أحكام القيام والتراويح والاعتكاف

تاريخ النشر: 
الأربعاء, 3 صفر, 1436 - 16:45
تصنيف المحاضرة: 
الفقه

محاضرة صوتية

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الله -جل وعلا- قد خلق الخلق من الجن والإنس لهدف عظيم، وغاية عظمى، هي تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[(56) سورة الذاريات] من مظاهر تحقيق العبودية أداء ما أوجب الله على المكلفين، وهذا أحب ما يتقرب به إلى الله -جل وعلا-، ثم يُكمل ما نقص من هذا الواجب بالتطوعات والنوافل التابعة لهذه الواجبات على تنوع هذه العبادات، فالصلاة لها ما يكمل نقصها، والزكاة لها ما يسد خللها، والصوم له ما يرفُ خروقه، والحج كذلك.

من هذه النوافل بل من أعظمها وأشقها على النفوس قيام الليل، الذي أمر الله به نبيه -عليه الصلاة والسلام- {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}[(1 - 2) سورة المزمل] حتى قال جمع من أهل العلم: أن قيام الليل واجب على النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأما بالنسبة لأمته فهو من أعظم القربات وأفضلها؛ لكنه ليس بواجب، أوجب بعض أهل العلم الوتر، وجاء الأمر به، امتثل النبي -عليه الصلاة والسلام- ما أمر به، فقام حتى تورمت قدماه، امتثل وطبق ما أمر به تطبيقاً دقيقاً –قم الليل- حتى قرأ في ركعة ما يزيد على خمسة أجزاء، قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران.

جاءت النصوص القطعية من نصوص الكتاب والسنة على الحث على قيام الليل، وجاء ما يدل على أنه دأب الصالحين، فعلى المسلم أن يسعى أن يكون من الصالحين، وهذا شعارهم وديدنهم {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}[(16) سورة السجدة] من منا في هذه الصفة؟ ومن منا من يستشعر هذا الكلام؟ {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} ثم ماذا؟ ماذا قال الله بعد ذلك؟ {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[(9) سورة الزمر] وفي هذا إشارة أن العلم الشرعي الحقيقي الموعود صاحبه بأعلى المنازل في الدنيا والآخرة هو العلم المقرون بالعمل، أما إذا كان علماً نظرياً لا واقع له في حياة من اتصف به فإنه من الذين لا يعلمون، وإن أدعى أنه عالم، وإن أُدعي أنه عالم {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [(9) سورة الزمر] فهذا وصف أهل العلم.

النصوص، نصوص الكتاب والسنة لا يمكن حصرها، يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- : ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)) (نعم الرجل عبد الله) من عبد الله هذا؟ هذا ابن عمر الصحابي المقتدي المؤتسي الحريص على التطبيق، (نعم الرجل عبد الله، لو كان يقوم من الليل) نعرف حرص ابن عمر على التطبيق، تطبيق السنن، حتى أداه حرصه هذا إلى الخروج شيئاً يسيراً عن ما يفعله أكابر الصحابة؛ لكن هذا من حرصه على الخير، ومع ذلك يستثنى في أمره (لو كان يقوم من الليل) ماذا فعل ابن عمر؟ ابن عمر بعد ذلك كان لا ينام من الليل إلا قليلاً، والصحابي المبادر بالتطبيق، لما سمع النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) ماذا قال -رضي الله عنه وأرضاه-، كان يقول: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح"  نصوص في الكتاب والسنة الصحيحة في البخاري وغيره، ومع الأسف الشديد يأتي من يكتب في الصحف يقول: أن الزهد نقص وتعطيل لحيوية هذه الحياة التي أمرنا بعمارتها، ويسخر ويستهتر من الذين دونوا في تراجم أهل العلم أنهم وصفوا بالزهد، والنصوص القطعية بين أيدينا "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح" هذه النصوص تؤكد قيام الليل، وهو دأب الصالحين، ومع الأسف الشديد أن كثير ممن ينتسب إلى طلب العلم نصيبه في هذا الباب ضعيف، إن وُجد، فكثير ممن ينتسب إلى العلم وإلى طلبه ابتلوا بالموانع وعدم بذل الأسباب، فترى الواحد منا يسهر ويسهر على ماذا؟ على القيل والقال من الكلام المباح -إن شاء الله تعالى-، دعونا ممن يسهر على المحرم؛ لكن المسألة مفترضة في طلاب علم، يسهر على المباح ثم بعد ذلك إذا جاء وقت القيام، رجل مستيقظ وبكامل قواه ولا يحتاج إلى النوم، ويحضر الثلث الأخير فإذا أراد أن يوتر بثلاث ركعات أو خمس ركعات، أو سبع، أو تسع تجدها أثقل من جبل؛ لأن من يمضي وقته في القيل والقال ولو كان مباحاًَ لا يعان على مثل هذه الأمور؛ لأنه في الغالب لا يعان على مثل هذه الأمور، فالمسألة تحتاج إلى احتياط، والقلب يحتاج إلى حراسة شديدة من المؤثرات.

ومن أعظم المؤثرات على القلب فضول الكلام، دعونا ممن سلط لسانه على الأخيار، ولم يحتط لنفسه وفرق حسناته على فلان وعلان؛ لكن المسألة فيمن لا يقول: إلا مباحاً، في الغالب لا يعان على القيام فإن قام لا يعان على حضور القلب، فالمسألة تحتاج إلى استجماع، والقلب يحتاج إلى جمعية، كما قال أهل العلم كابن القيم وغيره.

