شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 09

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 09
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.   

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لازلنا في باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا في حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-، أشرنا في الحلقة الماضية إلى مجموعة من المسائل حول هذا الحديث، لعلنا نستكمل ما تبقى أحسن الله إليكم. 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

في ذِكر الخلاف –خلاف أهل العلم – في مفاد الحديث، الحديث دلالته ظاهرة في أن من أكل أو شرب ناسيًا أن صيامه صحيح، والعلة منصوصة «فإنما أطعمه الله وسقاه».

في شرح ابن بطال يقول: قال ابن المنذر: اختلف العلماء في الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، فقالت طائفةٌ: لا شيء عليه. رُوّينا هذا القول عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وعطاء، وطاووس، والنخعي، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق احتجاجًا بهذا الحديث.

وقالت طائفةٌ: عليه القضاء. هذا قول ربيعة، ومالك، وسعيد بن المسيب، واحتج له ربيعة فقال: ما نعلم ناسيًا لشيءٍ من حقوق الله وهو عائدٌ له.

المقدم: وهو عائد.

احتج له ربيعة فقال –هذا كلام ابن بطال نقلًا عن ابن المنذر – قال: احتج له ربيعة، ربيعة شيخ الإمام مالك؛ لأنه قد يقول قائل: هؤلاء الطائفة الذين قالوا عليه القضاء، ما الفرق بين المتعمِّد والناس إذا كان الناسي عليه القضاء؟ ولماذا يُكلف الناسي بالقضاء وقد رُفع النسيان؟ {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286].

يقول ربيعة: ما نعلم ناسيًا لشيء من حقوق الله إلا وهو عائدٌ له، نسي الصلاة، هل يستطيع أن يقول: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} ويترك ما نسي؟ «إذا نام أحدكم عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».

المقدم: لكن النسيان يرفع الإثم هنا فقط.

هو يرفع الإثم مطلقًا، لكن لماذا لم يرفع الصلاة؟ هو يرفع الصيام هنا.

المقدم: لأنه ترك الصيام يا شيخ هنا.

ترك ركنه الذي هو الإمساك عن الأكل والشرب كما لو ترك ركنًا من أركان الصلاة مثلًا.

المقدم: لكن لو نسي ركنًا ثم استمر في الصلاة ولم يذكره، هل تبطل صلاته؟

صلاته حكمًا باطلة، لابد من الإتيان به إذا ذكره، إذا ذكره لا بد من الإتيان به. إذا ذكر الصيام يعيد أو ما يعيد؟

المقدم: إذا ذكر الصيام يمسك.

انظر كلام ربيعة، يقول: احتج ربيعة فقال: ما نعلم ناسيًا لشيء من حقوق الله إلا وهو عائدٌ له.

قال ابن القصّار: والأكل منافٍ للصوم، وقد تقرر أنه لو أكل وعنده أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع، أن عليه القضاء، كذلك إذا وقع في خلال الصوم ولا فرق بين أن يظن أنه يأكل قبل الفجر أو يظن أنه يأكل في يومٍ من شعبان أو شوال أن عليه القضاء.

يقول: الأكل منافٍ للصوم؛ لأن عمدة الصيام الإمساك، فالإتيان بما يناقضه تمام المناقضة مخل، هذا كلامهم.

قال ابن القصار: والأكل منافٍ للصوم، وقد تقرر أنه لو أكل وعنده أن الفجر لم يطلع –ناسيًا، يعني: يغلب على ظنه أن الفجر لم يطلع – وكان قد طلع، أن عليه القضاء، كذلك إذا وقع في خلال الصوم ولا فرق بين أن يظن أنه يأكل قبل الفجر أو يظن أنه يأكل في يومٍ من شعبان أو شوال أن عليه القضاء، وهو في الحقيقة في رمضان.

قال ابن المنذر: وحجة القول الأول قوله -عليه السلام- فيمن أكل أو شرب ناسيًا أنه يتم صومه، وغير جائزٍ أن يأمر مَن هذه صفته أن يتم صومه فيُتمه ويكون غير تام، هذا يستحيل، وإذا أتمه فهو صومٌ تامٌّ، ولا شيء على مَن صومه تام.

لكن قد يقول أصحاب القول الثاني الذين يوجبون القضاء، يقول: من أكل أو شرب ناسيًا يتم صومه، ومن أكل أو شرب عامدًا يفطر ولا يتم صومه؟

المقدم: المفروض أنه يتم صومه.

