شرح كتاب التوحيد - 55

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التوحيد - 55
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التوحيد
تاريخ النشر: 
السبت, 8 جمادى الآخر, 1439 - 10:15

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستعمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

 قال الإمام المجدد -رحمه الله تعالى-: "باب التسمّي بقاضي القضاة ونحوه.

في الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «إنَّ أخنع اسم عند الله رجلٌ تسمَّى ملِك الأملاك، لا مالك إلا الله»، قال سفيان: مثلُ شاهان شاه. وفي رواية: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه». قوله: أخنع، يعني: أوضع. فيه مسائل:

الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك.

الثانية: أن ما في معناه مثله كما قال سفيان.

الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه.

 الرابعة: التفطن أن هذا لإجلال الله -سبحانه وتعالى-".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

 فيقول الإمام المجدد -رحمة الله عليه-: باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه. التسمي بقاضي القضاة ونحوه، هذا اللفظ لم يرد في الحديث، إنما الوارد ملك الأملاك، لا مالك إلا الله، وفي كلام سفيان قياس أو ترجمة بالفارسية مثل شاهان شاه، وقيس عليه أشياء تدل على أن المتسمّي أو المسمَّى مع الرضا بهذه الأمور، قاضي القضاة يعني الحاكم على الحكام، والحكم كله لله، فالحكام الذي يحكم عليهم ويحكم بينهم هو الله -جل وعلا-، وملك الأملاك مثله، فما يدل على التفرد هذا لله -جل وعلا-؛ لأن ال في القضاة والأملاك كلها جنسية، وتفيد العموم، والذي وضع نفسه على هؤلاء أو وُضع له ورضي به كان مقدَّمًا وسيدًا وحاكمًا على هؤلاء كلهم، وهذا لا يكون إلا لله -جل وعلا-، لا مالك إلا الله، كما جاء في الحديث، في الصحيح، التسمي بقاضي القضاة، ومع الأسف أنه سُمِّي به كثير في تاريخ المسلمين من سُمِّي بقاضي القضاة، والذي يغلب على الظن المراد بقاضيهم رئيسهم كبيرهم، إذا قيل: رئيس القضاة فما فيه إشكال.

أما، والكلام على العموم؛ لأن ال جنسية، فلو حصل التقييد انتفى الجنس، في قطر، في مصر، في مذهب، في كذا، ما فيه إشكال، مع أن الابتعاد عن هذه الأمور التي تزيد الإنسان عجبًا وفخرًا وتدخل في نفسه من الرياء ما لا يستطاع دفعه أحيانًا هذا خلاف ما طُلب من المسلم من التواضع والاستكانة وهضم النفس. أنا أدركت علماء لا يرضى أن يقال له: شيخ، الشيخ فلان ما يرضى، يقول: أنا فلان، ما يرضون، واستدرجنا بالمخالطة؛ لأنه جاءنا من إخواننا الوافدين من استمرؤوا هذه الأمور ومشوا عليها، فصارت المسألة سهلة، مسألة شيخ وما شيخ هذه أمرها هين عندهم، ثم جاءت هذه الشهادات فزادت الناس عجبًا وكبرًا، لا سيما وأن بعض من يحملها نياتهم مدخولة، وإذا دخلت النية ساء العمل، يسوء العمل، وأنا حضرت مجلسًا دخل فيه عالم من علماء الأقطار، والذي معه يعرِّف به: هذا العلامة فلان، المتخصص في كذا، ولا يفوقه إلا فلان، في هذا العلم، ماذا قال؟ قال: فلان لا يعرف الحديث، ما معناه؟ مصيبة مصيبة إذا دخل القلب والنية ودخل العجب وحب الظهور.

