تعليق على تفسير سورة النساء من أضواء البيان (18)

عنوان الدرس: 
تعليق على تفسير سورة النساء من أضواء البيان (18)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير أضواء البيان
تاريخ النشر: 
الأحد, 1 جمادى الأول, 1438 - 15:15

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين:

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى-:

"قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} [سورة النساء:133] الآية ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه إن شاء أذهب الناس الموجودين وقت نزولها وأتى بغيرهم بدلاً منهم، وأقام الدليل على ذلك في موضع آخر، وذلك الدليل هو أنه أذهب من كان قبلهم وجاء بهم بدلاً منهم، وهو قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [سورة الأنعام:133]، وذكر في موضع آخر أنهم إن تولوا أبدل غيرهم، وأن أولئك المُبْدَلِيْن لا يكونون مثل المُبْدَل منهم."

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

في قوله -رحمه الله-: وأقام الدليل على ذلك في موضع آخر وذلك الدليل أنه هو أذهب من كان قبلهم وجاء بهم بدلاً منهم، وقوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ} [سورة الأنعام:133] {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} [سورة النساء:133] كما في قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} [سورة النساء:133] السياق سياق تهديد، السياق سياق تهديد، والدليل الذي ذكره الشيخ في الآية الأخرى: {كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [سورة الأنعام:133] هل يطابِق التهديد؟ هل هم مبدَلين ممن قبلهم أو مولودين ممن قبلهم؟ لأن الولادة ليست إبدالًا، تأملوا الآية مع السياق الذي يورده الشيخ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين هذا تهديد كما في قوله -جل وعلا-: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ} [سورة الأنعام:133] كذلك، لكن قوله: {كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [سورة الأنعام:133] هذا بطريق الولادة لا بطريق الإبدال ظاهر أم غير ظاهر؟ فما يتم التهديد بالاستيلاد.

طالب: ..........

{كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [سورة الأنعام:133] أنشأكم من ذرية يعني بالولادة ما هو بالاستبدال.

طالب: ..........

ما يكون استبدالهم من ذريتهم.

طالب: ..........

يعني أذهبهم بعقوبة وجاء بالأبناء؟! لا لا، ولادة.

طالب: ...........

ماذا عندنا؟ في أصل المسألة عقوبة لأن السياق سياق وعيد وتهديد كما.. في الموضع الآخر هو مطابِق {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [سورة محمد:38].

طالب: ..........

كيف؟

طالب: ..........

الآية صدرها لعجزها، لكن هل هي مطابقة للآية المتحدَّث عنها؟

طالب: ..........

مطابِق للأولى، لكن {كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [سورة الأنعام:133] لو ذكر أنه استبدل هؤلاء من قوم آخرين يعني صاروا بدلاً منهم يتم التهديد.

طالب: ..........

والله ما أدري.

طالب: ..........

لا، التهديد يذهبهم بالموت بأي طريقة، لكن الموت الطبيعي هو استبدال؟!

طالب: ..........

لكن الاستبدال بموت طبيعي ولادة طبيعية؟!

طالب: ..........

أسأل سؤالًا هل الاستبدال يتم بموت طبيعي وموت كل إنسان بحسبه وولادة كل إنسان بحسبه هذا استبدال؟ الذي يدل عليه السياق.

طالب: ..........

لا، أنشأكم من ذرية قوم آخرين هذه ولادة، ما فيه شك أنها ولادة، انظر الموضع الآخر، وذكر في موضع آخر...

"وذكر في موضع آخر أنهم من تولوا أبدل غيرهم، وأن أولئك المبدَلين لا يكونون مثل المبدَل منهم، بل يكونون خيرًا منهم، وهو قوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [سورة محمد:38]، وذكر في موضع آخر أن ذلك هيِّن عليه غير صعب، وهو قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [سورة إبراهيم:19-20] أي ليس بممتنع ولا صعب."

كل هذا جارٍ على التهديد الذي ذُكر في الآية المشروحة المفسرة {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} [سورة النساء:133] كل هذا هيِّن عليه وليس عليه بعزيز ولا صعب يُذهِب أمة كاملة ويأتي بغيرها.

طالب: ..........

نعم لكن من نسلهم بالولادة، الموت الطبيعي والولادة الطبيعية ما فيها تهديد، والسياق سياق تهديد.

طالب: ..........

لكن لا يتم به المطابَقة والسياق..

طالب: ..........