هذا الذي ضيع أوقاته في القيل والقال، هل يعان على حفظ لسانه في أوقات المواسم؟ هل يعان على استغلال المواسم؟ يسمع بقوله -عليه الصلاة والسلام- : ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) أربعة أيام يحرص على حفظ لسانه فلا يستطيع؛ لأنه لم يتعرف على الله في حال الرخاء لسانه في القيل والقال في أوقات الرخاء، فإذا جاء وقت الشدة لا يعان على ذلك، وقل مثل هذا في تلاوة القرآن، نجد من طلبة العلم من يتفرغ في رمضان أو في العشر الأواخر من رمضان، بأن يهجر أهله ووطنه وجميع وسائل الراحة إلى أماكن المضاعفات في أشرف الأوقات، ويسمع عن سلف هذه الأمة من يقرأ القرآن في يوم ومن يقرأ القرآن في اليوم مرتين، ومنهم من يقرأ في يومين، ومنهم من يقرأ في ثلاث فيحرص على أن يختم القرآن فلا يستطيع، يجلس فيتعرض لهذا، يجلس من صلاة العصر إلى أذان المغرب فاتحاً المصحف يريد أن يقرأ في ساعتين أقل تقدير يقرأ ستة أجزاء، هذا إذا كان ممن لم يتعود ويتمرن على قراءة القرآن، يعني جزء في ثلث ساعة كل إنسان يستطيع هذا، لكن ما الحصيلة وما النتيجة؟ لأنه لم يتعود في وقت الرخاء كم يقرأ؟ لا يزيد على الجزء، يقرأ آية آيتين ثم يلتفت يميناً وشمالاً علّ أحداً أن يعرفه فيجلس معه ليزاول المهنة الذي كان يزاولها عامه كله، إن جاءه أحداً وإلا ذهب هو يبحث عن الناس، طيب لماذا أنت سافرت وتركت أهلك؟ ألا تريد أن تستغل هذه الأوقات؟! هذا واقع كثير من الشباب، وأقول: يوجد -ولله الحمد- من يفعل فعل السلف، يعني يوجد من يقرأ القرآن في يوم، ما هي المسألة مسألة يأس وقنوط؛ لكن هذا فيه حث، حث الإخوان على استغلال الأوقات، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) مطرد في كل شيء، فإذا تعود قراءة القرآن في أوقات الرخاء، وخصصت له وقتاً من سنام وقتك، لا على الفرغة، بحيث إذا جئت قبل الإقامة بخمس دقائق أو بعشر دقائق فتحت المصحف وإلا فلا، لا، يعني لو جلس طالب العلم من صلاة الصبح في مكانه، وأتى بالأذكار المرغب فيها ثم قرأ القرآن إلى إن تنتشر الشمس، هذا يقرأ القرآن في سبع من غير مشقة، ومن غير تفويت أي مصلحة لا دينية ولا دنيوية، بل سوف يجد أثرها على بقية يومه، كما قال شيخ الإسلام: هي الزاد التي تعينه على بقية أعماله الصالحة في يومه، فابن القيم -رحمه الله- لما شرح حال الأبرار، وحال المقربين في طريق الهجرتين، وضع برنامج من استيقاظهم من النوم لصلاة الصبح، وكيفية استعدادهم للصلاة، وذهابهم إليها، وقربهم من الإمام، واستماعهم من القراءة المشهودة، ثم الجلوس إلى انتشار الشمس مع الانكسار بين يدي الله -جل وعلا- والتعرض لنفحاته، مثل هذا يعان بقية يومه، وإذا كان هذا ديدنه يعان بقية عمره، والإنسان يموت على ما عاش عليه، المغني يموت على خشبة المسرح، والتالي لكتاب الله يموت ورأسه في المصحف، هذه حقائق، والمصلي يموت وهو ساجد، هذه حقائق أمثلة عملية نعرف من شيوخنا من صار عليه حادث سيارة، وأدخل المستشفى في العناية المركزة لا يعرف أحداً، ولا ينطق بكلمة، والقرآن يسمع من لسانه واضحاً جلياً، ويوجد من المؤذنين من أفنى عمره في هذا العمل الجليل، والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة، يوجد من يسمع منه الأذان، وهو في العناية في وقت الأذان.

المقصود أن على طالب العلم أن يبذل الأسباب، ويدفع الموانع قدر استطاعته، ومثل هذا الجهاد والمجاهدة تأتي بالتدريج، ما تأتي دفعة واحدة، ولذا جاء عن بعض السلف أنهم كافحوا قيام الليل سنين ثم تلذذوا به، تلذذوا به بقية العمر، كل شخص يتلذذ بمناجاة محبوبه، بل وجد هذا في الحيوان يتلذذ بمجالسة ومناجاة محبوبه، فإذا كان المحبوب هو الله -جل وعلا- فحدث ولا حرج، وإذا كان ابن القيم وهو يشرح حال المقربين يقسم بالله أنه ما شم لهم رائحة، فكيف بغيره؟! وقد وصف حالهم وبرنامجهم اليومي وصفاً دقيقاً كأنه منهم ومن بينهم، بل الذي يغلب على الظن أنه منهم، ويقول مع ذلك أنه يستفيد فائدة ولو لم يكن ممن يفعل هذا علّ أحداً أن يفعله فيكتب له من أجره، وإذا تحدثنا عن القيام وعن الصيام وعن تلاوة القرآن فلا يعني هذا أن الإنسان متصف بهذا الوصف، والله المستعان.

المقصود أن القيام شأنه عظيم، محك واختبار وابتلاء للإنسان، وتصفية للقلب؛ لكن قد يقوم الإنسان ويهيء الأسباب، وينفي الموانع؛ لكن يقف بين يدي ربه وقلبه ليس بحاضر، وينصرف من قيامه بالعُشر أو أقل، مثل هذا عليه أن يجاهد، ويستحضر أنه ماثل بين يدي الله -جل وعلا-، ويتدبر ما يقول من قرآن وأذكار، ثم بعد ذلك بالتدريج يحصل له ما يريد -إن شاء الله تعالى-، ويحرص أشد الحرص على البعد كل البعد عما يشغله عن إصلاح قلبه، ومن أوضح ذلك طيب المطعم والمشرب، هذا من أعظم ما يعين على صلاح القلب، فإذا أطاب مطعمه ومشربه استحق أن يكون مجاب الدعوة ((أطب مطعمك تستجب دعوتك)) فإذا أجيبت دعواته أعين على ما يريد من أمور الدنيا والآخرة.

المقصود أن القيام شأنه عظيم، والقيام يراد به الصلاة، من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر هذا قيام الليل، وعمارة هذا الوقت بالصلاة والتلاوة و الذكر، وأفضله كما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((أفضل القيام قيام داود، ينام نصف الليل، ثم يقوم ثلثه، ثم ينام سدسه)) ينام نصف الليل ويحسب الليل من صلاة العشاء، من الوقت الذي يتسنى فيه القيام، وإذا تم الحساب على هذا الأساس من صلاة العشاء ونام نصف الليل يكون قيامه في الثلث الأخير، بينما لو حسبنا الليل من غروب الشمس صار قيامه بدأ من نصف الليل قبل وقت نزول الإله، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام بن تيمية وغيره.

المقصود أن هذا الوقت يعمر بالصلاة والتلاوة والذكر، فالنوم الذي ينامه بعد صلاة العشاء وينوي به الاستعانة على القيام هو في صلاة، هو في قيام، هو في عبادة، يكتب له أجر، فإذا قام الثلث واستغل هذا الوقت فيما يكتبه الله له على خلاف بين  أهل العلم في القدر المحدد من الركعات، فقد جاء عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاًَ فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يوتر بثلاث" هذه إحدى عشرة.

