تعليق على تفسير سورة البقرة (45)

عنوان الدرس: 
تعليق على تفسير سورة البقرة (45)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير ابن كثير
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 5 ربيع الثاني, 1438 - 19:30

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى إخوانه من النبيين وعلى أزواجه وذريته وآل بيته وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله تعالى-:

"وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور أو المدينة على مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه فتُذكَر في موضع آخر بأدلتها إن شاء الله، وبه الثقة، وقوله تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال.."

يعني خُلاصة هذه المسألة.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،

فهذه المسألة خلافية بين أهل العلم، فجمهورهم على أن مكة أفضل من المدينة، ولهم من الأدلة الصحيحة الصريحة، وأن مكة كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- أحب البقاع إلى الله، والصلاة فيها بمائة ألف صلاة فيما عداها، وأما المدينة فورد في فضل سكناها وبركتها نصوص كثيرة، ومضاعفة الصلاة فيها إلى ألف صلاة، مما يستدل به مالك -رحمه الله- على أن المدينة أفضل، لكن لا شك أن أدلة الجمهور أرجح، ولذا رجح قول الجمهور بعض من كبار أئمة المالكية كابن عبد البر وغيره، رجحوا مكة.. فضلوا مكة على المدينة، وهذا هو مقتضى النصوص الصحيحة الصريحة، والمدينة كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «خير لهم لو كانوا يعلمون» يعني في مسألة السكنى، جاء في فضل سكناها نصوص كثيرة، وعلى كل حال الموازنة بين هذه الأحاديث تدل على أن مكة أفضل، والله أعلم.

طالب: ..........

الأحاديث الواردة في سكنى المدينة أكثر مما ورد في سكنى مكة، لكن مع ذلك ما معنى أنك تسكن والصلاة بمائة ألف صلاة..

حتى من استدل بأحاديث السكنى والمدينة خير لهم، لا شك أنها خير بلا شك، لكن هل هي خير من مكة التي الصلاة فيها بمائة ألف صلاة؟ فرض واحد بخمس وخمسين سنة؟ فرض واحد في المسجد الحرام بخمس وخمسين سنة؟ هذا ما يعوَّض.

"وقوله تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً} [سورة البقرة:126] أي من الخوف لا يُرعَب أهله وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا كقوله تعالى:.."

هذا الدعاء قبل بناء البيت وقبل أن تكون بلدًا، يعني اجعل هذا المكان بلدًا آمنًا بخلاف قوله- جل وعلا-: {هَذَا الْبَلَدَ آمِناً} [سورة إبراهيم:35] يعني بعد أن صار بلدًا فدعا لها قبل وبعد.

"كقوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [سورة آل عمران:97]، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [سورة العنكبوت:67] إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها، وفي صحيح مسلم عن جابر: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح»، وقال في هذه السورة: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً} [سورة البقرة:126] أي اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا؛ لأنه قبل بناء الكعبة، وقال تعالى في سورة إبراهيم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً} [سورة إبراهيم:35] وناسب هذا هناك؛ لأنه والله أعلم كأن وقع دعاء.."

كأنه.

"كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولهذا قال في آخر الدعاء: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [سورة إبراهيم:39]، وقوله تعالى: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [سورة البقرة:126] قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب {قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [سورة البقرة:126] قال: هو قول الله تعالى، وهذا قول مجاهد وعكرمة، وهو الذي صوَّبه ابن جرير -رحمه الله تعالى-.

قال: وقرأ آخرون: {قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [سورة البقرة:126] فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم كما روى.."

ماذا تكون القراءة إذا كان من تمام دعاء إبراهيم، يعني فيه فرق بين القراءتين على المرسوم في الكتاب؟

طالب: ..........

المرسوم في التفسير ما فيه فرق بين القراءتين.

طالب: ..........

على ماذا؟

طالب: ..........

