ»، ولما فتح له ودخل عليهم انبسط معه في الكلام –عليه الصلاة والسلام-، فالمداراة مطلوبة لا المداهنة، المداهنة حرام، وهي التنازل عن بعض الحق، المداراة التلطف مطلوب، لكن لا تتنازل عن حق، أو ترتكب باطلًا من أجل فلان أو علان، هذه مداهنة {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم:9].

لما دخل على النبي –عليه الصلاة والسلام- الذي قال في حقه: «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» انبسط معه في الكلام، فقالت عائشة –رضي الله عنها-: قلت ما قلت، ثم انبسطت معه، قال: «إِنَّ مِنْ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ»، وهذا مع الأسف موجود في المسلمين اتركوا فلانًا، دعوه؛ لأنه مثل الأسد إذا أُثير أساء إليك ضرك مثل هذا يُترَك؛ اتقاء شرِّه، هذا من شر الناس، نسأل الله السلامة والعافية.

«يَلْتَقِيَانِ» يُقابل أحدهما الآخر في السوق أو في العمل أو في المسجد، وأسوأ من ذلك أن يكون في البيت إذا كان من الأقارب «فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا»، هذا يُعرِض عن أخيه، وهذ يُعرِض عن أخيه.

«وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ» فيرفع القطيعة، قال بعضهم: في هذا الحديث دليلٌ على أن القطيعة ترتفع بالسلام، ويكفي إذا سلَّم، «خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ»، وقال بعضهم: لا ترتفع القطيعة حتى تعود الحال إلى ما كانت عليه قبل هذه القطيعة، إذا كان بينهما أُنس، ثم بعد ذلك حصلت هذه القطيعة، نقول: ما يكفي أن تقول: السلام عليكم فقط، بل لا بُد أن تعود الحال إلى ما كانت عليه قبل ذلك، وإلا يقع في الهجر.

«خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ» بعض الناس يستنكف، فإذا مر بأحد من المسلمين ما بينهما شيء، لكن يقول: أنا أكبر منه، هو الذي يبدأ بالسلام ليس أنا، أو يقول: أنا العم، لي الحق، هو الذي يُسلِّم، أو يقول: أنا الكبير، هذه مشكلة، نعم التوجيه النبوي أن الصغير يُسلِّم على الكبير، والماشي يُسلِّم على الجالس، والراكب يُسلِّم على الماشي، وهكذا، لكن «خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ» قاعدة عامة، اسعَ أن تكون أنت الخير في كل شيء، رفعت الهاتف ابدأ أنت قُل: السلام عليكم، «خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ».

وفي نظام العساكر الذي يبدأ بالسلام والتحية الصغير في الرتبة ولو كان كبيرًا في السن، الصغير في الرتبة هو الذي يُحيي الذي هو أكبر منه في الرتبة، هذا ليس بشرع، إنما الصغير يُسلِّم على الكبير، لو ما يُسلِّم عليه لو بينهم عشر سنين أو أكثر من عشر سنين في السن عاقبه وجازاه، وظل واقفًا إلى آخر الدوام أو إلى أكثر من يوم مثلًا.

طالب: ............

يجازيه، هذا ليس بشرعي. 

طالب: ............

المقصود أن هذا ليس بشرعي مخالف للشرع، الصغير هو الذي يُسلِّم على الكبير، وإذا أخذنا بالقعدة العامة «خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ» يعني إذا تنازل الكبير وسلَّم على الصغير صار خيرهما.

«وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ»، وبهذا يستدل من يستدل بأن مجرد السلام يرفع الهجرة، ومع الأسف أن نسمع الهجرة بين الأقارب بين الوالد وولده، والولد مع والده يهجر أباه أو يهجر أمه؛ لأمورٍ لا تستحق شيئًا حتى ولو كانت من عظائم الأمور بين الولد ووالده فالأمر أعظم من ذلك، وأسوء من ذلك أن يوجد مثل هذه الأمور بين طلاب العلم، وبين من ينتسب إلى العلم بسبب أوهام لا حقيقة لها، نعم قد يُوجد حقائق تقتضي الهجر، لكن يجب أن تُعالج، أما إذا كانت مجرد أوهام أن هذا يرى كذا أو يُبنى على قرائن ضعيفة أو على هفوة أو زلة يُهجَر ويُتكلَّم في عِرضه فهذا لا يجوز بحال، والله المستعان.

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد.

