شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 10

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 10
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحبًا بكم إلى حلقةٍ جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.   

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: قال –رحمه الله تعالى–: وعنه رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوسٌ عند النبي –صلى الله عليه وسلم– إذ جاءه رجلٌ، فقال: يا رسول الله هلكت. قال: «مالك؟». قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم. فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم–: «هل تجد رقبةً تعتقها؟». قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟». قال: لا. فقال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟». قال: لا. قال: فمكث عند النبي– صلى الله عليه وسلم– فبينا نحن على ذلك أُوتي النبي –صلى الله عليه وسلم– بعرقٍ فيها تمر، والعرق: المكتل. قال: «أين السائل؟». فقال له: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها –يريد الحرتين– أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي –صلى الله عليه وسلم– حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك.  

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فراوي الحديث الصحابي الجليل أبو هريرة راوي الحديث السابق؛ ولذا كنَّى عنه بالضمير كعادة أهل المختصرات إذا روى الحديث الثاني عن صحابي الحديث الأول قال: وعنه.

والحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: بابٌ إذا جامع في نهار رمضان ولم يكن له شيءٌ فتُصدق عليه فليُكفِّر.

يقول العيني: أي هذا بابٌ يُذكر فيه إذا جامع الصائم في نهار رمضان عامدًا، والحال أنه لم يكن له شيءٌ يعتق به، ولا شيء يُطعم به، ولا له قدرة يستطيع الصيام بها ثم تُصدق عليه بقدر ما يُجزيه فليُكفر به؛ لأنه صار واجدًا.

وفيه إشارةٌ إلى أن الإعسار لا يسقط الكفارة عن ذمته، وكلام الحافظ قريبٌ جدًّا من هذا، كلام ابن حجر في فتح الباري قريبٌ من هذا.

يقول العيني: إذا جامع الصائم في نهار رمضان عامدًا، والحال أنه لم يكن له شيء يعتق به، ولا شيء يُطعم به، ولا له قدرة يستطيع بها الصيام يعني: تعذرت عليه جميع خصال الكفارة، ثم تُصدق عليه بقدر ما يُجزيه.

وننتبه لكلمة: "بقدر ما يُجزيه" يعني اتباعًا للحديث؛ لأن العرق يسع بقدر الكفارة، ولذلك قال: بقدر ما يُجزيه، فماذا عما لو تُصدق به عليه بأقل من القدر؟ هل يتصدق به أو لا؟ أو أكثر، هل يقبله ويتصدق ببعضه ويأخذ بعضه؟ هذه مسائل لعلنا نشير إليها.

ثم تُصدق عليه بقدر ما يُجزيه فليُكفِّر به؛ لأنه صار واجدًا، وفيه إشارة إلى أن الإعسار لا يسقط الكفارة عن ذمته.

الآن هذا الذي تُصدق عليه وسيأتي بحث هذه المسألة، ماذا فعل بما تُصدق به عليه؟

المقدم: تصدق به على أهله.

على أهله.

المقدم: راح به إلى البيت يعني.

بلا شك؛ ولذا قال: «أطعمه أهلك»، فهل معنى ما ذكروه في شرح الترجمة إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء به فتُصدق عليه فليُكفِّر.

المقدم: عليه كفارة؟

نعم.

الآن هذا الذي تُصدق به بحضرة الرسول –عليه الصلاة والسلام– كفَّر بما تُصدق به عليه أو أكله مع أولاده؟

المقدم: أكله هو وأهله نعم.

وماذا عن الكفارة؟ هل تلزمه الكفارة أو لا تلزمه؟ ولذلك يقول: وفيه إشارة إلى أن الإعسار لا يُسقط الكفارة عن ذمته، لماذا؟ لأنها دين الله على ما سيأتي تقريره مبسوطًا إن شاء الله تعالى.

يقول العيني: مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ لأن قوله: وقعت على امرأتي وأنا صائم عبارةٌ عن الجماع.

البخاري يقول: بابٌ إذا جامع في رمضان. قوله: وقعت على امرأتي هو الجماع.

