وسطية الأمة

تاريخ النشر: 
الاثنين, 7 ربيع الأول, 1436 - 20:00
تصنيف المحاضرة: 
العقيدة

محاضرة صوتية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فيقول الله جل وعلا: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [سورة البقرة:143] الوسط كما جاء في كتب اللغة في مقاييس اللغة لابن فارس وصحاح اللغة للجوهري وتهذيب اللغة للأزهري وغيرها من كتب الأئمة في لغة العرب الوسط يُطلَق ويراد به المتوسط بين شيئين هما منه في البُعد على حد سواء كما يُطلَق ويراد به العدل والخيار من كل شيء الإطلاق الأول وهو ما يكون بين طرفين يعني في المحسوسات إما في الزمان أو في المكان التوسط بين طرفين زمانًا ومكانًا يقال له وسَط أو وسْط وهذا لا يراد في الآية لأن هذه الأمة آخر الأمم «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» فهذه الأمم هي آخر الأمم ونبيها -عليه الصلاة والسلام- آخر الأنبياء وخاتمهم فلا يرد بمعنى التوسط في الزمان ولا في المكان إنما المتعيِّن هو المعنى الثاني وهو الخيار العدول فهذه الأمة بين سائر الأمم خيارها وعدولها بدليل أنهم يشهدون على الناس {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [سورة البقرة:143] فالمتوسط في الزمان أو في المكان لا قيمة له في الشهادة على الناس إلا إذا كان عدلا خيارا فهذه الأمة هي العدل والخيار من بين سائر الأمم ولذلك يشهدون على الناس ففي الحديث الصحيح يؤتى بنوح أول الرسل عليه السلام فيقال له ماذا صنعت؟ فيقول بلغت ما أمرتني به فيؤتى بأمته فيقال لهم ما بلغكم؟ قالوا ما جاءنا من نذير ينكرون أن يكون جاءهم نبي رسول ينذرهم ويحذرهم ويخوفهم مع أنه مكث فيهم مدة طويلة جدًّا ألف سنة إلا خمسين عامًا فينكرون ثم يقال من يشهد لكم فيقال محمد وأمته محمد وأمته فتشهد الأمة بأن نوحًا بلَّغ ما أُرسل به إليهم فيقال ما علمكم بذلك؟ لأنه بينكم وبينهم قرون كثيرة ما علمكم بذلك قالوا جاءنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وأخبرنا عن الله جل وعلا أن نوحًا بلغ أمته فيشهد لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهذا معنى قوله لتكونوا شهداء على الناس والحديث بالمعنى خبرا الحديث بالمعنى، والشهادة إنما يرتضى لها العدل ويرتضى لها خيار الناس فالعدل هو فالوسط هو الخيار العدل والإنسان إذا أراد أن يُشهد له على حق مالي ولو قل هل يذهب إلى أقل الناس شأنًا ولو قل إنما يذهب إلى من تُرضى شهادته وهو العدل فكيف إذا كان إذا كانت الشهادة بمصير أمة كاملة؟! إنما يرتضى لها أعدل الناس وأخيرهم والشهادة على الوحدانية وحدانية الله جل وعلا {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} [سورة آل عمران:18] من اختير لهذه الشهادة بالوحدانية لله جل وعلا صفوة الصفوة فشهادة الله جل وعلا لنفسه بالوحدانية كافية لأنه هو الذي خلق الخلق وهو الذي أوجدهم وأسدى عليهم النعم لكن عطف الله جل وعلا على شهادته شهادة الملائكة ومنزلة الملائكة معلومة من بين الخلق {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [سورة التحريم:6] ثم عطف عليهم أولوا العلم أولوا العلم لعظيم منزلتهم في الدين لأنهم هم الورثة لأنبيائه العلماء ورثة الأنبياء لكن قد يقول قائل أنه وُجد في الواقع في القديم والحديث وهو أكثر من ينتسب إلى العلم وهو متصف بما يقدح في شهادته في أمور الدنيا وُجد من ينتسب إلى العلم وهو متصف بما يقدح في شهادته فهل يكون من الشهداء هؤلاء الذين شهدوا لله بالوحدانية وارتضاهم الله على هذه الشهادة وائتمنهم عليها؟! يوجد من يزاول معاصي ممن ينتسب إلى العلم فهل يصلح لهذه الشهادة وهل يستحق أن يكون من أولي العلم؟ الجواب الناس يقولون فلان.. العلامة فلان وتجده مظاهره لا تدل على شيء من العلم معاصيه ظاهرة ويردد كما قيل خذوا علمي واتركوا عملي نقول هذا ليس من أهل العلم لماذا؟ لأن العلم ما نفع لأن العلم ما نفع وإذا لم ينتفع به صاحبه فهو في الحقيقة وبالاً عليه ولا يستحق أن يسمى علمًا لأن العلم الصحيح هو المورث للخشية وعمله هذا منافٍ للخشية ولو اتقى الله وخشيه لما ارتكب ما ارتكب من المحرمات ودلّت الأدلة على أن ما يحمله الفساق لا يسمى علم بالاصطلاح الشرعي لا يسمى علم {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ} [سورة النساء:17] يعني ما تقبل إلا توبة الجاهل الذي لا يعرف الحكم شخص شرب الخمر وهو يعرف أن الخمر حرام مجمع على تحريمه ودل عليه الكتاب والسنة والإجماع نقول ما تقبل توبته لأنه ليس بجاهل هو جاهل وإن علم وإلا لقلنا أن من يعصي وهو يعرف الحكم لا توبة له ولا قائل بذلك فيكون المقصود أن من يعصي الله جل وعلا ليس من أهل العلم ولو عرف الحكم لأن معرفته بالحكم لم تفده شيئًا {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ} [سورة النساء:17] والجهل نقيض العلم فلا يجتمع أن يكون عالم جاهل في الوقت نفسه جاهل لأنه تقبل توبته وعالم لأنه يعرف الحكم إذًا هو جاهل وليس بعالم ولا يستحق أن يكون شهيدًا على أحد ولا شهادة.. ولا الشهادة التي ذكرت في قوله جل وعلا {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} [سورة آل عمران:18] لأنه ليس من أهل العلم، وفي الحديث الذي أثبته الإمام أحمد «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه ينفون عنه انتحال المبطلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين تحريف الغالين وانتحال المبطلين» «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» فدل على أن ما يحمله الجهال مما يسمى علم في عرف الناس هو في الحقيقة ليس بعلم قد يقول قائل أن الواقع أثبت خلاف ذلك أنه يوجد من غير العدول من يحمل العلم نكرر ونقول أن ما يحمله مثل هذا لا يستحق أن يُسمى علمًا وبعضهم يقول أن معنى يحمل خبر يراد به الأمر فتقدَّر فيه اللام لام الأمر ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله وهو حثٌ للعدول بحمل العلم وعدم ترك المجال لمثل هؤلاء الفساق أن يرتزقوا بالعلم هذه مسؤولية أهل العلم والتقوى والخشية ألا يتركوا مجالا للفسقة أن يحملوا العلم وأن يؤكدوا في دروسهم على العمل بالعلم وتقوى الله جل وعلا {وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [سورة البقرة:282] وخشية الله جل وعلا {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [سورة فاطر:28] فهؤلاء لا يستحقون أن يكونوا شهداء ولا يستحقون أيضًا أن يشهدوا لله بالوحدانية وهذا ظاهر {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [سورة البقرة:143] فالوسط هو العدل الخيار في الآية ومن الأدلة على ذلك «إذا سألتم الله فاسألوا الله الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة» كيف يجتمع وسط بمعنى متوسط بين كونه أعلى؟! لكن المراد به الأفضل والأخير هذه الأمة المحمدية التي هي آخر الأمم كما في قوله كما هو الواقع وفي قوله -عليه الصلاة والسلام- «نحن الآخرون» يعني آخر الأمم «السابقون يوم القيامة» أول من يستفتح له باب الجنة النبي -عليه الصلاة والسلام- وأمته وهم شطر أهلِ الجنة أو ثلثا أهل الجنة جاء الخبر بالشطر وجاء بأكثر من ذلك وهذا مما زاده الله جل وعلا من فضله وكرمه على هذه الأمة ونبيها -عليه الصلاة والسلام- الأمة وسط بين الأمم