وجاء أيضاً عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في الصحيحين ثلاثة عشرة، وصح عنه الخمسة عشرة من حديث ابن عباس، كل هذا يدلنا على أن العدد غير مراد، ويؤيد هذا الإطلاق في حديث: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) فتصلي في الليل ركعتين ركعتين، كما قال ابن عباس: "صلى ركعتين ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر" خمسة عشرة ركعة.

المقصود أن العدد غير مراد بدليل أنه ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- الزيادة على الإحدى عشرة، وما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- على حد علمها، والمثبت مقدم على النافي، وعلى هذا القول المرجح في القيام أنه لا حد له، بل يصلي الأرفق به والأنفع لقلبه، فإذا كان الأرفق به كثرة الركوع والسجود، وفي هذا يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- لمن طلب مصاحبته ومرافقته في الجنة: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) والسجود أشرف أركان الصلاة، و((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) والكثرة مطلوبة كما قال -عليه الصلاة والسلام-: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) وإذا كان الأنسب له تطويل القيام وكثرة قراءة القرآن لأنه يتلذذ به فالقرآن أفضل الأذكار، والخلاف بين أهل العلم في المفاضلة بين طول القيام الذي هو القنوت {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ}[(238) سورة البقرة] وهو أشرف من غيره بذكره لا بذاته، والسجود أشرف بذاته، وعلى كل حال المسألة مفترضة فيمن يريد أن يقوم من الليل ساعة، أو ساعتين أو ثلاثة، ويسأل يقول: هل أصلي في الثلاث الساعات إحدى عشرة ركعة أو أصلي ثلاثين ركعة، أيهما أفضل؟ نقول: إذا أردت أن تقتدي بما ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- كماً وكيفاً فهذا هو الأكمل، ما تقول: أنا أقتدي بالنبي -عليه الصلاة والسلام- وأنه ما زاد ثم تنقر إحدى عشرة ركعة في عشرة دقائق، وتقول: أصبت السنة، لا يا أخي، إذا أردت أن تنظر إلى هذا العدد فانظر إلى أنه -عليه الصلاة والسلام- افتتح البقرة ثم النساء ثم آل عمران في ركعة، وركوعه قريب من قيامه، ركوعه وسجوده قريب من السواء، فإذا استغل الوقت، ولذا جاء في سورة المزمل التحديد بالوقت بالزمن لا بالعدد {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}[(2) سورة المزمل]ثم في آخر السورة {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ}[(20) سورة المزمل] المقصود أن التحديد بالزمن له نظر، بل له الحظ الأكبر من النظر، فالذي يصلي ثلاث ساعات أفضل من الذي يصلي ساعتين اتفاقاًً، فالمسألة مسألة وقت، فإذا عمر هذا الوقت بطاعة الله -جل وعلا- وعندنا ما يؤيد الإطلاق ((صلاة الليل مثنى مثنى)) فلتصل ما شئت، على أن تجتنب السرعة والعجلة التي تذهب بلب الصلاة، تأتي بصلاة صحيحة تفيدك وتقربك من الله -جل وعلا-، ويرى بعضهم أن ما زاد على الإحدى عشرة بدعة؛ لكن كيف نقول: بدعة وقد ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- غير هذا العدد؟ وصح عنه الإطلاق ((صلاة الليل مثنى مثنى)) في حديث عائشة يصلي أربعاً، و إذا ضممنا إليه صلاة الليل مثنى مثنى، قلنا: يصلي أربعاً بسلامين، وأهل العلم يؤكدون على أن من قام إلى ثالثة في صلاة الليل فكأنما قام إلى ثالثة في فجر، لابد أن يرجع، فيصلي أربع، فلماذا قالت: أربع، ما قالت: ركعتين ركعتين؟ لأن الفواصل بين هذه الركعات بين كل أربعة ركعات، ولذا سميت الصلاة في رمضان تراويح؛ لأنهم يستريحون بين كل أربعة ركعات، وهو ما يدل عليه حديث عائشة "يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً" فهذا يدل أنه هناك فاصل بين الأربع.

صلاة الليل في طول العام، في رمضان تسمى صلاة التراويح، والتراويح هو قيام رمضان، وفي البخاري من حديث أبي هريرة ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) فالقيام في رمضان هو صلاة التراويح، ((من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليله)) يكتب له قيام ليلة، النبي -عليه الصلاة والسلام- صلى بأصحابه ليلتين أو ثلاث، ثم اجتمعوا في الليلة الرابعة فلم يخرج إليهم، ثم بعد أن صلى الصبح ذكر لهم أنه لم يخفَ عليه مكانهم، وأنهم حضروا للصلاة، وأنه إنما تركهم خشية أن تفرض عليهم، فتركه لصلاة التراويح أو لقيام الليل في رمضان جماعة سببه خشية أن تفرض عليهم، فصاروا يصلون أفراداً كل يصلي بمفرده، ومضى الأمر على ذلك حتى توفي النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثم جاء بعده أبو بكر والأمر على ذلك، ثم تولى عمر فاستمر الأمر على ذلك، ثم رأى عمر -رضي الله عنه- وهو الخليفة الراشد الذي أمرنا بالاقتداء به، والأخذ بسنته ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي))، ((اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)) رأى أن يجمعهم على إمام واحد لماذا؟ لأن الخشية الذي أبداها النبي -عليه الصلاة والسلام- من أن تفرض هذه الصلاة على الأمة ثم يعجزون عن القيام بها، هذه الخشية ارتفعت بموته -عليه الصلاة والسلام-، بموته لا زيادة ولا نقص في الدين، استقر الأمر بوفاته -عليه الصلاة والسلام- {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }[(3) سورة المائدة] فارتفعت هذه الخشية فرأى عمر -رضي الله عنه- أن العلة التي من أجلها تركهم النبي -عليه الصلاة والسلام- ارتفعت، ورأى أن صلاتهم مجتمعين أنشط لهم، وأعون لهم على هذا القيام، فجمعهم على أبي، فصار يصلي بهم جماعة، خرج في يوم من الأيام أو ليلة من الليالي وهم يصلون فرآهم وأعجبه أمرهم، فقال: "نعمت البدعة هذه" هل صلاة التراويح بدعة؟ يقول: "نعت البدعة هذه" والذين ينامون عنها أفضل منها؛ لأنهم يصلون أول الليل وصلاة آخر الليل أفضل بلا شك، وصلاة التراويح ممدوحة؛ لأنه قال: "نعمت" وسماها بدعة.