يتم صومه، يلزمه الإمساك، وما الفرق بين من أمرناه بالقضاء لأنه أكل عمدًا وقد قيل له: أتم صومك، ومن أكل أو شرب ناسيًا وقيل له: أتم صومك؟

المقدم: الفرق في الإثم يا شيخ.

ما فيه إثم على الناسي.

المقدم: نعم.

لكن هل عليه قضاء أو ما عليه؟

المقدم: لكن هنا يكون الفرق بينه وبين العامد يبدو لي فقط، يعني الجميع سيتم.

الفرق بينهما في الإثم بلا إشكال، هذا أفطر متعمدًا لم يقضه صيام الدهر وإن صامه، إن صح الخبر، وهذا أكل أو شرب ناسيًا ما عليه إثم، لكن هل للنسيان والذكر أثر في القضاء وعدمه؟

المقدم: على الرأي الأول؟

قال ابن المنذر: وحجة القول الأول قوله -عليه السلام- فيمن أكل أو شرب ناسيًا أنه يتم صومه، وغير جائزٍ أن يأمر مَن هذه صفته أن يتم صومه فيُتمه ويكون غير تام، هذا يستحيل، وإذا أتمه فهو صومٌ تامٌّ ولا شيء على مَن صومه تام.

إذا أكل أو شرب عامد قلنا له: أتم صومك، لا تأكل. ظاهر أم ليس بظاهر؟

المقدم: ظاهر يا شيخ، يعني أنت الآن ترد على هذا القول؟

على هذا القول؛ لأنه مسألة إتمام، قد يؤمر بالإتمام؛ لأن صومه تام، وقد يؤمر بالإتمام احترامًا للوقت.

المقدم: كما جاء الأمر بإتمام الحج والعمرة.

والحديث محتمل «فليتم صومه» يعني: فليمسك.

المقدم: مثل الأمر بإتمام الحج والعمرة لمن أفسده يُلزم بالحج في السنة القادمة.

قال ابن بطال: فعارض هذا أهل المقالة الثانية، فقالوا: أنا قوله: «فليتم صومه» فمعناه أنه لما كان قبل أكله داخلًا في الصوم جاز أن يقال له تتم صومك الذي كنت دخلت فيه، وعليك القضاء لأنك مفطر، قاله ابن القصار.

وقال المهلب: معنى قوله: «فإن الله أطعمه وسقاه» إثبات عذر الناسي، وعلةٌ لسقوط الكفارة، وأن النسيان لا يرفع نية الصوم التي بيَّتها، فأمره -عليه السلام- بإتمام العمل على النية، وأسقط عنه الكفارة؛ لأنه ليس كالمنتهك العامد، ووجب عليه القضاء بنص كتاب الله تعالى، وهو قوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184]، ظاهر كلامه أم ليس بظاهر؟

المقدم: يعني الأول ظاهر، لكن.

يعني الذي يسمع الحديث لأول مرة يستشكل مثل هذه الاستشكالات؟

المقدم: ما يستشكلها إلا لما أُثيرت.

ومثل ذلك كثرة الإشكالات تولد إشكالات أخرى، ومر بنا أمثلة كثيرة جدًّا، فالنصوص الإيغال في القيل والقال فيها لاسيما الكلام غير المبني على أدلة ولا قواعد يزيدها إبهامًا، فالكلام الذي لم يُبنَ على قواعد ولا على أدلة يعني: مجرد احتمالات عقلية هذه لا يُلتفت إليها.

يقول: فإن قيل: إنه لم ينقل في الحديث القضاء فلا قضاء عليه. قيل: يجوز ألا يُشكل القضاء على السائل أو ذكره ولم يُنقل، كما لم يُنقل في حديث الذي وطئ أهله في رمضان القضاء عليه ولا على امرأته، فلا تعلق لهم بهذا.

كونه ما نُقل لا يعني أنه لم يثبت؛ لأنه ثبت في أدلة أخرى، والحكم إذا ثبت بدليل ولو لم يُنقل في الأدلة الأخرى تكفي الأدلة السابقة.

المقدم: بقي شيء في الخلاف؟ لأن عندي سؤالًا فيما مضى إذا كان ممكنًا يا شيخ.

هو الكلام ما انتهى بعد.