قوله: "بينما" تقدم مرارًا أن أصل بينما (بينَ) فأُشبعت فتحة النون وصارت (بينا)، وزيدت فيه الميم فصارت (بينما)، ويُضاف إلى جملةٍ اسمية كما هنا وإلى فعلية، ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى.

قال العيني: والأفصح في جوابها – جواب بينا وبينما – أن لا يكون فيه (إذ) و (إذا).

والذي عندنا في الحديث فيه إذ جاءه.

المقدم: وحديث بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ طلع علينا رجل.

يقول العيني: والأفصح في جوابها أن لا يكون فيه (إذ) و (إذا)، ولكن يجيء بهذا كثيرًا، وهنا كذلك وهو قوله: إذ جاءه رجل.

ننتبه إلى كلمة العيني: الأفصح في جوابها.

وقال بعضهم –يريد بذلك ابن حجر–: من خاصة (بينما) أنها تُتلقى بـ(إذ) وبـ(إذا) حيث تجيء للمفاجئة، بخلاف (بينا) فلا تُتلقى بواحدة منهما، وقد ورد في الحديث كذلك.

يعني الحديث (بينما)، ابن حجر يقول: (بينما) تُتلقى بـ(إذ) و(إذا)، ما فيه مخالفة؛ لأن الحديث جاء بـ(بينما)، لكن لو جاء (بينا) لا تُتلقى بواحدةٍ منهما.

يقول العيني: هذا تصرف في العربية من عنده –هذا رد على ابن حجر–، هذا تصرف في العربية من عنده، وليس ما قاله بصحيح، وقد ذكروا أن كلًّا منهما يُتلقى بواحدةٍ منهما يعني: لا فرق بين (بينا) و (بينما).

وقد ذكروا أن كلًّا منهما يُتلقى بواحدةٍ منهما، غير أن الأفصح كما ذكرنا أن لا يُتلقيا بهما. وقد ورد في الحديث بـ(إذ) في الأول، وفي الثاني بدون (إذ) و(إذا) على الأصل الذي هو الأفصح، فأي شيء في دعوى الخصوصية في (بينما) بـ(إذ) و(إذا)، ونفيها في (بينا)، ولم يقل بهذا أحد.

يعني التفريق بينهما لم يقل به أحد.

في المبتكرات، ما المبتكرات؟

المقدم: اللآلئ.

مبتكرات اللآلئ والدرر.

المقدم: نعم، المحاكمة بين العيني وابن حجر.

لمن؟

المقدم: للبوصيري.

أقول: إن اللغة هي الحاكمة بين الشيخين، قال في نهاية ابن الأثير: والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه (إذ) و(إذا)، وقد جاء في الجواب كثيرًا، تقول: بينا زيدٌ جالسٌ دخل عمرو، وإذا دخل عمرو، وإذ دخل عليه عمروٌ، ظاهر؟

يقول: اللغة هي الحاكمة بين الشيخين، وسبق أن انتقد العيني ابن حجر، وقال: إنه ما شم العربية.

المقدم: وهذا التصرف من عنده، قبل قليل يقول.

نعم، يقول: ما شم علم العربية.

رد عليه البوصيري وقال: إن ابن حجر أنه لم يشم العربية شمًّا، وإنما أكلها أكلًا لما.

البوصيري يقول: اللغة هي الحاكمة بين الشيخين، صحيح. قال في نهاية ابن الأثير:... ؛ لأن أقوال العلماء يُحتج لها ولا يُحتج بها.

المقدم: البوصيري حنفي يا شيخ؟

لا ما هو بحنفي، ليس بحنفي، هو أكثر ما يدافع عن ابن حجر.

المقدم: هنا الغرابة يعني.

لكن هنا يقول، قال في نهاية ابن الأثير: والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه (إذ) و (إذا)، وقد جاء في الجواب كثيرًا تقول: بينا زيدٌ جالسٌ دخل عمرو، وإذ دخل عمرو، وإذا دخل عليه عمروٌ.

وفي المغني في مبحث (إذ) ما نصه: والرابع أن تكون للمفاجئة، نص على ذلك سيبويه وهي الواقعة بعد (بينا) و(بينما).

