شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 26

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 26
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع بداية هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا بكم فضيلة الدكتور.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لازلنا في حديث ابن أبي أوفى -رضي الله عنهما- في باب الصوم في السفر والإفطار.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

بقي من الحديث من ألفاظه الجملة الأخيرة: «فقد أفطر الصائم» والأحكام المستنبطة منه، قوله: «فقد أفطر الصائم» أي: دخل وقت الإفطار، لا أنه يصير مفطرًا بغيبوبة الشمس وإن لم يتناول مفطِّرًا، «أفطر الصائم» أي: دخل وقت الإفطار؛ كما يقال: أظلم الليل، يعني دخل في الظلام، وأنجد دخل في نجد، وأتهم دخل في تهامة، إلى آخره، فالمقصود بذلك: أي: دخل وقت الإفطار لا أنه يصير مفطرًا بغيبوبة الشمس، وإن لم يتناول مفطرًا.

هذا هو الظاهر أم ليس بظاهر؟

المقدم: هذا الظاهر.

فقد أفطر.

المقدم: يعني دخل وقت إفطاره. 

إذا قلنا: من أكل فقد أفطر.

المقدم: يعني تناول المفطر هنا.

يعني هل دخول أو ظهور هذه العلامة إقبال الليل وغروب الشمس مثل الأكل والشرب؟

المقدم: لا ليس هذا المراد.

يعني هل هو إذا قلنا: أفطر الصائم على حقيقته، قلنا: مثل الأكل والشرب، لكن هذا الظاهر غير مراد بدليل الوصال، يمنعه الوصال، وإلا لو قلنا: بأن الظاهر هو المراد ما صار للوصال معنى، ولا تُصوِّر الوصال.

قال القاضي عياض في إكمال المُعلِم: إن حُمل على أن المراد به قد صار مفطرًا، فيكون ذلك دلالة على أن زمن الليل يستحيل الصوم فيه شرعًا، وقد قال بعض العلماء: إن الإمساك بعد الغروب لا يجوز، وهو كإمساك يوم الفطر ويوم النحر، فقال، وقال بعضهم: ذلك جائز، وله أجر الصائم، وله أجر الصائم.

كيف؟ يعني هل الليل ظرف للصيام؟ النبي -عليه الصلاة والسلام- ثبت عنه أنه كان يواصل، وهو في مواصلته صائم ممسك، الصيام اللغوي موجود، والنبي -عليه الصلاة والسلام- نهى عن الوصال، وواصل بهم يومين، ثم رُؤي الهلال كالمنكل بهم.

وقال بعضهم: ذلك جائز، وله أجر الصائم، واحتج هؤلاء بأن الأحاديث الواردة فى الوصال التي ذكرها مسلم فى ألفاظها ما يدل على أن النهي عن ذلك تخفيف ورفِق.

يعني لما نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الوصال، هل المقصود به النهي عن ذات الوصال فيُنهى عنه لذاته، أو النهي عنه لا لذاته، وإنما من أجل الرفق بهم؟ يعني كما نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- ابن عمرو، عبد الله بن عمرو بن العاص أن يقوم الليل، هل لأن قيام الليل كامل منهي عنه أو رفقًا بعبد الله بن عمرو؟ وحينما نهاه أن يقرأ القرآن في كل يوم، هل لأن هذا ممنوع ومنهي عنه؟ أو رفقًا به؟ هذه مسألة ستأتي في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي الذي يليه تأتي الإشارة إليه -إن شاء الله تعالى-.

وقال بعضهم: ذلك جائز، وله أجر الصائم، واحتج هؤلاء بأن الأحاديث الواردة فى الوصال التى ذكرها مسلم فى ألفاظها ما يدل على أن النهي عن ذلك تخفيف ورفِق، وفي بعض طرق مسلم.