قال ابن القصار: وليس معكم أن قوله -عليه السلام-: «فإن الله أطعمه وسقاه» كان في رمضان، فيُحمل الحديث على صوم التطوع، وأنه يكون بذلك مفطرًا ولا قضاء عليه.  

يعني: في صوم التطوع، أما في صوم الواجب فلا بد من القضاء.

المقدم: هذا سؤالي لو تكرمتم يا شيخ، أصحاب مالك الآن –رحمه الله–، مالك منصوص عنه أنه يرى فساد الصوم وعليه القضاء.

نعم.

المقدم: بينما أصحابه يفرقون بين الفرض والنفل، على أي أساس كان هذا التفريق مع أن النص واحد الذي بنى عليه مالك وأصحابه –رحم الله الجميع–.

مالك بناه على أنه في رمضان.

المقدم: يعني الحرمة للشهر وليس للفرض نفسه؟

على أنه في رمضان، وصيام رمضان فرض، وهؤلاء حملوا هذه القصة التي لم يُذكر فيها القضاء على أنها في النفل، والنفل لا يلزم فيه القضاء.

المقدم: لكن الفرض في رمضان وغير رمضان، هل حكم مالك فيه سواء لو كان عليه قضاء أو نذر؟

الواجب نعم، الحكم واحد.

المقدم: إذًا ليس مقصود مالك أنه من أجل حرمة رمضان؛ لحرمة الفرض.

لا لا، أفطر خلاص، أكل يعني: أفطر، أكل يساوي أفطر في أي صيامٍ كان حتى في النفل.

المقدم: لماذا فرقوا إذًا؟

من منهم؟

المقدم: أصحابه.

أصحابه قالوا: إن النفل لا يلزم بقضائه، والفرض لابد من قضائه، والقصة في النفل فلم يؤمر بقضاء، ولو كانت في فرض لقيل له: صم يومًا مكانه، هذا مجرد جواب عن الحديث، يعني: جواب عن ظاهر الحديث.

قال ابن حجر: وأجاب بعض المالكية بحمل الحديث على صوم التطوع كما حكاه ابن التين عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القصار، واعتل بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان، فيُحمل على التطوع.

وقال المهلب وغيره: لم يُذكر في الحديث إثبات القضاء، فيُحمل على سقوط الكفارة عنه، وإثبات عذره، ورفع الإثم عنه، وبقاء نيته التي بيَّتها.

كيف تبقى النية التي بيَّتها وقد أبطل الصيام؟ كيف؟ قال المهلب وغيره: لم يُذكر في الحديث إثبات القضاء، فيُحمل على سقوط الكفارة عنه، وإثبات عذره، ورفع الإثم عنه، وبقاء نيته التي بيَّتها. 

المقدم: هو بيَّت الصيام واستمر.

لكنه أبطله بالأكل والشرب.

المقدم: لكنه كان ناسيًا، ليس إبطال نية، استمر جزءًا من النهار صائمًا.

يعني: ما يبطل النية إلا نية نقضها، نية الإفطار، وهذا ما نوى الإفطار. طيب، ما الذي تفيده استمرار النية مع وجوب القضاء عليه؟

إذًا الفرق عندهم بين المتعمد والناسي: الفرق أن هذا آثم وهذا غير آثم، هذا تلزمه الكفارة، المتعمد بالأكل والشرب تلزمه الكفارة، والناسي لا كفارة عليه؛ ولذلك فيُحمل على سقوط الكفارة عنه، وإثبات عذره، ورفع الإثم عنه، وبقاء نيته التي بيَّتها.

قال ابن حجر: والجواب عن ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدراقطني من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ: «من أفطر في شهر رمضان» –حتى ما يقول أحد إنه نفل – «من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة».

فعيَّن رمضان وصرَّح بإسقاط القضاء، ثم هو موافقٌ لقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة:225]، فالنسيان ليس من كسب القلب وموافقٌ للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه فكذلك الصيام.

الآن ترجح بهذا الحديث رأي الجمهور.

قولهم: "ما نعلم ناسيًا لشيء من حقوق الله إلا وهو عائدٌ له" يُفرقون بين النسيان في الترك والنسيان في الفعل.

المقدم: النسيان في الترك لابد أن يعود إليه.

لابد أن يعود إليه مثل ما قال: إلا وهو عائدٌ له، "ما نعلم ناسيًا لشيء من حقوق الله إلا وهو عائدٌ له" كلام ربيعة، هو يريد أن يطرده في الفعل والترك.