في الآيتين، هؤلاء يمشون على رسم المصحف، والذين طبعوا الكتاب رسموا الآيات أو نقلوا الآيات من المصحف، والمصحف في الموضعين لا يختلف، لكن ألا يختلف الرسم من كونه من قول الله -جل وعلا- كما في الموضع الأول {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} [سورة البقرة:126]، من الذي يُمَتِّع؟

هو الله -جل وعلا-، {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} [سورة البقرة:126] كذلك، قال هو من قول الله تعالى، وهو قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير -رحمه الله-. قال: وقرأ آخرون: {قال ومن كفر فأَمْتِعْه قليلاً} يعني يكون من تمام دعاء إبراهيم.

طالب: ..........

لا، {ثم اضطَرَّه} أمر دعاء يصير ثم اضطَرّه، الأصل ثم اضطَرِرْه ثم اضطَرِره، لكن إذا جاء الإدغام فيه إشكال؟

طالب: ..........

نعم من وصل إلى قطع {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} [سورة البقرة:126] هذا الذي قاله هو الله -جل وعلا- {ثم اضطَرُّه} الأصل اضطرره، ثم أدغمت الراء في الراء أَمْتِعْه ثم اضطرره، فيكون من تمام دعاء إبراهيم -عليه السلام-.

"فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم يسأل ربه أن من كفر فأَمْتِعْه قليلاً. وقال ابن أبي جعفر عن ليث بن أبي سليم.."

يعني أَنظِرْه وأَمْتِعْه علَّه يعود إلى رشده فيؤمِن بعد كفره.

طالب: ..........

ولذلك القول الأول هو الصحيح، وأنه من قول الله -جل وعلا-.

"وقال ابن أبي جعفر عن ليث.."

قال أبو جعفر أبو جعفر.

أبو جعفر؟

ماذا عندكم؟

ابن أبي جعفر.

معلق عليه؟ فيه تعليق عندك يا شيخ؟

أخرجه ابن جرير، خرجه تخريج.

نعم تعليق على ابن أبي جعفر.

طالب: ..........

أنا أقول المعلِّق المحقِّق علَّق عليها بشيء؟

أخرج الأثر فقط.

ماذا يقول؟

يقول: أخرجه ابن جرير قال: حدثنا المثنى قال: حدثنا ابن إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر، فذكره.

ابن أبي جعفر عن ليث، نعم ما يكون أبو جعفر ابن جرير؛ لأنه لا يروي عن ليث إلا بوسائط، فإذا كان في الطريق ابن أبي جعفر فالكلام صحيح.

سنده ضعيف بجهالة شيخ ابن جرير..

ليث بن أبي سليم ضعيف بعد.

"وقال ابن أبي جعفر عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} [سورة البقرة:126] يقول: ومن كفر فارزقه أيضًا {ثم اضطَرُّه إلى عذاب النار وبئس المصير}."

وهذا جارٍ على أنه من تمام دعاء إبراهيم -عليه السلام-.

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: ..........

عن ليث؟ ما يجيء، لكن مادام موجودًا في السند ابن أبي جعفر فهو محتمل أن يكون مرادًا للمؤلف.

طالب: ..........

من الذي قبله؟ أحيانًا يطوى الذي قبله؛ لأنهم لا يحتاجون إلى ذكر؛ لأنهم ثقات.

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: ..........

على أنه من تمام دعاء إبراهيم.

طالب: ..........

وهو مناسب للكلام السابق، وهذا قول مجاهد، وأنه من كلام الله -جل وعلا- فماشٍ.. فأمتعه قليلاً يقول: ومن كفر فارزقه أيضًا أو فأرزقُه أيضُا، فأرزقُه أيضًا.

"عن مجاهد {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} [سورة البقرة:126] يقول: ومن كفر فأرزقُه أيضًا {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [سورة البقرة:126] وقال محمد بن إسحاق: لما عزل إبراهيم -عليه السلام- الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره وإن كانوا من ذريته حين عرف أنه كائن منهم أنه ظالم ألا يناله عهده بخبر الله له بذلك قال الله: ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلاً. وقال حاتم بن إسماعيل.."

طالب: يا شيخ -عفا الله عنك- حديث ابن جرير في السند الماضي قال أبو جعفر يقول ابن جرير: حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن ليث عن مجاهد: ومن كفر فأمتعه قليلاً.