فما معنى قول عمر: "نعمت البدعة" وهل فيه مستمسك لمن يرى أن من البدع ما يمدح؛ لأنه قال: "نعمت البدعة" والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((كل بدعة ضلالة)) شيخ الإسلام -رحمه الله- يرى أن البدعة في كلام عمر لغوية وليست بشرعية، وغيره يقول: هي مجاز، استعمال اللفظ في غير ما وضع له مجاز، وشيخ الإسلام كما هو معروف وجمع من أهل التحقيق ينفون المجاز لا في النصوص ولا في لغة العرب، فهل التراويح بدعة لغوية؟ بعد أن نتفق أنها ليست ببدعة شرعية؟

شيخ الإسلام يميل في اقتضاء الصراط المستقيم إلى أنها بدعة لغوية، فإذا عرضنا هذا الفعل من عمر -رضي الله عنه- وجمع الناس على إمام واحد على التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي عرفنا أنه هل يمكن أن يقال لها: بدعة لغوية أو بدعة اصطلاحية شرعية؟ البدعة في اللغة: ما عمل على غير مثال سابق، والتراويح عملت على مثال سابق، أو ابتدعها عمر من غير أن يسبق لها ذكر ولا وجود؟ عملت على مثال سابق، صلاها النبي -عليه الصلاة والسلام- بالصحابة جماعة، وتركها لا عدولاً عنها ولا نسخاً لها، وإنما تركها خشية أن تفرض، شفقة ورحمة ورأفة بأمته -عليه الصلاة والسلام-، فليست ببدعة لغوية؛ لأن التعريف اللغوي لا ينطبق عليها، وليست ببدعة شرعية؛ لأنها سبق لها شرعية، والبدعة في الشرع: ما أحدث في الدين مما لم يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة، وهذا سبق شرعيته من السنة، ليست ببدعة لا لغوية ولا شرعية، وليست بمجاز؛ لأنه ليس في لغة العرب مجاز، على القول المحرر المحقق عند أهل التحقيق، وممن يقول به شيخ الإسلام وغيره، وسماه ابن القيم طاغوت، المجاز لأنه بواسطته توصل المبتدعة إلى إثبات ما أرادوا ونفي ما لم يريدوا، إذا لم تكن بدعة لا لغوية ولا شرعية ولا مجاز، كيف نخرج كلام عمر الثابت في البخاري "نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل منها" يعني صلاة آخر الليل؟ هنا في علم البديع ما يسمى بالمشاكلة، والمجانسة في التعبير، مشاكلة، تجد اللفظ واحد والمعنى مختلف، جاء ما يؤيده في كلام العرب.

قالوا: اقترح شيئاً نجد لك طبخه

 

قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا

هذه مشاكلة ومجانسة في التعبير وإلا فالقميص والجبة ما تطبخ.

في النصوص جاء قوله -جل وعلا-: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}[(40) سورة الشورى] الجناية سيئة بلا شك، لكن معاقبة الجاني سيئة؟ ليست بسيئة، {نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ}[(67) سورة التوبة] كل هذا من أسلوب المشاكلة والمجانسة في التعبير، فهو ثابت في نصوص الكتاب والسنة، هل في أحد قال: ابتدعت يا عمر ليقول: نعمت البدعة على شأن نقول: مشاكلة؟ أهل البلاغة في علم البديع يقولون: "المشاكلة اتحاد اللفظ مع اختلاف المعنى حقيقةً كان أو تقديراً" يعني كأن عمر -رضي الله عنه- خشي أن يقال له: ابتدعت يا عمر، فقال: "نعمت البدعة" إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة، وهذا تقدير، وليس في هذا مستمسك لمن يقسم البدع إلى بدع مستحسنة وبدع مذمومة؛ لأن النص الصحيح الصريح ((كل بدعة ضلالة)) وإن قال بعض أهل العلم به، استناداً إلى هذا الخبر، ومنهم من قسم البدع إلى الأحكام التكليفية الخمسة بدع واجبة، وبدع مستحبة، وبدع مباحة، وبدع مكروهة، وبدع محرمة، فجعلوا من البدع الواجبة الرد على المخالفين؛ لكن هل الرد على المخالفين ابتداع في الدين؟

القرآن مملوء بالرد على المخالفين فليس ببدعة، وجعلوا من البدع المستحبة بناء الأربطة والمدارس، بدع مستحبة؛ لكن القاعدة الشرعية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) (ما لا يتم المستحب إلا به فهو مستحب) (الوسائل لها أحكام الغايات) هذه وسائل للتحصيل، إذاً حكمها حكم التحصيل، فليست ببدعة تشملها القواعد الشرعية.

البدع المباحة جعلوا منها التوسع في أنواع وألوان الطعام والشراب والمركوب والمسكون، هذه ليست من أمور الدين ليشملها الابتداع، والابتداع إنما يكون في الدين، وأما البدع المكروهة والمحرمة فأمثلتها كثيرة.

فليس في البدع ما يمدح، بل كل بدعة ضلالة، والشاطبي في الاعتصام رد هذا القول وقال: "إنه قول مخترع مبتدع" قوض دعائمه بأقوى عبارة وأجود أسلوب -رحمه الله-.

المقصود أن صلاة التراويح الذي جمع عمر عليها الناس سنة، وإن أساء بعض الشراح الأدب مع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وعرفنا أن لها أصل في الشرع فليست ببدعة، لما أراد أن يتكلم على قول عمر -رضي الله عنه وأرضاه-: "نعمت البدعة" قال: "البدع مذمومة ولو كانت من عمر" هذا إساءة أدب مع هذا الخليفة الراشد؛ لكن الله المستعان يريد أن يحرص على شيء على تحقيق السنة وتطبيقها ثم بعد ذلك يقع في مثل هذا، يكون مثل ما قال بعض الشراح في ((لم يتكلم في المهد إلى ثلاثة)) والحديث الصحيح في البخاري يقول: "في هذا الحصر نظر" هذه إساءة أدب، أنت تشرح كلام من؟ تشرح كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي لا ينطق عن الهوى، وأنت تشرح أيضاً كلام عمر -رضي الله عنه- الذي جاءت النصوص بمناقبه التي لا تعد، والأمر بالاهتداء بهديه والاستنان بسنته، فالمقصود أنها ليست ببدعة، وليس في قوله مستمسك لأحد.

قيام رمضان الذي جاء الحث عليه: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) قيام رمضان يتم بصلاة التراويح على أن تكون مع الإمام من بدايته إلى نهايته، بحيث لا ينصرف قبل الإمام ((من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)) يكتب له قيام هذه الليلة.

إذا افترضنا أن المسجد فيه أكثر من إمام وقال قائل مثلاً في الحرم في الحرمين الشريفين أكثر من إمام، صلى مع الإمام الأول وانصرف، قال: صليت مع الإمام، فنقول: لا يا أخي حتى تنتهي صلاة التراويح ويفرغ منها بوترها.