 يقول ابن القيم -رحمه الله- في الفوائد: إذا حدثتك نفسك بالإخلاص، فاعمد إلى حب المدح والثناء فاذبحه بسكين علمك أنه لا أحد ينفع مدحه ولا يضر ذمه إلا الله، وجاء بحديث الأعرابي الذي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أعطني يا محمد، فإن مدحي زين، وذمّي شين، قال: «ذاك الله»، ذاك الله الذي ينفع مدحه، ويضر ذمه، أما البشر فنعم ثناء الناس على على العبد من عبيد الله يدل على أنه له قبول في الأرض، وله أثر، لكن لا ينبغي أن يلتفت إليه.

المقصود أننا قبل سُنيَّات قليلة لا نعرف مثل هذه الأمور، ولا نعرف مثل هذه الألفاظ، وبعضهم إذا كان حاملًا لشهادة وتقول له: الشيخ، ما يرضى؛ لأن الشيخ يطلق على الذي عنده والذي ما عنده، يريد أن يتميز، وإذا كان عنده ما هو أرفع من الشهادة صار أستاذًا أو برفسيورًا أو شيئًا من هذا ما يرضى أن تقول له: الدكتور، ما يكفيه، كل هذا مما يدل على أن النيات فيها دَخَل فيها دَخَل. حتى وصل الأمر بنا أن شخصًا قُدِّم لإلقاء محاضرة، وهذا شيء محزن جدًّا، فجلس على المنصة بجانب من يقدِّم، فإذا به محضر ترجمة له فيها نوع تفصيل، ومن تحت المنصة يسلمها للمقدِّم، فقرأها المقدِّم ثم التفت إليه: سامحك الله يا أخي، أنا لا أرضى بمثل هذا المدح! نسأل الله العافية،

يعني إلى أي حد وصل بنا الأمر؟ والله إني أدركت مشايخ علماء لا يرضى أن تقول له: شيخ، فلان أو أبو فلان، يعني بالكنية، ثم استدرجنا إلى أن وصلنا إلى هذا الحد، وهذا مما يبعث الرياء والعجب والكبر. قد يقول قائل: إن الأمة في عصورها، دعنا من الصدر الأول الذي يقال فيه: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ما يقال: الشيخ فلان ولا الإمام فلان ولا، بأسمائهم، الصحابة، كبارهم وصغارهم، والتابعون كذلك، لما انتهت القرون المفضلة بدأت الألقاب: تاج الدين، علم الدين، نصير الدين، موجود، بكثرة وقديم، من ألف سنة وهذه الألقاب موجودة، وشيخ الإسلام.

طالب:...

الهروي، إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين.

طالب:...

نعم؟ قيل في وجهه وفي... لكن الله المستعان.  يعني إذا قيل شيخ الإسلام فإضافة الشيخ إلى الإسلام تدل على أن الإسلام كله بحذافيره في حوزته، وأن الإسلام كشف خفاياه وخباياه كلها عند هذا الشخص، لكن هل يرضى أو لا يرضى؟ أطلقت على شيخ الإسلام ابن تيمية، وتداولها الناس، وأُلِّف مؤلفات بأن من أطلق شيخ الإسلام على ابن تيمية فهو كافر، يعني من المناوئين لدعوة الشيخ، هو سُمِّي شيخ الإسلام لدفاعه عن الإسلام، وذبه عن الإسلام، ثم ألّف ابن ناصر الدين الرد الوافر على من زعم على من زعم أن من قال ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، ورد عليهم ابن ناصر الدين بردٍ في غاية الجودة -رحمه الله-.

 هذا الذي يقال له: قاضي القضاة ويرضى أو ملك الأملاك وهذا أشد؛ لأن قاضي القضاة تحتمل أنه رئيسهم رئيس القضاة سهل، يعني أمره، كل طائفة لها رئيس يرجعون إليه فيما يشكل عليهم، فهو رئيسهم من هذه الحيثية وإذا كان المراد بقاضي القضاة هذا المعنى فالأمر فيه أخف.

طالب:...

والله يتجاوز فيه، إذا كان هذا القصد، وهذا المشهور وهو المتداول، وهو الاسم العرفي لهذا، هذا أمر سهل.