خلاص نفس ما كُتِب في الحاشية.

طالب: عفا الله عنك، ألا يكون مراده: وقال أبو جعفر فيما يرويه عن طريق الليث..

لا، شف رواياته عن ابن جرير ماذا يقول فيها؟ هم جرت عادتهم أنهم يروون بالإسناد، الثقات يطوونهم ما يذكرونهم، فيبيَّن من فيه كلام ما أدري ماذا قالوا عن ابن أبي جعفر ماذا قالوا عنه؟ لأن المتقدمين لا يبينون درجة الخبر، ولا يقولون: صحيح ولا ضعيف، إنما يقتصرون على ذكر الإسناد، يحيلون على الإسناد؛ لأن من يقرأ في وقتهم يعرف الأسانيد، وأما في المتأخرين فلا بد من البيان، لا بد من البيان.

طالب: ..........

{أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً} [سورة القصص:57] ثم قال: {وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [سورة العنكبوت:67] هذا الواقع، وكون هذا يحصل من أفراد أو لأفراد فهذا لا يخلو منه بشر، لكن الأصل هذا.

"وقال حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط عن عمار الدهني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [سورة البقرة:126] قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله: {ومن كفر}، أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلاً ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير، ثم قرأ ابن عباس: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [سورة الإسراء:20] رواه ابن مردويه، وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا، وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [سورة يونس:69-70]، وقوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} [سورة لقمان:23]."

هذا هو الواقع في الدنيا منذ أن وجد الفريقان الكافر والمؤمن، بل الواقع قد يشهد بأن الكافر قد يكون رزقه أوسع من المؤمن، وقد جاء ما يدل على ذلك من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، وإذا نظرت إلى الأقطار وجدت بلاد الكفار أوسع رزقًا وثمرة وجوًّا ومناخًا، كل هذا لتعجَّل لهم ما يستحقونه مما عملوه من خير، تُعجَّل لهم حسناتهم، ويوفَّر لهم جميع سيئاتهم يوم القيامة، وأما المؤمنون فيحصل لهم ما يحصل من الشدة والضيق وما يكون في هذا السجن التي هي سجن المؤمن ليكفَّر عنهم من ذنوبهم بمقدار ذلك، وتوفَّر لهم حسناتهم.

"وقوله تعالى.."

طالب: ..........

أن يمتعوا..

طالب: ..........

أن يُمَتَّعوا يعني يُمهَلوا ويُرزقوا بقدر هذا الإمهال، مما يعينهم على البقاء، علهم أن يرعووا ويؤمنوا، محتمل، ولكن إذا رجحنا أن الدعوة من الله.. الكلام مضاف إلى الله -جل وعلا- خلاص انتهى كل شيء.

طالب: ..........

نعم ما يخالف، لكن أيهما أرجح؟

طالب: ..........

كيف؟

طالب: ..........

سبعية هي؟ سبعية أم لا؟

طالب: ..........

أظن القراءة شاذة.

"وقوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ } [سورة لقمان:23-24]، وقوله: {وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة الزخرف:33-35]."

يعني ذهب، تكون آلاتهم وأدواتهم وأوانيهم كلها من الذهب؛ خشية أن يفتتن المؤمن فيلحق بهم فيكون الناس أمة واحدة، يعني كلهم على الضلال، ومظاهر الافتتان في عصرنا هذا ظاهرة، ولذا كثير من الناس خُدِع بهم وقلَّدهم، واتبع طريقتهم وسنتهم، والله المستعان.

طالب: ..........

ضنكًا يعني نفسيًّا ما هو بالواقع عيشتهم رغَد، لكن لعدم الإيمان تكون العيشة ضنكًا في النفْس {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [سورة الأنعام:125] تعرف الآن بعض علية القوم وكبارهم تجده فتح عليه من أمور الدنيا، وبُسِطَت له، وتوفَّر له كثير مما لا يتوفر لغيره، وهو في ضنك من العيش، وتجد الفقير المدقع، لكنه بإيمانه وثقته بربه قلبه مرتاح.