ونقول: الإمامان أو الأكثر من إمامين حكمهم حكم الإمام الواحد؛ لأن الصلاة واحدة والمفترض أن يتولاها إمام واحد، فلو حصلت المعاقبة فصلاة واحد؛ لأن بعض الناس صاحب مزاج يرتاح لفلان ولا يرتاح لفلان، يصلي وراء فلان ولا يصلي وراء فلان، ويقول: صليت مع الإمام حتى انصرف، فنقول: لا يا أخي الصلاة واحدة لا يتم ما رتب عليها إلا بتمامها، فلا تنصرف إلا بعد انقضاء الصلاة، لا ينصرف حتى ينصرف الإمام.

طيب الإمام يوتر في أول الليل وجاء قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) يقول: أنا أريد أن أوتر آخر الليل، وأنصرف قبل الإمام، نقول: لا يكتب لك قيام ليل حتى ينصرف الإمام، ماذا يصنع؟ يوتر مع الإمام ويشفع الوتر، أو يصلي مع الإمام ويوتر معه ويسلم معه؛ لأن الأقوال ثلاثة في المسألة، ثم إذا تيسر له أن يقوم من آخر الليل يصلي ركعة تشفع له ما أوتر، ثم يجعل آخر صلاته في الليل وتراً، أو يصلي شفع مثنى مثنى إلى أن يطلع الفجر ووتره انتهى، الذي أوتره مع الإمام، أما كونه يصلي ركعة إذا قام من الليل تشفع له ما أوتر، وقد جاء قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا وتران في ليلة)) نقول: هذا أوتر ثلاث مرات، وهذا ليس بشرعي، كونه يصلي بعد الإمام يعني إذا سلم الإمام قام وجاء بركعة، هذا ما فيه إشكال، تشفع له وتره ويكون وتره في آخر الليل، وبذا قال جمع من أهل العلم، ومنهم من قال: ينصرف مع الإمام وإذا تيسر له القيام يصلي؛ لكن يصلي مثنى مثنى، ولا يعيد الوتر لأنه أوتر، والصلاة بعد الوتر لا شيء فيها، بدليل أن النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا سلم من وتره صلى ركعتين، فدل على أن قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) أمر إرشاد، وأن هذا أولى، وأنه ليس بإلزام بدليل أنه كان يصلي بعد الوتر، يصلي ركعتين، فإذا صلى مع الإمام التراويح وسلم معه فإن تيسر له أن يقوم ويصلي في آخر الليل الذي هو أفضل يصلي مثنى مثنى.

قد يقول قائل: لماذا لا أترك الصلاة مع الإمام لأن عمر يقول: "نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل" فأنا أريد أن أفعل الأفضل، وبدل ما يصلي الإمام أول الليل ويقرأ في صلاته كلها نصف جزء، أنا أصلي آخر الليل بدل ما ينتهي الإمام من صلاته في أقل من ساعة، أنا أصلي في آخر الليل ثلاث ساعات، واقرأ أربعة أجزاء، له ذلك، له ذلك، وإنما صلاة التراويح من أجل بعث الهمة والنشاط؛ لأن بعض الناس إذا لم يصلِ مع الناس، يرى الناس عن يمنيه وعن شماله يتشجع وينشط.

إن التراوح راحة في ليله

 

ونشاط كل عويجز كسلانِ

 

نعم يتشجع الإنسان إذا صلى مع الناس، كما أنه يتشجع إذا صام مع الناس، لذا تجد قضاء رمضان من أثقل الأمور على النفس لا سيما الذي ما تعود الصيام؛ لكن مع الناس في رمضان يصوم وخفيف عليه الصوم، لأنه يرى الناس صائمين فيصوم معهم، فإذا كان يأوي إلى صلاة أتم من صلاته مع الإمام، وارتفعت منزلته عن أن يتهم بأنه لا يصلي، ويقع الناس في عرضه فله ذلك، وكان كثير من السلف يصلي قيام رمضان في آخر الليل وحده.

وعلى كل حال لا يكون هذا ذريعة لترك التراويح؛ لأن بعض الناس ينشط مع الناس لكن إذا جاء في آخر الليل يوتر بأي شيء، والقيام يصدق على أقل شيء، يقول مثل هذا يصلي مع الناس ولا يفرط في مثل هذا الوعد الذي جاء والفضل من الله -جل وعلا- ((أن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)) لا يفرط بمثل هذا إلا إذا كان على يقين من أمره أنه يصلي صلاة أكمل منها، ولا يضره أن يصلي مع الإمام مدة يسيرة ما تكلف شيء ثم إذا قام من الليل يزيد ما شاء ((صلاة الليل مثنى مثنى)) ولا عدد محدود كما قررنا واختاره جمع من أهل التحقيق، بل هو قول عامة أهل العلم، ولذا المرجح بصلاة التراويح عند الحنابلة الثلاثة والعشرين، وعند المالكية الستة والثلاثين، وعند غيرهم أربعين، يزيدون وينقصون على أن تكون مثنى مثنى، وإذا خشي الصبح أوتر، إذا صلى إحدى عشرة سلم من كل ركعتين وإذا صلى تسع فقط سرد ثمان، سرد ثمان ركعات ثم جلس وتشهد ثم قام ليأتي بالتاسعة، ثم سلم، وإذا صلى سبع يسرد السبع ولا يجلس إلا في آخرها، وقل مثل هذا في الخمس، والثلاث يجوز أن تسرد بسلام واحد على أن لا تشبه بالمغرب، وإذا صلاها ثلاثاً بسلامين فهو أكمل، والحرمان ظاهر على كثير من الناس والتفريط كبير، وسوف يندم المفرط ولات ساعة مندم؛ لأن هذا وقت الزرع، فإذا فرط الإنسان في هذه العبادة أو فرط في غيرها ولم يبقَ له إلا الفرائض من أين يكمل الخلل الواقع في هذه الفرائض؟ وإذا لم يكن له نصيب من ورد بالليل وقيام وذكر وتلاوة وفي الغالب لا يعان على تكميل الفرائض، نعم جاء في حديث الأعرابي الذي سأل في شرائع الإسلام وأقسم أنه لا يزيد على هذا ولا ينقص وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((أفلح إن صدق)) لا يمكن أن يوجب أحد غير ما أوجبه الله -جل وعلا-، ولا يأثم الإنسان بترك السنن؛ لكن هذه السنن تكمل له النقص في الفرائض وتعينه على الإتيان بها؛ لأنه إذا فرط في المستحبات دب إليه العجز عن الواجبات، وقل مثل هذا فيمن استرسل في المباحات فإنه لا يأمن أن يرتكب المكروهات ثم بعد ذلك قد تطلب نفسه المباحات فلا تجدها وقد مرنت عليها، ثم تطلب المكروهات فلا تجدها فيضطر بعد ذلك إلى ارتكاب بعض المحرمات، ولذا عرف عن كثير من السلف أنهم تركوا -كما قال بعضهم- تسعة أعشار الحلال خشية أن يقعوا في الحرام، فعلى الإنسان أن يحتاط لنفسه إيجاداً وتركاً، فيحرص على إيجاد العبادات المتنوعة، ومن فضل الله -جل وعلا- على هذه الأمة تنوع العبادات؛ لأن كل إنسان يجد من هذه العبادات المتنوعة ما يرتاح له مما يوصله إلى الله -جل وعلا-، وبعض الناس يرتاح إلى الصلاة فلا مانع عنده من أن يصلي في اليوم والليلة مائة ركعة هذا باب فتحه الله له، وهو باب موصل مرضاة الله -جل وعلا-، بعض الناس يرتاح بالبذل في وجوه الخير ويستصعب عليه الصلاة فهذا فتح له باب، بعض الناس يرتاح لصيام الهواجر وقيام الليالي الشاتية هذا فتحت له أبواب وإن وصدت دونه أبواب، من نعم الله -جل وعلا- أن فتح لنا هذه الأبواب المتنوعة يعني لو كانت العبادات باب واحد، الناس لا شك أنه يحرم منها كثير من الناس، يعني بعض الناس مستعد يجلس جلسة واحدة يقرأ عشرة أجزاء، لكن إذا قام يأتي بركعتين أثقل عنده، وبعض الناس عنده استعداد يصلي ليل نهار لكن ما يبذل درهم أو يصوم يوماً.