يقول: عندي سيارة أجرة نوصِل بها البنات إلى الجامعة قرابة خمسين كيلًا، ولباسهم متبرج، ويستعملون من العطور في السيارة، ما حكم توصيلي لهن؟

معروفٌ حكم التبرج والمتبرجات، وأنه جاء الأمر بلعنهِن، وأن المرأة إذا خرجت من بيتها متعطرة فهي زانية، وما دُمن بهذه الصفة آثمات مأزورات وأنت متعاونٌ معهن، وهذا من باب التعاون على الإثم والعدوان، ومعلومٌ أنها ما مُنِعت من التعطر إلا من أجلك، فلا يجوز لك بحال أن تتعامل معهن، لا بُد من الاحتشام، ولا بُد من البُعد عن كل ما يثير الفتنة، وإذا حصل جمعٌ من النسوة متحشمات لم يرتكبن شيئًا من المحرمات، والمسافة المذكورة لا خطر فيها عليهن أقل من مسافة القصر، وهن جمع، فلا مانع من ذلك بالشرط الذي تقدم.

يقول: ما حكم الإسبال بالبدلة؟

كل ما نزل عن الكعب فهو في النار يشمل كل ملبوسٍ يُلبَس على أسفل البدن.

يقول: أنا طالب علم، لكن شيخي هو كتابي وأشرطتي؛ لأنني لا أستطيع ملازمة شيخ؟

على كل حال لا يُكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، إذا كانت ظروفك لا تسمح لك بملازمة الشيوخ فتستفيد بقدر استطاعتك من الكُتب والأشرطة، فتحفظ المتون بعد أن تسمعها من الأشرطة بقراءة ضابط متقن، وتسمع عليها الشروح، وتُفرِّغ من هذه الشروح على هذه المتون ما يُعينك على فهمِها، وإذا أشكل عليك شيء تُدونه وتسأل عنه أهل العلم، وتُدرِك وتُحصِّل إن شاء الله تعالى.

هذ نفس السائل الظاهر يقول: عندي مشكلة،وهي أنَّه إذا درسنا المتون وحفظناها:كالأصول الثلاثة،والقواعد الأربع، والواسطية،وعمدة الأحكام وغيرها لا يُوجد عندنا برنامج في مراجعة المتون،فهل تعطونا طريقةً نافعة في كيفية المراجعة في كل أسبوع، أو كل شهر، أو كل سنة؟

المراجعة تكون بقدر الحاجة، بحيث لا يُنسى العلم، وإذا اتفقت مع من يُناسبك في السن والفَهم ومقدار الحفظ اتفقت معه على المراجعة، وضربتم من وقتكم وقتًا كافيًا لها ساعة في اليوم أو مدة في الأسبوع معينة أو يوم في الأسبوع أو ما أشبه ذلك، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى.

يقول: حاجٌّ حجَّ وقام بطواف الإفاضة، ثم مكث في مكة إلى يومنا هذا وأراد العودة إلى بلده، فهل عليه طواف وداع؟

إن كان اعتمر بعد ذلك فلا طواف عليه، وإن كان ما اعتمر فيتناوله أمر الحجاج أن لا ينفروا حتى يكون آخر عهدهم بالبيت.

يقول: هل هذا حديث «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ، وَالْكَلَأِ، وَالنَّارِ»؟

نعم حديث.

يقول: زوجٌ طلب زوجته إلى الفراش، ولكن رفضت طلبه، وقالت له: الأمر بيدي، وأُجيبك متى أردت ذلك، السؤال ما حكم ذلك؟

هذا الفعل حرام، وإذا طلب الزوج زوجته إلى فراشه، فأبت عليه، لعنتها الملائكة حتى تُصبح.
وكيف يتصرف الزوج معها؟
هذا نوع من النشوز يُعالجه بالطريقة المذكورة في سورة النساء، بالوعظ، ثم بعد ذلك بالهجر، إن امتثلت وإلا فالضرب غير المُبرِّح.

يقول: بعض الإخوة لا يقوم بسد الفُرج في الصلاة؛ وذلك من أجل الجلوس بجانب كرسي الشيخ من أجل الدرس، فهل هذا الفعل صحيح؟

الأمر بسد الفروج ووصل الصفوف واجب، «مَنْ وصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّه، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعهُ اللَّه»، فلا بُد من التراصّ في الصفوف، وألا يُوجد فُرج وخلل في الصفوف، وذلك واجب، والدرس القرب من الشيخ مطلوب، لكن لا يُعارض بمثل هذا الواجب.