شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 30

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 30
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع بداية هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا بكم فضيلة الدكتور.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: قال -رحمه الله تعالى- عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي -صلى الله عليه وسلم- وابن رواحة.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،

فراوي الحديث أبو الدرداء عويمر بن مالك، وقيل: ابن عامر، ويقال: ابن ثعلبة بن زيد بن قيس الخزرجي الأنصاري، أسلم يوم بدر، وشهد أحدًا وأبلى فيها، مناقبه وفضائله كثيرة جدًّا، يعني من مشاهير الصحابة ومن عبادهم، مات لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقال غير واحد: مات سنة اثنتين وثلاثين، يعني على القول الأول يكون مات سنة ثلاث وثلاثين، وعلى القول الثاني اثنتين وثلاثين.

وابن رواحة المذكور في متن الحديث: هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، يقال: أبو محمد، ويقال: أبو رواحة، وأبو عمرو المدني؛ شهد بدرًا والعقبة، وهو أحد النقباء، وأحد الأمراء في غزوة مؤتة، وبها قُتل سنة ثمانٍ من الهجرة.

وهذا الحديث ذكره الإمام البخاري في باب بغير ترجمة.

المقدم: نعم، باب.

باب بغير ترجمة، ومر بنا مرارًا أن مثل هذا الباب الذي لا يُترجم له يكون بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، وسقطت لفظة باب من رواية النسفي، يعني في رواية الأكثرين: باب من غير ترجمة، في رواية النسفي سقطت لفظة باب، وتقدم بنا مرارًا أنه بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله.

قال ابن حجر: ووجه تعلقه بالترجمة، يعني الترجمة السابقة إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر، وجه تعلقه بالترجمة ما وقع من إفطار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان، يعني في الترجمة الأولى النبي -عليه الصلاة والسلام- أفطر، وأفطر معه الناس، في الترجمة الثانية النبي -عليه الصلاة والسلام- ما أفطر، لكن أفطروا كلهم ما بقي إلا النبي -عليه الصلاة والسلام- وابن رواحة.

وجه تعلقه بالترجمة ما وقع من إفطار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان بمحضر منه، ولم ينكر عليهم، فدل على الجواز، وعلى رد قول من قال: من سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر.

قال العيني: مطابقته للترجمة هي أن الصوم والإفطار في السفر لو لم يكونا مباحين لما صام النبي -صلى الله عليه وسلم- وابن رواحة وأفطر الصحابة -رضي الله عنهم-، وقد وقع على رأس هذا الحديث لفظ باب كذا مجردًا عن ترجمةٍ عند الأكثرين، وسقط من رواية النسفي.

قال: خرجنا، أبو الدرداء يقول: خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره، عند مسلم: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان في حر شديد، في شهر رمضان في حر شديد.

وبهذه الزيادة، عندنا هنا يقول: في بعض أسفاره في يوم حار.

وبهذه الزيادة يتم المراد من الاستدلال، ويتم الرد بها على ابن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه، لا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعًا.

رواية مسلم: خرجنا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان، فيرد على ابن حزم حينما قال: فيه احتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعًا، وليس هذا السفر سفر الفتح، خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره، يعني في رمضان، وبذلك يُرد على ابن حزم الذي يزعم أنه احتمال أن يكون الصوم تطوعًا، وليس هذا السفر سفر الفتح؛ لأن، لأن عبد الله بن رواحة استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح، وأخرج الترمذي من حديث عمر -رضي الله عنه-: غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان يوم بدر ويوم الفتح، قال ابن حجر: ولا يصح حمله أيضًا على بدر، إذن لا يصح حمله على الفتح.

المقدم: لأن ابن رواحة ما حضره.

استشهد قبلها، ولا يصح حمله أيضًا على بدر؛ لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم.

قال ابن حجر: وفي الحديث دليل عن أن لا كراهية في الصوم في السفر لمن قوي عليه ولم يصبه مشقة شديدة، هنا فيه مشقة، فيه شدة حر، والإنسان يضع يده على رأسه من شدة الحر، لكنهم يتفاوتون في تحمل هذه المشقة، فقد تكون مشقة بالنسبة لزيد، وليست مشقة بالنسبة لعمرو؛ فالنبي -عليه الصلاة والسلام- تحمل، فهذه ليست بالمشقة بالنسبة له ولا لابن رواحة، وإن كان شاقًّا على غيره، فمن شق عليه أفطر والذي لم يشق عليه لم يفطر.

