شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 16

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 16
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.   

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لازلنا في حديث أبي هريرة– رضي الله عنه–  في باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيءٌ فتُصدِّق عليه فليُكفِّر، الحديث أخذنا فيه قرابة السبع حلقات، فضيلة الدكتور هل هذه الإطالة لسر معين في هذا الحديث ونحن أطلنا فيه كثيرًا، أحسن الله إليك.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا الحديث حديثٌ عظيم له شأن عند أهل العلم أطالوا فيه النفس، حتى قال بعضهم: إنه استُنبط من الحديث أكثر من ألف فائدة، تأتي الإشارة إلى مثل هذا أو إلى شيء من هذا؛ ولذلك مازلنا فيه ولا نزال، يمكن أن يحتاج إلى أكثر من حلقة، نحتاج إلى حلقات لننهي الكلام عليه باختصار، ولو بسطنا القول فيه لاحتاج إلى رمضان كامل وقد لا يكفيه، لكن نجمع بين أطراف مقاصد جمل الحديثـ ونقتصر على بعض ما قاله أهل العلم في شرحه، ولعل السامع يخرج بفائدة.

أما مجرد الكلام على الألفاظ بسرعة أو شيء من الفوائد على الطريقة المدرسية التي يسلكها المدرسون، مثل هذه قد لا يستفيد منها طالب العلم كثيرًا، يستفيد توضيح المعاني وبعض الأحكام، لكن الطريقة التي تُرتضى لطالب العلم ويُربى عليها طالب العلم لفهم السنة ولفهم النصوص عمومًا لا بد لشيء من البسط. وأيضًا كلام أهل العلم فيه شيء من الغموض في بعضه، يحتاج إلى شيء من الإيضاح، وهذا هو الذي يضطرنا إلى التفصيل.

في آخر الحلقة السابقة ذكرنا أن بعض العلماء قال: إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت الشدائد تكون بالإطعام، يعني تختلف باختلاف الأوقات، فوجهة نظر من قال بهذا القول: أن الكفارة إنما هي لنفع من وقع في المعصية وتطهيره، ونفع غيره بها؛ ولذا شُرع العتق فيها وشُرع الإطعام من الخصال المتعدية، وأما الصوم فهو لازم لكنه نافع مربٍّ للمخالف، يربي المخالف.

تختلف باختلاف الأوقات، وبعضهم يرى أنها تختلف باختلاف الأشخاص، فمن الناس من يؤمر بالصيام، ومنهم من يؤمر بالعتق، ومنهم من يؤمر بالإطعام؛ لأنه أنكى له؛ لئلا يعود إلى مثل ما ارتكب.

المقدم: ما فائدة الترتيب هنا، أو هذا هو الحكم العام؟

لا، هذا هو الأصل ولا يجوز تعديه، ولا مجال للاجتهاد في مثل هذا، لكن تُساق مثل هذه الأقوال للرد عليها، أصل الحديث جاء بالترتيب.

المقدم: لكن لو أوردنا المشكلة التي تفضلت بها في حلقة ماضية: لو أن ملكًا أو أميرًا.

وأُفتي.

المقدم: أُفتي به، يعني وقع هذا؟

وقع هذا، وجامع زوجته في رمضان فأفتاه المفتي بأن يصوم شهرين متتابعين. قيل له: الترتيب. قال: لو قيل له يعتق لوطئ كل يوم؛ سهل، لكن ما تُعارَض النصوص بمثل هذه الاجتهادات، وهذا من الاجتهاد الخاطئ عند أهل العلم.

بعضهم فرَّق بين الإفطار بالجماع والإفطار بغيره، وجعل الإفطار بغير الجماع يُكفر بالإطعام لا غير. وقال ابن دقيق العيد: وهذا أقرب في مخالفة النص من الأول؛ لأن الكفارة تختلف، أو أنه لا ترتيب البتة كما هو معروف عند المالكية أنها للتخيير فضلًا عن كونها بالإطعام فقط لا غير كما ذُكر عن مالك في المدونة، وهذا مضى الكلام فيه.

يقول: فرَّق بعضهم بين الإفطار بالجماع والإفطار بغيره، وجعل الإفطار بغيره يُكفَّر بالإطعام لا غير.