السابقة لاسيما أقرب الأمم إليها وهم اليهود والنصارى بين غلوِّ النصارى حيث ترهّب علماؤهم وزادوا وغلوا في دينهم وغلوا في رسولهم حتى جعلوه الله وعبدوه من دون الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة نسأل الله العافية غلت النصارى في نبيها وقالت ما قالت فهذا غلو وهذا إفراط يقابله تفريط اليهود الذين استباحوا ما حرّم الله بأدنى الحيل استباحوا ما حرم الله بأدنى الحيل حيل يتوصلون بها إلى تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله حسبًا أو تبعًا لمصالحهم فهم إن احتاجوا التحريم تحايلوا عليه إن احتاجوا التحليل تحايلوا عليه وقد احتالوا على الصيد في يوم السبت فحفروا حفر تقع فيها الأسماك ثم استخرجوها يوم الأحد قالوا ما صدنا يوم السبت إنما صدنا يوم الأحد ولذا جاء في الخبر «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل» ومن شابههم في ذلك ممن يتحايل على استحلال المحرم فهو شبيه باليهود في هذا قد يحتاج الإنسان إلى حيلة ليتوصل بها إلى فعل المأمور وترك المحظور هذه حيلة إيش؟ شرعية شخص لا يستطيع أن يصل إلى المسجد وهذا موجود في بعض البلدان لا يستطيع الوصول إلى المسجد إلا بحيلة وبتورية نقول هذه حيلة شرعية لأنك تتوصل بها إلى فعل واجب وشخص لا يستطيع ترك بعض المحظورات إلا بحيلة نقول هذه حيلة شرعية لأنك تتوصل بها إلى ترك المحرم بخلاف الحيل حيل اليهود ومن يشبههم ومع الأسف أنه وجد في عصرنا هذا من يرتكب حيل اليهود فيستحل المحرّم بأدنى الحيل فمن فعل ذلك من هذه الأمة فليس من الوسط ولا يخرج من الملة لكنه يشبه بذلك اليهود كما أن من غلا بنبي أو ولي أو عبد صالح أو عالم وصرف له شيئًا من حقوق الله جل وعلا فليس من الوسط لأنه أشبه النصارى ووجد في هذه الأمة من يشبه النصارى حيث غلا بالنبي -عليه الصلاة والسلام- وقال:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به

 

سواك عند حدوث الحادث العمم

فإن من جودك الدنيا وضرتها

 

ومن علومك علم اللوح والقلم

 

يعني هذا ماذا أبقى لله؟! لم يُبْقِ شيئًا لله! ومع الأسف أنه وجد وفي كثير من أشعار بعض طوائف البدع يوجَد كثير من هذا نسأل الله العافية وبعضهم تخصص في المدائح النبوية ووجد منه مثل هذا التصرف الذي يشبه تصرف النصارى وغلوهم بعيسى عليه الصلاة والسلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» هذه الأمة وسط بين اليهود والنصارى في الإفراط والتفريط اليهود إذا أصابت أحدهم نجاسة قرضها بالمقراض لا يكتفي بغسلها والنصارى يزاولون النجاسات بل نسب إلى بعض رهبانهم وعبادهم أنه يمضي عليه السنون ما مس ماءً ذاك إفراط وهذا تفريط واليهود إذا حاضت المرأة لم يبيتوا معها في بيت ولم يؤاكلوها ولم يشربوا معها ولم يسكنوا معها في البيت والنصارى استباحوا في جماعها فضلاً عن معاشرتها فيما دون ذلك وهذه الأمة وسط بين الملتين هذه الأمة سهل الله عليها ولله الحمد والمنة «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه إن هذا الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه» والغالي والمبالغ في الغالب ينقطع فتجد بعض الناس يقوم الليل كله فإذا جاء في آخر الليل غلبته عيناه فنام عن صلاة الصبح وقد ينام إلى أن تطلع الشمس ويخرجها من وقتها هل هذا على جادة؟! لا والله وما حفظ عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قام ليلة كاملة إلى الصبح جاء عنه في العشر الأواخر من رمضان أنه يشد المئزر ويحيي الليل فقال بعضهم أنه لا ينام في العشر الأواخر وهذا قول قد يتجه لاسيما وأن استغلال المواسم الفاضلة له أصل في الشرع له أصل