هو استبدال لكن لا يليق بسياق التهديد، يعني كونك تعيش سبعين، ثمانين سنة وتخلِّف خمسة عشر ولدًا ويخلفونك ويستبدلك بهم لا، هذا ما فيه تهديد، موت طبيعي هذا.

طالب: ..........

الصدر الأول موافِق للصدر الآخر، لكن ليس فيه بيان نفسه هو البيان حقيقة لو كان سياقه تهديدًا في عجز الآية الذي هو الاستبدال والاستخلاف، لكن بطريقة يتم بها التهديد؛ لأنه يقول: {كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [سورة الأنعام:133] ما فيها أي تهديد، كل الأمم متتابعة ومتواطئة المرضي عنها والمغضوب عليها، كلهم من ذرية قوم آخرين.

طالب: ..........

وذلك الدليل هو أنه أذهب من كان قبلهم، أذهب من كان قبلهم وجاء بهم بدلاً منهم، وهو قوله تعالى:... إلى آخر الآية، لكن الآية {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ} [سورة النساء:133] يمكن أن يتجه الخطاب إلى كل الناس بمن في ذلك المطيع فضلاً عن العاصي، لكن هل يتم التهديد إذا توجه هذا للمطيع وقيل: إنه يذهبك بالموت، ويأتي بولدك من بعدك؟ أو نقول: إن الآيات كلها ما فيها تهديد، هو مجرد عرض القدرة.

طالب: ..........

تتولوا؟

طالب: ..........

على كل حال..

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: ..........

{كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } [سورة الأنعام:133] يعني هل الذرية أفضل من آبائهم؟ 

طالب: ..........

يعني استخلاف الأفراد مثل استخلاف الجماعات بالنسبة لقدرة الله -جل وعلا- يعني يذهبكم جملة، ويأتي بقوم آخرين جملة كما استخلفكم واحدًا واحدًا.. كما أذهبكم واحدًا واحدًا، وأنشأ بعدكم واحدًا واحدًا بالتوالد، يعني كل هذا ممكن.

"قوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً} [سورة النساء:139] ذكر في هذه الآية الكريمة أن جميع العزة له -جل وعلا-، وبيَّن في موضع آخر أن العزة التي هي له وحده أعز بها رسوله والمؤمنين، وهو قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [سورة المنافقون:8] أي وذلك بإعزاز الله لهم والعزة الغلبة، ومنه قوله تعالى: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [سورة ص:23] أي غلبني في الخصام، ومن كلام العرب من عَزَّ بَزّ، يعنون من غلب استلب، ومنه قول الخنساء:

كأن لم يكونوا حمى يختشى

 

إذ الناس إذ ذاك من عز بز

قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا} [سورة النساء:140] إلى قوله: {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} [سورة النساء:140] هذا المَنْزِل الذي أحال عليه.."

المُنزَّل المُنزَّل.

"هذا المُنزَّل الذي أحال عليه هنا هو المذكور في سورة الأنعام في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [سورة الأنعام:68] وقوله هنا: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} [سورة النساء:140] لم يبين فيه حكم ما إذا نسوا إذا نسوا النهي حتى قعدوا معهم، ولكنه بيَّنه في الأنعام بقوله: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [سورة الأنعام:68]، قوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [سورة النساء:141] في معنى هذه الآية أوجه للعلماء منها أن المعنى، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين يوم القيامة سبيلاً، وهذا مروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس -رضي الله عنهم-، ويشهد له قوله في أول الآية {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ} [سورة النساء:141] الآية، وهو ظاهر."

الآن الآية هي على ظاهرها خبر أو خبر يتضمن الإنشاء والحكم؟ هل هي على ظاهرها خبر فيتجه القول بأنه في يوم القيامة؛ لأننا نرى في الدنيا من الكافرين من له سلطان وسبيل على المؤمنين ،وخبر الله لا يتأخر، لكن إذا قلنا في القيامة: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ} [سورة النساء:141] يعني في يوم القيامة {عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [سورة النساء:141] فيتجه هذا القول، لكن إذا قلنا: إنها خبر، والمراد بها النهي، يعني لا تجعلوا للكافرين عليكم سبيلاً، ولا يصح أن يكون للكافر على المؤمنين سبيل في حال القدرة، يعني في حال القدرة؛ لأن المخاطب بذلك بهذا التكليف المسلمون، فلا يسوغ لهم أن يولوا كافرًا عليهم فيكون له عليهم سبيل، ومثله في الملك يكون المسلم تحت ملك كافر، يعني يكون رقيقًا لكافر، فيجب أن يحرر من رق هذا الكافر؛ لأن الله لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، وفروع هذا كثير جدًّا، يعني في أمور الدنيا كلها في الولايات وما دونها فيما فيه أمر ونهي.