"{وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة الزخرف:35]، وقوله: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [سورة البقرة:126] أي ثم أُلجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير، ومعناه أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر كقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [سورة الحـج:48]، وفي الصحيحين: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم»، وفي الصحيح أيضًا: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [سورة هود:102]، وقرأ بعضهم قال: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [سورة البقرة:126] جعله من تمام دعاء إبراهيم.."

فأَمْتِعْه، يصير فأَمْتِعْه، يصير من تمام دعاء إبراهيم -عليه السلام-.

فأَمْتِعْه فأَمْتِعْه؟

فأَمْتِعْه هو الكلام الذي تقدم، ولذلك في بعض النسخ هذا.

"جعله من تمام دعاء إبراهيم، وهي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة."

فهمت؟

طالب: ..........

نعم.

"وتركيب السياق يأبى معناها، والله أعلم، فإن الضمير في قال راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير عائدًا على إبراهيم، وهو خلاف نظم الكلام، والله سبحانه هو العلام."

هذا ما هو بعندك ذا.

ليس بالأزهرية هذا الكلام الأخير..

طالب: ..........

لا، ليس بموجود.

كمِّل يا شيخ.

"وأما قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة البقرة:127-128] فالقواعد جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام-."

القواعد جمع قاعدة، وهي السارية والأساس الأصل، أصل البناء، وأما بالنسبة لواحدة القواعد من النساء فهي قاعِد؛ لأنها لا تلتبس مثل حائض.

"واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- البيت ورفعهما القواعد منه وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة البقرة:127]، وحكى القرطبي وغيره عن أُبَيّ وابن مسعود أنهما كانا يقرآن: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} ويقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}.

 قلتُ: ويدل على هذا قولهما بعده: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} [سورة البقرة:128] الآية فهما في عمل صالح وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما كما روى ابن أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خنيس المكي عن وهيب بن الورد أنه قرأ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} [سورة البقرة:127] ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق ألا يُتقبَّل منك، وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين الخُلَّص في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا} [سورة المؤمنون:60] أي يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [سورة المؤمنون:60] أي خائفة ألا يتقبل منهم، كما جاء به الحديث الصحيح عن عائشة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما سيأتي في موضعه."

عائشة سألت النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، هم أهل المعاصي، هم الذين يزنون، هم الذي يسرقون، هم الذين يفعلون من الجرائم ما يفعلون؟ قال: «لا يا ابنة الصديق، يصومون ويصلون ويتصدقون، ويخشون ألا يقبل منهم»، فالمؤمن يجمع بين إحسان العمل والإشفاق من رده، والمنافق يجمع بين إساءة العمل والأمن من مكر الله ومن رده العمل.

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: ..........

أين؟

طالب: ..........

يقولان في الآية في الأصل وهما يقولان.. وحكى القرطبي وغيره عن أبي وابن مسعود أنهما كانا يقرآن..

طالب: ..........

ويقولان نعم مشكلتنا من الذي يطبع وهو ما يدري ما يطبع، الآيات التي يدخلها يأخذها من المصحف برسمها، مع أن القراءات تختلف، والسياق للمفسِّر للآية في هذا الموضع لا شك أنه يختلف عن سياقها في الموضع الآخر، فيجب أن يتنبه الطابع فيضع فيما يقرره المفسِّر ويستشهد عليه القراءة المناسبة، مثل ما قلنا في مناسبات كثيرة: الإمام الحافظ ابن كثير- رحمة الله عليه- على قراءة نافع، ولكنهم أدخلوا الآيات في المصحف قراءة حفص عن عاصم، ولذلك تجد بعض الاختلاف، قل مثل هذا في تفسير القرطبي والشوكاني وكثير من التفاسير، هم جروا على شيء معيَّن وخلاص يصورونه من المصحف، طيب لماذا كرر الحافظ ابن كثير هذا الكلام، وبنى على آية؟ إذا كانت مبنية على نفس الآية فلن يختلف الكلام؛ لأن رسمهما واحد.

طالب: ..........

لا لا لا، بغير رسم المصحف، لا، بغير رسم المصحف.