المغني سبق للبوصيري أنه قال: عمدة العيني على المغني.

اعتماد العيني على المغني في اللغة. المغني، ما المغني؟

المقدم: في اللغة يا شيخ.

في لغة ماذا؟ مُغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام.

في المغني في مبحث (إذ) ما نصه: والرابع أن تكون للمفاجئة، نص على ذلك سيبويه وهي الواقعة بعد (بينا) و(بينما)، وفي التاج: وقد تأتي (إذ) في جواب (بينا) من غير ميم. قال: والقول بأن (إذ) لا تكون إلا في جواب (بينما) بزيادة الميم فاسدٌ، ثم أنشد على ذلك أبياتًا فراجعه.

يقول: وحاصله أن دعوى ابن حجر كون التلقي لـ(إذ) و(إذا) مخصوصًا بـ(بينما) الميمية، وغير الميمية لا تتلقى بواحدةٍ منهما محجوجٌ بما سمعته من كلام اللغويين، فاعتراض العيني لا غبار عليه فاعرفه.

يعني: هنا انتصر للعيني؛ لأن هؤلاء الأئمة شهدوا لكلامه.

أنا أقول: في المُغني اختار ابن الشجري في المُغني في الجزء الأول صفحة ثلاث وثمانين وأربعة وثمانين، اختار ابن الشجري أنها تقع زائدة بعد (بينا) و(بينما)، تقع زائدة خاصةً. قال: لأنك إذا قلت: بينما أنا جالسٌ إذ جاء زيدٌ، فقدَّرتها غير زائدة أعملت فيها الخبر، وهي مضافة إلى جملة: جاء زيد، وهذا الفعل هو الناصب لـ(بينا) فيعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف.

في درة الغواص للحريري صفحة ثمانية وثلاثين من طبع الجوائب يقولون: بينا زيدٌ قام إذ جاء عمروٌ، فيتلقون بينا بـ(إذ) والمسموع عن العرب: بينا زيد قام جاء عمروٌ، بلا (إذ)؛ لأن المعنى فيه بينا أثناء الزمان جاء عمروٌ وعليه قول أبي ذؤيب.

بينا تعانقه الكُماة وروغه

 

 يومًا أُتيح له جريءٌ سلفعُ

هذا من قول أبي ذؤيب الهزلي في قصيدته الشهيرة، فقال: أُتيح ولم يقل: إذ أُتيح.

وفي شرحها للشهاب الخفاجي: هذا أيضًا غير مُسلّم. قال نجم الأئمة الرضي: قد تقع (إذا) و(إذ) في جواب (بينا وبينما) وكلتاهما إذًا للمفاجئة، والأغلب مجيء (إذا) في جواب (بينا)، قال:

فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا

 

 إذا نحن فيهم سوقةٌ نتكففُ

ولا يجيء بعد (إذ) إلا الماضي، وبعد (إذا) إلا الاسمية، والأصل تركهما في جواب (بينا) و(بينما)؛ لكثرة مجيء جوابهما بدونهما، والكثرة لا تدل على أن المكثور غير فصيح، بل تدل على أن الأكثر أفصح.

وفي الحديث: بينما نحن عند رسول الله –صلى الله عليه وسلم– إذ أتانا رجلٌ. يريد حديث الباب؟

المقدم: لا، حديث عمر بن الخطاب: إذ طلع رجل شديد بياض الثياب.

طيب وحديث الباب، أين؟

المقدم: بينما نحن، إذ جاءه رجل.

نعم، إذ جاءه، المقصود أنه جاءت (إذ) بعد هذه وهذه.

وفي الحديث: بينما نحن عند رسول الله –صلى الله عليه وسلم– إذ أتانا رجلٌ، وفي كلام أمير المؤمنين علي– رضي الله عنه–: بينا هو يستقبلها في حياته إذ عقد لآخر بعد وفاته.

الآن صاحب الدرة وهو الحريري يقولون: بينا زيدٌ قام إذ جاء عمرو، فيتلقون (بينا) بـ(إذ) والمسموع عن العرب: بينا زيدٌ قام جاء عمروٌ بلا (إذ).