"قال ابن عطية: وبه قال جميع أهل التأويل، كما نقله عنه القرطبي، وضعّفه ابن العربي زاعمًا أن آخر الآية غير مردود إلى أولها، ومنها.."

يعني ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ما له علاقة بقوله -جل وعلا-: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [سورة النساء:141] فالمراد به في الدنيا لا في القيامة هذا على رأي ابن العربي، وهذا إذا حملناه على أنه إنشاء وتحذير للمؤمنين أن يولوا عليهم كافرًا أو يمكنوا كافرًا من الولاية عليهم في جهة من الجهات، في مدرسة جعلوا المراقَبة وضبط النظام لغير مسلم، وجعل هذا الموكول إليه الضبط يدور بين الفصول والقاعات حتى في درس القرآن ويقول هذا: انتبه، وهذا لا تلعب، وهذا اطلع، وهذا يأمر وينهى، فهل يندرج تحت قوله: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [سورة النساء:141]؟ بمعنى أنه هو الآمر الناهي؛ لأنه موكول إليه هذا الأمر، هل هي فرد من أفراده أو ما يندرج؟ كل شيء فيه سلطة لكافر على مسلم يندرج تحت الآية.

طالب: ..........

لا، هو الخبر إذا جاء {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [سورة البقرة:228] هل هو مجرد خبر يتربصن أم مأمورات بأن يتبرصن، مأمورات، وواضح يعني من السياق.

طالب: ..........

لكن ما تكون له السلطة، لا تكون له السلطة على المسلم إلا في حال الضعف وعدم القدرة على التغيير، هذا شيء آخر كما تعيشه الأمة، الآن الكافر يتسلط ويدبر ويأمر وينهى، ونحن نلتمس الحلول من الكفار، والكافر يتحكم بنا كما قال ابن القيم -رحمه الله-:

وأي اغتراب فوق غربتنا التي

 

لها أضحت الأعداء فينا تحكم

في منتصف القرن الثامن.. قبل، في القرن الثامن هذا يعني في سبعمائة وكسور.

"ومنها أن المراد بأنه {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [سورة النساء:141] يمحو به دولة المسلمين، ويستأصلهم، ويستبيح بيضتهم، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عنه -صلى الله عليه وسلم- من حديث ثوبان أنه قال: «وإني سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن الله قد أعطاني لأمتي ذلك حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا»، ويدل لهذا الوجه آيات كثيرة كقوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة غافر:51] الآية."

قد يقول قائل: إن الله سلط على هذه الأمة من أعدائهم من يستبيح بيضتهم، ويقتل فيهم القتل الذريع في بغداد عند دخول التتار، وفي الأندلس عند سقوطها، وفي دمشق عندما جاء تيمور، لكن هذا ليس بعام، فإذا وجد في إقليم فالأقاليم الأخرى قائمة بيد المسلمين، وهكذا، والمنفي أن يسلط عليهم ويهلكهم بسنة بعامة.

طالب: ..........

حصل بالأندلس، لكن بقية البلدان ما فيها شيء، بقية البلدان سالمة، وفي بغداد حصل ما حصل وبقية البلدان سالمة، في دمشق حصل ما حصل وبقية البلدان سالمة، وإذا حققت ودققت وجدت أن السبب فيما حصل المسلمون، يعني لو سلم المسلمون من بعضهم ما حصل ما حصل.

طالب: ..........

وضِّح وضِّح..

طالب: ..........

لكن لا بد أن يكون السبب والغاية من المسلمين أنفسهم.

"وقوله: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الروم:47]، وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [سورة النــور:55] إلى غير ذلك من الآيات، ومنها أن المعنى أنه لا يجعل له عليهم سبيلاً إلا أن يتواصوا بالباطل، ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن التوبة، فيكون تسليط العدو عليهم من قبلهم كما قال تعالى.."