يعني: الإفطار بالجماع يُكفَّر بالعتق والصيام، وأما الإفطار بغير الجماع يُكفَّر بالإطعام؛ لأنه جُعِل الإطعام في مقابل الفطر في مواضع فيكون بدلًا عنه في هذا الموضع، لكن هذا على قول من يقول بأن من أكل عامدًا أو شرب عامدًا عليه القضاء والكفارة، وهو معروف من مذهب الإمام مالك، تقدم الكلام فيه، وأما على قول غيره لا يرِد مثل هذا الكلام.

من أفطر بغير الجماع ليس عليه سوى القضاء، التوبة والاستغفار؛ لأنه أتى أمرًا عظيمًا.

المقدم: والقضاء.

والقضاء لابد منه، هل منه بُد؟!

ومن أقوى ما يُستدل به لمالك حديث عائشة فإنه لم يقع فيه سوى الإطعام.

حديث عائشة في قصة من وقع على زوجته في رمضان لم يقع فيه سوى الإطعام، لكن القصة كما قال ابن حجر: واحدة، وقد حفظها أبو هريرة وقصَّها على وجهها، وأوردتها عائشة، مختصرة أشار إلى هذا الطحاوي.

المقدم: يعني يُفهم منه أن عائشة عندما قالت الإطعام باعتبار أنه.. هي الكفارة التي لزمته فقط، لما أخذ المكتل ذهب يتصدق به، كأنها فهمت هذا؟

نعم، فهمت أن هذه الكفارة بالنسبة لهذا الرجل.

والظاهر أن الاختصار من بعض الرواة. وقد ورد من وجهٍ آخر– يعني حديث عائشة– ذُكر فيه العتق أيضًا، والحديث دليلٌ على أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب المذكور. قال ابن العربي في عارضة الأحوذي: اختلف علماؤنا فيه، والصحيح عن مالك التخيير، والصحيح في الدليل الترتيب؛ لأن النبي– صلى الله عليه وسلم– رتب له ونقله من أمرٍ بعد عدمه وتعذر استطاعته إلى غيره فلا يكون فيه تخيير.

ماذا قال في الحديث؟ «هل تجد رقبةً تعتقها؟». قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟». قال: لا. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟».

ولذا يقول ابن العربي: اختلف علماؤنا–يعني: المالكية– فيه، والصحيح عن مالك التخيير، والصحيح في الدليل: الترتيب؛ لأن النبي– صلى الله عليه وسلم– رتب له، ونقله من أمرٍ بعد عدمه وتعذر استطاعته إلى غيره فلا يكون فيه تخيير، لكن القاضي عياض في إكمال المُعلِم قال: ليس في قوله: «هل تستطيع؟» دليلٌ على الترتيب كما ظهر المخالف، ولا هو ظاهرٌ في ذلك ولا نص، وهذه الصورة في السؤال تصح في الترتيب وغير الترتيب، وإنما يقتضي ظاهر اللفظ البداية بالأولى وهو محتملٌ للتخيير، وبهذا نقول، انتهى.

يعني لماذا بدأ بالعتق؟ لأنه أسرع في إبراء الذمة.

المقدم: ما فيه تأخر.

لأنه أسرع في إبراء الذمة لا لأنه لا يجزئ غيره، أقول: للمالكية أن يقولوا بمثل هذا.

وقرر ابن المنيِّر في الحاشية: بأن شخصًا لو حنث فاستفتى، فقال له المفتي: أعتق رقبة. فقال: لا أجد. فقال: صم ثلاثة أيام إلى آخره لم يكن مخالفًا لحقيقة التخيير، بل يُحمل على أن إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفارة يعني: أسرع في إبراء الذمة.

لكن البيضاوي قال: ترتيب الثاني بالفاء على فقد الأول، ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني يدل على عدم التخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السؤال فيُنزّل منزلة الشرط للحكم.

ما معنى هذا الكلام؟ يقول: ما في حادثة قبل هذه بالنسبة لمن وطئ في نهار رمضان، فمثل هذا يحتاج إلى بيان وهو وقت حاجة، ولم يكن بيانٌ قبل هذا، فترتيب الثاني على الأول بالفاء، والثالث على الثاني بالفاء يدل على عدم التخيير؛ لأن الفاء تدل على الترتيب.