طالب: ..........

هو مشكلتنا من المحقِّق، مشكلتنا من المحقِّق والطابع.

طالب: ..........

لا شك أن التطابق بين المفسَّر والمفسِّر لا بد منها، وإلا وقع الاضطراب عند القارئ مثل ما يحصل لنا في فتح الباري، ابن حجر مشى على رواية أبي ذر، وطبعوا لنا مع الفتح نسخة ملفَّقة من قراءات كثيرة، يختلف الشرح عن المشروح.

"وقال بعض المفسِّرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل، والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان، كما سيأتي بيانه، وقد روى البخاري هاهنا حديثًا سنورده، ثم نتبعه بآثار متعلقة بذلك.

قال البخاري -رحمه الله-: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قِبَل أم إسماعيل -عليهما السلام- اتخذت منطقًا؛ لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل -عليهما السلام- وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما.."

لأن المكان الذي لا ماء فيه لا يُسكَن، المكان الذي لا ماء فيه ما يسكنه أحد، يصير مهلكة.

"ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفَّى إبراهيم -عليه السلام- منطلِقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له.."

إنس أم أنيس؟

عندي إنس.

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: ..........

من الذي صوَّبها؟

طالب: ..........

أنا ما عندي شيء.

طالب: ..........

ما فيها تصويب أنيس بدون إشارة.

طالب: ..........

هذه سنة كم هذه آخر شيء التي معك عالم الكتب؟

طالب: ..........

نفسها كلها أولاد الشيخ.

طالب: ..........

نفسها كلها عن أولاد الشيخ.

طالب: ..........

أظن هذه متأخرة بعد.

طالب: ..........

ما أشوف تاريخًا، ما أشوف تاريخًا.

طالب: ..........

ما عليها تاريخ.

طالب: ..........

هي في البخاري، الحديث في البخاري.

طالب: ..........

الأنيس واضح أصوب.

وبلدة ليس بها أنيس

 

إلا اليعافير وإلا العيس

طالب: ..........

إنس؟

طالب: ..........

خلاص.

طالب: ..........

نعم.

"فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم -عليه السلام- حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه قال: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [سورة إبراهيم:37] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل -عليهما السلام- وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوَّى أو قال: يتلبَّط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فلذلك سعى الناس بينهما»."

إذا كان هذا هو السبب في مشروعية السعي وأقره، يعني أُقِرَّ في شرعنا حتى صار من أركان النسك في الحج والعمرة، والعلماء السعي لا يرونه للمرأة للرجال فقط، معنى السعي الجري الشديد، هذا معناه، ما هو السعي الذي بين الصفا والمروة، لا، عندهم المرأة لا تسعى، يعني لا تجري جريًا شديدًا بين العلمين، أصل الأمر وبناؤه على فعل امرأة وقد جرت وسعت سعيًا شديدًا، وشُرع هذا السعي بالنسبة للرجال دون النساء، فكيف يتم التوفيق؟

طالب: ..........

الآن لو وُجد مرأة وحدها تسعى؟ لو قُدِّر قُفلت الأبواب وقيل: تفضلوا.

طالب: شرع ما قبلنا ليس شرع لنا..

لكن شرع بسبب فعلها.

طالب: ..........

لا، ليس بمشروع للمرأة، ليس بمشروع لماذا؟ لأن مراعاة خشية الانكشاف أولى من مراعاة ما فعلته أم إسماعيل، وأم إسماعيل في مأمن من أن تُرى، في مأمن من أن تُرى، ويكون هذا الحكم مما شُرِع لسبب أيضًا عِلَّة وانتفى السبب، يعني كما في الرَّمَل في الطواف، الرَّمَل في الطواف يعني في عكسه الرَّمَل في الطواف سببه قول المشركين: يأتي محمد وأصحابه قد وهنتهم حمى يثرب، فرمل النبي -عليه الصلاة والسلام- ورمل معه الصحابة من الحجر إلى الركن، وما بين الركنين لا رمل فيه في عمرة القضاء؛ لأن الكفار لا يرونهم؛ لأنهم من جهة الحجر، ثم لما حج النبي -عليه الصلاة والسلام- بقيت مشروعية الرمل وصار شاملاً للطواف كله من الحجر إلى الحجر؛ لأن المشركين الذين هم سبب ترك الرمَل بين الركنين غير موجودين، ولئلا يقول قائل: إن العلة ارتفعت، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، لماذا نرمل وليس فيه أحد يقول ذلك؟