هم السبب، وبما كسبت أيديهم تسليط العدو من باب الابتلاء، من باب الابتلاء والسبب منهم وتكون النهاية المرتَّبة على هذا السبب كالآلة، فتكون بيد كافر كالآلة، كما لو أغرقوا مثلاً، كما لو سُلِّط عليهم من الكوارث الطبيعية التي ينشئها الله -جل وعلا- عقوبة للناس، وهذا فرد ونوع من أنواعها، قد يقول قائل: إن العبرة بالمباشر لا بالمتسبِّب بالمباشِر لا بالمتسبِّب، ومعلوم أن المباشِر إذا لم يكن ممن يصلح للحكم عليه وإجراء الأحكام عليه انتقل إلى المتسبِّب، يعني لو أن شخصًا أتى بأسد وأرسله على شخص فقتله، المتسبِّب الذي أرسله والمباشِر للقتل هو الأسد، لكن هل يصلح الأسد للمؤاخذة فيقال: المتسبب ما عليه شيء؟ لا، المؤاخَذة على المتسبِّب مثل هذه السيارة لو يقول سائق السيارة: أنا والله ما فعلت شيئًا، السيارة هي التي وطئته، هل يقال: كلام صحيح؟! لا، فالعبرة بمن يصلح للمؤاخَذة.

"كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [سورة الشورى:30] قال ابن العربي: وهذا نفيس جدًّا، وهو راجع في المعنى إلى الأول؛ لأنهم منصورون لو أطاعوا، والبلية جاءتهم من قِبَل أنفسهم في الأمرين، ومنها أنه.."

في الأمْرَيْن.

في الأمَرَّيْن؟

في الأمْرَيْن.

"والبلية جاءتهم من قبل أنفسهم في الأمرين، ومنها أنه لا يجعل عليهم سبيلاً شرعًا، فإن وُجد فهو بخلاف الشرع، ومنها أن المراد بالسبيل الحجة، أي ولن يجعل لهم عليهم حجة، ويبينه قوله تعالى: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [سورة الفرقان:33]، وأخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة منع دوام ملك الكافر للعبد المسلم، والعلم عند الله تعالى."

لا بد أن يُعتَق من متبرِّع أو من بيت المال، ولا يجوز دوام ملك الكافر للمسلم؛ لأنه نوع من السبيل الذي نفاه الله -جل وعلا-.

"قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } [سورة النساء:142] يبيِّن.."

بيَّن.

"بيَّن في هذه الآية الكريمة صفة صلاة المنافقين بأنهم يقومون إليها في كسل ورياء، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلاً، ونظيرها في ذمهم على التهاون بالصلاة قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى} [سورة التوبة:54] الآية، وقوله: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [سورة الماعون:4-5] الآية، ويُفهَم من مفهوم مخالفة هذه الآيات أن صلاة المؤمنين المخلصين ليست كذلك، وهذا المفهوم صرَّح به تعالى في آيات كثيرة، كقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [سورة المؤمنون:1-2] وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [سورة المؤمنون:9]، وقوله: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ .. } [سورة النــور:36-37] الآية إلى غير ذلك من الآيات."

قد يقول قائل: إن كثيرًا من المسلمين قد يتصفون بمثل هذا الوصف {إِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى} [سورة النساء:142] يخلدون إلى النوم وإلى الراحة، وأحيانًا إلى العبث، وإذا نودي للصلاة ثقلت عليهم، ولكن الفرق بين هؤلاء وبين المنافقين أن هؤلاء يصلون لله ولن يتركوا الصلاة مهما كلفهم الأمر، وأما بالنسبة للمنافقين فيراؤون الناس، ولو لم يكونوا بحضرة أحد ما صلوا، هذا هو الفرق، فالإنسان.. فالمسلم قد يجد تثاقلًا أحيانًا، قد يكون للظروف المحتفَّة به شيء يجعل الصلاة ثقيلة عليه، وإلا فالأصل أن المسلم يرتاح بالصلاة كما كان النبي -عليه الصلاة والسلام-، لكن إذا وجد نوع تثاقل لأمر من الأمور أو لظرف من الظروف وليس صفة دائمة فإن هذا يختلف عن كسل المنافقين الذين هم لولا الناظر إليهم ما صلوا، والمسلم لن يترك الصلاة مهما كلفه الأمر، وإن ثقلت عليه في بعض الأوقات.

"قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [سورة النساء:145] الآية، ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين في أسفل طبقات النار عياذًا بالله تعالى، وذكر في موضع آخر أن آل فرعون يوم القيامة يؤمر بإدخالهم أشد العذاب، وهو قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [سورة غافر:46]، وذكر في موضع آخر أنه يعذِّب من كفر من أصحاب المائدة عذابًا لا يعذِّبه أحدًا من العالمين، وهو قوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ} [سورة المائدة:115] فهذه الآيات تبيِّن أن أشد أهل النار عذابًا المنافقون وآل فرعون ومن كفر من أصحاب المائدة كما قاله ابن عمر -رضي الله عنهما-.

والدرك بفتح الراء وإسكانها لغتان معروفتان وقراءتان سبعيتان."