طالب:...

نحن قلنا: إنه في مانع؟ ألم يسأل الأخ وقلت: ما يخالف؟

طالب:...

لا ما هو بذا، إنما الذي قبله واحد سأل قبل.

طالب:...

أنت شف الجواب، ما سمعت الجواب؟ لكنك تستعجل يا أبا رضوان، تستعجل أنت وإلا سأل قال: في عصر ولا في مصر ولا في شيء، الكلام على ال الجنسية، التي تشمل جميع من اتصف بهذا الوصف، إي.

في الصحيح، هذا اصطلاح عند أهل العلم، إما أن يراد الحديث الصحيح أو الصحيح المتفق على صحته كالبخاري ومسلم، ويشمل الصحيحين، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «إنَّ أخنع اسم عند الله رجلٌ تسمَّى ملِك الأملاك، لا مالك إلا الله»، أخنع: أوضع وأحقر، عند الله، يعني إن تعاظم في نفسه، أو تعاظم بين قومه وعشيرته بهذا الاسم فهو عند الله أخنع وأحقر وأذل وأوضع، النبي -عليه الصلاة والسلام- في أشرف المواقف سُمِّي بعبد الله، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ}[الإسراء:1]، {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ}[الجن:19] العبودية والتذلل والخضوع والخشوع لله -جل وعلا- هذا أشرف الأسماء، وسمّاه به -جل وعلا- في أعز وأشرف المواقف. «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى» يعني تسمى سمى نفسه، أو سُمِّي به فقبِله، «ملك الأملاك، لا مالك إلا الله» ملك الأملاك لا مالك إلا الله، المِلك الحقيقي لله -جل وعلا-، بدليل أن هؤلاء الملوك مهما عظم شأنهم، وكثُر أتباعهم، واتسعت رقاع بلدانهم، في لحظة ينزع الملك منه، {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ}[آل عمران:26]، وفي بلاد الأندلس حصل للملوك من الذل ما لم يحصل نظيره في التاريخ، والله أعلم، في قصيدة أبي البقاء الرندي وهو يرثي الأندلس.

بينا همُ ملوكٌ في أسرتهم        وهم واليوم هم في بلاد الكفر عبدان

في ديار في بيوت الكفر عبدان، يستخدمون عبيدًا عند من؟ عند النصارى، وكانوا ملوكًا، الملك ملك الدنيا إذا لم يستخدم ويسخَّر لخدمة الدين وأهل الدين ويعرف الإنسان قدر نفسه فيه ويتواضع لله، هذا مآله إلى زوال، مآله إلى الزوال. لا مالك إلا الله، الله -جل وعلا- في الفاتحة يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الفاتحة:2] {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}[الفاتحة:3] .

{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[الفاتحة:4]، والقراءة الأخرى: {مَلِكِ} ملك، والفرق بينهما أن مالك أعم من ملك من وجه وأخص من وجه، فالمالك يملك في الأمور الخاصة، ويتصرف تصرفًا مطلقًا، المالك، والملك في الأمور العامة لكن تصرفه في الأمور الخاصة لا يملكها إلا بالظلم، يعني هل يستطيع ملك من الملوك أن يخرج فلانًا من داره ويبيعها بدون سبب؟ لا، فهو ملك لا مالك، والمالك يتصرف فيما تحت يده، وليس بملك، فلما ثبتت القراءتان ثبت له الوصفان، مالك وملك.

طالب:...

لا يملكها إلا الله، ما يجوز، لا يملكها إلا الله، لا مالك إلا الله، والحصر هنا يراد به الملك الحقيقي، الذي يكون له فيه التصرف المطلق، لا الملك الإضافي لا الملك الإضافي، الملك الإضافي قد يملك الإنسان الدارهم والدنانير، ويكون ملكه لها إضافيًّا وليس بحقيقي، والملك حقيقته لله -جل وعلا-، إن الملك إلا الله، {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}[النور:33] فالمال لله، ملك هذه الأموال كلها لله -جل وعلا-، وما يملكه الناس مما في أيديهم إنما هم مؤتمنون عليه، وإذا أعطوا من هذا المال فالمعطي حقيقة هو الله، وإذا منعوا فالمانع حقيقة هو الله.