على كل حال على المسلم الذي فتح له باب من أبوا بالخير أن يلزمه على أن يأتي بجميع ما افترض الله عليه ويترك جميع ما حرم الله عليه ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ولكن ((إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) ما في خيار ولا مثنوية؛ لأن المنهي عنه متصور تركه، بينما المأمور به قد يتصور العجز عنه.

الفقرة الثالثة في العنوان، في عنوان المحاضرة الاعتكاف:

وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه اعتكف واعتكف أزواجه من بعده، وثبت عنه أنه اعتكف في العشر الأول، وفي العشر الوسطى، وفي العشر الأخيرة من رمضان ثم استقر على ذلك، اعتكافه في العشر الأواخر التماساً لليلة القدر التي جاء فيها الحديث الصحيح في البخاري وغيره من حديث أبي هريرة ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) إيماناً واحتساباً، تصديقاً بوعد الله -جل وعلا- واحتساباً لثوابه لا رياءً ولا سمعة وليلة القدر شأنها عظيم {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [(3) سورة القدر] أكثر من ثمانين سنة ليس فيها ليلة القدر، هذه الليلة شأنها عظيم على المسلم أن يحرص على قيامها، النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا دخلت العشر أحيا ليله، وشد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، ومفهوم قوله: ((أحيا ليله)) أنه لا ينام في هذه الليالي، وكان -عليه الصلاة والسلام- يخلط العشرين بقيام ونوم؛ لكن إذا دخلت العشر شد المئزر وطوي الفراش وأحيا الليل، مع أنه ما حفظ عنه -عليه الصلاة والسلام- قيام ليلة كاملة اللهم إذا هذه العشر، وهذه العشر هي أفضل ليالي العام؛ لأن فيها ليلة القدر التي شأنها قدرها عظيم عند الله -جل وعلا-، فهي ذات قدر عظيم، أو من يقومها يكون له شأن وقدر عظيم، أو لأنها يقدر فيها ما يكون في أيام العام، المقصود أنها ذات قدر عظيم وشأن من وفق لقيامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن حرم القيام فقد حرم يعني لا أشد من هذا الحرمان، يعني ما يعادل ثلاثة وثمانين سنة ونصف في ليلة واحدة فضل الله عظيم، ولا يحد فضله؛ لكن الحرمان لا نهاية له، بعض الناس يجلس في المسجد ويصلى على الجنازة وهو جالس، أقول: يا أخي لك قيراط قم صلِ مع الناس، قم صلِ على الجنازة، أمثلة واقعية أيها الإخوان ما هي من فراغ، الحرمان لا نهاية له؛ لكن من أعظم الحرمان أن يحرم هذه الليلة العظيمة.

ولذا فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- يحيي هذه الليالي رجاء أن يصيب وهي تنتقل في ليالي العشر كل سنة في ليلة، ولذا جاءت النصوص الصحيحة مختلفة في هذا الباب.

جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه: ((رأيت كأني أسجد في صبيحتها على ماء وطين فوكف المسجد ليلة إحدى وعشرين ورؤي الطين في وجهه -عليه الصلاة والسلام- صبيحة إحدى وعشرين)) ومع ذلك يقول في الحديث الصحيح ((أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر)) فصح الحديث في إحدى وعشرين إذاً هي تنتقل قد تكون ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون ليلة ثلاث، والأوتار آكد وأرجى؛ لكن في السبع الأواخر، سابعة تبقى، خامسة تبقى، سابعة تبقى إذا كان الشهر كامل، ليلة أربعة وعشرين وهي المرجحة عند أهل البصرة عند أنس بن مالك والحسن البصري، وكل هذا من أجل إيش؟ أن يجتهد المسلم ويتعرض لنفحات الله -جل وعلا-، ويري الله -جل وعلا- من نفسه خيراً خلال هذه العشر كلها، وإلا المؤيد بالوحي -عليه الصلاة والسلام- بإمكانه أن يحددها بليلة محددة ، وإن كان أراد النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يحددها ويبينها نعم فتلاحا رجلان فرفعت، يعني رفع تحديدها.

ولذا يخطئ بعض من يشيع من خلال الرسائل أو المكالمات أن ليلة القدر في هذه السنة هي ليلة كذا الحكمة من إخفائها تزول بمثل هذه التصرفات، ولو كانت الحكمة في تحديدها لحددت، حددت من قبل الشارع المؤيد بالوحي، لكن الحكمة من إخفائها كالحكمة من إخفاء ساعة الجمعة من أجل أن يكثر العمل في حياة المسلم.

هذه الليالي العشر الذي هي أفضل ليالي العام يحرص الإنسان أن يحفظ نفسه فيها، ويضبط أموره، ولا يفرط في هذه الليالي، فشرع الاعتكاف لحفظ هذه الأيام وحفظ هذه الليالي.

والاعتكاف أصله طول المكث والبقاء ولزوم المكان، وهو في الشرع: لزوم مسجد لطاعة الله -عز وجل-.

