شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 06

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 06
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع بداية هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.   

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لازلنا في باب الصائم يصبح جُنبًا في حديث عائشة وأم سلمة– رضي الله عنهما–، نستكمل ما تبقى من أحكام هذا الحديث.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

في قوله في الحديث: كان يدركه الفجر وهو جُنب من أهله.

ذكرنا كلام القرطبي، وأن هذا يفيد فائدتين:

الأولى: أن النبي –عليه الصلاة والسلام- كان يجامع ويؤخر الغسل حتى يطلع الفجر، وأن هذا لا بأس به، وفعله النبي –عليه الصلاة والسلام– عمدًا، وقال: «عمدًا فعلته يا عمر».

وثانيهما: أنه لدفع توهم من يتوهم أن النبي –عليه الصلاة والسلام– كان يحتلم في منامه، فإن الحُلم من الشيطان وقد عصمه الله منه.

هذا كلام القرطبي في المفهم، وابن حجر نقل عن بعضهم أنه قال: في قولها: "من غير احتلام" إشارة إلى أنه كان يحتلم، ولو لم يكن يحتلم لما احتيج إلى نفيه، وردَّه ابن حجر بأن الاحتلام من الشيطان يعني: كما قرر القرطبي في المفهم، وهو معصومٌ منه.

بعد هذا يقول ابن دقيق العيد في شرح العمدة: قولها: "من أهله" فيه إزالة الاحتمال، إزالة الاحتمال يمكن أن يكون سببًا لصحة الصوم، فإن الاحتلام في المنام آتٍ من غير اختيار من الجُنب، فيمكن أن يكون سببًا للرخصة فبُيِّن في هذا الحديث أن هذا كان من جماع؛ ليزول هذا الاحتمال.

المقدم: يقول ابن من؟

ابن دقيق العيد في شرح العمدة يقول: قولها: "من أهله" فيه إزالة الاحتمال الذي يمكن أن يكون سببًا لصحة الصوم.

المقدم: الاحتلام يمكن يا شيخ.

كيف؟

المقدم: فيه إزالة الاحتمال أو الاحتلام؟

لا لا، الاحتمال. لما قالت: "من أهله من غير احتلام" فيه إزالة الاحتمال أن يكون هناك سبب مصحح للصوم غير الجماع، أيًّا كان، فإن الاحتلام في المنام آتٍ من غير اختيار من الجُنب، فيمكن أن يكون سببًا للرخصة؛ لأنه من غير اختياره، بخلاف ما إذا كان من اختياره، فبُيِّن في هذا الحديث أن هذا كان من جماعٍ ليزول هذا الاحتمال.

وعلى كل حال: من الأشياء الصريحة التي لا تحتاج إلى بيان ما قد يُبيَّن، فيكون من باب التصريح بما هو مجرد توضيح.

الأمر الثاني: أنه قد يخفى على كثير من الناس أن النبي –عليه الصلاة والسلام– لا يحتلم، فيظن بالخبر أنه من احتلام.

يعني: الواقع أنه لا يحتلم –عليه الصلاة والسلام–؛ لأن الاحتلام من الشيطان، لكن هل الأمة كلها تعرف أن النبي– عليه الصلاة والسلام– لا يحتلم؟

المقدم: لا.

تعرف أنه بشر مثل الناس، هذا الأصل المتقرر –عليه الصلاة والسلام–، ويخفى عليهم مثل هذا الأمر فاحتيج إلى بيانه ولو لم يكن يحتلم –عليه الصلاة والسلام–.

يقول: ولم يقع خلافٌ بين الفقهاء المشهورين في مثل هذا إلا في الحائض إذا طهُرت وطلع عليها الفجر قبل أن تغتسل، ففي مذهب مالك في ذلك قولان، أعني وجوب القضاء.

يعني: إذا طلع عليها الفجر..  هي طهرت قبل طلوع الفجر، ثم طلع عليها قبل أن تغتسل، يصح صومها ولا لا يصح؟ هل نقول: إن الصوم مثل الجماع لا يجوز إلا بعد التطهر وإن كانت طاهرة، أو نقول: إن الصيام يصح كما يصح من الجُنب يصح من الحائض؟ وعليها الحدث بعد أن تطهر، قبل أن تتطهر.

قال: وقد يدل كتاب الله أيضًا على صحة صوم من أصبح جُنبًا -يعني: في القرآن ما يدل على صحة صيام من أصبح جُنبًا؛ فإن قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة:187] يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم مطلقًا.