قال سفيان: مثلُ شاهان شاه. شاه مفرد، وشاهان جمع، وطريقة الأعاجم في الإضافة أنهم يقدمون المضاف إليه على المضاف، هذا شاهان شاه ملك الملوك عندهم، وقاضي القضاة ترجمته عندهم: ها يا أبو رضوان؟ قاضي القضاة ما ترجمته عند العجم؟ ماذا أما تعرف؟ ما أنت تقول قاضي القضاة في اليمن كأنك تأهل نفسك أم ...؟

طالب:...

يقولون قاضي القضاة ترجمتها: موبذان موبذ.

طالب:...

اكتبها! اكتبها! كتبت؟ لماذا؟

طالب:...

علمه علمه.

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

نعم بعد الدرس.

الأصل إذا قدمنا المضاف على المضاف إليه على طريقة العرب موبذ موبان شاه شاهان، لكن هم يقدمون المضاف إليه على المضاف، يقدمون هذا على هذا فيقولون: شاهان شاه، وموبذان موبذ، من باب تقديم المضاف إليه على المضاف، هذه طريقة الأعاجم.

وفي روايةٍ: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه» يعني من تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله، وأغيظ وأخنع تعني أحقر وأوضع، وأذل، وإن رأى في نفسه أنه عظيم أو مُعظَّم وأصيب بالعجب والخيلاء بسبب ذلك، الآن الشخص إذا رأى في نفسه ما ليس فيها، وأصابه الكبر والزهو في نفسه، من له بصر وبصيرة من الناس ما يخفى عليه أن هذا متشبع بما لم يعط، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، كلابس ثوبي زور، والناس عندهم عقول تميز ما في حقيقة الأمر، وما هو زيف، فتجد الإنسان يدخل و بملابس فاخرة أو بسيارة فاخرة أو بقصر فاخر، ثم إذا جلست معه دقائق عرفت حقيقته، والذي يريح الإنسان وضمير الإنسان معرفته بقدر نفسه، وبحقيقته، لا يتعب، ولا يُتعِب هذا، لكن إذا كان من أهل الدعاوى العريضة، ثم بعد ذلك اكتُشف في موقف، أو في مكان، أو في حال، لا ينزل درجة واحدة عند الناس، ويصير في موضعه، لا، فبقدر ما يرفع نفسه ويطلع يكون قدر سقوطه، يقول:

تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ

 

 

على صفحات الماء وهو رفيع

 

ولا تك كالدخان يعلو بنفسه

 

 

إلى طبقات الجو وهو وضيع

 

ما يقفِّل هذا؟

الكبر والعجب والخيلاء من أمراض القلوب، التي جاءت النصوص بذمها، والخشوع والخشية والتواضع وصف عباد الرحمن، الذين يمشون على الأرض هونًا، وفرقٌ بين هذا وذاك، وعجب فاحذره، يقول الناظم -رحمه الله-:

والعجب فاحذره إن العجب مجترفٌ

 

أعمال صاحبه في سيله العرم

في سيله العرم، فعلى الإنسان أن يحرص، وإن كانت هذه من الأمور الصعبة على النفوس، وإذا استحكمت في القلوب، استحكمت في القلوب صعُب علاجها، صعُب علاجها، ولذا مما يوصى به طالب العلم أن يديم النظر في كتاب الله، وأن يقرأه على الوجه المأمور به ففيه العلاج، ثم يقرأ في كتب العلماء الراسخين المحققين في هذا الباب، كابن القيم وابن رجب، وغيرهما ممن له عناية بأمراض القلوب وعلاجها.

طالب:...

نعم. ماذا؟

طالب:...

