شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 19

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 19
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة من شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع بداية حلقتنا نرحب بفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.   

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: توقفنا عند آخر حديث أبي هريرة في باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتُصدق عليه فليُكفِّر، توقفنا عند قوله– عليه الصلاة والسلام–: «أطعمه أهلك».

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

ففي آخر الحديث قال النبي– عليه الصلاة والسلام– للرجل الذي وقع على امرأته في رمضان وهو صائم، قال: «أطعمه أهلك». جاء في رواياتٍ وألفاظ ذكرناها في آخر الحلقة السابقة: ففي رواية: «أطعمه عيالك»، وفي رواية: «فأنتم إذًا»، وفي رواية: «ثم قال كله»، وعرفنا ما بين قوله: «أطعمه أهلك» وأنه يدخل فيهم؛ لأن الإنسان يدخل في أهله دخولًا أوليًّا.

قال الكرماني: فإن قلت: كيف أذن للرجل أن يطعم أهله؟ قلت: إنه كان عاجزًا عن التكفير بالعتق لإعساره، وعن الصيام لضعفه وعدم طاقته، فأمر له رسول الله– صلى الله عليه وسلم– بما يتصدق به، فأخبره أنه ليس بالمدينة أحوج منه إلى الصدقة، فأذن له في إطعام عياله؛ لأنه كان محتاجًا ومضطرًا إلى الإنفاق على عياله في الحال، والكفارة على التراخي.

يعني: خذ هذا الفَرَق أو العَرَق أو المكتل، خذه وتصدق به على أولادك، كله أنت وأهلك، هذا الآن حل للأزمة الراهنة والكفارة ليس لها وقت، يعني: ليس لها وقت ينتهي على خلاف بين أهل العلم يأتي الإشارة إليه.

يقول الكرماني: قلت: كان عاجزًا عن التكفير بالعتق لإعساره، وعن الصيام لضعفه وعدم طاقته، فأمر له رسول الله– صلى الله عليه وسلم– بما يتصدق به، فأخبره أنه ليس بالمدينة أحوج منه إلى الصدقة، فأذن له في إطعام عياله؛ لأنه كان محتاجًا ومضطرًا إلى الإنفاق على عياله في الحال، والكفارة على التراخي. 

يعني: لو افترضنا أن.. وجبت عليه كفارة، وعنده في بيته ما يكفِّر به، لكنه محتاج إليه، هل يقال: كفِّر بهذا وتكفف الناس، أو يقال: انتظر؟ كل هذا أنت وأولادك ما دمت محتاجًا إليه ثم بعد ذلك تبقى الكفارتين في ذمتك.

والكفارة على التراخي، يقول الكرماني: وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث ألف مسألة وأكثر وهذا سبقت الإشارة إليه، وأن هذا يكون مبررًا للإطالة في شرح هذا الحديث.

وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث ألف مسألة وأكثر وقال ابن حجر: اعتنى بعض المتأخرين ممن أدركه شيوخنا، فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة.

وهذا من التوسع في العلم، من سعة الاطلاع ومن دقة النظر والاستنباط، لكن قد يكون بعض الفوائد استنباطه فيه بُعد وفيه تكلف، لكن يبقى أن لا شك أنه قدرة على الاستنباط. ولو تأتي ببعض طلاب العلم تقول: أمامك الحديث استخرج ما يستفاد منه.

المقدم: ممكن ما يطلع إلا خمسة.

ممكن يطلع عشر فوائد، والسبب في هذا أن الطلاب في الجملة لم يعانوا، ما عانوا كتبت الشروح لتتولد لديهم ملكة الاستنباط، يعني الشروح فيها الاستنباط، فطالب العلم الذي يديم النظر في الشروح تتولد لديه هذه الملكة ثم بعد ذلك يكون من أهل العلم الذين يستنبطون، فاستنباطه من حديث يعينه على الاستنباط من حديث آخر وينبهه إلى كيفية الاستنباط، كيفية التعامل مع النصوص، كيفية التوفيق بين النصوص المختلفة المتعارضة، لكن الطلاب يرون الشروح بالمجلدات الكثيرة وبألوف الصفحات ثم بعد ذلك يعزفون عنها.

ومع الأسف أن بعضهم يقول الآن: ما عاد للكتب الآن قيمة.