فالحديث دليل على أن لا كراهية في الصوم في السفر لمن قوي عليه ولم يصبه منه مشقة شديدة.

وقال القرطبي: الحديث دليل على أن الصوم أفضل كما قد صار إليه مالك ومن سمينا معه، الصوم أفضل من الإفطار لا سيما مع عدم المشقة الشديدة.

والحديث أخرجه الإمام البخاري في هذا الموضع فقط.

قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن إسماعيل بن
عبيد الله حدثهم عن أم الدرداء عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأخرجه أيضًا مسلم، فهو متفق عليه
، وحكمه يؤخذ مما قبله.

المقدم: نعم.

كما أن الأحاديث اللاحقة في نفس الحكم.

المقدم: في نفس الحكم.

في الصوم في السفر، ولذا لا نطيل بها.

المقدم: أحسن الله إليك، قال -رحمه الله- عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سفر، فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا؟»، فقالوا: صائم، فقال: «ليس من البر الصوم في السفر».

راوي هذا الحديث جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي، مر ذكره أكثر من مرة.

وهذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن ظُلل عليه واشتد الحر: «ليس من البر»، «ليس من البِر الصوم في السفر»، باب قول النبي -عليه الصلاة والسلام- لمن ظُلل عليه واشتد الحر: «ليس من البِر الصوم في السفر».

المقدم: هذه موجودة في ترجمة البخاري هكذا: لمن ظلل عليه؟

نعم، البخاري هكذا.

المقدم: إذن؛ هذا المختصر آخر.

باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن ظُلِّل عليه واشتد الحر: «ليس من البر الصوم في السفر».

الخلل ممَن؟

المقدم: المحقق أم المختصر؟

المحقق، أما المختصر ما فيه أصلًا.

المقدم: ما فيه أبواب.

ما فيه شيء.

قال -رحمه الله-: حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن بن علي عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهم- قال: فذكره، والمناسبة ظاهرة، يعني مطابقة، فالترجمة من نص الحديث.

قال ابن حجر: أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس من البر الصيام في السفر» ما ذُكِر من المشقة، وأن مَن روى الحديث مجردًا فقد اختصر القصة.

كنا نسافر، قال أيش؟ كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر، فرأى زحامًا إلى آخره، الحديث بقصته، لكن كثيرًا من الرواة يسوقه مختصرًا، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس من البر الصيام في السفر»، فرق بين هذا وهذا، إذا بُيِّن السبب وبُيِّنت العلة حُمِل على هذه الحالة، وإذا سيق مجردًا يسمعه السامع.

المقدم: هكذا.

فلا يصوم ولو لم يشق عليه.

أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ليس من البر الصيام في السفر» ما ذُكِر من المشقة، وأن مَن روى الحديث مجردًا فقد اختصر القصة، وبما أشار إليه من اعتبار شدة المشقة، من اعتبار شدة المشقة يُجمع بين حديث الباب والذي قبله.

يعني النبي -عليه الصلاة والسلام – في الحديث الذي قبله صام مع وجود الحر في يوم حار، مع شدة الحر، ومع ذلك صام -عليه الصلاة والسلام-، وهنا قال: «ليس من البر الصوم في السفر»، فيُجمَع باختلاف الأحوال، وبما أشار إليه من اعتبار شدة المشقة يُجمَع بين حديث الباب والذي قبله، فالحاصل أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأن مَن لم تتحقق المشقة فيه يُخيَّر بين الصوم والفطر، وتقدم ذكر الخلاف.

يعني إذا وُجِد مشقة، لكنها محتملة، فمثل هذا يُرجح لنفسه، لكن إذا وجد مشقة لا تُحتمل يتضرر بها أو تشق عليه بحيث يستثقل العبادة، فيترجح في حقه الفطر.

كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر، أي في غزوة الفتح كما في رواية جعفر بن محمد عن أبيه عند الترمذي.

ورجلًا قد ظُلِّل عليه، قال ابن حجر: لم أقف على اسم هذا الرجل، ولولا ما قدمته من أن عبد الله بن رواحة استُشهِد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يُفسَّر به؛ لقول أبي الدرداء أنه لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائمًا غيره.

وزعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك لمبهمات الخطيب، ولم يقل الخطيب ذلك في هذه القصة، وإنما أورد حديث مالك عن حميد بن قيس وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فقالوا: نذر ألا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم... الحديث، ثم قال: هذا الرجل هو أبو إسرائيل القرشي العامري.

وبين القصتين مغايرات ظاهرة، مغايرات ظاهرة، أظهرها أنه كان في الحضر في المسجد، وصاحب القصة في حديث جابر كان في السفر تحت ظلال الشجر.

أبو إسرائيل أُغميَ عليه وظُلِّل عليه؛ لأنه نذر أن يقف في الشمس، ما يلزم أن يكون صائمًا، والذي معنا صام في شدة الحر.

وقال العيني: وقال بعضهم، يعني..

المقدم: على طول: ابن حجر.

ابن حجر، زعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك لمبهمات الخطيب، ولم يقل الخطيب ذلك في هذه القصة، ثم أطال الكلام بما لا يفيده، فكيف يقول زعم مغلطاي وهو لم يزعم؟ وهو لم يزعم ذلك، وإنما قال: قيل: هو أبو إسرائيل، ثم قال أيضًا: وفي مسند أحمد ما يشعر أنه غيره، وبيَّن ذلك، فهذا مجرد تشنيع عليه مع ترك محاسن الأدب في ذكره بصريح اسمه، وليس هذا من دأب العلماء.

وقال صاحب التوضيح: عندما ينقل عنه شيئًا قال شيخنا علاء الدين، عندما ينقل عنه شيئًا قال شيخنا علاء الدين، علاء الدين مغلطاي شيخ لابن حجر، ومع ذلك إذا نقل عليه كلامًا يرتضيه قال شيخنا، وهنا قال...

المقدم: التوضيح.

التوضيح في شرح الجامع الصحيح.

وهنا قال زعم مغلطاي، وهو شيخه، يعني ليس من الأدب أن يُذكَر الشيخ بلفظه، هذا الكلام صحيح.

المقدم: له كتاب التلويح يا شيخ، أو ماذا؟

أين؟

المقدم: علاء الدين مغلطاي.

التوضيح.

قد ظُلِّل عليه على صيغة المجهول، فقال -أي النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما هذا؟»، وفي رواية: «ما بال صاحبكم؟»، فقالوا: صائم، أي: هو صائم، فقالوا: صائم، أي: هو صائم، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «ليس من البر الصيام في السفر»، وأخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة».

فعندنا في حديث الباب: «ليس من البر الصيام في السفر»، وعندنا في الحديث الذي خرجه مسلم: «أولئك العصاة، أولئك العصاة»، وعندنا صومه -عليه الصلاة والسلام- هو وابن رواحة، وصوم صحابته على ما سيأتي من كون لا يعيب بعضهم على بعض، فهذه الأحاديث تمسك كل طرف من أهل العلم بطرف منها، والأولى أن تعمل، أن يُعمَل بها كلها ما أمكن.

قال القرطبي في المفهم: الظاهر أن القضية واحدة، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال القولين في تلك القضية الواحدة.

قال: «ليس من البر الصيام في السفر»، وقال: «أولئك العصاة» في نفس القصة.

وقد تأول بعض علمائنا قوله: «ليس من البر» أي: البر الواجب، وهذا التأويل يحتاج إليه من قطع الحديث عن سببه، يعني من نظر إلى الجملة فقط «ليس من البر الصيام في السفر» نحتاج إلى أن نتأول، لكن إذا نظرنا إلى سبب الحديث.

المقدم: سقوط هذا الرجل.

نعم ظُلِّل عليه، ويحتاج إلى، إذا عرفنا السبب..

المقدم: بطل العجب.

نعم، واستطعنا أن نحمل الخبر على سببه.

يقول هذا التأويل يحتاج إليه مَن قطع الحديث عن سببه وحمله على عمومه، وأما على ما قررناه -يعني من اختلاف الأحكام باختلاف الأحوال- فلا حاجة إليه.

وقال ابن دقيق العيد: أُخِذ من هذا أن كراهة الصوم في السفر لمن هو في مثل هذه الحالة، أن كراهة الصوم في السفر لمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من القربات، ويكون قوله: «ليس من البر الصيام في السفر» مُنزَّلًا على هذه الحالة.

