أهمية العلم في الوقاية من الفتن

تاريخ النشر: 
الأربعاء, 3 صفر, 1436 - 16:00
تصنيف المحاضرة: 
الفتن والمشتبهات

محاضرة صوتية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فإن مثل هذا الموضوع لا يكفيه لقاء ولا لقاءان ولا ثلاثة لأن العنوان مركب من أمور عظيمة أولها العلم وثانيها الفتن وهما موضوعان كبيران جاءت بهما نصوص الكتاب والسنة والوقاية من الفتن تتمثل في عدم وقوعها أو عدم إصابتها إذا وقعت فالعلم الذي يقي من الفتن وينفع في الدارين وجاءت به نصوص الكتاب والسنة هو العلم النافع العلم الشرعي وإن كان عند الإطلاق لا ينصرف إلا إليه فغيره وإن عُدّ علمًا في عرف الناس فإنه ليس بعلم على الحقيقة لأن الله نفاه لأن الله نفاه   الروم: ٦ - ٧  فهم لا يعلمون حقيقة العلم وإن علموا شيئًا ظاهرًا لا حقيقة له عند التحقيق والتمحيص هم يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا ما يعلمون وقد علموا ما علموا مما به كثير من الناس أعني الكفار بَهروا الناس بعلمهم فيما يدّعونه وروّجوه على الناس هو علم ظاهر ليس بعلم باطن والدليل على ذلك أنه لو كان علمهم حقيقيًا لدلهم هذا العلم إلى ما ينجيهم في الدنيا والآخرة لأنهم علموا ما علموا واخترعوا ما اخترعوا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من العلوم التي يدّعونها علوم لكنها ما دلتهم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة قد انتفعوا في الدنيا في الظاهر جمعوا الأموال وصعنوا ما صنعوا وأرهبوا الناس وبهروهم لكنهم في حقيقتهم ما استفادوا منها لأن الفائدة العظمى هي التي فيها النجاة في الدنيا والآخرة ولذلك نفى الله عنهم العلم ثم أثبت لهم علمًا ظاهرًا لا يفيدهم في دنياهم ولا في أخراهم قد يقول قائل أنهم استفادوا في الدنيا توفرت لهم الأسباب أسباب السعادة نقول هذه الأسباب وإن توفرت إلا أن السعادة ليست هي السعادة الحقيقية وكم من واحد من هؤلاء الذين يُظن فيهم السعادة هم أشقى الناس في الحقيقة وكثير منهم مع ما توفر لهم من وسائل الراحة في الدنيا إلا أن القلوب ليست مرتاحة يعيش أكثرهم في تعاسة فإذا عرفنا أن السعادة الحقيقية فيما يرضي الله جل وعلا سواء كانت السعادة في الدنيا أو في الآخرة تجد الفقير من المسلمين يعيش مرتاح البال مطمئن النفس وتجد أغنى الناس من غيرهم تجده يعيش في غاية من التعاسة ولم يمنعهم تمنعهم سعادتهم من الانتحار الذي نسمع عنه في كل وقت إذا فهمنا هذا وعرفناه فإن العلم الذي جاءت النصوص بمدحه ومدح أهله هو العلم الشرعي العلم الحقيقي المورث لخشية الله جل وعلا المدخل الإنسان في زمرة ورثة الأنبياء الذين لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم لكن ما العلم الذي ينفع العلم الذي ينفع هو المورث للخشية وكم من إنسان لديه من العلوم والمعارف وهو من أبعد الناس عن خشية الله ففي الباطن قلبه من أقسى القلوب وفي الظاهر في في جوارحه تجده يزاول المعاصي ولا يُقبل على ما يؤمر به وينزجر عما نهي عنه وهذا في الحقيقة أيضًا ليس بعلم فما يحمله الفساق والعصاة مما يُدّعى أنه علم هو في الحقيقة ليس بعلم هو في