في الشرع فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال لعبدلله بن عمرو «اقرأ القرآن في سبع ولا تزد» وقال «لن يفقه القرآن أو لن يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» هذا الأصل أن الإنسان لا يشق على نفسه لأنه إذا شق على نفسه فإن مآله إلى الضعف والترك عبد الله بن عمرو ندم على كونه لم يأخذ بنصيحته -عليه الصلاة والسلام- فصار يقرأ القرآن في أقل من سبع وأُثر عن جمع من الصحابة والتابعين أنهم قد يقرؤون القرآن في ليلة وهذا محمول على استغلال المواسم لا على أن يكون عادة وجادّة مطردة الرسول -عليه الصلاة والسلام- قام حتى تفطرت قدماه من أجل ألا نفهم أن الدين يسر أننا نفرِّط فيما أمرنا به أو ما نهينا عنه الدين يسر لكنه دين تكاليف والجنة حفّت بالمكاره والنار حفت بالشهوات فلا بد من التوازن والتوسط في الأمور في حياة المسلم لا يشدد على نفسه ثم ينقطع ولا يُفرط فيما أمر به محتجًا بأن الدين يسر الدين نعم يسر وإذا قورن هذا الدين الذي جاء باليسر بالأديان الأخرى مع ما فيه من تكاليف يبقى يسر لأنه ليس فيه آصار ولا أغلال وجدت في الأديان السابق {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} [سورة البقرة:286] فاستجاب الله جل وعلا في هذه الدعوات فليس في الدين عسر ولا آصار ولا أغلال ومع ذلك فيه تكاليف الأغلال والآصار الأشياء التي لا تطاق أما ما يطاق وقد يحمل الإنسان نفسه على العزيمة ويقتدي بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في كونه قام حتى تفطرت قدماه ولا يدخل في التشديد المنهي عنه لأن المسألة تحتاج إلى توازن فإذا وجد في نفسه نشاط ورأى أن هذا العمل لا يعوقه عما هو أوجب وأهم منه فلا شك أن العزيمة مطلوبة والرخصة محبوبة فالتوازن هو المطلوب، أهل السنة وسط بين الفِرَق أهل السنة وسط بين الفِرَق هم وسط في أسماء الله وصفاته بين المعطِّلة الذين ينفون عنه الأسماء والصفات وحقيقة أمرهم أنهم يعبدون عدمًا شيء لا صفة له ولا اسم وش يصير؟ عدم وبين الممثلة الذين يمثلون ويشبهون الله بخلقه ويجرون صفاته مجرى صفات المخلوقين والله جل وعلا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى:11] نفي للتمثيل {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [سورة الشورى:11] إثبات للصفات والأسماء في الآية رد على الممثلة وعلى المعطلة والجمع بين الأمرين بين الإثبات والتنزيه هو مذهب أهل السنة الذين هم وسط في هذا الباب أهل السنة وسط في أفعال الله وأقداره بين المعتزلة الذين ينفون القدر وأن الأمر أُنُف وبين الجبرية الذين يغلون في إثبات القدر وينفون تصرُّف المخلوق وأنه مجبور على حركاته وسكناته تجدهم يبررون لمن يفعل المعصية فيقولون أنت مجبور على هذه المعصية والعذاب على أمر مجبور عليه ظلم إذا عذّبك الله وقد جبرك على هذا الفعل ظلمك وأهل السنة وسط بين الطرفين الغالي والجافي وهم وسط في أفعال العباد في مرتكب الكبيرة بين الخوارج والمعتزلة الذين يُخلدونه في النار ويحكم الخوارج بكفره وخروجه عن الدين والمعتزلة يحكمون عليه بالخلود في النار ولكن لا يخرجونه في الدين ولا يدخلونه يقولون خرج من الدين ولم يدخل في الكفر فهو في منزلة بين المنزلتين وسط أيضًا بين أهل التفريط من المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان معصية لا يضر مع الإيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر عمل فأفسق الناس وأتقاهم وأخشاهم لله سواء لأنه لا يضر مع الإيمان معصية هذا تفريط وذاك إفراط وأهل السنة وسط يقولون بأن المعصية تضر وتنقص الإيمان لكنه لا تخرج من الملة ولا تخلّد