شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الحج - 05

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الحج - 05
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الاثنين, 5 ذو الحجة, 1438 - 21:15

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم شرح كتاب الحج ضمن شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع بداية حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء فأهلًا ومرحبًا بكم شيخ عبد الكريم.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: شيخنا -أحسن الله إليك- في الحلقتين الماضيتين أو الثلاث كان الحديث في حديث ابن عباس، وفي إرداف النبي -صلى الله عليه وسلم- للفضل بن العباس، كنا توقفنا في مسألة الحجاب في هذا الحديث، ورؤية الفضل بن العباس للمرأة الخثعمية.

لعلنا نبدأ الحديث في هذه الحلقة عن الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع في هذا الحديث، ثم نستكمل -بإذن الله-.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد تقدم الكلام على استدلال بعضهم بالحديث على جواز كشف المرأة عن شيء من بدنها؛ لأن هذه المرأة الخثعمية وصفت بأنها كانت حسناء جميلة وضيئة، وقالوا: إنه لا يمكن إدراك ذلك إلا بالكشف.

وتقدم الجواب عن هذا من كلام الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- من وجهين، وزدنا أن المرأة كانت مع أبيها، وقد جاء ليعرضها على النبي -عليه الصلاة والسلام- عله أن يتزوجها، وفي مثل هذا المجال قد يبدى شيء من الزينة التي تُرغب في نكاحها، ولما كان النبي -عليه الصلاة والسلام- هو صاحب الشأن المعروضة عليه، والفضل بن العباس ليس له دخل في هذا الموضوع صرفه النبي -عليه الصلاة والسلام-، كما ذكرنا سابقًا في حديث الواهبة أنها وهبت نفسها للنبي -عليه الصلاة والسلام-، فصعد النظر وصوبه، فيجوز النظر إلى المخطوبة، والفضل بن عباس كأنه ترخص في النظر إليها؛ لما رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- ليست له بها حاجة، فتعرض لها ونظر إليها، ونظرت إليه علها أن تقبله.

المقدم: لكن ما يرد إشكال -أحسن الله إليك- في مسألة الخطبة في الحج، ومقدمات الخطبة، أو لم يرد النهي فيها، وإنما كان في النكاح، ومقدمات النكاح فحسب؟

المقصود أن مثل هذا قد يخفى على .. ، أولًا: ليس فيه تصريح بأنها خطبة، لا من قبل أبيها، لم يصرح بأنه يعرضها، ولا النبي -عليه الصلاة والسلام- صرح بخطبتها، أقول: مثل هذه الأمور التي ليس فيها تصريح الممنوع الخطبة، والخطبة بالكلام.

أقول: لما استدلوا بمثل هذا الحديث على جواز الكشف -كشف الوجه-، ولهم أدلة أخرى نذكر منها: قول الله- جل وعلا-: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور 31]، ويستدلون بتفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور 31] قال: وجهها وكفيها والخاتم، هكذا قال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- يقول: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور 31] أي: لا يُظهرْنَ شيئًا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه.

قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني: على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المِقْنعة التي تُجَلِّل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه، الثياب كيف تخفى؟ لا يمكن أن تخفى، الثياب الظاهرة، وقال بقول ابن مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النَّخَعي وغيرهم.

ثم ذكر قول ابن عباس حيث فسر الاستثناء بقوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور 31] قال: وجهها وكفيها والخاتم.

ثم قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "يحتمل أن يكون -يعني قول ابن عباس- تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور 31] قال: الوجه والكفين، فيكون الوجه والكفان في حيز المنهي عن إبدائه، فيتفق قول ابن عباس مع قول ابن مسعود.

قلت: ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عنه عن ابن عباس، قال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور 31] قال ابن عباس: الكف ورقعة الوجه، الآن التفسير للاستثناء أو للمستثنى منه؟ للمستثنى منه، بدليل ما ذكره ابن أبي شيبة عنه قال ابن عباس: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور 31] قال: الكف ورقعة الوجه.

المقدم: مما يعني أن الزينة هنا المراد بها الوجه والكف.

الزينة المنهي عن إبدائها الوجه والكفين.

المقدم: طيب، والمستثنى منه جاء نص عن ابن عباس؟

{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور 31] فيكون الذي لا بد منه كفها.

المقدم: جاء عن ابن عباس؟

ما جاء عن ابن عباس، لكن الآن صار فيه احتمال.