يعني هناك النصوص تشتمل على أمر أو على نهي، ويُلحظ من هذا الأمر أو النهي الرفق ورفع الحرج والمشقة، فتكون من باب الرخصة، فإذا ارتكب الإنسان العزيمة وازداد من الخير يلام أو ما يلام؟ وقد يكون المانع من الامتثال الاحترام، فهل يقع في مخالفة الامتثال في محظور أو ما يقع في محظور؟ يعني حينما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام- لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في شهر»، هذا من باب الرفق به، ولذا قاوله حتى قال: «اقرأ القرآن في سبع ولا تزد»، هل نقول: إن قراءة القرآن في شهر أفضل من قراءة القرآن في سبع؟ لأنه أول ما بُدئ به وتُدرج معه فيه؟ لا، إنما ذلك للإبقاء عليه، ولئلا يندم فيما بعد، وقل مثل هذا في مخالفة الأمر للاحترام، النبي -عليه الصلاة والسلام- أشار لأبي بكر وهو يصلي بالناس أن يمكث، يبقى إمامًا، خالف وتأخر، هل نقول إن أبا بكر خالف الأمر النبوي؟

المقدم: لا.

إنما هو من باب تقدير النبي -عليه الصلاة والسلام-، واحترامه، فلا يكون مخالفًا للأمر؛ لأنه عرف أن المقصود بهذا الأمر إظهار فضل أبي بكر -رضي الله تعالى عنهفعدم امتثاله؛ لأنه مما يخصه شخصيًّا لا يوقعه في النهي، لكن هذا الكلام لا يُقال على إطلاقه؛ لأن الذين يأتون، أو يغلون بالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقولون: إنما هذا من باب احترامه، نخالف: «لا تطروني»؛ لأننا نحترمه، نقول: لا، هذا كلام ليس بصحيح، وما الفرق بين هذا وبين مخالفة أبي بكر للأمر؟ لأننا عرفنا أن فعل أبي بكر شرعي من إقرار النبي -عليه الصلاة والسلام-، ما أنكر عليه، لكن هؤلاء الذين يخالفون الأوامر والنواهي  الصريحة بحجة الاحترام والتقدير، من يقر أفعالهم؟ تبقى أنها مخالفة وهم آثمون في مخالفتهم؛ لأنه لا يوجد من يقر أفعالهم؛ لأنهم خالفوا الأمر والنهي، أما فعل أبي بكر لو كان فيه مخالفة لأنكر عليه النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأظن الفرق واضح، فليس في هذا مستمسك للمبتدعة الذين يغلون بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، ويرفعونه فوق منزلته، ويصرفون له بعض خصائص الرب -جلَّ وعلا- من أمور العبادة.

وفي بعض طرق مسلم: نهاهم عن الوصال؛ رحمةً بهم، وفى بعض طرقه: لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال -عليه السلام-: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمُنَكِّلِ لهم، كالمنكل لهم، وفى بعض طرقه: «لو مُدّ لنا الشهر لواصلنا وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم»، وهذا كله يدل على أنه لا يستحيل إمساك الليل شرعًا، ولو كان مستحيلًا ما واصل -عليه السلام- بهم، ولا حَمَلهم على ما لا يحل، ولعاقب من خالف نهيه.

وهذا كله يدل على أنه لا يستحيل إمساك الليل شرعًا، ولو كان مستحيلًا ما واصل -عليه السلام- بهم، ولا حَمَلهم على ما لا يحل؛ لأنه واصل بهم، ولعاقب من خالف نهيه.

وقال أحمد وإسحاق: لا بأس بالوصال إلى السَحَر، وخرّج البخاري: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر» هذا دليل على جواز المواصلة إلى السحر، لكن مع ذلك هو مفضول؛ للأمر بتعجيل الفطر، والأمر بمخالفة المخالفين.

ما الذي دعا إلى الكلام عن الوصال؟ قوله: «فقد أفطر الصائم»؛ لأنه لو قلنا أفطر..

المقدم: حكمًا.

لقلنا: إن الوصال مستحيل، ما فيه وصال.

المقدم: بمجرد ما تغيب الشمس خلاص.

أفطر يعني مثل تناول مفطر.

وفي عارضة الأحوذي لابن العربي، وهو يكثر من مثل هذه الطرائف سواء كان في العارضة، أو في أحكام القرآن، يقول: نزلت ببغداد مسألة: رجل حلف ألا يفطر على حار ولا على بارد، رجل حلف ألا يفطر على حار ولا على بارد.

المقدم: يفطر على شيء آخر سهل.

مثل أيش؟

المقدم: الجماع يا شيخ.