أبو طالب عم النبي -عليه الصلاة والسلام- جاء في الحديث الصحيح أنه «عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه»، في رواية «في ضحضاح من نار في ضحضاح من نار» يعني أخف من أبي لهب وغيره؛ لنصره للنبي -عليه الصلاة والسلام- وعنايته به وعنايته بدعوته قال: «ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» هو ليس من المنافقين، هو كافر، ومفهوم الآية أن الكفار أخف عذابًا من المنافقين في طبقة ودرَك فوق درَك المنافقين.

طالب: .............

نعم، يعني معصيته وعدم إسلامه بعد أن قامت عليه الحجة كما قامت على المنافقين الذين يصلُّون مع النبي -عليه الصلاة والسلام- ويسافرون معه ويرونه في كل لحظة، فبان لهم الحق بأجلى صُوَره، وأبو طالب كذلك فهو في حكم المنافقين؛ لأنه ما خفي عليه أدنى شيء من الحجة، واعترف بذلك في شعره:

ولقد علمت بأن دين محمد

 

من خير أديان البرية دينا

لكن لماذا ما أسلم؟ قال:

لولا المذمة أو حذار مسبة

 

لوجدتني سمحا بذاك مبينا

يعني الحجة قامت عليه كما قامت على المنافقين الذين عايشوا النبي -عليه الصلاة والسلام- وعاشوا معه وسمعوا أقواله ورأوا أفعاله، طيب المصوِّرون جاء في الحديث الصحيح «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصوِّرون».

طالب: .............

بعض العلماء يقول: هناك نار للكفار، وهذه هي التي لا تفنى ويعذَّب بها من يخلَّد، ونار للمسلمين، وهذه التي دلت النصوص على أنها تفنى، والمسلمون يُخرَجون منها إذا عُذِّبوا ونُقُّوْا ومنهم المُصَوِّرون، ويكون أشد العذاب من هذه النار.

طالب: .............

ماذا؟

طالب: .............

قد يوجَد معهم من يشاركهم في السبب مثل ما قلنا عن أبي طالب.

"قوله تعالى: {ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ} [سورة النساء:153] الآية لم يبيِّن هنا سبب عفوه عنهم ذنب اتخاذ العجل إلهًا، ولكنه بيَّنه في سورة البقرة بقوله: {فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة البقرة:54].

 قوله تعالى: {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ} [سورة النساء:154] لم يبين هنا هل امتثلوا هذا الأمر فتركوا العدوان في السبت أو لا؟ ولكنه بيَّن في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا، وأنهم اعتدوا في السبت كقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ} [سورة البقرة:65] الآية، وقوله: {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} [سورة الأعراف:163] الآية."

استمروا على ذلك حتى مُسخوا، حصل فيهم المسخ قردة وخنازير كما بين الله ذلك -جل وعلا-.

"قوله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} [سورة النساء:156] لم يبين هنا هذا البهتان العظيم الذي قالوه على الصديقة مريم العذراء، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أنه رميهم لها بالفاحشة، وأنها جاءت بولد لغير رَشْدَة.."

رِشْدَة.. رِشْدَة..

"لغير رِشْدَة في زعمهم الباطل، لعنهم الله، وذلك في قوله: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} [سورة مريم:27] يعنون ارتكاب الفاحشة، {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} [سورة مريم:28] أي زانية، فكيف تفجرين ووالداكِ ليسا كذلك؟! وفي القصة أنهم رموها بيوسف النجار، وكان من الصالحين، والبهتان أشد الكذب الذي يُتعجَّب منه قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [سورة النساء:160] الآية لم يبين هنا ما هذه الطيبات التي حرمها عليهم بسبب ظلمهم، ولكنه بيَّنها في سورة الأنعام بقوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} [سورة الأنعام:146].

 قوله تعالى:.."

فيه دراسات أُثيرَت عن الشحم الطبيعي الشحم من بهيمة الأنعام، وأنه لا ضرر فيه كالزيوت الموجودة، وأن إشاعة أنها ضارة هو من دعاوى اليهود الذين لمَّا حُرِّم عليهم أرادوا أن يحرموا الناس منها، وبعض الناس يقول: إنه يستعمله وبكثرة ولا يتضرر، نعوالمسألة طبية بلا شك، لكن الكلام له حظ من النظر؛ لأن من جرَّب وجد ما يصدِّق هذا القول، وأنها أقل ضررًا وخطرًا من الزيوت الصناعية.

ماذا تقول أنت؟ صحيح؟

طالب: .............