قالوا: الغيظ أشد من الغضب، أشد.

طالب:...

 نعم.

طالب:...

وفي المسائل: يقول الشيخ -رحمه الله-: النهي عن التسمي بملك الأملاك.

أبا رضوان ألم يقولوا عن الشوكاني قاضي قضاة القطر اليماني؟ هذا الذي جعلك تسأل؟

طالب:...

 نعم. الشوكاني معروف، إمام.

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

هو مجتهد على كل حال، هو مجتهد لا ينتسب إلى أي مذهب. ابن خزيمة هذا، هذا ابن خزيمة، قالوه في ابن خزيمة، إمام الأئمة.

يقول -رحمه الله تعالى-: فيه مسائل:

الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك، وفيه النصّ، والعلة أنه لا مالك إلا الله.

 الثانية: أن ما في معناه مثله، أن ما في معناه مثله، مثل قاضي القضاة، ومثل شاهان شاه، ومثل ترجمة قاضي القضاة بمن قالوا: موبذان موبذ مثل ما قلنا، وشاهان شاه مثل ما قال سفيان بن عيينة.

 الثالثة من المسائل: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه، الشيخ -رحمة الله عليه- تفطن لهذا، وترجم له في هذا الكتاب الذي الهدف منه تخليص التوحيد، وتنقيته، وتحقيقه، وتصفيته، من شوائب الشرك والبدع، قد يقول قائل: ما علاقة مثل هذه الألفاظ بكتاب التوحيد أو بالتوحيد؟ ملك الأملاك، السبب في منعه أنه لا مالك إلا الله، فالتسمي به منازعة لله، ومشاركة لله، وهذه حقيقة الشرك، بغض النظر هل يصل إلى أكبر أو أصغر أو كذا، أو يكون الهدف منه واضحًا، ولا يقصد منه ما من أجله ترجم الشيخ بهذه الترجمة، وأورد هذه النصوص، ولذلك قال: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه؛ لأن من اهتم لشيء واعتنى به، وصار الهدف عنده تحقيق هذا الأمر، تجده يدور حوله، كلٌّ على ما يهدف إليه.

 الشيخ الإمام المجدِّد لما تقرأ في كتاب السيرة مختصر السيرة له، أكثر هذه الأبواب موجودة في كتاب السيرة مستنبطة من سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام-، لماذا؟ لأن التوحيد وتحقيق التوحيد هاجس عند الشيخ، شيخ الإسلام واهتمامه بالعقائد وتصفيتها، والرد على المناوئين تجده يبحث في مسألة فقهية مثلاً، ثم في ثنايا الجواب تجد ما يهدف إليه الشيخ مرموزًا إليه بإشارة أو باستطراد، وكل إنسانٍ همّه تجد أثره في إنتاجه، تجد أثر الهم الذي يحمله في نتاجه، الواعظ إذا ألّف في التفسير ظهر أثر الوعظ، المهتم بالعقائد إذا ألّف في التفسير ظهر ذلك في تفسيره، اللغوي إذا ألّف في التفسير ظهر أثر ذلك في تفسيره، ولذلكم تجدون كتب التفاسير مشارب، بعض كتب التفسير تتعلم النحو منها، كتفسير أبي حيان مثلاً، بعض كتب التفسير تجد فيها العقائد الموافقة والمخالفة، تجد أصول البدع ومسائل الابتداع، تجدها فيه مثل الرازي مثلاً.

 تقرأ المسائل العقدية للأشاعرة والجبرية في تفسير الرازي أوضح مما كُتب في الكتب المتخصصة، وأكثر بسطًا، وتقرأ في تفسير القرطبي مثلاً في المسائل الفقهية مما هو أكثر بسطًا منه في كتب الفقه، كلٌّ واهتمامه، يظهر أثر هذا الاهتمام في الإنتاج.