هل هناك شيء ليس بحار ولا بارد؟ خلنا من المأكولات يعني؟ يعني إذا كان الطعام ليس بحار، بمعنى أنه مناسب لدرجة حرارة الجو؛ لأنه لو كان أبرد منها لوصف بالبرودة، ولو كان أحر منها، أكثر حرارة، وصف بالحرارة، لكن إذا كانت حرارته مثل حرارة الجو، تدخل يدك في الماء فلا تحس به، هل نقول: هذا حار أو بارد؟ لكن متى ينضبط هذا؟

المقدم: ما ينضبط.

ما ينضبط إلا بالآلات أو بالتجربة، وهذا حلف يعني لو تناول كأس ماء ووضعه في فمه ولم يحس به لا بحرارة ولا برودة، يبر في قسمه أم لا؟

ننظر في هذه المسألة، نزلت ببغداد مسألة رجل حلف ألا يفطر على حار ولا على بارد، فسأل العلماء؟ فقالوا: هو حانث.

يعني ما فيه شيء، الحار والبارد، أو الحرارة والبرودة من باب النقيض.

المقدم: لا بد.

أنه لا يوجد واسطة بينهما، فسأل العلماء، فقالوا: هو حانث، فسأل جمال الإسلام أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، إمام الشافعية، أبو إسحاق الشيرازي هذا صاحب المهذب، وصاحب التنبيه، من متون الشافعية المشهورة، المهذب شرحه المجموع للنووي، والتنبيه مشروح في شروح كثيرة، فسأل جمال الإسلام أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، إمام الشافعية، فقال: لا شيء عليه، فقال: لا شيء عليه؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قد حكم بفطره بدخول الليل، وهو غير حار ولا بارد، غير حار ولا بارد، هل يمكن أن يقول قائل: إن ليل الشتاء بارد، وليل الصيف حار، فيحنث على الجهتين؟ يقول: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد حكم بفطره بدخول الليل، وهو غير حار ولا بارد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم».

قال الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي -رضي الله عنه-، هذا في العارضة وهو المؤلف، لكن هل يمكن أن يقول هذا الكلام؟ ما يمكن، وهذا من بعض تلاميذه الذين نسخوا الكتاب، قال الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي- رضي الله عنه-، بالمناسبة طبعة العارضة سقيمة جدًّا، في غاية السوء، مشحونة مملوءة بالتصحيف والتحريف، لا يكاد يستقيم سطر إلا بتصحيف أو تحريف، ولما شرعوا في طباعته -مطبعة التازي والصاوي- استعاروا نسخة الشيخ أحمد شاكر من الترمذي ليطبعوا عليها.

المقدم: وله تعليقات عليها.

والشيخ له تعليقات وتخريجات أدخلوها في متن الترمذي، فهذه الطبعة في غاية السوء.

يقول ابن العربي: وهو فقه صحيح، على قول من يحمل الأيمان على الألفاظ لا على المقاصد، على قول من يحمل الأيمان على الألفاظ لا على المقاصد، وهو مذهب الشافعي، ورواية مشهورة صحيحة عن مالك- رحمه الله- خُرّجت عليها أكثر مسائله، ومتى وجد للحالف مخرج على مذهب مالك -رحمه الله فإنه إمام هدى، فلا تخيبوه بحال.

يعني إذا وجدنا مخرجًا لمن حنث في يمينه على رأي إمام، ولم يحنث على رأي إمام آخر، فإننا.

المقدم: نأخذ بالذي لا...

لا يخيب، لا يخيب، يُقتدى بإمام، وعلى كل حال؛ الجمهور على أن الأيمان والنذور مبناها.

المقدم: العرف.

أو مردها إلى العرف، وهنا على كلام الجمهور يحنث.

المقدم: لأنه يقصد الأكل.

نعم، وعلى مذهب الإمام مالك الذي يرى أنه مذهبه قصد الحالف.

المقدم: النية.

ونيته أيضًا.

المقدم: يحنث.

يحنث؛ لأنه ما قصد الليل، لكن هذه حيلة من أبي إسحاق.