مع كونها في معرض البيان وجواب السؤال فيُنزَّل منزلة الشرط للحكم.

كأنه قال: فإذا كان الأمر كذلك يعني: لم تجد رقبة فأعتق، أو فإن كان الأمر كذلك فصم شهرين، وإن كان الأمر كذلك يعني: لم تستطع الصيام فأطعم ستين مسكينًا.

ودليل مالك– يعني: على القول بالتخيير– ما رواه هو في الموطأ عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله– صلى الله عليه وسلم– أن يُكفِّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا. فقال: لا أجد. فأوتي النبي– صلى الله عليه وسلم– بعرق تمر.. إلى آخره.

(أو) هذه للتخيير، الإمام مالك استدل بهذا.

قال ابن حجر: سلك الجمهور في ذلك..

يعني: رواية مالك مع رواية البخاري، يعني رواية مالك صحيحة، ورواية الإمام البخاري تدل على الترتيب، ورواية الإمام مالك مع صحتها تدل على التخيير.

كيف نوفق بين رواية الإمام مالك مع رواية البخاري؟

يقول ابن حجر: سلك الجمهور في ذلك مسلك الترجيح بأن الذين رووا الترتيب عن الزهري أكثر ممن روى التخيير، وتعقبه ابن التين: بأن الذين رووا الترتيب ابن عيينة، ومعمر، والأوزاعي، والذين رووا التخيير مالك، وابن جريج، وفليح بن سليمان، وعمرو بن عثمان المخزومي. 

الذين رووا الترتيب مَن؟ ابن عيينة، ومعمر، والأوزاعي، والذين رووا التخيير مالك، وابن جريج، وفليح بن سليمان، وعمرو بن عثمان المخزومي، صاروا أكثر.

ابن حجر يقول بأن الذين رووا الترتيب عن الزهري أكثر ممن روى التخيير، ابن التين ذكر ممن روى الترتيب ثلاثة وممن روى التخيير أربعة.

يقول ابن حجر: وهو كما قال في الثاني–نعم رووا التخيير أربعة دون الأول–يعني: ليسوا ثلاثة فقط–، فالذين رووا الترتيب في البخاري الذي نحن في شرحه أيضًا: إبراهيم بن سعد، والليث بن سعد، وشعيب بن أبي حمزة، ومنصور.

يعني: إذا أضفنا هؤلاء، كم؟ أربعة مع الثلاثة صاروا سبعة في مقابل أربعة.

 ورواية هذين في الباب الذي نشرحه وفي الذي يليه، فكيف غفل ابن التين عن ذلك وهو ينظر فيه؟ كيف غفل ابن التين عن ذلك، وهو في الباب الذي يشرحه وينظر فيه؟ يعني: يحصر من روى الترتيب في ثلاثة مع أن الأربعة ورد بعضهم، ورد اثنان منهم في الكتاب الذي يشرحه ولا شك أن هذه غفلة من ابن التين.

بل روى الترتيب عن الزهري كذلك تمام ثلاثين نفسًا أو أزيد، ورُجح الترتيب أيضًا بأن راويه حكى لفظ القصة على وجهها، فمعه زيادة علمٍ من سورة الواقعة، وراوي التخيير حكي لفظ راوي الحديث فدل على أنه من تصرف بعض الرواة إما لقصد الاختصار أو لغير ذلك.

ويترجح الترتيب أيضًا بأنه أحوط؛ لأن الأخذ به مجزئ– الأخذ بالترتيب مجزئ اتفاقًا بخلاف الأخذ بالتخيير– ويترجح الترتيب أيضًا بأنه أحوط؛ لأن الأخذ به مجزئ سواء قلنا بالتخيير أو لا بخلاف العكس. وجمع بعضهم بين الروايتين كالمهلب والقرطبي بالحمل على التعدد.

يعني: تعدد القصة، يعني في قصةٍ بالتخيير، وفي قصة بالترتيب.

قال ابن حجر: وهو بعيد؛ لأن القصة واحدة والمخرج متحد، والأصل عدم التعدد.

وقال ابن دقيق العيد: ومما يقوي التخيير مع وجود (أو) ما جاء في حديث كعب بن عجرة من قول النبي– صلى الله عليه وسلم–: «أتجد شاة؟».