والظاهرية المانعون من الصيام في السفر، الظاهرية يرون أنه لا يجوز الصيام في السفر، وإذا صام لا يُجزئ، لا بد من عدة، نعم لا بد من القضاء.

والظاهرية المانعون من الصيام في السفر يقولون: إن اللفظ عام، فإذا لم يكن الصوم في السفر من البر؛ إذن يكون من الإثم، والإثم مردود، يقولون: إن اللفظ عام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لا بخصوص السبب، وذكر قاعدة تكاد تكون متفقًا عليها.

المقدم: عندهم؟

عندهم وعند غيرهم.

يقول ابن دقيق العيد: يجب أن تتنبه للفرق بين دلالة السياق والقرائن الدالة على تخصيص العام على مراد المتكلم.

يعني هل اللفظ مخصوص؟ اللفظ عام «ليس من البر الصيام في السفر»، فالعموم في البر وأيضًا في الصيام وفي السفر، عموم من كل وجه، لكن هل هو مخصوص بالأدلة الأخرى أو أُريد به الخصوص من الأصل؟ يقول: يجب أن تتنبه للفرق بين دلالة السياق والقرائن الدالة على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب ولا تجريهما مجرًى واحدًا؛ فإن مجرد ورود العام على السبب لا يقتضي التخصيص؛ كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، بسبب سرقة رداء صفوان، وأنه لا يقتضي التخصيص به بالضرورة والإجماع.

المقدم: يحتاج إلى إعادة ترتيب لو سمحت

الآن آية السرقة نزلت بسبب سرقة رداء صفوان.

المقدم: نعم.

هل نقول: إن هذا الحكم خاص بمن سرق رداء صفوان أو نقول: العبرة بعموم اللفظ؟

المقدم: هذا الأصل عموم اللفظ.

العبرة بعموم اللفظ، وأنه لا يقتضي التخصيص بالضرورة والإجماع، أما السياق والقرائن فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه، وهي المرشدة إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات، فاضبط هذه القاعدة فإنها مفيدة في مواضع لا تحصى، وانظر في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ليس من البر الصيام في السفر» مع حكاية هذه الحالة من أي القبيلين هو فنزِّله عليه.

كلام ابن دقيق العيد يعني شرحه يحتاج إلى وقت، لا يستوعبه وقت البرنامج؛ لأن كلام ابن دقيق العيد في الجملة فيه متانة، فيه صعوبة، لكن أنا أريد أن أقرب هذا الكلام بكلام واضح.

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هذه قاعدة تكاد تكون متفَقًا عليها، ولا يُخرج عنها إلا إذا عورض العموم بما هو أقوى منه، وعليه يُخرَّج ما جاء في هذا الحديث.

العبرة بعموم اللفظ، نعم يعني لو لم يرد في الباب إلا «ليس من البر الصيام في السفر»، قلنا: لا، لا يصوم أحد في السفر، لكن ورد هذا، هذا العموم عورض بأن النبي -عليه الصلاة والسلام- صام، هل يبقى على عمومه؟ لا، إذن؛ يحمل هذا العموم، أو هذا العموم على سببه، فيقصر على سببه.

عندنا حديث ونخشى أن ينتهي الوقت ونحن ننظّر، حديث «صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا» مع حديث «صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم»، «صل قائمًا» عام للفريضة والنافلة، «فإن لم تستطع» هذا بالنسبة للقادر يشمل الفريضة والنافلة، لكن عندنا حديث صحيح: «صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم» يدل على أن الصلاة صحيحة، وأهل العلم يقولون: القيام مع القدرة ركن من أركان الصلاة، لكنه خاص بالفريضة، لماذا خصصناه بالفريضة وخصصنا الثاني بالنافلة؟ لأن الحديث الثاني جاء على سبب، فدفعًا للتعارض بين العمومين حملنا النص الثاني على سببه، وهو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- دخل المسجد والمدينة مُحِمَّة، فوجدهم يصلون من قعود، فقال: «صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم»، فتجشموا الصلاة قيامًا فقاموا، فدل على أنها نافلة؛ لأنهم لا يصلون قبل حضوره في الفريضة، الأمر الثاني: أنهم يستطيعون القيام، فالذي يستطيع القيام ويصلي النافلة من قعود صلاته صحيحة، ولكن على النصف، بخلاف الفريضة التي لا تصح إلا من قيام؛ كما في حديث عمران بن حصين: «صل قائمًا فإن لم تستطع»، والمسألة تحتاج إلى بسط، ولعله يتيسر مناسبة أخرى.