نعم، حتى الشحوم التي على ظهور بهيمة الأنعام لاسيما الغنم وفي بطونها يقولون هذه ضررها أخف بكثير، وبعضهم ينفي الضرر أصلاً، بعضهم ينفي الضرر أصلاً يقول: ما فيها ضرر ألبتة، وإنما إشاعة أن الدهون والشحوم ضارة هذه كلها من آثار اليهود.

طالب: .............

على كل حال الإنسان طبيب نفسه إذا كان يتضرر بالفحوصات يتبين أنه إذا أكل من هذه تضرر يجتنبها كمن يتضرر بالتمر أو الملح أو غيره، إذا كان يتضرر يجتنب.

طالب: .............

ما بقي.

طالب: .............

ماذا فيه؟

طالب: .............

يعني ما حرم علينا أن نصطاد يوم السبت.

طالب: .............

لكن هم يتديَّنون بهذا الذين ما انتقلوا إلى الإسلام يتدينون بشريعتهم.

"قوله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [سورة النساء:165] الآية لم يبيِّن هنا ما هذه الحجة التي كانت تكون للناس عليه لو عذبهم دون إنذارهم على ألسنة الرسل، ولكنه بينها في سورة طه بقوله: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى} [سورة طـه:134]، وأشار لها في سورة القصص بقوله: {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة القصص:47]."

فلا حجة لهم في هذا كله، والله -جل وعلا- يقول: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [سورة النساء:165]، وأرسل جمعًا غفيرًا من الرسل وجمعًا كبيرًا جدًّا من الأنبياء يبلِّغونهم عن الله فلا حجة لهم.

"قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} [سورة النساء:171] هذا الغلو الذي نهوا عنه، هو قول غير الحق، وهو قول بعضهم: إن عيسى ابن الله، وقول بعضهم: هو الله، وقول بعضهم: هو إله مع الله سبحانه وتعالى عن ذلك كله علوًّا كبيرًا كما بيَّنه قوله تعالى: {وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [سورة التوبة:30]، وقوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [سورة المائدة:72]، وقوله: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [سورة المائدة:73]، وأشار هنا إلى إبطال هذه المفتريات بقوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [سورة النساء:171] الآية، وقوله: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ} [سورة النساء:172] الآية، وقوله: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} [سورة المائدة:75]، وقوله: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [سورة المائدة:17].

 وقال بعض العلماء: يدخل في الغلو وغير الحق المنهي عنه في هذه الآية ما قالوا من البهتان على مريم أيضًا، واعتمده القرطبي، وعليه فيكون الغلو المنهي عنه شاملاً للتفريط والإفراط، وقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مطرِّف بن عبد الله الحسنة بين سيئتين، وبه تعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى، ولقد أجاد من قال:

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد

 

كلا طرفي قصد الأمور ذميم

وقد ثبت في الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم-: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى وقول عبد الله ورسوله»."

وعلى هذا أن الغلو في الجانبين في التطرف والخروج، وأيضًا في الإرجاء والانحلال، هذا غلو في الإفراط، وذاك غلو في التفريط، والوسط هو الحق، ولذا أهل السنة هم الفرقة الوسط بين الفرق المنتسبة للإسلام، هم وسط في الوعيد بين الخوارج وبين المرجئة، ووسط في الصحابة بين الروافض والنواصب، ووسط في جميع أبواب الدين تبعًا لوسطية الأمة بكاملها، الله -جل وعلا- يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [سورة البقرة:143]، فالذي يصلح للشهادة هو الوسط لا يصلح الغالي ولا يصلح الجافي، إنما المتوسط المعتدل هو الذي يصلح لأن يشهد على غيره، وتقبل شهادته.

"قوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [سورة النساء:171] ليست لفظة منه في هذه الآية للتبعيض كما يزعمه النصارى افتراءً على الله، ولكن مِن هنا لابتداء الغاية يعني أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به عيسى حيًّا من الله تعالى؛ لأنه هو الذي أحياه به، ويدل على أن مِن هنا لابتداء الغاية قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} [سورة الجاثية:13] أي كائنًا مبدأ ذلك كله منه -جل وعلا-، ويدل لذلك ويدل لما ذكرنا ما روي عن أبي بن كعب أنه قال: خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق ثم ردها إلى صلب آدم، وأمسك عنده روح عيسى -عليه الصلاة والسلام-، فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم، فكان منه عيسى -عليه السلام-، وهذه الإضافة للتفضيل؛ لأن جميع الأرواح من خلقه -جل وعلا-، كقوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [سورة الحـج:26]."