الحقيقة ليس بعلم لأن حقيقة العلم ما نفع وهذا ضار هذا وبال على صاحبه العلم الذي لا يورث الخشية ولا يورث العمل هذا في الحقيقة ليس بعلم وإن حفظ ما حفظ من نصوص الكتاب والسنة وعرف ما عرف من الأحكام بأدلتها هذا في الحقيقة ليس بعلم كما قرر أهل العلم أن ما يحمله الفسّاق من العلم وإن كان معتمدًا على الكتاب والسنة فإنه ليس بعلم ومن الأدلة على ذلك قول الله جل وعلا ﭿ          النساء: ١٧  يعملون السوء بجهالة الجاهل ما المراد به هنا؟ هو الذي لا يعرف الحكم أو الذي يعرف الحكم الجاهل الذي لا يعرف الحكم يعني التوبة المقبولة التي حُصرت في الآية هي لمن يجهل الحكم يعني الذي يعرف أن الخمر حرام ويعرف الأدلة من الكتاب والسنة هذا ليست له توبة؟! الذي يعرف أن شرب الخمر حرام ويشرب الخمر ويعرف الأدلة من الكتاب والسنة هل هذا عالم والا جاهل؟ يعرف الحكم بدليله لكنه مع ذلك ما عمل بمقتضى العلم فهو جاهل وهذا تتناوله التوبة وكل من عصى الله فهو جاهل ولو كان من أعرف الناس بالأحكام بأدلتها إذًا هذا الذي يعرف الأحكام بأدلتها يعرف الأحكام بأدلتها لكنه يعصي بمقتضى الآية هذا عالم والا جاهل؟ جاهل بدليل أن الإجماع قائم على قبول توبته إذا تاب توبة نصوحًا بشروطها المعروفة عند أهل العلم وإلا لو قلنا أن الجاهل هو الذي لا يعرف الحكم قلنا أن الذي يعرف الحكم لا لا توبة له لأن التوبة حصرت في الجاهل فيمن عمل السوء بجهالة فدلنا هذا على أن الذي يعصي جاهل يأتينا كثير ممن ينتسب إلى العلم مظاهر الفسق عليهم ظاهرة ويقولون علماء فقهاء بعضهم ينتسب إلى القرآن وتعليمه وما يعين عليه وبعضهم من أهل القراءات لكن عليه شيء من مظاهر الفسق وبعضهم يتعلم ويعلم السنة سنة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- ويزاول المعاصي نقول هذا ليس بعالم ولو حفظ ما حفظ لو حفظ القرآن والسنة قلنا جاهل بنص الآية وإلا لقلنا إنه لو عصى لا تقبل توبته ولو توافرت فيها الشروط وفي الحديث المختلف في صحته «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» مفهومه أن غير العدول وإن حملوا شيئًا من العلم في نظرهم وأنظار الناس فإنه لا يسمى في الحقيقة علم لأنه إنما يحمل العلم من كل خلف العدول من الناس والفسق وارتكاب المعاصي وترك الأوامر مخالف للعدالة ناقض للعدالة فالفاسق لا يحمل العلم ولو عرف شيئًا من العلم فإنه في الحقيقة لا يسمى علم فهذا هو العلم الذي يستحق أن يسمى حامله عالمًا والنتيجة أنه يورث الخشية لله جل وعلا كما قال سبحانه وتعالى: ﯣﯤ فاطر: ٢٨  فالذي يورث الخشية من الله جل وعلا والخوف منه وفعل الأوامر وترك النواهي هذا هو العلم وصاحبه هو العالم الحقيقي ثم بعد ذلك العلوم هذا إذا كان في علم الكتاب والسنة فالعلوم الأخرى ليست بعلم في العرف الشرعي نعم هي علم بالمعنى العام إذا قلنا إن العلم نقيض الجهل العلم نقيض الجهل فمن عرف شيئًا فهو مناقض لما يجهله لمن يجهله فالمزارع عالم بأمور الزراعة والنجار عالم بأمور النجارة والمهندس عالم بما يتعلق بفنه ليس بجاهل نقيض الجهل والطبيب عالم لأنه مناقض لمن يجهل أمور الطب هذا بالنسبة للمعنى العام.