يرد عليه الشارح شهاب الخفاجي: هذا غير مُسلّم. قال نجم الأئمة الرضي: قد تقع (إذا) و(إذ) في جواب (بينا وبينما) وكلتاهما إذًا للمفاجئة، والأغلب مجيء (إذا) في جواب (بينا)، قال:

فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا

 

 إذا نحن فيهم سوقةٌ نتكففُ

ولا يجيء بعد (إذ) إلا الماضي، وبعد (إذا) إلا الاسمية – إذا نحن –، والأصل تركهما في جواب (بينا) و(بينما) لكثرة مجيء جوابهما بدونهما، والكثرة لا تدل على أن المكثور غير فصيح، بل تدل على أن الأكثر أفصح.

الآن الحريري قال: إنها لا ترِد، المسموع كذا، مفهومه أن مجيء (إذ) و(إذا) بعد (بينا) و (بينما) غير مسموع؛ لأنه قال: والمسموع عن العرب: بينا زيدٌ قام جاء عمروٌ بلا (إذ)، فمفهوم كلامه أن وروده غير مسموع، والشواهد التي ذكروها تدل على أنها مسموعة؛ ولذا قال: والكثرة يعني: كثيرًا ما تأتي بدون (إذ) ولا (إذا)، لكن الكثرة لا تدل على أن المكثور غير فصيح يعني: الذي يرِد أحيانًا ولو كان قليلًا فصيح، نعم قد يكون فيه فصيح وأفصح.

ما الفرق بين ما لو قالوا: الفصيحُ أن يقال لا ترِد، وبين أن يقال الأفصح أن لا ترِد؟ بينهما فرق أم لا؟

المقدم: فيه فرق نعم.

إذا قلنا: فصيح فمضاده غير فصيح، وإذا قلنا: أفصح، فمضاه فصيح، لكنه مرجوح يعني: مثل ما قلنا صحيح وقلنا أصح. إذا قلنا: الصحيح كذا فمقابله غير صحيح، وإذا قلنا كذا أصح فالذي يقابله صحيح وإن كان دونه في المرتبة.

ومجيء مثل هذه الأساليب في لغة العرب في أكثر من مثال يدل على وروده وأنه فصيح قد يكون غيره أفصح.

المقدم: وكونه ورد في الأحاديث يا شيخ...

أي كثير جاء في الأحاديث نعم.

يقول الشهاب الخفاجي ردًّا على الحريري، يقول: والعجب من المصنف – يعني: الحريري – أنه قال في مقاماته: فبينا أنا أطوف وتحتي فرس قطوف إذ رأيت، جاء بـ(إذ).

وقال أيضًا: فبينا أنا عند حاكم الإسكندرية إذ دخل شيخٌ.

المقدم: في موضعين الآن.

لا، مواضع، ليس موضعين، لكن أنا اقتصرت على هذا، فدل على أن ورودها بـ(إذ) و(إذا) وارد وفصيح أيضًا وكثير، وإن كان الأكثر عدم الورود.

نأتي إلى مناقشة العيني لابن حجر، ابن حجر أوتي من أي شيء؟ من تفريقه بين (بينا) و(بينما)، وإلا لو لم يفرق ما كان عليه استدراك.

نحن جلوسٌ عند النبي – صلى الله عليه وسلم –، قال ابن حجر: فيه حُسن الأدب في التعبير لما تُشعر العندية بالتعظيم بخلاف ما لو قال: مع، لكن في رواية الكشميهني: مع النبي –صلى الله عليه وسلم–.

المقدم: مع أننا في موضع آخر لا أذكر هل هو ابن حجر أم العيني، قال: الأدب في قوله تسحرنا مع النبي– صلى الله عليه وسلم– قال: هذا من تمام الأدب.

فيه أدب، لكن إذا قلت: (مع) و(عند) صارت (عند) أدخل في الأدب.

يقول ابن حجر: فيه حُسن الأدب في التعبير؛ لما تُشعر العندية بالتعظيم بخلاف ما لو قال: مع، لكن في رواية الكشميهني: مع النبي –صلى الله عليه وسلم–.