نعم إضافة الأعيان إضافة تشريف، وليست إضافة تبعيض ولا جزئية، فالبيت بيت الله، طيب ما معنى بيت الله؟ هذه الإضافة لشرفه أضيف إليه، والمساجد كلها بيوت الله، لكن هذا البيت هو أشرفها، وروح عيسى كسائر الأرواح الله الذي خلقها، لكن لما خُصَّ بهذا دل على تشريف هذه الروح، وكون الشخص يفضَّل من جهة على غيره لا يعني أنه أفضل من غيره من كل جهة، وذكرنا أمثلة منها أن إبراهيم -عليه السلام- أول من يكسى يوم القيامة، ومع ذلك ليس هو بأفضل من محمد -عليه الصلاة والسلام-؛ لأن فضائل محمد أكثر -عليه الصلاة والسلام-، وكون موسى النبي -عليه الصلاة والسلام- أول من تنشق عنه الأرض يقول: «فإذا موسى آخذ بقائمة العرش ما أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور»، يعني لم يصعق أصلاً، ومع ذلك محمد -عليه الصلاة والسلام- أفضل منه، وهكذا.

"وقوله: {نَاقَةُ اللَّهِ} [سورة الأعراف:73] الآية، وقيل: قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحًا ويضاف إلى الله فيقال: هذا روح من الله أي من خلقه، وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فاستحق هذا الاسم، وقيل: سمي روحًا؛ بسبب نفخة جبريل المذكورة في سورة الأنبياء والتحريم، والعرب تسمي النفخ روحًا؛ لأنه ريح يخرج من الروح، ومنه قول ذي الرمة:

فقلت لها ارفعها إليك وأحيها

 

بروحك واقتته لها قيتة قدرا

وعلى هذا القول فقوله: وروح معطوف على الضمير العائد إلى الله الذي هو فاعل ألقاها، قاله القرطبي. والله تعالى أعلم.

 وقال بعض العلماء: وروح منه أي رحمة منه، وكان عيسى رحمة من الله لمن اتبعه، قيل ومنه: {وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} [سورة المجادلة:22] أي برحمة منه، حكاه القرطبي أيضًا، وقيل: روح منه أي برهان منه، وكان عيسى برهانًا وحجة على قومه، والعلم عند الله تعالى."

وظهر على يديه من المعجزات ما آمن قومه عليه فرُحِموا بهذه المعجزات التي آمنوا بسببها وهي ناشئة أو جارية على يديه -عليه السلام-، وعمومًا الأنبياء والرسل رحمة لمن اتبعهم ورحمة أيضًا لمن خالفهم يعني الكفار بعد بعثته -عليه الصلاة والسلام- الله أرسله رحمة للعالمين، فمن آمن به الرحمة ظاهرة، ومن لم يؤمن به جاءت في أحكام الشريعة ما رفعت عنه كثيرًا من الأمور التي كانت تشق عليه قبل مجيئه -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: .........

ماذا؟

طالب: .........

لئلا يستمر في حياته ويزداد من الذنوب والضلال، وقد يحصل عليه أشياء يزداد به عذابه.

"قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} [سورة النساء:174] المراد بهذا النور المبين القرآن العظيم؛ لأنه يزيل ظلمات الجهل والشك كما يزيل النور الحسي ظلمة الليل، وقد أوضح تعالى ذلك بقوله:  {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً} [سورة الشورى:52] الآية، وقوله: {وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ} [سورة الأعراف:157].."

وقولِه.

"وقوله: {وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ} [سورة الأعراف:157] ونحو ذلك من الآيات قوله تعالى: {فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [سورة النساء:176] الآية صرَّح في هذه الآية الكريمة بأن الأختين ترثان الثلثين، والمراد بهما الأختان لغير أم بأن تكونا شقيقتين أو لأب بإجماع العلماء، ولم يبين هنا ميراث الثلاث من الأخوات فصاعدًا، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن الأخوات لا يزدن على الثلثين، ولو بلغ عددهن ما بلغ، وهو قوله تعالى: في البنات: {فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [سورة النساء:11]، ومعلوم أن البنات أمس رحمًا وأقوى سببًا في الميراث من الأخوات، فإذا كن لا يزدن على الثلثين ولو كثرن، فكذلك الأخوات من باب أولى، وأكثر علماء الأصول على أن فحوى الخطاب، أعني مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيها أولى في الحكم من المنطوق من قبيل دلالة اللفظ لا من قبيل القياس، خلافًا للشافعي، وقوم.."