العلم قال الله قال رسوله

 

قال الصحابة هم أولوا العرفان

هذا العلم العلم العلم بنصوص الكتاب والسنة وما يعين على فهم الكتاب والسنة هذا هو العلم الذي جاء مدحه في النصوص ومدح حامليه وما عدا ذلك ليس بعلم في الحقيقة قد يقول قائل أن كثير كثيرًا من الأطباء والفلكيين أورثهم علومهم شيء من الخشية لله جل وعلا لأنهم اطلعوا على دقائق وأسرار في هذا الكون لم يطلعها كثير ممن ينتسب إلى العلم الشرعي وأورثتهم خشية لله جل وعلا قد لا توجد في كثير في صفوف المتعلمين هل نقول إن هذا علم والا ليس بعلم؟ هو بالمعنى العام لكنه في ميزان الشرع ليس بعلم وخشيتهم هذه ناشئة من التفكر لا من العلم ويشاركهم في هذا الأعرابي الذي لا يقرأ ولا يكتب وإذا اضطجع في فراشه ولا يحول دونه ودون السماء شيء تفكر في السماء في عظمها وفي نجومها وفي أطرافها وأورثه ذلك خشية من الله جل وعلا نقول هذا تفكر وهذا نافع وينفع عند الله جل وعلا لكنه ليس بعلم بالمعنى الخاص الذي جاء مدحه في نصوص الكتاب والسنة ومدح حامليه وإن كان علم إن كان علمًا بالعنى العام الذي هو نقيض الجهل فمن عرف شيئًا ارتفع عنه وصف الجهل به فهو عالم به لكنه عالم بالمعنى الأعم ومع الأسف أنه في عرف الناس وإطلاق الناس أن العلم إذا أُطلق ينصرف إلى العلوم التجريبية تخصص علمي وتخصص شرعي يعني هذا قسيم للعلم الشرع قسيم للعلم مع أن العلم الحقيقي هو العلم الشرعي الذي جاء مدحه في الكتاب والسنة الذي لا يعمل بعلمه سواء كان تفريطه في الواجبات في التقوى التي هي فعل الأوامر واجتناب النواهي والتقوى خير ما يعين على تحصيل العلم ﯹﯺ ﯼﯽ البقرة: ٢٨٢  سواء كان تفريطه في الواجبات وارتكاب المحظورات أو تفريطه في فعل ما أُمر به لا على سبيل الوجوب كالقيام كقيام الليل مثلاً وجاء في آية الزُّمَر   ﯱﯲ الزمر: ٩  ثم قل ﯺﯻ الزمر: ٩  فدل على أن الذي يفرط في النوافل كقيام الليل قد يسلب هذا الاسم لأنه ما استفاد من هذا الاسم ما استفاد من هذا الاسم ليستحق الوصف به والوعد من الله جل وعلا في كتابه وعلى لسان رسوله -عليه الصلاة والسلام- لأصحابه وأربابه فينتبه لمثل هذا بعض الناس يمضي الدهور في تعلم العلم وتعليم العلم عقود أربعين خمسين سنة ويخرج من الدنيا وهو ليس من عداد أهل العلم العلم يحتاج يحتاج إلى صدق يحتاج إلى إخلاص وأن يكون طلبه لله جل وعلا وهو مزلة قدم كم من إنسان يَظن ويُظن أنه من ورثة الأنبياء وأن الحيتان تسبح له وأن فضله على العابد كما جاء في الأخبار وفي النهاية يكون من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة نسأل الله السلامة والعافية من الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة من هم الثلاثة؟ أولهم شخص تعلم العلم وعلّم الناس فلما جيء به للحساب يقال له ماذا صنعت؟ قال تعلمت فيك العلم وعلّمت الناس فيقال له كذبت تعلمت وعلّمت ليقال عالم وقد قيل ثم يؤمر به فيسحب على وجهه إلى نار جهنم.