كعب بن عجرة وهو محرم آذاه هوام رأسه، القمل يتناثر على وجهه، فلما رآه النبي– عليه الصلاة والسلام– قال له. 

المقدم: احلق رأسك.

نعم، قال له: «أتجد شاة؟». فقال: لا. قال: «فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين».

«أتجد شاة؟». فقال: لا. قال: «فصم»، هذا يدل على ماذا؟ على الترتيب مع أنه في الحقيقة لا ترتيب.

ولا ترتيب بين الشاة والصوم والإطعام، وتخيير الفدية ثابتٌ بنص القرآن {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196].

يعني: في قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}[البقرة:196]،  مع أنه في الحديث: «أتجد شاةً؟» قال: لا، قال: «فصم ثلاثة أيام». فهذا يقوي قول مالك، لكن الجمهور على أنها للترتيب، وحديث الباب ظاهر في ذلك.

قوله: فمكث عند النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كذا هنا بالميم والكاف المفتوحة، ويجوز ضمها والثاء المثلثة، مكثَ، نظير ذلك: صَلِحَ وصلُحَ، يجوز الضم، لكن ..

المقدم: الفتح أشهر.

بلا شك في مكث وفي صلح. وفي رواية أبي نعيم: فسكت، بالمهملة والكاف المفتوحة والمثناة، وفي رواية: فقال له النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اجلس» فجلس.

قوله: فبينا نحن على ذلك. وفي رواية: بينما هو جالس كذلك. قال ابن حجر: قال بعضهم: يحتمل أن يكون سبب أمره له بالجلوس، مثل الروايات السابقة: «اجلس» يحتمل أن يكون سبب أمره له بالجلوس انتظار ما يوحى إليه في حقه، ويحتمل أنه كان عرف أنه سيؤتى بشيء بعينه، كان النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- منتظرًا شيئًا، أو أنه ينتظر الوحي في أمر هذا السائل.

ويحتمل أن يكون أسقط عنه الكفارة بالعجز وهذا الثالث قال ابن حجر: ليس بقوي؛ لأنها لو سقطت ما عادت عليه، حيث أمره بها بعد إعطائه المكتال، ماذا قال لما جاء المكتال؟

المقدم: «أين السائل؟».

«أين السائل؟» فقال له: أنا، فقال: «خذ هذا فتصدق به» يعني: لو أسقطها عنه ما قال: «فتصدق به» ولهذا يقول ابن حجر: يحتمل أن يكون أسقط عنه الكفارة بالعجز، وهذا الثالث ليس بقوي؛ لأنها لو سقطت ما عادت عليه حيث أمره بها بعد إعطائه المكتل. قوله: أوتي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. قال ابن حجر: كذا للأكثر بضم أوله على البناء للمجهول، وهو جواب بينا في هذه الرواية.

والآتي المذكور لم يُسمَّ، أوتي فعل مبني للمجهول، ومن مقتضاه: أنه لابد له من فاعل في الحقيقة وإن جُهِل، لابد من آتٍ، وقد يُبنى الفعل للمجهول ويُحذف الفاعل إما للعلم أو للجهل به.

المقدم: أو لعدم الحاجة.

للعلم، {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}[النساء:28] يحتاج إلى أن يقال: وخلق الله الإنسان ضعيفًا؟ للجهل سُرق المتاع، فلا يدري من السارق، فالدواعي لحذف الفاعل وإنابة المفعول منابه كثيرة، هنا: أوتي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بضم أولها للبناء للمجهول وهو جواب بينا هنا في هذه الرواية، والآتي المذكور لم يُسمَّ. لكن وقع في رواية معمر كما سيأتي في الكفارات، فجاء رجل من الأنصار، الآتي المذكور هل ذُكر أو حذف؟

المقدم: حُذف.