المقدم: السي دي يكفي.

خلاص، سي دي يكفيه عن مكتبة كاملة، فلمَ يتعب نفسه ويرهق جهده في البحث، مثل هذا الذي يعتمد على هذه الآلات هذا لن يدرك ما يبني به نفسه والله المستعان.

قد يقول قائل: كيف؟ ألف فائدة من حديث؟! ذكر بعضهم أنه استنبط من الفاتحة عشرة آلاف مسألة، ابن القيم كتب على {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] مدارج السالكين، ثلاث مجلدات.

أولًا: الطلاب ما تعودوا على معاناة الشروح ولا قراءة كتب أهل العلم الذين يفسرون بها كلام الله– جل وعلا– وكلام نبيه– عليه الصلاة والسلام–، وليست لديهم، أقول: في الجملة، وإلا فيوجد ولله الحمد بكثرة، يعني يوجد نابتة مسكوا الطريق ومسكوا الجادة من أولها ويُرجى لهم في المستقبل، لكن السواد الأعظم من طلاب العلم لا عناية لهم بهذا فتجدهم يقفون عند كل شيء، لا يستطيعون أن يستنبطوا، ويصعب عليه التوفيق بين النصوص، لكن لو كانت لهم عناية بالتفاسير ولهم أيضًا معرفة ودُربة وخبرة بما يعين على فهم كلام الله– جل وعلا– وكلام نبيه– عليه الصلاة والسلام– استطاعوا أن يتعاملوا مع النصوص على طريقة أهل العلم.

قال ابن دقيق العيد: قوله: «أطعمه أهلك» تباينت المذاهب فيه، فمن قائل يقول: هو دليلٌ على إسقاط الكفارة عنه.

الآن بعض طلاب العلم يتعذر بقراءة كتب التفسير أو الحديث أن فيها خليطًا من العقائد المخالفة لما عليه سلف هذه الأمة، نعم في كثير وفي جُل كتب التفسير وكتب الشروح فيها ما يخالف ما عليه سلف الأمة وأئمتها من العقائد المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة، لكن لا يعني أنها تعطل وتُهمل.

يعني: إذا اقتصرنا على السالم مائة بالمائة فقليل.

المقدم: قليل، هل يُعزى ذلك أن السلف– رحمهم الله– أو من كانت عقيدتهم سليمة لم ينشغلوا بالتأليف كثيرًا سواء في التفسير أو في شروح الحديث أو في الفقه وأصوله.

الأئمة ما قصروا؛ شرحوا ووضحوا وبينوا، والتفسير الثابت عن النبي– عليه الصلاة والسلام– وعن صحابته والتابعين لهم بإحسان كثير، لكن مع ذلك فيه استنباطات مبنية على ما ثبت عن النبي– عليه الصلاة والسلام يُحتاج إليها في كتب التفاسير الأخرى، وإلا الكتب من الأئمة الثقات الذين سلمت عقائدهم لاشك أنها، فيها غُنية لكن لا يقال: إن النظر في غيرها أيضًا لا يُحتاج إليه.

فالحاجة قد تدعو أحيانًا إلى ما يعين على فهم كلام السلف من كلام العلماء الذي فسروا فهم يذكرون ما ثبت عن النبي– عليه الصلاة والسلام– كالحافظ ابن كثير مثلًا يذكر التفسير بالأثر، يقدم تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالسنة، ثم تفاسير السلف، ثم بعد ذلك يأتي بما يترجح لديه، يقرر هو من عنده ويستنبط، وقد ينقل عن المفسرين الآخرين ممن عُرفوا أو عُرف بعضهم بالمخالفة في العقائد ينقل، نقل عن الزمخشري، نقل عن الرازي، نقل عن القرطبي، فيه نقول من هذه التفاسير.

فلا يعني أن هذه التفاسير لا يُستفاد منها بالكلية، يستفاد منها على حذر، ويستفيد منها المتأهل– بهذا الشرط– أما طالب علم ما تأهل ينظر؟ هذا مثل الذي لا يعرف السباحة ويدخل البحر، هذا يضيع، وعليه خطر أن يضل وهو لا يشعر، وبعض المبتدعة عندهم تفنن وعندهم دقة في إدخال بدعهم وتمشيتها على المتوسطين.