نقول: القاعدة المقررة "أن النسيان ينزِّل الموجود منزلة المعدوم، ولا ينزِّل المعدوم منزلة الموجود" وضربنا لهذا بالصلاة. إذا صلى الظهر خمسًا ناسيًا صلاته باطلة أم صحيحة؟

المقدم: صحيحة.

صحيحة، ولو صلى الظهر ثلاثًا فلا بد أن يأتي بهذه الركعة ولو كان ناسيًا.

المقدم: والمعدوم هنا ركعة؟

نعم.

هنا مسألة وهي: من رأى شخصًا يأكل أو يشرب ناسيًا، ما الواجب تجاهه؟

المقدم: هل يتركه لأنه سمع في النص «فإنما أطعمه الله وسقاه»؟

فلا يحرمه من هذا الطعام التي أطعمه الله إياه، أو يُنكر عليه؟ ينبهه لأن هذا منكر، ظاهره منكر. انتهاك لحرمة الشهر وإفطار في رمضان هذا لا شك أنه منكر عظيم.

المقدم: صحيح، فهذا هو الأصل في حق من رآه.

نعم، من رآه ليس له إلا الظاهر فعليه أن يُنكر عليه، فعليه أن ينبهه وينكر عليه.

المقدم: والإنكار هنا بالتذكير بأنك في رمضان؟

نعم، بالأسلوب المناسب. يعني لا يقول: لماذا تأكل في نهار رمضان يا كذا، يا كذا، لا.

المقدم: يُذكره، يقول: ترانا صائمين، ترانا.

نعم.

المقدم: لأنه من المحتمل وهذا وارد جدًّا أن يكون ناسيًا، مادام مسلمًا وفي بلد مسلمين.

مادام الاحتمال قائمًا فلا يبادَر بالتغليظ والتشديد، لكن إذا أصرَّ وعاند، قيل له: هذا رمضان. قال: أنا لا أصوم لا في رمضان ولا في غيره، أو رد عليه برد قبيح، هذا يعامل معاملة أخرى.

المقدم: الآن يعني مثل المملكة –بحمد الله– يصدر سنويًّا أمر من وزارة الداخلية كما لا يخفى على الجميع بمنع المجاهرة بالأكل أو الشرب في نهار رمضان.

حتى من غير المسلمين.

المقدم: نعم، يؤكَّد على هذا سنويًّا، ويصدر في هذا أمر.

لا شك أنهم يشكرون على هذا، وإلا لصار هناك ذريعة لمن يأكل ويشرب ويزعم أنه: إما أنه غير مسلم، أو مسافر، أو شيء من هذا، حتى المسافر ما يأكل.

المقدم: صحيح.

والمطاعم ما تُفتح ولا شيء.

في الحديث لطف الله –جل وعلا– بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم، وإلا لو يؤاخذ الناس لكان في هذا أشد الحرج عليهم، لاسيما في الأيام الأولى من رمضان؛ الإنسان ما تعود على الصيام، يشرب، ويأكل مرة مرتين ثلاثًا كما سيأتي في خبر أبي هريرة.

المقدم: والأشخاص الذين أول مرة يبدؤون في الصيام من صغار.

انظر من المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار أن إنسانًا جاء إلى أبي هريرة فقال: أصبحت صائمًا فنسيت فطعمت. قال: لا بأس. قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت وشربت. قال: لا بأس، أطعمك الله وسقاك، ثم قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت. فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام.

هذا يحصل كثيرًا بالنسبة لمن لم يتعود الصيام لاسيما في الأيام الأولى من رمضان.

أخرج الإمام أحمد لهذا الحديث سببًا من طريق أم حكيم بنت دينار.

المقدم: حديثنا هذا حديث أبي هريرة يا شيخ، أو حديث القصة؟

لا، حديث الباب.

روى الإمام أحمد لهذا الحديث سببًا فأخرج من طريق أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق: أنها كانت عند النبي –صلى الله عليه وسلم– فأتي بقصعة من ثريد فأكلت معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمة، فقال لها ذو اليدين: الآن بعدما شبعتِ؟ فقال لها النبي –صلى الله عليه وسلم–: «أتمي صومكِ، فإنما هو رزقٌ ساقه الله إليكِ». وفي هذا ردٌّ على من فرَّق بين قليل الأكل وكثيره.