نقول: شرع لعلة فارتفعت العلة وبقي الحكم، هناك في السعي العلة معارَضة بما هو أقوى منها، معارضَة بما هو أقوى منها بالنسبة للمرأة وهو خشية الانكشاف بحضرة الرجال الأجانب، ولئلا تضطرب المسألة ما يقال: إذا كانت خالية تسعى، وإذا كانت محظورة من الرجال لا تسعى؛ لأن هذا ما ينضبط، هذا لا ينضبط، وقد تكون غير محظورة في أول الأمر ثم يدخل أحد، على كل حال الحكم الشرعي واحد وثابت فهذه.. الاقتداء في هذه الجزئية التي هي السعي الشديد بين العلمين نُسِخ وأُعرض عنه؛ لئلا يترتب عليه انكشاف عند الرجال، فيكون معارضًا بما هو أقوى منه، بعضهم يشير إلى أنه لا مانع أن تسعى، تتحفظ وتسعى وتبقى المطابقة لعمل المرأة في سعيها لعمل أم إسماعيل، لكن الحاصل أن مراعاة عدم الانكشاف بالنسبة للمرأة لا شك أنه أولى من تحقيق هذه السنة، ومع ذلك لو وجد ما يدعو إلى السعي بالنسبة للمرأة لو تبعها سبع مثلاً لحقها سبع أو من سباع الناس مثلاً لحقها يريد أن يسيء إليها، فسعت وجرت جريًا شديدًا، نقول: ما يُشرَع؟ يجب.

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: ..........

هذه مصالح ومفاسد وولاة الأمور أبخص.

طالب: ..........

لا لا، ما تسعى ما تسعى، خلاص انتهى السعي بالنسبة للمرأة انتهى.

طالب: ..........

قصدك؟

طالب: ..........

نعم، وُسِّع وانتهى خلاص وُسِّع.

طالب: ..........

المسألة خلافية، ووجد الخلاف، وحسمه ولي الأمر، والذي مازال مُصِرًّا على رأيه واجتهاده يجتهد في أن يحقق السعي الصحيح.

طالب: ..........

جهته، المقصود جهته.

طالب: ..........

نعم.

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: ..........

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [سورة البقرة:127] الآية التي معنا قيل: بنته الملائكة، وقيل: بناه آدم، وقيل: بناه إبراهيم جدد البناء، المقصود أن البناء على هذه الصفة، وعلى هذه الهيئة الذي بناه إبراهيم وإسماعيل.

ماذا عندك؟ أين الإشكال في الحديث؟

طالب: ..........

باعتبار ما سيكون، ما هو بأسلوب معتبَر عند العرب؟

"قال ابن عباس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فلذلك سعي الناس بينهما»."

سعَى الناسُ.

طالب: ..........

أجل فذلك سعْيُ الناس، أو فلذلك سعَى الناس.

طالب: ..........

لا لا، فذلك سعي الناس أو فلذلك سعى الناس.

"فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه، تريد نفسها ثم تسمَّعَت فسمعت أيضًا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه- أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف قال ابن عباس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم» أو قال: «لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا» قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها: الملَك لا يتخافَى الضيعة."

لا تخافِي الضيعة، يعني أن الله لن يضيعكِ، ولن يضيع ولدكِ كما قالت في بداية الأمر.

"لا تخافِي الضيعة، فإن هاهنا بيتًا لله -عز وجل- يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله -عز وجل- لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كَداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا.."

موجود أثناء هذا الكلام؟

طالب: ..........

سؤال يعني البيت موجود مع أمر الله -جل وعلا- لإبراهيم وإسماعيل ببنائه هو موجود؟

طالب: ..........