ومن يكن ليقول الناس يطلبه

 

أخسر بصفقته في موقف الندم

نسأل الله العافية والثاني المنفق الباذل في وجوه الخير وأعمال البر ما يطلب منه شيء إلا بادر إليه ما يطلب منه مساهمة في مشروع خيري إلا بادر فيؤتى به للحساب فيقال ماذا صنعت؟ قال ما تركت وجها من وجوه الخير إلا أنفقت فيه في سبيلك ابتغاء مرضاتك فيقال له كذبت إنما أنفقت ليقال جواد وهذا مجرد ما وقر في القلب يعني الدافع له ليقال جواد هذا في نفسه ما تحدث به مع النفس فكيف بمن يصرف الشيك بالمبالغ الطائلة في حضور الناس ثم يتصل على البنك ويوقف الصرف يعني إذا كان الدافع له ليقال جواد من غير عمل آخر يصرف المال يدفع المال فورًا لهذا العمل الخيري هذا من أول من تسعر بهم النار فكيف بالثاني! نسأل الله السلامة والعافية يعني أمور القلب أمور دقيقة تحتاج إلى مراعاة ومراجعة والثالث من قاتل حتى قتل قاتل قاتل الكفار حتى قتل فجيء به للحساب فقيل له ماذا صنعت؟ قال قاتلت حتى قتلت في سبيلك فيقال له كذبت إنما قاتلت ليقال شجاع ثم يسحب في النار هؤلاء الثلاثة أعمالهم من أفضل الأعمال لكن لما كان الباعث غير ابتغاء وجه الله وتخلّف الإخلاص الذي هو شرط القبول وحل محله نقيضه وهو العمل من أجل الناس مراءاة الناس بهذه الآعمال التي هي من أفضل الأعمال انقلبت على الضد ﯿ الزمر: ٤٧  كم شخص من السلف إذا قرأ هذه الآية بكى حنا تمر علينا ما ندري وش معناها يقول إذا كان جلوسي لتعليم الناس وأنا أحتسبه في ميزان حسناتي ثم أجده في كفة السيئات يعني ما كنت أحتسب هذا والمدار على الإخلاص والمتابعة الذين هما شرطا القبول هذا هو العلم النافع وهذا الذي يُرفع به حامله درجات وليست مثل درجاتنا التي بمقدار الشبر السلالم عندنا ما تزيد الدرجة على شبر الدرجات من درجات الجنة كما بين السماء والأرض وحامل العلم يرفع به درجات من درجات الجنة يعني المسألة ليست بالسهلة نأخذها بالتراخي لا، الأمر جدّ خطير فعلى من يتصدى لتعلم العلم وتعليم العلم أن يهتم لهذا الأمر والنية شرود يعني أنت جئت لتتعلم وتُعلِّم ثم يطرأ عليك ما تنحرف به نيتك وقصدك وينقلب هذا العمل الذي جئت من أجله من كونه من أفضل الأعمال وأعظم القربات ينقلب إلى الضد ﯿ الزمر: ٤٧  العلم ووسائل التحصيل ومعوِّقات التحصيل تحتاج إلى محاضرات وفيها محاضرات وفيها أشرطة مسموعة وفيها كتابات مقروءة يعني من طلبها وجدها وساهمنا في شيء من هذا نسأل الله الإخلاص والقبول على كل حال العلم ليس هذا موضع بسطه لكن يهمنا منه أن نهتم منه بما ينفع وأما بالنسبة للشق الثاني من عنوان المحاضرة وهو الفتن الفتن جمع فتنة وهي في الأصل الابتلاء والاختبار فهي أشياء توجد من قِبَل الله جل وعلا يختبر بها ويمتحن بها ويفتن بها عباده منها الفتن السهلة اليسيرة فتنة الإنسان في أهله وماله وولده هذه تكفِّرها العبادات الصلاة والصيام وغيرهما كما جاء في الحديث لكن ما المراد بالصلاة والصيام والحج والعمرة وغيرها من الأعمال التي تكفِّر مثل هذه الفتن؟ المراد بها التي تؤدى على مراد الله جل وعلا فالصلاة التي تقام      الأنعام: ٧٢  على ضوء ما جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- من قوله وفعله «صلوا كما رأيتموني أصلي» ومن المسلمين من يتردد إلى الصلاة في المسجد مع الجماعة ويحرص على ذلك ثم يخرج بدون أجر أو يخرج بعشر الأجر وقد يخرج بالخمس بالربع وقد يخرج بالنصف والناس متفاوتون حسب إخلاصهم وإقبالهم على هذه الصلاة وليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل فإذا دخل في الصلاة وخرج منها ولا يعقل منها شيء هذه الصلاة له عليها أجر؟ يعني إذا جاء بشروطها وأركانها وواجباتها سقط عنه الطلب صلاة صحيحة مجزئة ما يقال له أعد لكن هل تترتب عليها آثارها؟    ﯨﯩ العنكبوت: ٤٥  تجد الناس يصلون الفرائض والنوافل بعض الناس وإذا خرج عصى ما نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر لماذا؟ لأن هذه الصلاة فيها خلل والصلاة التي لا يخرج صاحبها منها إلا بعشر أجرها أو ما قارب ذلك شيخ الإسلام رحمه الله يقول إن كفرت نفسها فيكفي تكفر نفسها لأن الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة كفارات لما بينهن فهل مثل هذه الصلاة التي لا يخرج صاحبها إلا بالعشر أو قريب من العشر أو قد لا يخرج منها بأجر هل تكفر من فتنه وإن كانت صغيرة شيء؟ وهل هذه تمنعه من الخوض في الفتن وقل مثل هذا في الصيام الصيام ما الفائدة منه؟             البقرة: ١٨٣  كثير من المسلمين أو عموم المسلمين يصومون يمسكون عن المفطّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لكن مع ذلك إذا أفطروا تجد الغيبة على مائدة الإفطار هل هذا الصيام ترتبت عليه آثاره؟ هل هذا الصيام بالفعل ترتبت عليه آثاره لعلكم تتقون؟ ما ترتبت عليه آثاره وهل مثل تلك الصلاة وهذا الصيام يقي من الفتن؟ والنبي -عليه الصلاة والسلام- فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والحج وغيرها من العبادات هذه لا تكفر الحج شرطه التقوى لتترتب عليه آثاره «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمه» لكن هل هذا حج من حج ومنذ وضع رجله في الغرز في السيارة إلى أن رجع ولسانه مرسل في القيل والقال لا يذكر الله فيه إلا قليلاً لا يتورع عن أعراض الناس لا يكف بصره عن المحرم ولا سمعه عن المحرم هذا يرجع من حجه كيوم ولدته أمه؟!       ﭣﭤ ﭦﭧ البقرة: ٢٠٣  كثير من الناس يحرص على الحج الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة لكن بشرطه بشرط البر بشرط التقوى بشرط السلامة من اللغو والرفث والفسوق مع أن كثير ممن يحرص على الحج مريدًا بذلك وجه الله تعالى لكنه يقع في هذه الأمور فلا تترتب الآثار عليه فلا تكفّر بها سيئاته ولا يوقى بسببه من الفتن فعرفنا العلم الذي يقي من الفتن والعمل الذي يقي من الفتن العلم وأهمية العلم بالنسبة للمسلمين يحتاج بسطه إلى أوقات الناس بأمس الحاجة إلى العلم والعلماء في جميع أمورهم فيما يتعلق بدنياهم وأخراهم تصوّر أنك في بلد ليس فيه عالم كيف تصلي كيف تتطهر كيف تصوم كيف تحج كيف تزكي كيف تتعامل مع الناس؟ عمر رضي الله عنه منع الناس من البيع والشراء حتى يتعلموا فقه البيوع لأن الذي يجهل الشيء يقع في المخالفة وهو لا يشعر فما الذي يقيك من الوقوع في المحرم إلا العلم وإذا كنت لست بعالم فأنت بأمس الحاجة إلى سؤال أهل العلم وقد أمر الله جل وعلا بذلك في كتابه قال:              النحل: ٤٣  كثير من المسلمين يقدم على الفعل وهو لا يعلم الحكم ولا يسأل عن الحكم فإذا وقع في المحرم جاء يسأل المفترض أن المسلم لا يفعل شيئًا إلا ببينة الآجرّي في أخلاق العلماء ضرب مثلاً لحاجة الناس الماسّة لأهل العلم يقول مثل عامة الناس كمثل قوم في وادٍ في ليلةٍ مظلمة والوادي فيه أشجار وسِباع وهوامّ لا يدرون ما يواجههم في هذا الوادي ثم جاءهم شخص بيده مصباح فمشى أمامهم حتى خرجوا من هذا الوادي هذا هو العالم خرجوا من هذا الوادي بسلام ما وقعوا في حفرة ولا اصطدموا بشجرة ولا وطئوا شوكة ولا نهشهم سبع ولا لدغتهم حيّة ولا شيء لأن هذا الشخص بيده مصباح صاروا يبصرون به ما أمامهم وما تحتهم هذا الشخص يحتاجونه أو لا يحتاجونه؟ هم بأمس الحاجة إليه وهذا الشخص له فضل عليهم والا ليس له فضل عليهم؟ له فضل عليهم يقول هذا مثل العالم بين العامة جميع أعمالهم وما يتقربون به إلى الله جل وعلا هم بأمس الحاجة إليه فإذا حصلت الفتن وماج الناس واختلطوا وكثر فيهم الهرج كثر فيهم الهرج من الذي ينقذهم ومن الذي يدلهم على الحل السليم الصحيح؟ الذي يعرف أن هذه الفتنة ستقع قبل وقوعها من خلال النصوص وهو العالم الذي يعرف كيف يتصرف إذا وقعت لأن الإنسان إذا وقع شيء وهو سابق علمه به ينظر إليه بأناة يعني إذا كان عندك سابق علم بما سيحصل أن تتعامل معه بطيش والا بأناة داري أنه بيصير أنت عارف أنه بيصير لا شك أنك تفكّر في الحل قبل وقوعه فإذا وقع فإذا الحل جاهز أما إذا وقع وأنت على جهل تام به وفاجأك هذا الأمر فلا شك أن العقول تطيش في مثل هذه الحالة وتصور هذه الفتن وصورها في عمارة شاهقة كبيرة فيها ألوف من السكان فاحترقت فجأة احترقت هذه العمارة ماذا يصنع الناس؟ الذين لا يعرفون المخارج تصور إذا احترقت المصاعد تتعطل فيها مخارج طوارئ هؤلاء الذين يعرفون هذه المخارج يعني يسهل عليهم التعامل مع هذا الحدث الذي وقع وينجون بأنفسهم والذي لا يعرف لا يدري أين يتجه؟ هذا يحترق وقد يكون المخرج بجواره فالعالم هو الذي يعرف عن هذه الفتن وهذه الأحداث قبل وقوعها ولذا يُوصى طلاب العلم أن يكثروا من القراءة في كتب الفتن لأنها إذا وقعت والإنسان عنده خبر عنها يعرف كيف يتعامل معها وعقله يكون حاضرًا لأن عنده سابق علم ما فيه مفاجأة والمفاجأة إذا وُجدت طاشت معها العقول فلا تتعامل مع الحوادث بحكمة ورويّة وهذا مثل العلماء مع العامة العلماء يعرفون هذه الحوادث قبل وقوعها ويعرفون كيف يتعاملون معها من خلال النصوص وجاء في الحديث عند الترمذي وغيره «إنه ستكون فتن.. إنها ستكون فتن» قيل ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال «كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم» الحديث فيه كلام لأهل العلم من أهل العلم من يضعِّفه وظاهر إسناده الضعف لكن معناه صحيح معناه صحيح وجاء في الخبر «بادروا بالأعمال ستًّا -وفي رواية- سبعًا، وستكون فتن كقطع  الليل المظلم» فالعلم يجعل الإنسان على بصيرة بما سيقع وسيحدث والعمل كذلك يعطي الإنسان من الثقة بالله جل وعلا ما يعينه على الخروج من هذه الفتن بسلام فعلى الإنسان أن يهتم بالعمل قبل وقوع هذه الفتن لأنها إذا وقعت الفتن والتفت إلى العمل والنفس ما تعوّدت عليه فإنه في الغالب لا يعان عليه تصوّر إنسان طول عمره السنة كلها يسهر مع أقرانه وزملائه في القيل والقال فإذا قارب طلوع الفجر حصل النزاع والصراع هل يوتر بثلاث أو بواحدة أو يزيد إلى خمس قد يعان على الخمس وقد يعان على الثلاث قد يعان على الواحدة وقد لا يعان لماذا؟ لأنه ما تعرّف على الله في الرخاء فيعرفه في الشدة هذا في وقت الرخاص قبل الفتن الآن في أيامنا هذه فكيف إذا جاءت الفتن والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول «تعرّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة» فأنت تحرص على العلم النافع والعمل الصالح لتخرج بذلك من الفتن ويقيك الله شر الفتن والعبادة إذا لم تتعوّد عليها في أوقات السعة ما استطعتها في وقت الضيق ثم النتيجة إذا تعودت على العبادة من صلاة وصيام وتلاوة وذكر وقيام صارت ديدنًا لك في الرخاء والشدة ودخلت في قوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح «العبادة في الهرج كهجرة إليّ العبادة في الهرج كهجرة إليّ» الهرج القتل والقتل إنما يكون في أوقات الفتن يعني مرّ بنا في خلال الثلاثين أو الأربعين السنة أو الثلاثين سنة أكثر من فتنة يموج الناس ويطيشون كالجراد المنتشر ومأواهم ومرجعهم إلى من؟ إلى أهل العلم يسألونهم كيف يتصرفون؟ وكيف يصنعون؟ وماذا يفعلون؟ وتجدون طلاب العلم من الآفاق من البلدان والأقطار يفدون إلى هذه البلاد ثقة بعلمائها يسألونهم كيف يتصرفون في بلدانهم التي فيها الفتن؟ فالعلم والمقصود به العلم النافع المورث للعمل الصالح هو الذي يقي به الله جل وعلا المسلم من الفتن بعض الناس يقول أنا من عامة المسلمين ولا أستطيع أن أؤثر في الناس في أوقات الفتن وقد أتأثّر بهذه الفتن فأُفتن نقول الرسول -عليه الصلاة والسلام- كما في الحديث الصحيح في البخاري وغيره «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن» هذا في حق من يخشى على نفسه أن يتأثر في هذه الفتن ولا يستطيع أن يؤثر فيها أما من استطاع أن يؤثر في غيرها ويخفف هذه الفتن أو يساهم في إزالة هذه الفتن فإنه يتعين عليه أن يخالط الناس ويوجه الناس ويرشد الناس شريطة ألا يتأثر بهذه الفتن وجاء في النصوص ما يدل على فضل الخلطة والذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم لا شك أنه أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم وهذا محمول على إذا كان الإنسان يستطيع أن يؤثر في الناس ولا يتأثر بما عندهم وجاء أيضًا أحاديث كثيرة في العزلة وهي محمولة على من كان حاله بضد ذلك بحيث يتأثر ولا يستطيع أن يؤثر والناس قدرات بعض الناس سريع التأثر وبعض الناس لا يتأثر ومع هذا قد تكون عنده القدرة على التأثير وقد لا تكون عنده القدرة على التأثير فمن يؤثّر ولا يتأثّر هذا يتعين عليه أن يخالط الناس ويؤثر فيهم ويبذل جهده ويستفرغ وسعه لإفادة الناس وإعانة الناس على ما يخرجهم من هذه الفتن وإذا كان الإنسان بضد ذلك يتأثر ولا يؤثر فإنه عليه أن يعتزل «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن» وهذا فيما إذا كانت الفتن الجانب الراجح فيها غير ظاهر يعني الإنسان متردد هل يدخل أو لا يدخل؟ فمثل هذا يعتزل واعتزل كثير من الصحابة ما شجر بينهم وما وقع بينهم من أحداث اعتزلوا فظفروا بالسلامة ظفروا بالسلامة.

لعلنا نكتفي بهذا القدر.

 

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.