حذف، كيف يقول ابن حجر الآتي المذكور؟ هو لم يُذكر لفظًا، لكن لا بد منه حقيقةً، والآتي المذكور لم يُسمَّ، لكن وقع في رواية معمر كما سيأتي في الكفارات: فجاء رجل من الأنصار. وعند الدارقطني من طريق داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب مرسلًا: فأتى رجل من ثقيف، فإن لم يُحمل على أنه كان حليفًا للأنصار أو إطلاق الأنصار بالمعنى الأعم، وإلا فرواية الصحيح أصح، في الصحيح: رجل من الأنصار. عند الدارقطني: رجل من ثقيف. والقصة واحدة. يقول ابن حجر: فإن لم يُحمل على أنه كان حليفًا للأنصار. يعني من ثقيف، لكنه من الأنصار بالحلف. أو إطلاق الأنصار بالمعنى الأعم الذي هو النصرة، مطلق النصرة فيدخل جميع الصحابة بهذا المعنى الأعم وإن كانوا من أي قبيلة كانت، حتى المهاجرين أنصار بهذا المعنى الآن، حتى الأعراب الذين جاؤوا من أنحاء بلاد العرب أنصار؛ لأنهم جاءوا لنصرة النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فهم بالمعنى الأعم أنصار؛ ولذا قال: فجاء رجل من الأنصار، ورواية: جاء رجل من ثقيف. هذا كلام ابن حجر.

يقول: وقع في رواية ابن إسحاق: فجاء رجل بصدقته يحملها، وفي مرسل الحسن عن سعيد بن منصور: بتمرٍ من تمر الصدقة. قال العيني: قلت: في أين ذُكر الآتي حتى قال: لم يُسمَّ؟ ما دام الفعل مبنيًّا للمجهول إذًا الفاعل الآتي لم يُذكر، وابن حجر يقول: الآتي المذكور. يعني: كأن العيني ينازع في إطلاق اللفظ، والآتي المذكور كيف يكون مذكورًا والفعل مبنيًّا للمجهول؟ يقول العيني: في أين ذُكر الآتي حتى قال: لم يُسمَّ؟ لكن وقع في الكفارات على ما سيأتي في رواية معمر: فجاء رجل من الأنصار، وهو أيضًا غير معلوم.

فإن قلت: عند الدارقطني من طريق داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب مرسلًا: فأتى رجل من ثقيف، قلت–هو ينقل كلام ابن حجر- رواية الصحيح أصح، ويمكن أن يحمل على أنه كان حليفًا للأنصار فأطلق عليه الأنصاري. وقال بعضهم–يعني: ابن حجر-: أو إطلاق الأنصاري بالمعنى الأعم، يعني: فهمناه من كلام الحافظ ابن حجر وهو مطلق النصرة، يقول العيني: قلت: لا وجه لذلك؛ لأنه يلزم منه أن يطلق على كل من كان من أي قبيلةٍ كان أنصاريًّا بهذا المعنى ولم يقل به أحد.

قال ابن حجر في "انتقاض الاعتراض" -يعني ردًّا على العيني-: قلت: إن أراد لم يقل أحدٌ أنه يُطلق على كل حال فعسى، يعني: ما فيه أحد قال إن التميمي مثلًا من نجد أن يقال له أنصاري، هذا من حيث الجملة والعموم، لكن إذا احتيج إلى ذلك عند تعارض الأحاديث فالجمع بين النصوص تحتاج لمثل هذا. قلت: إن أراد لم يقل أحد أنه يطلق على كل حال، يعني: في حال السعة، تقول أبو هريرة الأنصاري، هذا ما قال به أحد.

المقدم: لكن ما يستساغ أن نقول بأن أحد الرواة اعتقده من ثقيف وهو ليس من ثقيف وأخطأ؟ يعني الأصل.. ممكن أن نقول: قدح في ذات النص، هو ظنه من ثقيف والحقيقة أنه ليس من ثقيف، من الأنصار.

لا، يلزم على هذا توهيم الرواة، يلزم على هذا توهيم الثقات هذا خطأ.

وأما عند الجمع بين المختلفين فيُحتمل ولا يلزم ما رده، لا يلزم مثل هذا، أحيانًا تحتاج إلى التوفيق بين نصوص مختلفة إلى أقل من هذا؛ من أجل أن ترفع الاختلاف والتعارض بين النصوص.

المقدم: أحسن الله إليكم، نكتفي بهذا على أن نستكمل بإذن الله في الحلقة القادمة.

أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

يتجدد بكم لقاء بإذن الله في حلقة قادمة وأنتم على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.