يعني البيت موجود، وأمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنوا البيت؟

طالب: ..........

وإذ يرفع إبراهيم القواعد، ما معنى يرفع إبراهيم القواعد؟

طالب: ..........

لا، ما يلزم.

طالب: ..........

هو رابية، هو بيت فيما سيكون هو بيت باعتبار ما سيكون.

طالب: ..........

هو غير مبني بلا شك.

تفضَّل.

وأظن هذا هو الجديد.. لكن في الجديد يتلافون ما في الأول، ما يصير أسوأ منه، على كل حال الصف يختلف، والطبعة الأولى النشرة الأولى لأولاد الشيخ هي أشبه بهذه من ذي.

"فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء قالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم، قال عبد الله بن عباس: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأُنْس» فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم.."

الإنسان من طبعه أن يحب الأنس، وكونه يأنس فهذا أمر مفطور عليه الإنسان، وقال ابن خلدون وقبله ابن القيم: الإنسان مدني بالطبع، ما يمكن أن يعيش بمفرده، فكونها تأذن لهم هذا على الأصل، أما أن تسكن وحدها هي وولدها، ينظر الإنسان نفسه إذا خرج أهله من البيت وبقي وحده لمدة ساعة أو ساعتين لا شك أن أحواله تتغير إلا من أنس بالله -جل وعلا- ونكَّب عن الخلق، ويبقى أنه لا بد من أناس يأنس بهم، ويستعين بهم، ويستعينون به على أمور دينهم ودنياهم.

"وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل -عليهما السلام-، فجاء إبراهيم -عليه السلام- بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشَرّ، نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك اقرئي -عليه السلام- وقولي له يغيِّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل -عليه السلام- كأنه آنس شيئًا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جَهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيِّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج.."

يعني تركهم إبراهيم -عليه السلام- وهو رضيع، ثم جاء بعدما تزوج إسماعيل مدة طويلة ورجع وهو ما رآه.

طالب: ..........

فيه شيء؟

طالب: ..........

نحن نستطلع، يعني تركهما، ترك إسماعيل وأمه وهو رضيع، وعاد إليهما بعد أن ماتت الأم، وتزوج إسماعيل مدة طويلة.

طالب: ..........

هو الراجح نعم، ماذا فيه؟ يعني أنه رجع في قصة مطوية لم تذكر في هذا؟

طالب: ..........

معروف، أنا أعرف لكن أقول هذه المدة الطويلة ويرجع ما رآه، لكن قال: غير عتبة دارك.

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: ..........

جاء من بعيد، يعني الصبر عند المتقدمين لا شك أنه.. وهذه السنوات عندهم بالنسبة لأعمارهم ما هي كثيرة، يعني ووجد في عصرنا الحاضر من تزوج وسافر من أجل طلب العيش ورجع إلى أهله، هو سافر في نفس الوقت من الغد من الزواج سافر ورجع، والذي فتح له الباب الولد، ولا يعرف أباه، ولا أبوه يعرفه، هذا موجود، لكن أظن قلوب الناس اليوم تختلف.

طالب: ..........

لكن هذا إبراهيم، إن إبراهيم كان أمة، ولا يمكن أن يقال: هذه جفوة، هذه قسوة كما يزعمون هذا.. لا، إبراهيم الخليل -عليه السلام- أفضل الخلق بعد نبينا -عليه الصلاة والسلام-، وأول من يكسى يوم القيامة، يبقى هل جاءهم قبل ذلك قبل هذه المرة أو لم يأتهم؟ هو أُمر بذبح ابنه متى؟ {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} [سورة الصافات:102] بدأ يمشي أُمر بذبحه، فدل على أنه جاء إليهم مرة أو أكثر من مرة على حسب ما يرد في النصوص، وهذا المجيء مطوي في هذه القصة، مطوي في هذا الخبر، يعني ما ذكر ولا يمنع من وجوده؛ لوروده في أدلة أخرى. كان العلماء وطلاب العلم يأتون من المغرب إلى المشرق؛ لطلب العلم من الأندلس إلى بغداد مثلاً، ويجلس عشر سنين، خمسة عشر سنة، عشرين سنة، ولا يعرف من أخبار أهله شيئًا، وبعضهم تأتيه الرسائل من أهله ولا يفتحها، لماذا؟ حتى لا يتكدَّر، خطاب فيه مات أبوك، ماتت أمك، مات كذا، وهو لا يستطيع أن يذهب إليهم، ولا يستطيع أن يقدِّم لهم شيئًا.