الحيل منها ما هو شرعي، ومنها ما هو غير شرعي باطل، فالحيل التي يتوصل بها إلى فعل الواجب وترك المحرم شرعية، الحيل التي يتوصل بها إلى فعل الواجب أو ترك المحرم شرعية، ولذا الحيلة في القرآن: (لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ) [النساء: 98]، هذه في الهجرة، يحتال حتى يهاجر ليتحقق فعل الواجب الذي هو الهجرة، لكن الاحتيال على فعل المحرم أو ترك الواجب، هذه هي الحيل المحرمة التي جاء النهي عنها والتشديد فيها: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل».

الشيرازي حينما تحايل وأفتى هذا بأنه لا يحنث، هذه مسألة، هل أفتاه ليتنصل من واجب؟ فنقول: مثل هذه الحيل لا تجوز، أو نقول: إنه رق له، ووجد في بعض أقوال أهل العلم ما يُعفيه من الكفارة لا سيما إذا كان ظرفه لا يحتملها، فهو محسن، وهل يطّرد مثل هذا لكل مفتٍ أو لكل مستفتٍ؟ هذه مسألة تحتاج إلى تفصيل طويل، يعني إذا وجدنا، إذا سأل الحاج ارتكب محظورًا، وعند الشافعية يلزمه هدي، وعند غيرهم لا يلزمه، هل نقول: يُفتى بغيرهم أو نقول: إن المفتي يفتي بما يدين الله به من رجحان ما يراه؟ وعلى المفتي أن يسعى لخلاص نفسه قبل أن يسعى لخلاص غيره، نعم، قد تحتف بالفتوى ظروف، ويحتف بالمستفتي ظروف من جهل، أو ما أشبه ذلك، أو نسيان، أو ما يعفيه من بعض التبعات لكن لا يكون هذا ديدنًا، كل من استفتى ننظر له في مذهب إمام يعفيه، فيترتب على هذا التنصل من التكاليف كلها، على كل حال؛ هذه المسألة من الطرائف التي يكثر منها أو من مثلها ابن العربي في العارضة، وفي أحكام القرآن، دائمًا ما يذكر ما حصل له بحضرة أهل العلم سواء كانوا في المشرق أو المغرب، في أسفاره وفي حله أيضًا.

وفي الحديث -نأتي الآن إلى أحكام الحديث-: فيه ما ترجم الإمام البخاري -رحمه الله- من جواز الأمرين الصوم والإفطار في السفر، الإمام البخاري ترجم: باب الصوم في السفر والإفطار، والحديث يدل؟

المقدم: على الصوم.

على الصوم.

والإفطار؟

المقدم: الآية، والأحاديث الأخرى.

والأحاديث الأخرى.

فالحديث فيه ما ترجم الإمام البخاري من جواز الأمرين في الصوم..، الأمرين في الصوم والإفطار في السفر، وقد اختلف العلماء في ذلك، فجماهير العلماء على جواز الأمرين على خلاف بينهم في الأفضل، فمنهم من رُوي عنه التخيير، منهم من رُوي عنه التخيير، يعني إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر، وكانوا يصومون..، يسافرون مع النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ كما سيأتي في حديث أنس: كنا نسافر مع النبي- صلى الله عليه وسلم-، فلم يعب الصائم؟

المقدم: على المفطر.

على المفطر، ولا المفطر على الصائم، هذا يدل على جواز الأمرين على حد سواء، هذا مروي عن ابن عباس وأنس وأبي سعيد وسعيد بن المسيب وعطاء.

المقدم: التخيير؟

نعم، وسعيد بن جبير والحسن والنخعي ومجاهد والأوزاعي والليث، يعني جمع غفير من أهل العلم، وذهب قوم إلى أن الإفطار أفضل، إلى أن الإفطار أفضل، جاء: «ليس من البر الصوم في السفر» على ما سيأتي في الحديث، «ليس» حديث جابر «ليس من البر الصوم في السفر»، «ليس من البر الصوم في السفر»، وأيضًا الفطر رخصة، والله -جلَّ وعلا- يحب أن تؤتى رخصه، وذهب قوم إلى أن الإفطار أفضل منهم: عمر بن عبد العزيز والشعبي وقتادة ومحمد بن علي والشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب قوم إلى أن الصوم أفطر، ماذا؟ إلى أن الصوم أفضل، وذهب قوم إلى أن الصوم أفضل، وبه قال الأسود بن يزيد وأبو حنيفة وأصحابه.