المقدم: لكن لو جاء عن ابن عباس تفسير الزينة بما ظهر من الملابس لانتهى الإشكال؟

انتهى تصير مطابقة، يكون عندنا كلام ابن مسعود صريح، وكلام ابن عباس محتمل، لكن الذي يرجح الاحتمال الثاني فيكون كلامه موافقًا لقول ابن مسعود رواية ابن أبي شيبة.

وروى ابن جرير عن الضحاك في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور 31] قال: الكف والوجه، صار هذا هو الزينة المنهي عن إبدائه الكف والوجه.

وحمل البيضاوي في تفسيره ما روي عن ابن عباس على العورة في الصلاة لا في النظر، قال: فإن كل بدن الحرة عورة، يعني في النظر، أما بالنسبة للصلاة فالوجه والكفان ليسا بعورة.

يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في تفسيره: تفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة الوجه، والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول -يعني المنسوب إلى ابن عباس- فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.

كلام الشيخ -رحمه الله- يقول: تفسير الزينة {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور 31] ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، متصور؟ الآن ما قيل عن ابن عباس أن المستثنى الوجه والكفان، وهذا الذي يتداوله الناس عنه، وقلنا: إن الوجه والكفين بالنسبة لتفسير ابن عباس راجع إلى الزينة نفسها، الزينة هي الوجه والكفان.

المقدم: ويؤيده رواية ابن أبي شيبة.

رواية ابن أبي شيبة.

الشنقيطي -رحمة الله تعالى عليه- يذهب إلى أبعد من ذلك، أن الزينة لا يجوز إبداؤها قدرًا زائدًا على بدن المرأة، التي استثني منها، يعني الزينة لو افترضنا أن عليها ...

المقدم: خلخال مثلًا.

نعم أمور .. ، قدر زائد على ما في الخلقة، عليها ثوب مطرز، يجوز إبداؤه؟

المقدم: أبدًا بناءً على ...

لا يجوز إنما لا بد أن تجلله بشيء يغطي هذه الزينة، فيكون المستثنى ما ظهر من الثوب المجلل.

المقدم: تمام.

أقول: ومما يدل على ذلك -يعني على كلام الشنقيطي- أنه لا تفسر الزينة بشيء من بدن المرأة، ما يدل على ذلك أن الزينة والتزين والتزيين جاء في القرآن الكريم، ورد لما كان خارجًا وقدرًا زائدًا على الأصل، يعني القدر الزائد على الأصل، هل المرأة تتزين بوجهها، أو تزين وجهها بشيء قدر زائد عليه؟

المقدم: قدر زائد.

قدر زائد عليه، ولذا يقول الله -جل وعلا-: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف 31].

المقدم: وهو القدر الزائد.

يقول: خذوا وجوهكم وإلا خذوا ثياب جميلة للمسجد؟ إنما قدر زائد على الخلقة.

المقدم: والأرض ازخرفت ...

تأتي هذه. {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص 79]، {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور 60]، {أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ} [يونس 24] أي: تلونت بالأنوار.

المقدم: وهذا قدر زائد على الأرض.

وهذا قدر زائد على الخلقة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "وأما ما يروى عن ابن عباس فهو يعني الحالة الأولى، وتفسير ابن مسعود يعني آخر الأمرين" يعني كان في أول الأمر كشف الوجه والكفين جائز، وبهذا قال ابن عباس، وعليه يحمل قول ابن عباس، وآخر الأمرين قول ابن مسعود، هذا ما يراه شيخ الإسلام، ويميل إليه الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين، وجمع من أهل العلم، لكن لسنا بحاجة إلى مثل هذا مع ما تقدم.

المقدم: ورواية ابن أبي شيبة تصح.

نعم جيدة، إسنادها جيد.

المقدم: إذًا تكون فصلًا في الغالب.

والضحاك أيضًا نفس التفسير، وهو من كبار المفسرين.

لو سلمنا قول ابن عباس، وأنه لا يحتمل التأويل، وأن هذا رأيه أنه يجوز كشف الوجه والكفين، فهو قول صحابي مخالَف من قبل صحابي آخر، فلا يكون قوله حجة ملزمة، وعلى كل حال كلامه محتمل، وعرفنا ما فيه، فلماذا نذهب إلى قول محتمل، ونترك الأقوال الصريحة؟

من الأدلة قوله -جل وعلا-: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب 53] هذه الآية وإن كان سياقها في نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-، نعم السياق {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ} نساء النبي -عليه الصلاة والسلام-، وبعضهم يخصها، يخص الآية بهن، إلا أن العلة المذكورة طهارة القلوب {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [(53) سورة الأحزاب] يعني هل نساء المؤمنين في غنية عن طهارة القلوب؟

المقدم: أبدًا.