وليل الصوم يمتد من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.

يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم مطلقًا، ومن جملته الوقت المقارب لطلوع الفجر يعني: آخر لحظة من الليل،  فإذا وقع هذا في آخر لحظة من الليل وهو جائز.

المقدم: لن يغتسل إلا بعد طلوع الفجر.

لن يغتسل إلا بعد طلوع الفجر.

ومن جملته الوقت المقارب لطلوع الفجر بحيث لا يسع الغُسل، فتقتضي الآية الإباحة في ذلك الوقت، ومن ضرورته الإصباح جُنبًا، والإباحة لسبب الشيء إباحةٌ للشيء.

والقصة المذكورة في البخاري تدل على أن أبا هريرة كان يرى أن من أصبح جُنبًا فلا صوم له، لكنه رجع عنه، وأنه اعتمد في ذلك على الفضل ابن عباس، فلما بلغه عن أمهات المؤمنين أن ذلك لا يؤثر في الصيام رجع عنه، وقال: هنَّ أعلم، كذا في رواية النسفي عند البخاري. وفي رواية: وهو أعلم أي: بما روى، والعهدة في ذلك عليه لا عليَّ.

وفي رواية ابن جريج: فقال أبو هريرة: أهما قالتاه؟ -يتأكد– قال: نعم. قال: هما أعلم. يعني: من الفضل، وهما أعلم مني أيضًا، وفي هذا رجوع الأكابر إلى الحق، وهذا لا يردهم عن قبول الحق ممن أتى به، ولا يحمله التعصب إلى رأي أو تأخذه العزة بإثم من يصر لا أن الحق أغلى عليهم من أنفسهم، فقال: هما أعلم، وهذا يرجح رواية النسفي: هنَّ أعلم.

وللنسائي من طريق عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه: هي –يعني عائشة- أعلم برسول الله –صلى الله عليه وسلم– منا، وهل يشك أحد أن عائشة وأم سلمة في مثل هذا الباب أعلم برسول الله من أبي هريرة وغيره؟ بلا شك هنَّ أعلم، لكن إذا ذكرنَّ شيئًا من حاله –عليه الصلاة والسلام– مما يخفى كما هنا، ونقل أبو هريرة من قوله -عليه الصلاة والسلام- أنه يفطر هنا ما نقول: هنَّ أعلم، نقول: بالخصوصية؛ لأن قوله عارض فعله فيُحمل فعله على أنه خاص به، إما نقول بالخصوصية، أو نقول بالنسخ على ما سيأتي ذكره.

وزاد ابن جريج في روايته: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك، وأحال في القصة على الفضل بن عباس، وأحال كما عند النسائي على أسامة بن زيد، فقال في هذه القصة: إنما كان أسامة بن زيد حدثني.

قال ابن حجر: فيُحمل على أنه كان عنده عن كل منهما، ويؤديه رواية أخرى عند النسائي قال فيها: إنما حدثني فلان وفلان وأبهمهما هنا، والمراد من صُرِّح به: الفضل بن عباس وأسامة بن زيد.

وفي رواية مالك: أخبرنيه مخبرٌ، والظاهر أن هذا من تصرف الرواة، فمنهم من أبهم الرجلين، ومنهم من اقتصر على أحدهما تارةً مبهمًا وتارةً مفسرًا، ومنهم من لم يذكر عن أبي هريرة أحدًا، وعند النسائي بلفظ، فقال أبو هريرة: هكذا كنت أحسب.

قال الترمذي بعد رواية الحديث: قال أبو عيسى حديث عائشة وأم سلمة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم– وغيرهم، وهو قول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق. وقد قال قومٌ من التابعين: إذا أصبح جُنبًا يقضي ذلك اليوم. والقول الأول أصح.

يقول الخطابي في أعلام الحديث: سمعت الحسن بن يحيى يقول: سمعت ابن المنذر يقول: أحسن ما سمعت في هذا: أن يكون ذلك محمولًا على النسخ؛ وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجُنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم؛ لارتفاع الحظر، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن عباس على الأمر الأول ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه.

وقد رُوي عن ابن المسيب أنه قال: رجع أبو هريرة عن فتياه فيمن أصبح جُنبًا أنه لا يصوم.

متى نقول بالنسخ؟

المقدم: إذا تعذر.