في النار فهم وسط بين هذه الطوائف وهم وسط أيضًا في الصحابة بين الذين يكفرونهم وبين من يؤلههم ويغلو فيهم بين الروافض والنواصب فهم على الجادة مستنين بكتاب الله مهتدين بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكما أن الأمة وسط بين الأمم كذلك أهل السنة وسط بين الطوائف وسط بين الخوارج الذين يكفرون بالذنوب ووسط بين المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب ويجعلون إيمان أفسق الناس كإيمان محمد وجبريل عليهما السلام طيب وجد هذا ووجد هذا وابتليت الأمة بالطائفتين ابتليت بالغلو وما ترتب عليه من تكفير وما ترتب على التكفير من أحكام وتطبيق من تفجير وغيره وابتليت أيضًا بأهل التفريط ففي كثير من المجتمعات لا يفترق المجتمع المسلم عن غيره من المجتمعات الأخرى وإذا جئت إلى أي عاصمة من العواصم التي تنتسب إلى الإسلام بعض العواصم التي تنتسب إلى الإسلام لا تجد فرق بينها وبين العواصم الأخرى العواصم الأخرى فيها مساجد وإذا دخل الوقت صلوا وعواصم بعض عواصم المسلمين ما تجد فرق في المظاهر واحد كله بسبب تخلف العمل والقول بالإرجاء والقول بأن الإيمان لا يضر معه عمل فهو مفسد للمجتمعات والشعوب والأفراد وأخطر منه وإن كان ذاك خطر شديد لكن أخطر منه القول بالتكفير وترتيب الآثار عليه ولا شك أن هؤلاء أساؤوا إلى أمتهم وإلى مجتمعهم وإلى دينهم إساءة بالغة حتى اجتمعت طوائف الكفر على حرب الإسلام دخلوا من هذا الباب قالوا نحارب الإرهاب وهم في الحقيقة يريدون القضاء على الإسلام وتكالبت الأمم على أمة الإسلام بسبب أمثال هؤلاء فالكافر يتذرع بوجود مثل هذا في هذا البلد فيريد أن يقضي عليه فيقضي عليه وعلى من حوله والله المستعان على كل حال هاتان الطائفتان من أخطر الطوائف على الإسلام طائفة التفريط التي جعلت البلد المسلم أو بعض الشعوب الإسلامية ما تفرق بينها وبين أهل الكفر المظاهر واحدة وإذا أذّن ما صلوا وإذا جاء رمضان ما صاموا ولا يفعلون أي عمل من أعمال الدين وبعضهم قد يعمل ما استرخاء شديد لا تجد تلك الاهتمام والعناية بشعائر الدين وتعظيم الشعائر من تعظيم الله ومن تقوى القلوب فإذا كان الإنسان لا يستشعر عظمة هذه الصلاة ولا عظمة الزكاة المقرونة بالصلاة ولا عظمة الصيام ولا حرمة رمضان ولا حرمة البلدان المقدسة مثل هذا ما يفترق عن غيره إلا بقول لا إله إلا الله لا إله إلا الله تنفع لكن العمل شرط أعني جنسه شرط في صحة الإيمان لا بد من العمل الأوامر والنواهي صدرت عن الله جل وعلا فالذي لا يقيم لها وزنًا كيف يدعي أنه مؤمن بالله وهذا قول أهل السنة والجماعة في حقيقة الإيمان وأنه قول واعتقاد وعمل قول واعتقاد وعمل يشير أهل العلم إلى كيفية العلاج لهاتين الطائفتين وأنك إذا وُجِدت أو ابتليت في مجتمع فيه إفراط فمثل هؤلاء يُكثَر عليهم من إيراد نصوص الوعد لأن نصوص الوعيد قد تزيدهم فيُكثر عليهم من إيراد نصوص الوعد وإذا وجد التفريط يكثر عليهم من إيراد نصوص الوعيد والعالِم الوارث للنبي هذا مثل الطبيب لمعالجة الأدواء في الأفراد والمجتمعات فيعالج كل مجتمع أو كل فرد بما يناسبه والعلاج في كلام الله وكلام رسوله -عليه الصلاة والسلام- ينسب بعضهم مع الأسف الشديد صرنا نسمع هذا إلى أن هذا الغلو وهذا التكفير سببه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب أئمة الدعوة هذا ما هو سر.. في القنوات أشيع هذا! قيل بهذا في القنوات مع الأسف ومع الأسف أن ممن قال به بعض من كانت له سابقة في طلب العلم وأما المغرضون وأصحاب الشهوات وغير ذلك هم يريدون أن يتخلصوا من هذه الدعوة التي هي في حقيقتها دعوة إلى التوحيد الخالص أسأل هؤلاء متى عرفنا هذا الفكر ومتى رأينا هذا العمل من التفجير وغيره؟ هذا الفكر الذي هو التكفير متى عرفناه في بلادنا لا يعدو ربع قرن على أي احتمال لا يزيد وجوده عندنا عن ربع قرن صح والا لا؟ ما كنا والله نسمع به ولا سماع وكنا لحمة واحدة لما كان اعتمادنا على قال الله وقال رسوله واعتمادنا أيضًا على كتب أهل العلم الموثوقين ما عرفنا هذا وإنما هو فكر وافد وقَبِلَه بعضنا لما تخلينا عن مصادرنا في التلقي وصرنا نتلقف العلوم من الجهات قبل خمس وعشرين سنة كانت الدروس معروفة في كتب التفسير والحديث وفي كتب الفقه والعقيدة ومنها كتب أئمة الدعوة ومنها الدرر السنية على وجه الخصوص كانت تدرس في المساجد والعلماء يدرسونها ويتذاكرونها مع طلابهم هل حصل شيء من ذلك؟ والله ما حصل شيء وأنا ما رأيت حصل هذا الأمر إلا بعد أن فرطنا فيها لما تخلى الناس عن دراستها وتدريسها ابتلينا بهذه الأمور فهذا الكلام إنما صدر لغرض وهو أن نزهد في هذه الكتب ونحارب هذه الكتاب ونرجع كما كنا قبل الدعوة الشرك الأكبر ظاهر ويتبرك بالقبور والأشجار ويتوسل إليها ويطلب منها ما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا فهذا هو الهدف والله بما في القلوب لكن هذا الظاهر والا وش معنى الكتب لما كنا متمسكين بها ونرددها ونقرؤها ونُقرئها وتلقيناها عن شيوخنا ودرسناها لطلابنا في وقت كان الناس فيه لحمة واحدة والله ما تجد في ذلك الوقت من يتكلم في ولي الأمر أو يحاول أن يخرج عليه لما كنا متمسكين بهذه الكتب ونعمل بما فيها كان الناس فيهم قوة في التمسك بالدين والاتحاد واتحاد الكلمة وعدم الفرقة والاجتماع والائتلاف دين {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [سورة آل عمران:103] {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ} [سورة الأنفال:46] فالنزاع والشقاق هو مصدر كل شر والاتحاد والاجتماع مصدر القوة وفي وجه العدو أما الآن لما تفرقنا وتنازعنا وصار كل واحد معجب برأيه صرنا شِيَع كل واحد يقدح في الثاني وهذا خلل كبير يعين العدو علينا {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [سورة آل عمران:103] ومثل ما قلت ما أوتينا حتى فرّطنا في كتب أهل العلم الموثوقة وصرنا نتلقف هذه العلوم من كتب ثقافية أو كتب فكرية على ما قالوا أما ما قبل ذلك فدروسنا حافلة بكتب أهل العلم التي تشرح كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- بأقوال أهل العلم الموثوقين وفي رسالة الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى أهل مكة يقول رحمه الله ونعتمد في فهم كلام الله على كتب أهل العلم من المفسرين الموثوقين كتفسير ابن جرير وابن كثير والبغوي وفي شرح كلام رسوله -عليه الصلاة والسلام- على كتب الشروح المعتمدة كفتح الباري وشرح النووي على مسلم ثم ذكر شروح أخرى وهكذا بقية العلوم يعني هم علماء يقتدون بمن قبلهم وسائرون على منهج من سبقهم من أهل العلم وليس بدين جديد كما قيل ولا بمذهب خامس وفي مقدمتها يقول نحن في الأصل على مذهب الإمام أحمد ولكن لا يلزمنا أو لا يُلزِمنا المذهب إن رأينا الدليل مع غيره أن نأخذ به ونترك المذهب هذا الأصل المسألة اقتداء اتباع وليست المسألة بالتقليد المذموم الذي يؤخذ فيه قول العامل من غير نظر في دليله المقصود أن هذه الدعاوى التي تدعو إلى نبذ كتب أهل العلم ولاسيما كتب أئمة الدعوة السلفية التي دعت إلى التوحيد الخالص ونفي الشرك بجميع صوره وأشكاله وبسببها هدى الله الناس وبتعاون مع من.. بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود جزاهم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.