الذين يقولون: إنه يسمى قياس الأولى يسمونه قياسًا، لكنه أولى من المنطوق، فالخلاف هل هو من المنطوق أو هو من المفهوم لكنه أولى من المنطوق؟ محل خلاف بين أهل العلم، والشافعية لهم رأي، وأكثر العلماء على أنه من المنطوق بدلالة النطق، فالمنطوق دلالة اللفظ في محل النطق، والمفهوم دلالة اللفظ لا في محل النطق ولو جئنا إلى قوله -جل وعلا-: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} [سورة الإسراء:23] الضرب من دلالة النطق أو لا في محل النطق؟

طالب: .........

إذًا هو مفهوم، طيِّب الضرب مقيس على التأفيف أو ما هو مقيس عليه؟ مقيس عليه إذًا هو قياس الأولى، وهو من مفهوم الموافقة؛ لأن الحكم متفِق بين المنطوق والمسكوت عنه، وعلى كل حال الخلاف لفظي، يعني هم يقولون: إن كلمة أف من لفظها نستدل على أن الضرب لا يجوز من لفظها؛ لأن الآن إذا قيل: لا تضرب زيدًا بالعصا، ثم ضربته بسيف منطوق أم مفهوم؟ الضرب موجود في الموضعين، الضرب موجود في الموضعين، فالنهي عن الضرب يشمل جميع أنواعه وجميع أدواته، وعلى كل حال المسألة الخلاف فيها فيما يبدو لفظي أو قريب منه.

"وكذلك المساوي على التحقيق، فقوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} [سورة الإسراء:23] الآية يُفهم منه من باب أولى حرمة ضربهما، وقوله {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [سورة الزلزلة:7] الآية يُفهم منه من باب أولى أن من عمل مثقال جبل يراه من خير وشر، وقوله {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [سورة الطلاق:2] الآية يُفهم منه من باب أولى قبول شهادة الثلاثة والأربعة مثلاً من العدول، ونهيه -صلى الله عليه وسلم- عن التضحية بالعوراء يُفهم منه من باب أولى النهي عن التضحية بالعمياء، وكذلك.."

وهذا عند الظاهرية ما يمشي، يمنعون التضحية بالعوراء، ويجيزون التضحية بالعمياء، يقولون: العوراء إذا ذهبت مع الغنم يفوتها شيء كثير، جهة ما تشوفها، ولكن العمياء لن تذهب مع الغنم، يؤتى لها بكل شيء، يهيأ لها كل شيء، تأكل وهي في مكانها ما يفوتها شيء، لكن هذا الكلام نظير ما روي عنهم من السخافات التي ذكروها «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» يقول: لو بال بإناء وصبه فيه فما فيه إشكال؛ لأنه ما بال في الماء الدائم، بال في الإناء، وأسوأ من ذلك لو تغوط فيه ما يدخل؛ لأنه ما بال، هذه مما يُلزَم بها الظاهرية، وجاؤوا بأمثلة ليست بعيدة من هذه.

"وكذلك في المساوي، فتحريم أكل مال اليتيم يُفهم منه بالمساواة منع إحراقه وإغراقه، ونهيه -صلى الله عليه وسلم- عن البول في الماء الراكد يُفهم منه كذلك أيضًا النهي عن البول في إناء وصبه فيه، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من أعتق شِرْكًا له في عبد» الحديث يُفهم منه كذلك أن الأمة كذلك، ولا نزاع في هذا عند جماهير العلماء، وإنما خالف فيه بعض الظاهرية، ومعلوم أن خلافهم في مثل هذا لا أثر له، وبذلك تعلم أنه تعالى لما صرح بأن البنات وإن كثرن ليس لهن غير الثلثين علم أن الأخوات كذلك من باب أولى، والعلم عند الله تعالى."

يقول: ومعلوم أن خلافهم في مثل هذا لا أثر له في مثل هذا، يُفهم من كلام الشيخ أن خلافهم في الأبواب الأخرى أنه له أثر، وذكرنا مرارًا أن العلماء يختلفون في خلاف الظاهرية هل هو معتبَر أو غير معتبَر؟ وهل يخرق به الإجماع أو لا؟ والنووي وغيره يذكرون عن جمهور أهل العلم أنهم لا يعتدون بقول داود؛ لأنه لا يرى القياس الذي هو أحد أركان الاجتهاد، ومنهم من يراه معتبَرًا، ومنهم من يفرِّق بين ما إذا كانت المسألة معتمِدة على نص فهم من أهل النص، وإن كانت المسألة معتمدة على رأي وأقيسة فإنه لا عبرة بقولهم، والله أعلم.