على كل حال أحوال الناس وظروفهم ونفسياتهم تغيرت تغيرًا جذريًّا مع الانفتاح الذي نعيشه، وتقرير أهل العلم في مسألة المفقود، وأنه يُحكَم إذا كان الغالب السلامة يُضرَب له مدة تسعين سنة منذ وُلد، وإذا كان الغالب الهلاك أربع سنوات منذ فقد، لكن الآن ما الحكم عندكم يا شيخ سليمان؟ على هذا باقٍ؟

طالب: يُعلَن عنه ويُكتَب للجهات المختصة.

يعلنون.. أنا أقول: اختلفت الظروف والأحوال، وتبعًا لذلك تتغير الأحكام المعللة بعللها، وليس هذا من تغيير الدين أو تغيُّر الدين بشيء، هذا من رحمة الله بخلقه، وشمول هذا الدين لما جد وسيجد، عندكم حكم بيِّن ومقرَّر ومقعَّد أم بس كل إنسان بحسبه؟

طالب: إذا كان الغالب الهلاك..

إذا كان الغالب الهلاك؟

طالب: يحكم به إذا غلب الهلاك الذين يذهبون لمواطن الفتن والقتال..

يحكم بالهلاك مباشرة؟

طالب: ...إن غلب على الظن الهلاك يحكم بالهلاك، وإن غلب الظن بالبقاء يمهل ويعلن عنه، وتخاطب الجهات.

هو ما فيه احتمال أن يكون موجودًا وإن ذهب إلى مواطن الهلاك.

طالب: يكتب للمستشفيات والسجون والجوازات والمداخل والمخارج...

يحتمل أنه في وسط البلد.

طالب: بوسط البلد الغالب، لكن إذا خرج، إذا كان خارج البلاد.

طالب: ..........

تزوجت؟

طالب: ..........

حكم عليه بأنه مات.

طالب: ..........

أربعين سنة توه، الغالب السلامة يصبر إلى أن يصير عمره تسعين، تصبر.. الله المستعان، مثل ما تفضل الشيخ يعني الأمور تغيرت، والظروف ووسائل الوصول إلى الحقيقة تغيرت، يعني ما هي مثل أول، أول إذا غاب خلاص خرج عن البلد ما يدرى ماذا يصير عليه.

طالب: ..........

ماذا يقول؟

طالب: ..........

يقرئك السلام.. ما فيه أحد هذا الوقت يقول: غير عتبة بابك، دارك، من يأمره بهذا غير أبيه؟

"فطلقها وتزوج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله -عز وجل- فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ولم يكن لهم يومئذ حَب، ولو كان لهم لدعا لهم فيه قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه»."

يعني ما يقتصر عليهما أحد على اللحم والماء إلا لم يوافقاه، لا بد أن يكون معهما شيء، وأما بمكة فلا.

"قال: فإذا جاء زوجكِ فاقرئي -عليه السلام-، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل- عليه السلام- قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا، فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاكِ بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنتِ العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله -عز وجل-، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله -عز وجل- أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك -عز وجل-. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة البقرة:127] قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة البقرة:127].

 ورواه عبد بن حميد عن عبد الرزاق به مطوَّلاً، ورواه ابن أبي حاتم عن أبي عبد الله محمد بن حماد الظهراني، وابن جرير عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرًا.

 وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن عبد الملك بن جريج عن كثير بن كثير قال: كنت أنا وعثمان بن سليمان وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير في أعلى المسجد ليلاً قال سعيد بن جبير: سلوني قبل ألا تروني، فسألوه عن المقام، فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله، ثم قال البخاري.."

قف على هذا، قف على هذا، طويل هذا.

اللهم صل على محمد...