وهذه الطاعة إنما تكون في الأعمال الخاصة كما كان -عليه الصلاة والسلام- يتخذ حجيرة ويعتزل الناس، وعلى هذا جرى أزواجه وأصحابه من بعد، ولذا أهل العلم قاطبة يعطلون الدروس في هذه الليالي وفي هذه الأيام فلا تجد منهم من يدرس في هذه الليالي وإن كان معتكفاً في المسجد ليخلو بربه ويتعبد بالعبادات الخاصة اللازمة من صلاة وذكر وتلاوة وتفكر وتأمل وتدبر لكلام الله -جل وعلا-، فيعمر هذه الأوقات بطاعة الله -جل وعلا-، خلاف ما يفعله بعض من يعتكف في هذه الأيام التي كثرت فيها وسائل الراحة وصعب على النفوس تركها بعض الناس يكون معتكف؛ لكن ما نصيبه من الصلاة؟ التراويح والرواتب والفرائض ولا أكثر ولا أقل، الاعتكاف، معتكف لأي شيء؟ ما نصيبه من تلاوة القرآن؟ يقرأ جزء جزئين ثم يمل وينام، وإلا يكلم الجوال، بعض الناس عنده تلفون، وبعض الناس يزاول حياته العادية يؤتى له بالصحف والجرائد وقراءته للأخبار، هذا اعتكاف؟ إذا كان أهل العلم يعطلون تعليم القرآن والسنة؛ لأن النفس تحتاج لتربية، القلب يحتاج إلى صلة بالله -جل وعلا-، كيف تقوى هذه الصلة؟ تقوى بمثل هذا، بالانجماع والانكفاف عن الناس والاعتزال وقطع العلائق، بهذا يؤتي الاعتكاف ثماره، والاعتكاف أقل ما يطلق عليه الاعتكاف ما ينصرف إليه المعنى اللغوي وهو: طول المكث في المكان.

أما من يقول: إذا دخلت المسجد انوي الاعتكاف ولو لحظة هذا ليس باعتكاف لا لغوي ولا شرعي، هذا ليس اعتكاف، ومع الأسف أن يوجد في بعض الاسطوانات في بعض المساجد التي تلي الباب مباشرة نويت سنة الاعتكاف، ليذكر الداخل، نويت سنة الاعتكاف، هذا اعتكاف هذا؟ أولاً كلمة: نويت هذه بدعة، إذا جئت من بيتك قاصداً بيتاً من بيوت الله -جل وعلا- لتمكث فيه من أجل أن تعبد الله -جل وعلا- هذا اعتكاف؟ ما يحتاج أن تقول: نويت سنة الاعتكاف، هذه من البدع، كما يقولون: نويت الصلاة، نويت الصيام.

فالاعتكاف في العشر الأواخر أفضل من غيرها، ولا يصح إلا في مسجد تصلى فيه صلاة الجماعة؛ لئلا يضطر لكثرة الخروج لأداء الصلاة مع الجماعة في المساجد الأخرى، وهذا ينافي مقتضى الاعتكاف.

وهل يشترط أن يكون المسجد جامع لئلا يخرج  إلى صلاة الجمعة؟ اشترطه بعضهم، والأكثر على أنه لا مانع من خروجه إلى صلاة الجمعة مرة في الأسبوع، وأن هذا لا يؤثر، فمن اعتكف يلزم المسجد ويشتغل بالعبادات الخاصة، ولا يخرج إلا لما لا بد منه، لحاجة الإنسان، إذا أراد أن ينقض الوضوء أو يتوضأ أو يأكل إذا كان دخول الطعام والشراب ممنوع في المسجد، يخرج لأنه لا بد منه.

وخروج بعض الجسد لا يخل بالاعتكاف؛ لأنه ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يخرج رأسه لعائشة وهو في بيتها لترجله، خروج بعض البدن لا يخل بالاعتكاف، وليس معنى هذا أن الإنسان يجلس قرب باب المسجد ويطالع الذاهب والرايح، ويقضي أكثر وقته في هذا ويقول: خروج بعض البدن لا يخل بالاعتكاف، لا أنا أقول: للحاجة.

والاعتكاف يصح في جميع المساجد التي تؤدى فيها صلاة الجماعة ولا يختص بالمساجد الثلاثة كما جاء عن حذيفة لأن ابن مسعود -رضي الله عنه- رد عليه {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [(187) سورة البقرة] و(ال) هذه جنسية تشمل جميع المساجد، كونه -عليه الصلاة والسلام- ما اعتكف إلا في مسجده، هذا لا، الأصل أن يعتكف في مسجده، ولا يتصور أن ينتقل إلى بلد آخر ليعتكف به ليبين الجواز، إنما الأصل أن يكون الاعتكاف في المساجد.

النساء تعتكف في المساجد أيضاً، تعتكف في المساجد كما اعتكف أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- من بعده في المسجد؛ لكن شريطة أن تؤمن الفتنة، لا تبحث المرأة عن سنة ثم بعد ذلك ترتكب محرمات، وتتعرض لرؤية الرجال الأجانب، أو يفتتن بها من يفتتن، أو هي تفتتن بالرجال، درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإذا أُمنت الفتنة ووجد مكان في المسجد بحيث لا يستطيع الرجال الوصول إليه وأمنت هذه الفتنة فالنساء شقائق الرجال، كما يستحب في حق النساء يستحب في حق الرجال على ألا تضيع ما هو أوجب من ذلك عليها، المقصود أنه مشروع في حق النساء أيضاً.

أكرر ما ذكرته سابقاً أن على الإنسان أن يحفظ أوقاته ويعمرها بذكر الله -جل وعلا- وتلاوة كتابه والعبادات ويحرص يعني في غير الاعتكاف على النفع العام والخاص، سلف هذه الأمة وثبت عن مالك وغيره أنهم كانوا يعطلون دروسهم، إقراء الحديث يعطل في رمضان، يعطل في رمضان؛ لأن رمضان كما أنه شهر الصيام والقيام هو شهر القرآن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [(185) سورة البقرة] فعلى طالب العلم أن يحرص على قراءة القرآن، وأن يقرأ منه في كل يوم من أيام رمضان أكبر قدر يستطيع؛ لأن الحسنة بعشرة أمثالها، يعني أقل تقدير الختمة فيها ثلاثة ملايين حسنة هذا أقل تقدير، يعني على ما عرف من خلاف بين أهل العلم في المراد بالحرف، هل هو حرف المبنى أو حرف المعنى؟ لكن ثقتنا بفضل الله -جل وعلا- أن المراد به حرف المبنى لا حرف المعنى، فأقل تقدير في الختمة الواحدة ثلاثة ملايين حسنة يعني إذا جلس الإنسان من صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس يستطيع أن يقرأ القرآن في سبع، إذا أضاف إلى ذلك الظهر مثلاً يقرأ نصف ساعة، والعصر مثل، يقرأ القرآن في ثلاث من غير تعب، ومن غير تضييع للمصالح، فإذا كانت القراءة على الوجه المأمور به بالتدبر والترتيل ترتبت عليها آثار.

شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: "قراءة القرآن على الوجه المأمور به تورث القلب من اليقين والإيمان والطمأنينة وراحة البال ما لا يدركه إلا من فعله" وابن القيم -رحمه الله- يقول:

فتدبر القرآن إن رمت الهدى           

 

فالعلم تحت تدبر القرآنِ

ولا يعني هذا أن من قرأ من غير تدبر لا أجر له، لا، أجر التدبر والترتيل والاستنباط والعمل قدر زائد على أجر الحروف المرتب على مجرد قراءة الحروف، ((من قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، لا أقول: آلم حرف؛ ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) فعجب من طالب ينتسب إلى العلم الشرعي وهو يخل في كتاب الله -جل وعلا-، الذي جاء الحث على تعلمه وتعليمه، ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) فإذا كانت الختمة التي لا تكلف شيء، يا إخوان القرآن تمكن قراءته في ست ساعات وتحصل على ثلاثة ملايين حسنة؛ لكن متى؟ أنت تحتاج إلى تمرين، قد تكون في أول الأمر يصعب عليك أن تقرأ في الساعة إلا جزأين؛ لكن مع الوقت تستطيع أن تقرأ في الساعة خمسة أجزاء، ولا يقول قائل: أن هذه القراءة لا تترتب عليها آثاره، عرفنا من يقرأ هذه القراءة ومع ذلكم يبكي وتنحدر الدموع بغزارة من عينيه، فالمسألة مسألة تمرين، ابذل الأسباب والله -جل وعلا- يوفقك، يعني من العلماء الذين أدركتموهم الذين يعملون لدينهم في اليوم والليلة عشرين ساعة، هؤلاء ملائكة الإنسان إذا عمل ساعة يحتاج إلى يوم ليرتاح، هؤلاء الذين عملوا عشرين ساعة باليوم والليلة هم ملائكة؛ لكن ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) يصير لك تاريخ مع الله -جل وعلا-، ثم تأتي مباشرة تتشبه بهؤلاء وبالسلف تقرأ القرآن مثل قراءتهم؟ لا يمكن، والشواهد على ذلك كثيرة، يجلسون الإخوان بعد صلاة العصر في رمضان يصلون العصر إلى أذان المغرب لكن تجد بينهم بون شاسع في قراءتهم، هذا تعود القراءة، وذل لسانه بالقرآن، فصار يقرأ، والقرآن سهل ميسر، {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ}[(22) سورة القمر] لكن هل من مدكر؟ هذا الإشكال، مو المسألة على الفرغة، تقول: هذا متى ما بغيته لقيته، مو بصحيح، فلا بد أن يكون لك نصيب من كتاب الله -جل وعلا- وإذا فرط الإنسان في كتاب الله بماذا يعتني؟ لا سيما طالب العلم، أعرف من طلاب العلم من يقرأ في اليوم عشرة جرائد، ينتهي من الدوام قبيل العصر، ويمسك الجرائد من صلاة العصر إلى منتصف الليل، ماذا جنى هذا؟ وماذا كسب؟ ومع الأسف أن يوجد هذا فيمن ينتسب إلى طلب العلم، أو إذا صلى العصر وشغل السيارة وهمه يمر فلان وعلان ونبي نطلع، ونبي ننبسط ونستأنس، وطلعات واستراحات، وبعدين، العمر قصير، والأيام خزائن وظروف الساعات والأنفاس لا بد أن تستغل فيما يرضي الله -جل وعلا-، ليسرك عملك يوم القيامة، لما تأتي مفلس ما عندك عمل أصلاً أو عندك عمل تأتي بصلاة وصيام ثم بعد ذلك تكون قد فرقته ووزعته، فتكون مفلساً، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كما في الحديث الصحيح يقول: ((أتدرون من المفلس؟)) قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع، قال: ((المفلس من يأتي بأعمال)) وفي رواية: ((أمثال الجبال)) نعم على المسلم أن يحرص على كسب الأعمال، كسب الحسنات، لكن أيضاً عليه أن يحافظ على هذه الحسنات، يأتي ضرب هذا شتم هذا أخذ مال هذا، تكلم في عرض هذا، سفك دم هذا، يؤخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، وهذا من حسناته ثم بعد ذلك إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم وألقيت عليه، ثم النتيجة يلقى في النار؛ لأن هذه حقوق العباد، هذه حقوق العباد مبنية على المشاحة، فكيف من يأتي مفلساً من هذا وهذا، لا عمل عنده ولا سلم الناس من شره، والله المستعان.

فعلينا جميعاً أن ننتبه لأنفسنا، ونحرص أشد الحرص على اكتساب الحسنات وعلى المحافظة على هذه الحسنات، هذه الحسنات وهذه المكتسبات مثل ما ذكرنا القرآن فيه ثلاثة ملايين حسنة بإمكان طالب العلم بالراحة اثنا عشر مليون في الشهر نعم، وهذه محفوظة لا يستطيع أحد أن يأخذ منها حسنة، مدونة ما يمكن أن تنقص، هذا على أقل تقدير، وإلا فالله -جل وعلا- يضاعف لمن يشاء إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثير، جاء في المسند بخبر فيه مقال: إلى ألفي ألف حسنة، يعني هل يتصور أن يقول المسلم: من أين هذه الحسنات؟ كل شيء له نهاية، ما هو صحيح، هذا فضل الله ولا يحد؛ لكن الذي يحرم الإنسان نفسه، يعني إذا كان أدنى أهل الجنة منزلة، آخر من يخرج من النار يقال له: تمنَ، فتنقطع به الأماني ما يدري إيش يقول؟ هو يتمنى الدخول من عند الباب ثم يقال له: أيكفيك ملك أعظم ملك في الدنيا؟ فيقول: إي يا رب، قال: لك ملك أعظم ملك في الدنيا وعشرة أمثاله؛ لكن علينا أن نعمل لأن الصفر لا يقبل الضرب، عليك أن تري الله -جل وعلا- من نفسك خير، ثم الله -جل وعلا- لا يضيع أجر من أحسن عملاً، بل يأخذ هذه الأعمال ويربيها لا سيما الصدقات كما يربي أحكم فلوه، فعلى طالب العلم أن يجتهد في كسب الحسنات، وعليه أيضاً أن يحرص على المحافظة على هذه الحسنات، فلا يجمع الحسنات ويتعب في جمعها، ثم يفرقها لأدنى سبب، ويفرقها على من؟ هل تتصور أن الإنسان يفرق حسناته على أحبابه وأحب الناس إليه؟ لا، العكس يفرقها على أناس لا يحبهم ولا يحبونه، زيادة في النكاية، فالله المستعان.

والله أعلم.

 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.