لماذا؟ لأنه هو الأصل، هو العزيمة، ولأنه أبرأ .. وأسرع في إبراء الذمة.

وبه قال مالك والشافعي ورواية عن أحمد، وقال أبو مجلز: لا يسافر أحد في رمضان، لا يسافر أحد في رمضان، فإن سافر فليصم، وذهب قوم إلى التفصيل؛ يعني الأحاديث الواردة في هذا، النبي -عليه الصلاة والسلام- صام، ولم يكن يفعل إلا الأكمل.

المقدم: وأفطر.

وأفطر أيضًا، والصحابة منهم من صام ومنهم أفطر، فهل نقول: إنها تدل على جواز الأمرين على حد سواء، أو نقول: إن من النصوص ما يدل على أن الفطر أفضل، ومنها ما يدل أن الصيام أفضل؟ وعلى هذا؛ نحتاج إلى التوفيق وتفصيل في المسألة.

ذهب قوم إلى التفصيل فإن كان الصوم لا يضعفه فالصوم أفضل، وإن أضعفه فالفطر أفضل، وإن لحقه مشقة شديدة أثم، وعليه تتنزل النصوص التي تدل على جواز الأمرين مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر»، يأتي في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي، «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر»، مع قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ليس من البر الصيام في السفر»، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «أولئك العصاة»، لما أُخبر أن أناسًا بعد أن أمرهم بالفطر لوجود المشقة قال: «أولئك العصاة» وبهذا تجتمع النصوص، على ما سيأتي في شرح الأحاديث اللاحقة.

يقول النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في صوم رمضان في السفر، فقال بعض أهل الظاهر: لا يصح صوم رمضان في السفر، اختلف العلماء في صوم رمضان في السفر، فقال بعض أهل الظاهر: لا يصح صوم رمضان في السفر، فإن صامه لم ينعقد، ويجب قضاؤه لظاهر الآية، لظاهر الآية، ولحديث: «ليس من البر الصيام في السفر»، وفي الحديث الآخر: «أولئك العصاة»، وقال جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى: يجوز صومه في السفر، وينعقد ويجزيه، وقال جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى: يجوز صومه في السفر، وينعقد ويجزيه، واختلفوا في أن الصوم أفضل، واختلفوا في أن الصوم أفضل أم الفطر أم هما سواء؟ فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي والأكثرون: الصوم أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر به، فالفطر أفضل، واحتجوا بصوم النبي -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة، على ما سيأتي في حديث أبي الدرداء، وبغير ذلك من الأحاديث؛ ولأنه يحصل به براءة الذمة.

حديث أبي الدرداء سيأتي الكلام فيه، قال: خرجنا مع النبي -صلي الله عليه وسلم- في بعض أسفاره في يوم حار حتي يضع الرجل يده علي رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي -صلي الله عليه وسلم- وابن رواحة. والحديث متفق عليه.

فإن تضرر به فالفطر أفضل، واحتجوا بصوم النبي -عليه الصلاة والسلام- وعبد الله بن رواحة وغيرهما، وبغير ذلك من الأحاديث؛ ولأنه يحصل به براءة الذمة في الحال.

وقال سعيد بن المسيب والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم: الفطر أفضل مطلقًا، الفطر أفضل مطلقًا، وحكاه بعض أصحابنا قولًا للشافعي، وهو غريب، واحتجوا بما سبق لأهل الظاهر، يعني الآية مع «ليس من البر الصيام في السفر» مع «أولئك العصاة».

 وأجاب الأكثرون بأن هذا كله فيمن يخاف ضررًا، أو يجد مشقة؛ كما هو صريح في الأحاديث، واعتمدوا حديث أبي سعيد المذكور في الباب، يعني عند مسلم، قال: كنا نغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان ومنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن، وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة، وقال بعض العلماء: الفطر والصوم سواء لتعادل الأحاديث، يقول النووي: والصحيح قول الأكثرين، والله أعلم.

المقدم: أحسن الله إليكم، لعلنا نستكمل -بإذن الله- في حلقة قادمة ما تبقى من الأحكام في هذا الموضوع، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح، لقاؤنا بكم في الحلقة القادمة -بإذن الله-، وأنتم على خير، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.