 الحافظ ابن كثير نَفَسه في تفسيره مثل القرطبي أو أبي حيان أو؟ لا، يختلف اختلافًا كبيرًا، الزمخشري وهو من أئمة المعتزلة، تجد مسائل الاعتزال موجودة، صحيح أنه تنبّه لأمور، ومن أجل ألا يُهجر الكتاب بحث مسائل الاعتزال بنوع خفاء، بنوع خفاء، مما جعل من أراد الرد عليه في هذا الباب يستخرج هذه المسائل كما قال بالمناقيش، بالمناقيش، استخرجوها وردوا عليه، وإلا فالرازي واضح مكشوف، ويبحث المسائل باستفاضة، ويطيل فيها، أما الزمخشري ففيه نوع خفاء، والردود عليه كثيرة، في الحواشي وغيرها، كتب متخصصة في الرد وكشف اعتزاليات الزمخشري، من أفضل ما كُتب على تفسير الزمخشري حاشية الطيبي، طُبعت في ستة عشر مجلدًا على الزمخشري، وفيه حاشية لابن المُنيَّر وفيه حاشية للإسكندري، حواشٍ كثيرة جدًّا.

 وهذه الكتب التي كتب لها القبول في مذاهبها اعتنى بها أهل العلم في الحواشي والردود؛ لأن انتشارها يخشى منه على المتعلمين، البيضاوي أكثر من مائة وعشرين حاشية عليه، تفسير البيضاوي، على صغره، في مجلدين هو، وأكثر من مائة وعشرين حاشية، وبعض الحواشي وصلت إلى ثلاثين مجلدًا.

التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، لماذا تفطن الشيخ، وكتب التراجم مملوءة بمن لقب بهذه الألقاب؟ لماذا تفطن الشيخ؟ لاهتمامه بهذا الشأن.

 يقول -رحمه الله-: الثالثة: يعني من المسائل، التفطن للتغليظ في هذا ونحوه؛ لأنه قد يُقرأ هذا الباب من قِبِل ناسٍ تُتداول عندهم هذه الألفاظ فيستغرب من كون الشيخ يصل اهتمامه إلى هذا الحد في إنكار هذه الألفاظ، والسبب قد لا يكون القلب يقصد معاني هذه الألفاظ، لا سيما وأن الألفاظ الأسماء والألقاب إذا تداولتها الألسنة ولاكتها نسيت السبب الذي من أجلها سُمِّي كالأعلام، كالأعلام، فتجد من يُسمَّى باسم بالحسن مثلاً، وما فيه شيء من مظاهر الحُسن، لماذا؟ لأنه تداولوه ولاكوه ولم يستحضروا هذا عند التسمية، وقل مثل هذا كريم ومثل الأسماء كلها، قد يكون من أبخل الناس يسمونه كريمًا، ولذا قالوا: الأسماء لا تُعَلَّل، الأسماء لا تُعَلَّل وإن كانت في الأصل، في الأصل معللة، ما أحد بيتكلم كلام لا معنى له، لكن هناك أسماء سمي بها لا معاني لها ألبتة، وهذا كثير في الجاهلية، وفي البادية، في المتأخرين، تجده يسمي اسمًا ما يعطي له أي بال، فمع الوقت وتداول الاسم، وتلوكه الألسنة يُنسى السبب الذي من أجله.

 ولذا قال الشيخ: مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه، مع القطع وإلا قد يوجد من يقصد هذه المعاني ويتسمى بملك الأملاك لا سيما إذا انقطع الاسم ثم ابتدأه، انقطع الاسم مدة بين الولاة والملوك، ثم تجدد، هذا في الغالب أنه يقصد المعنى، وأما مع التوارث فالغالب أنه لا يقصد معناه.

 اللهم صلِّ وسلم.

 الرابعة: التفطن أن هذا لإجلال الله -سبحانه وتعالى-، التفطن أن هذا لإجلال لإجلال الله- سبحانه وتعالى-، وحماية جنابه، وصيانة عظمته؛ لئلا يشاركه أحد في خصائصه.

 والله أعلم.

 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.