من أهل العلم من يفرق بين القليل والكثير، يقول: القليل يمكن أن يُنسى، لكن يأكل وجبة كاملة بنصف ساعة ولا يتذكر أنه صائم؟ يقول: هذا لا يُتصور.

المقدم: وهو الحقيقة ما يتصور ترى يا شيخ، ممكن يتصور؟

والله هذا على حسب اهتمام الشخص في عباداته، يعني: كما يتصور غفلة الإنسان عن صلاته من دخوله إلى خروجه منها يُتصور مثل هذا، يعني: تغطية القلب بما ران عليه من الغفلة والتخليط في المطعم وما أشبه ذلك، يوجد مثل هذه الأمور، كون الإنسان قلبه ما تعلق بعبادة، يكثر معه مثل هذا.

هذا الحديث خرَّجه الإمام البخاري في موضعين:

الأول: هنا في كتاب الصوم في باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا.

قال –رحمه الله –: حدثنا عبدان قال: أخبرنا يزيد بن زريع قال: حدثنا هشام قال: حدثنا أبو سيرين، عن أبي هريرة –رضي الله عنه– عن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال.. فذكره. والمناسبة ظاهرة، مناسبة الحديث للترجمة ظاهرة.

والموضع الثاني: في كتاب الأيمان والنذور، بابٌ إذا حنث ناسيًا في الأيمان..، بابٌ إذا حلف ناسيًا في الأيمان وقول الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} [الأحزاب:5]، وقال: {لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} [الكهف:73].

قال –رحمه الله–: حدثني يوسف بن موسى، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني عوف عن خلاس ومحمد عن أبي هريرة –رضي الله عنه– قال: قال النبي –صلى الله عليه وسلم–: «من أكل ناسيًا وهو صائم فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه».

في كتاب الأيمان والنذور: إذا حنث ناسيًا يعني: حلف ألا يأكل فأكل ناسيًا، هل نقول: إنه امتناع عن الأكل واجب لأنه حلف، وانتهاكه لهذا الواجب نسيانًا مثل انتهاكه لشهر رمضان نسيانًا؟

المقدم: نعم.

فالمناسبة حينئذٍ؟

المقدم: ظاهرة؛ لأن مجرد نيته بالصيام عقدٌ بعبادة مثل اليمين.

مثل اليمين، يعني: هذا مُنع شرعًا، وهذا منع نفسه، هذا الفرق. يعني: هذا وجب عليه بأصل الشرع.

المقدم: وهذا بإيجاب نفسه على نفسه.

نعم، حتى لو نذر أن يصوم فأكل ناسيًا دخل، أو حلف أن يصوم دخل في كتاب الأيمان والنذور، فالمطابقة للحديث ظاهرة. والبخاري –رحمه الله– يعني مَن يتفطن لمثل هذا، أن يُدخل مثل هذا الحديث في الأيمان والنذور؟! فهذا من دقته.

المناسبة في أصل العذر بالنسيان، فإذا نسي وأكل بعد أن حلف أن لا يأكل مثل ما لو نسي وأكل في رمضان، وقل مثل هذا لو نسي ففعل: حلف أن لا يفعل كذا ففعل، أو حلف أن يفعل فنسي الفعل، الفرق بينهما؟

المقدم: إذا حلف أن يفعل؟

فلم يفعل؛ نسي الفعل، يحنث أم ما يحنث؟

المقدم: والثانية حلف أن لا يفعل، ففعل؟

نعم.

المقدم: وما الفرق بينهما يا شيخ؟ يعني مادام حلف..

نسي أن يفعل: إذا كان هذا مما يفوت اتفقا، وإن كان وقته موسَّعًا فالوقت أمامه.

المقدم: فعليه أن يفعل.

عليه أن يفعل متى ذكر، لكن إذا كان يفوت هذا مثل ما لو حلف أن لا يفعل.

المقدم: أحسن الله إليكم ونفع بعلمكم، لعلنا نكتفي بهذا على أن نبدأ الحلقة القادمة بإذن الله بحديث أبي هريرة الطويل؛ ليكون موضوع الحلقات القادمة بإذن الله.

شكر الله لكم فضيلة الدكتور على ما تفضلتم به، شكرًا لكم أنتم أيها الإخوة والأخوات كنا وإياكم مع حلقةٍ من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

لقاؤنا بكم بإذن الله تعالى يتجدد في حلقةٍ قادمة وأنتم على خير، شكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.