العلة المنصوصة أمامنا إذا وجدت دار معها الحكم، فالعلة المذكورة هي طهارة القلوب عامة شاملة للجميع، وقرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين أن غير أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن، قاله الشنقيطي -رحمه الله-.

قال: وقد تقرر في الأصول أن العلة قد تعم معلولها، وبهذا تعلم أن في هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان أصل اللفظ خاص بهن؛ لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك العلة الذي دل على أن قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب 53] هو علة قوله تعالى: {فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ} وهو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، عموم العلة، الآن إذا اشتركا فرع وأصل في علة يقاس عليه، لكن لا نقول: إن هذا من باب .. ؟ هل نقول: إن هذا من باب القياس تقاس نساء المؤمنين على أمهات المؤمنين ... ؟

المقدم: في كل شيء.

لا، لاشتراكهن في العلة، أو نقول: عموم العلة يتناول نساء المؤمنين كتناوله لأمهات المؤمنين؟ فتكون الآية نص على نساء المؤمنين أيضًا.

المقدم: لكن ما نقول: إنه يشمل نساء المؤمنين من باب أولى العلة عندهن أظهر وأولى؟

يعني بعد الريبة والتهمة عن أمهات المؤمنين؟

المقدم: نعم، فبالتالي يكون أولى لهن.

وغيرهن أقرب منهن؟

المقدم: نعم.

يعني تريد قياس الأولى.

المقدم: الأولى.

أما مسألة عموم العلة وشمولها فهو ظاهر للجميع.

وضابط هذا المسلك مسلك الإيماء والتنبيه يقول الشيخ -رحمه الله-: "وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيبًا عند العارفين".

يعني لو كان هذا الوصف وهو طهارة القلوب لا ارتباط له بالحكم الشرعي يكون عيبًا في الكلام، يعني لو سئل شخص مثلًا هذه مسألة واقعية، قيل له: ما رأيك في الزواج المبكر؟ قال: أرى أنه لا يصلح؛ لأننا في عصر الإنترنت، هذه علته، هل هذه علة مؤثرة في الحكم؟

المقدم: لا، ما لها أي دعوة.

هذا كلام معيب يعني بالفعل.

المقدم: صحيح ما في أي علاقة.

ما فيه أدنى ارتباط، الله المستعان.

الدليل الثالث قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب 59] قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "يقول تعالى آمرًا رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يأمر النساء المؤمنات المسلمات -خاصة أزواجه وبناته لشرفهن".

الآن الأمر للنبي -عليه الصلاة والسلام- أن يقول لأزواجه وبناته على سبيل الخصوص ونساء المؤمنين على سبيل العموم، وهذا من عطف العام على الخاص، للعناية بشأن الخاص، لكن لا يعني أن العام وجوده مثل عدمه، لا، بل هو داخل في الأمر، بأن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية، اللاتي عُرفن بالتبرج، وسمات الإماء، والجلباب هو: الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد هو بمنزلة الإزار اليوم.

وقال الجوهري: الجلباب: هو الملحفة.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة.

أقول: مما يدل على هذا التفسير -يعني تغطية الوجه من جهة الرأس من الجلباب- ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة والبيهقي وغيره من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنه- قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محرمات، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه، يعني عامة أهل العلم على أن إحرام المرأة في وجهها، بل بعضهم يحرم على المرأة أن تغطي وجهها وهي محرمة، فلا يترك مثل هذا الواجب، ويرتكب هذا المحظور إلا لأمر أوجب منه، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه.

المقدم: في قولها: "إحدانا".

إحدانا نعم.

المقدم: تعم النساء؟

نعم.

المقدم: لأنه في إشكال أن يقال: إن هذا خاص بنساء المؤمنين.

"كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

المقدم: الراوي عائشة؟

عائشة، نعم.

المقدم: لكن قولها: "كنا" و"إحدانا" يشمل الجميع.

يشمل الجميع، نعم.

المقدم: لأنه قد يأتي من يقول: بأنه لنساء المؤمنين مثل ما قيل في الدليل الأول.

لكن أجيب عن الدليل الأول، فيدخل هذا تبعه.

المقدم: من باب أولى.

ومن أوضح الأدلة من السنة على وجوب الحجاب للوجه وجميع البدن حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- في قصة الإفك الطويلة المخرجة في البخاري وغيره من دواوين الإسلام، وفيها: لما تخلفت عائشة في البحث عن العقد ونامت.

المقدم: قال: "كنت أعرفها قبل الحجاب".

وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من رواء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، يعني لو كان كشف الوجه جائزًا أو مألوفًا عندهم أو معروفًا تقول مثل هذا الكلام؟

المقدم: أبدًا.

ما يحتاج إليه، ما يحتاج أن تقول قبل الحجاب الآن، تقول: فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، يعني لما قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما يحتمل تأويل؟

المقدم: أبدًا.

ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ... الحديث بطوله.

هذا يرويه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة" وهذه رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فيها مقال عند أهل العلم.

وقال محمد بن سيرين: سألت عَبيدةَ السّلماني عن قوله -عز وجل-: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب 59] فغطى وجهه ورأسه، وأبدى عينه اليسرى.

ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-: "قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} أنهن يسترن جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة تبصر بها" يعني للحاجة وإلا فالأصل ستر الكل "وممن قال به ابن مسعود وابن عباس وعبيدة السلماني وغيرهم".

والشاهد منه قولها: "فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب" وفي قولها: "فخمرت وجهي بجلبابي" ومن الأدلة على ...

المقدم: لكن يرد عليه ما يرد على الأول، ونرد عليه بنفس الرد يا شيخ.

نفس الرد، نعم.

ومن الأدلة على ذلك الأمر برؤية المخطوبة، يعني لو كان كشف الوجه جائز وسائغ، ومألوف عندهم يأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- برؤية المخطوبة؟

المقدم: أبدًا.

فأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- جابرًا بذلك.

روى أبو داود بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها".

لو كان كشف الوجه جائزًا لما عُلق ذلك بالاستطاعة، كل إنسان يستطيع، لو كان جائزًا، لو كان كشف الوجه جائزًا لما علق ذلك بالاستطاعة، ولما احتاج جابر -رضي الله عنه- إلى أن يتخبأ لها، وينظر إليها من غير علمها.

وأما حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: "شهدت العيد"، يعني من أقوى أدلتهم حديث الخثعمية، وأجبنا عنه، حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- وهو في الصحيحين، قال: "شهدت العيد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وأمر بالصدقة، وفيه: فقامت امرأة من سطة النساء، سفعاء الخدين، الحديث متفق عليه.

هذا الحديث محمول على أنها كانت من القواعد، أقول: يعتريه ما يعتريه من الاحتمالات.

المقدم: لكن حدد أي عيد هو؟

كيف؟

المقدم: في الرواية.

سيأتي شيء منه.

يقول: هو محمول على أنها كانت من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، فيباح لها كشف وجهها بالنص، أو أن ذلك قبل نزول الحجاب، فآية الحجاب في سورة الأحزاب سنة خمس أو ست من الهجرة.

المقدم: وصلى قبلها.

وصلاة العيد شرعت قبل ذلك في السنة الثانية من الهجرة، أو أنها كانت جارية أي أمة، والأمة لا يلزمها الحجاب، كما قال السندي وغيره.

نلاحظ أن الأدلة التي يستدلون بها كلها محتملة، وعنها أجوبة.

المقدم: صحيح.

يقول بعضهم: أو أنه انكشف وجهها من غير قصد، ومع هذه الاحتمالات لا تترك الأدلة الصحيحة الصريحة من أجل ذلك، من أجل هذه الأدلة المحتملة.

فيه حديث ترويه عائشة، حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعليها ثياب رقاق -يستدلون به- فأعرض عنها، وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفيه، رواه أبو داود، وقال أبو داود: هذا مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة.

وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود: "وفي إسناده سعيد بن بشير، تكلم فيه غير واحد".

أقول: ومتنه منكر، أسماء بنت أبي بكر ذات النطقين.

المقدم: التقية.

المعروفة الصالحة تدخل على النبي -عليه الصلاة والسلام- ...

المقدم: بثياب رقاق.

بثياب رقاق لا يمكن أن يتصور مثل هذا.

وهو مخالف لما رواه مالك عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر، وهذا الحديث صححه الألباني وغيره، وإسناده صحيح بلا شك عند مالك.

تقول فاطمة بنت المنذر: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر؛ لأنه لو كان هذا من مذهبها، وما نسب إليها ثابتًا، والمحرمة ممنوعة من تخمير الوجه ما ساغ لهم ذلك.

المقدم: شيخنا لعلنا نستكمل ما تبقى -بإذن الله- في حلقة قادمة.

بهذا نصل وإياكم أيها الإخوة إلى ختام هذه الحلقة في شرح كتاب الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

بقي بعض المسائل فيما يتعلق بهذا الحديث -بإذن الله- نستكملها في حلقة قادمة، وأنتم على خير.

شكرًا لطيب متابعتكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.