إذا تعذر الجمع، وإذا كان النصان المختلفان متساويين في النسبة في الرفع إلى النبي –عليه الصلاة والسلام-، يعني: أخبره الفضل بن عباس يعني عن النبي –عليه الصلاة والسلام– أو من اجتهاده؟ أخبره أسامة بن زيد عن النبي –عليه الصلاة والسلام– أو عن اجتهاده؟ لكن الذي يظهر أنه..

المقدم: عن اجتهاده.

لا، الذي يظهر أخبرني، ما قال: قالي لي، فالإخبار هنا يدل على أنه يخبره عن غيره فهو مرفوع.

وجاء ما يدل على ما سيأتي ذكره من حديث أبي هريرة أن النبي –عليه الصلاة والسلام– قال: «من أصبح جُنبًا أفطر ذلك اليوم» فهو مرفوع.

وجه القول بالنسخ: هنا الخطابي في أعلام الحديث ماذا يقول؟ يقول: سمعت الحسن بن يحيى يقول: سمعت ابن المنذر، يقول: أحسن ما سمعت في هذا أن يكون ذلك محمولًا على النسخ؛ وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجُنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم؛ لارتفاع الحظر -يعني إذا كان موجودًا سابقًا- فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل على الأمر الأول ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه، وقد رُوي عن ابن المسيب أنه قال: رجع أبو هريرة عن فتياه فيمن أصبح جُنبًا أنه لا يصوم.

والحديث كالصريح "هنَّ أعلم"، نعم لابد أن يرجع.

وقال ابن بطال في شرحه: أجمع فقهاء الأمصار على الأخذ بحديث عائشة وأم سلمة فيمن أصبح جُنبًا أنه يغتسل ويتم صومه.

وقال ابن المنذر: رُوي عن الحسن البصري في أحد قوليه: أنه يتم صومه ويقضيه، وعن سالم بن عبد الله مثله. واختُلف فيه عن أبي هريرة، فأشهر قوليه عند أهل العلم أنه لا صوم له، وفيه قولٌ ثالث عن أبي هريرة..

قال: أشهر قوليه عند أهل العلم أنه لا صوم له، وفيه قولٌ ثالث، أين القول الثاني؟

المقدم: الذي هو الأصل في الحديث.

الذي رجع إليه وهو أنه يصح صومه، المقابل للأول. أحيانًا يُذكر القول ولا يُذكر مقابله.

إذا قيل في المسألة ثلاثة أقوال: لا يجوز، والثالث كذا، إذًا الثاني يجوز فيما يقابل الأول، وقد يشتد اختصارهم للأقوال فيقولون: إنَّ، وأنَّ، والثالث أصلان، كيف؟

المقدم: إنَّ وأنَّ.

والثالث أصلان، يعني: من الأصل في الباب؟ هل هي (إنَّ) المكسورة  وتُفتح في مواضع، أو الأصل (أنَّ) وتُكسر في مواضع؟

القول الأول: الأصل إنَّ.

والقول الثاني: الأصل أنَّ.

والقول الثالث: أنهما أصلان.

هذا إلغاز، يعني شدة في الاختصار. وهل يقصدون بذلك تعذيب الطلاب؟ لا، لا يقصدون بذلك تعذيب الطلاب، وإنما يقصدون به بناء الطالب على مثل هذه الأمور؛ بحيث إذا قرأ ما دون هذا الكلام سهُل عليه فهمه، ولذلك تربية الطلاب على مثل هذه الأمور أمرٌ لابد منه ليتخرج طالب علم يمكن أن يعوَّل عليه؛ بحيث إذا أشكل عليه يراجع الكتب، ولا يُشكل عليه فهم جملة ولا مسألة ولا لفظة من ألفاظهم التي تدور في كتبهم.

واختُلف فيه عن أبي هريرة، فأشهر قوليه عند أهل العلم: أنه لا صوم له، وفيه قولٌ ثالث عن أبي هريرة قال: إذا علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر-يعني: يكون متعمدًا-، وإن لم يعلم حتى يصبح فهو صائم. ورُوي ذلك عن طاووس، وعروة بن الزبير، وعن النخعي قولٌ رابع وهو أن ذلك يجزئه في التطوع، ولا يجزئه في الفرض.

يجزئه في التطوع لأن أمره أسهل من الفرض، والفرض يُحتاط له أكثر مما يُحتاط للتطوع كما تقدم في مسألة النية.