فيبدو أن كلمة (مع) و(عند) هذه من تصرف الرواة.

قال العيني متعقبًا ابن حجر: قلت: لفظة (عند) موضوعها الحضرة، ومن أين الإشعار فيه بالتعظيم؟

يعني: كلمة معي أو أنا معه فيها دلالة، لكن عنده. افترض أن الشخص العظيم عند الأقل منه في البيت، ماذا يقول؟ هل يستطيع أن يقول: عندي ليُشعر بالتعظيم، أو يقول الأدون: أنا عنده؟ ما تجيء.

قلت: جاء في المصباح المنير: الأصل استمعاله يعني: عند فيما حضرك من أي قطرٍ كان من أقطارك أو دنا منك، وقد استُعمل في غيره، فتقول: عندي مالٌ لما هو بحضرتك ولما غاب عندك.

يعني يقول: عندي مال، هل عنده الآن بحضرته، يراه؟ عنده أموال قد تكون في بلده، وقد تكون في بلدان يُضارب بها فيُتوسع في الاستعمال فيتعدى الحضرة.

ولِما غاب عنك ضُمِّن معنى المِلك والسلطان على الشيء، ومن هنا استُعمل في المعاني فيقال: عنده خير، وما عنده شر؛ لأن المعاني ليس لها جهات، ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} [القصص:27] أي: من فضلك.

"إذ جاءه رجل" قال ابن حجر: لم أقف على تسميته إلا أن عبد الغني في المبهمات، وتبعه ابن بشكوال جزم بأنه سلمة أو سلمان بن صخر البياضي، واستند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر أنه ظاهر من امرأته في رمضان وأنه وطئها، فقال له النبي –صلى الله عليه وسلم–: «حرِّر رقبة». قلت: ما أملك رقبةً غيرها.

"ما أملك رقبةً غيرها" لماذا لا يُحررها؟

المقدم: قد لا تكون مِلكه، يعني أشار إلى أنها ملك له ولا يراد بها أن تكون أمةً عنده.

وضرب صفحة رقبته، قال: والله لا أملك غيره.

المقدم: غير رقبته هو يعني؟

نعم.

قال: «فصم شهرين متتابعين». قال: وهل الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: «فأطعم ستين مسكينًا». قال: والذي بعثك بالحق ما لنا طعام. قال: «فانطلق إلى صاحب صدقة بني زُريق فليدفعها إليك».

يقول: والظاهر أنهما واقعتان، فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائمًا، وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلًا فافترقا، ولا يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة وفي صفة الكفارة وكونها مرتبة وفي كون كل منهما لا يقدر على شيء من خصالها اتحاد القصتين.

لأن فيه تطابقًا بين كفارة الظِهار وكفارة الجماع في رمضان؛ لأنه يقول: ظاهر من امرأته في رمضان فأُمر بالكفارة، وهذا وطئ امرأته في رمضان فأُمر بالكفارة.

كونهما من بني بياضة، وكونهما يؤمران بالعتق، ثم الصيام، ثم الإطعام، ويكون الجواب واحدًا، ويُدفع لهما بقدر ما طُلب منهما من كفارة، ويُقسمان بأنهما لا يملكان شيئًا هذا لا شك أن فيه تطابقًا بين القصتين، لكن لا يعني أنهما قصة واحدة، كل هذا لا يدل على اتحاد القصتين.

وأخرج ابن عبد البر في ترجمة عطاء الخرساني من التمهيد من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم– هو سليمان بن صخر. قال ابن عبد البر: أظن هذا وهمًا؛ لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته يعني: على ما تقدم، ووقع عليها في الليل لا أن ذلك كان في النهار.

المقدم: لعلنا نكتفي بهذا إن شاء الله، على أن نستكمل بإذن الله.

أحسن الله إليكم ونفع بعلمكم، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

لقاؤنا بكم في حلقةٍ قادمة بإذن الله لاستكمال هذا الحديث، حديث أبي هريرة وأنتم على خير، شكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.