والحديث رواه مسلم، فهو متفق عليه.

المقدم: قال المصنف -رحمه الله-: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كنا نسافر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.

راوي الحديث الصحابي الجليل خادم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنس بن مالك، مرَّ مرارًا.

والحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب لم يعب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بعضهم بعضًا في الصوم والإفطار، باب لم يعب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بعضهم بعضًا في الصوم والإفطار، والإفطار.

قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة -يعني القعنبي- عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك، فذكر الحديث.

يقول ابن حجر: أشار بهذا إلى تأكيد ما اعتمده من تأويل الحديث الذي قبله «ليس من البر الصوم في السفر»، من تأويل الحديث الذي قبله، وأنه محمول على مَن بلغ حالة يجهد بها، وأن مَن لم يبلغ ذلك لا يُعاب عليه الصيام ولا الفطر.

النبي -عليه الصلاة والسلام- ثبت أنه..

المقدم: صام

صام، وثبت أنه..

المقدم: أفطر أيضًا

وصام معه ابن رواحة.

المقدم: وأفطر صحابته.

وأفطر الصحابة، وأيضًا حمزة بن عمرو الأسلمي كان كثير الصيام، قال، قال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: أأصوم في السفر؟ قال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطِر»، كل هذه تدل على جواز الصوم في السفر، وجواز الفطر، وجاء في الباب: «ليس من البر الصيام في السفر»، وجاء فيه أيضًا: «أولئك العصاة».

المقدم: نعم.

هذه الأحاديث التي لو لم نوفق بينها، والأصل الجمع بين النصوص، وإلا نضطر إلى أن نضرب بعض النصوص ببعض كما فعلت الظاهرية، الظاهرية منعوا مع ثبوت هذه الأحاديث؛ لأنهم نظروا إلى بعض الأحاديث دون بعض.

هذه الأحاديث محمولة على أحوال:

الذي لا يشق عليه الصيام، النبي -عليه الصلاة والسلام- صام.

الذي يشق عليه الصيام ولا يبلغ به المشقة إلى حد بحيث يتأذى به، نعم صام النبي -عليه الصلاة والسلام- مع شدة الحر، وأذن لحمزة بن عمرو الأسلمي إن شاء أن يصوم، وإن شاء أن يفطر، وقال بالنسبة للرجل الذي ظُلِّل عليه ووجد عليه الزحام، قال: «ليس من البر الصوم في السفر»، وصام النبي -عليه الصلاة والسلام- وأفطر وأراهم فطره؛ لأنه بلغه أنه شق عليهم، واستمر أناس في صيامهم، فقال: «أولئك العصاة»؛ لأنهم استمروا مع وجود هذه المشقة.

فلا بد من التوفيق بين هذه النصوص، وحملها على الأحوال؛ كلٌّا على ما يناسبه.

كنا نسافر في حديث أبي سعيد عند مسلم: كنا نغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفًا فأفطر أن ذلك حسن، وهذا التفصيل رافع للنزاع، والأحاديث بيَّن بعضها بعضًا، وشرح بعضها بعضًا، وأمكن حملها على الأحوال المختلفة.

والحديث أيضًا مُخرَّج في صحيح مسلم، فهو مُتَّفقٌ عليه.

المقدم: أحسن الله إليك، الذي قال بهذا التفصيل من الأئمة سوى الإمام أحمد، فيه أحد؟

مرًّ ذكرهم، مرَّ مَن يقول بأن الفطر أفضل، ومرَّ مَن يقول بأن الصوم أفضل مع اتفاقهم على جواز الأمرين، ومرّ من يمنع؟

المقدم: الصوم.

الصوم.

المقدم: مثل الظاهرية.

نعم، ومرَّ من يمنع الفطر بعد الإنشاء في الحضر ولو سافر، كل هذه الأقوال مرت بالتفصيل.

المقدم: جزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم، ونفع بعلمكم، ونسأل الله -تعالى- أن يتقبل منا ومنكم ومن المسلمين صالح الأعمال، كما نسأله -سبحانه وتعالى- أن يتجاوز عنا وعنكم التقصير والزلل، نسأل الله- جلَّ وعلا- أن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وأن يغفر لنا ولكم ولوالدينا والمسلمين، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، شكرًا لطيب متابعتكم، تقبل الله منا ومنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.