وعن النخعي قولٌ رابع وهو أن ذلك يجزئه في التطوع، ولا يجزئه في الفرض، واحتجوا بحديث أبي هريرة–رضي الله عنه– أن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «من أصبح جُنبًا، أفطر ذلك اليوم» ولم يقل به أحدٌ من فقهاء الأمصار غير الحسن بن صالح.

وفي فتح الباري: حمل القائلون بفساد صيام الجُنب حديث عائشة على أنه من الخصائص النبوية، أشار إلى ذلك الطحاوي بقوله: وقال آخرون: يكون حكم النبي –صلى الله عليه وسلم– على ما ذكرت عائشة، وحكم الناس على ما حكى أبو هريرة.

يعني: إذا تعارض القول مع الفعل، حُمل الفعل على أنه خاص به، والقول على أنه لغيره، وهذا مسلك عند أهل العلم يسلكونه كثيرًا.

وأجاب الجمهور بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، وبأنه قد ورد صريحًا ما يدل على عدمها يعني: على عدم الخصوصية.

وترجم في ذلك ابن حبان في صحيحه حيث قال: ذِكر البيان بأن هذا الفعل لم يكن المصطفى مخصوصًا به، ثم أورد ما أخرجه هو ومسلم والنسائي وابن خزيمة وغيرهم من طريق أبي يونس مولى عائشة، عن عائشة –رضي الله عنها– أن رجلًا جاء إلى النبي –صلى الله عليه وسلم– يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة –أي: صلاة الصبح–  وأنا جُنب، أفأصوم؟

فقال النبي –صلى الله عليه وسلم–: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جُنب فأصوم». فقال: لست مثلنا يا رسول الله؛ قد غفر الله لك ما تقدم لك من ذنبك وما تأخر. فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي».

شف الترجمة من ابن حبان، ابن حبان ترجم في صحيحه وطلاب العلم كثيرٌ منهم يغفل عن هذا الكتاب "صحيح ابن حبان"؛ اكتفاءً بالصحيحين أو بالستة، وبعضهم ممن يحب الإغراب يذهب إلى الأجزاء والفوائد والمعاجم والمشيخات ويترك مثل هذه الأصول، وانظر ما في كلامه وفي كلام ابن خزيمة الآتي.

يقول ابن حبان: ذِكر البيان بأن هذا الفعل لم يكن المصطفى مخصوصًا به، ثم أورد ما أخرجه هو ومسلم والنسائي وابن خزيمة وغيره من طريق أبي يونس مولى عائشة، عن عائشة –رضي الله عنها– أن رجلًا جاء إلى النبي –صلى الله عليه وسلم– يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله، تدركني الصلاة أي: صلاة الصبح  وأنا جُنب، أفأصوم؟

فقال النبي –صلى الله عليه وسلم–: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جُنب فأصوم». فقال: لست مثلنا يا رسول الله؛ قد غفر الله لك ما تقدم لك من ذنبك وما تأخر. فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي».

يعني هل يمكن أن تُدعى الخصوصية مع هذا الكلام؟

المقدم: لا.

ما يمكن، وهذا يستفاد من ترجمة ابن حبان وإيراده الخبر.

ابن خزيمة أيضًا في صحيحه يترجم بكلامٍ في غاية الأهمية، يوجه به الأحاديث، ويجمع بين متعارضها، فعلى طالب العلم أن يُعنى به.

ذكر ابن خزيمة في صحيحه ترجمة: باب ذِكر خبرٍ رُوي في الزجر عن الصوم إذا أدرك الجُنب الصبح قبل أن يغتسل، لم يفهم معناه بعض العلماء فأنكر الخبر، وتوهم أن أبا هريرة مع جلالته ومكانه من العلم غلِط في روايته والخبر ثابتٌ صحيح من جهة النقل إلا أنه منسوخ، لا أن أبا هريرة غلِط في رواية هذا الخبر، ثم ذكر خبر عائشة وأم سلمة، ثم قال ابن خزيمة، أبو هريرة أحال الخبر على مليءٍ صادقٍ بار في خبره.

أحال على مَن؟ على الفضل بن عباس، وعلى أسامة.

أحال الخبر على مليءٍ صادقٍ بار في خبره إلا أن الخبر منسوخ، يعني: هل من مقتضى النسخ أن يكون الراوي ضعيف؟ لا، قد يكون الخبر في الصحيحين ومع ذلك منسوخ.

إلا أن الخبر منسوخ لا أنه وهِم ولا غلِط؛ وذلك أن الله–تبارك وتعالى– عند ابتداء فرض الصوم على أمة محمد– صلى الله عليه وسلم– كان حضر عليهم الأكل والشرب في ليل الصوم بعد النوم، كذلك الجماع، فيشبه أن يكون خبر الفضل بن العباس «من أصبح وهو جُنب فلا يصوم في ذلك اليوم» في ذلك الوقت قبل أن يُبيح الله الجماع إلى طلوع الفجر، وهذا سبقت الإشارة إليه، لكن كلام ابن خزيمة أقدم فلعله هو عمدة مَن تقدم.

المقدم: الصحيحان قد خُدم يا شيخ ابن خزيمة وابن حبان.

نعم، بلا شك.  

المقدم: خدمة جيدة.

جيدة نعم، حُققا تحقيقًا طيب حُكم على أحاديثهما، علمًا بأن صحيح ابن خزيمة الموجود ناقص، لا يوجد منه إلا الربع، قدر الربع والنقص قديم ما هو بجديد، يعني: حتى ابن حجر ما وقف إلا على هذا المقدار.

وصحيح ابن حبان ليس على وضعه الأصلي، الأنواع والتقاسيم عند ابن حبان الذي صنف كتابه عليه معجز، لا يستطيع طالب علم عادي أو حتى عالم في الجملة أن يستخرج حديثًا من الصحيح من غير أن يقرأ الكتاب كاملًا، وعمدًا فعل ذلك؛ ليُقرأ الكتاب، ورتبه على الأنواع والتقاسيم من أجل أن يُقرأ الكتاب، فجاء ابن بلبان فرتب الكتاب على الأبواب، ويسَّر الانتفاع به، ثم خُدم بالتحقيق الجيد الذي هو موجود في الأسواق في ثمانية عشر جزءًا . طُبع مرارًا كلها طبعات رديئة، والطبعة المحققة في ثمانية عشر جزءًا الأرناؤوط وجماعة هؤلاء أتقنوه وضبطوه.

والحديث خرَّجه الإمام البخاري في مواضع، الأول هنا في كتاب الصوم في باب الصائم يصبح جُنبًا، فذكره بطوله، وقد سقناه سابقًا بإسناده ولفظه بطوله، ومناسبته ظاهرة، ثم ذكر حديث عائشة في باب اغتسال الصائم بإسنادين، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثنا يونس عن ابن شهاب، عن عروة وأبي بكر، قالت عائشة –رضي الله عنها-: كان النبي –صلى الله عليه وسلم– يدركه الفجر جُنبًا في رمضان من غير حُلم فيغتسل ويصوم. والمناسبة ظاهرة اغتسال الصائم "فيغتسل ويصوم".

وقال بعد ذلك: حدثنا إسماعيل، وقال: حدثني مالك، عن سُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن قال: كنت أنا وأبي فذهبت معه حتى دخلنا على عائشة –رضي الله عنها– قالت: أشهد على رسول الله –صلى الله عليه وسلم– أنه كان يصبح جُنبًا من جماع غير احتلام ثم يصومه، ولم يذكر فيه غُسلًا.

والترجمة: اغتسال الصائم. والموضع هذا لم يذكر فيه الغُسل إحالةً على الرواية التي تقدمتها.

وذكر حديث أم سلمة أشار إليه إشارة، ثم دخلنا على أم سلمة فقالت مثل ذلك، والحديث أخرجه الإمام مسلم فهو متفقٌ عليه.

المقدم: يعني مواضع الحديث كلها في هذا الباب؟ باب الصائم يصبح جُنبًا.

لا.

المقدم: فيه باب المباشرة للصائم، ما فيه موضع يا شيخ؟

فيه باب اغتسال الصائم. 

المقدم: هذا قبل باب المباشرة.

كيف؟

المقدم: باب اغتسال الصائم بعد باب الصائم يصبح جُنبًا.

ما فيه إلا المواضع هذه، ما فيه إلا هذه المواضع، في باب اغتسال الصائم.

المقدم: أحسن الله إليكم ونفع بعلمكم.

بهذا أيها الإخوة نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

نلقاكم بإذن الله تعالى في حلقةٍ قادمة وأنتم على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.