يعني اعتزاليات الزمخشري، بالمناقيش استخرجها أهل العلم، البدعة التي في تفسير الرازي لا يدركها طالب علم متوسط فضلًا عن المبتدئ؛ ولذا لا يُنصح الطالب بالقراءة في كتب المبتدعة إلا إذا تأهل، وإذا تأهل له النظر فيها، وفيها فوائد، لا يُنكر أن فيها فوائد.

يقول ابن دقيق العيد: قوله: «أطعمه أهلك» تباينت المذاهب فيه، فمن قائل يقول: هو دليل على إسقاط الكفارة عنه؛ لأنه لا يمكن أن يصرف كفارته إلى أهله ونفسه، وإذا تعذر أن تقع كفارة ولم يبين النبي– صلى الله عليه وسلم– له استقرار الكفارة في ذمته إلى حين اليسار، لزم من مجموع ذلك سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لسبب وجوبها، وربما قُرر ذلك بالاستشهاد بصدقة الفطر حيث تسقط بالإعسار المقارن لاستهلال الهلال وهذا قول الشافعي، أعني سقوط الكفارة بهذا الإعسار المقارِن.

يعني: إذا أعسر، ما يجد ما يكفِّر به تسقط عنه الكفارة حينئذٍ، والنبي– عليه الصلاة السلام– أعطاه هذا العَرَق وقال: «تصدق به على أهلك»، والأهل لا تُصرف لهم الكفارة، إذًا ليست بكفارة، ولم يبين له أن الكفارة بقيت في ذمته فدل على أن الكفارة سقطت، وهذا وجهة نظر من يقول: إنها تسقط بالإعسار، وقاسوا ذلك على صدقة الفطر.

ومِن قائل يقول: لا تسقط الكفارة بالإعسار المقارن، وهو مذهب مالك، والصحيح من مذهب الشافعي أيضًا، ونسبه ابن حجر إلى الجمهور.

لأن الكفارة دين، دين الله وحق الله وحق الله  أحق أن يُقضى، نعم {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280] يعني: في الحقوق كلها، في الديون كلها سواءً كانت في حقوق الخالق أو في حقوق المخلوقين تبقى دينًا في ذمته في قول الجمهور، كما لا يسقط دين الآدمي لا يسقط دين الله– جل وعلا–، لكن لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، هل نقول: يستدين ليكفِّر؟ لا يستدين ليكفِّر، ولا يسأل الناس ولا يتكففهم من أجل أن يُكفِّر؛ لما في ذلك من المنّة.

في شرح الخطابي يقول: قد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى أن هذا إنما كان خاصًّا لذلك الرجل.

لكن لو أن الرجل الذي لزمته الكفارة غني وليس في يده الآن ما يكفِّر به، ويستطيع أن يُصرِّف بعض البضاعة التي عنده، أو يقترض حتى يُسدد مسارعةً في إبراء ذمته وفعل ذلك، لا شك أنه أفضل لاسيما إذا كان لديه ما يسد به هذا الدين؛ مسارعةً في إبراء الذمة.

يقول الخطابي: قد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى أن هذا إنما كان خاصًّا لذلك الرجل، وذهب آخرون إلى أنه منسوخ؛ إذ كان قول عامة أهل العلم بخلافه.

منهم من قال: خاص، ومنهم من قال: منسوخ، لماذا قالوا: خاص؟ ولماذا قالوا: منسوخ؟ لأن الجمهور على لزوم الكفارة، وأنها ثابتة في ذمته.

قال ابن دقيق العيد: قوله -عليه السلام-: «أطعمه أهلك» فيه وجوه، منها: ادعاء بعضهم أنه خاصٌّ بهذا الرجل أنه يجزئه أن يأكل من صدقة نفسه لفقره، فسوّغها له النبي– صلى الله عليه وسلم–، ومنها ادعاء أنه منسوخ، وهذان ضعيفان؛ إذ لا دليل على التخصيص ولا على النسخ، ومنها أن تكون صُرفت إلى أهله؛ لأنه فقيرٌ عاجز لا يجب عليه النفقة لعُسره وهم فقراء أيضًا، فجاز إعطاء الكفارة عن نفسه لهم.

يعني: نظير دفع الزكاة من الزوجة لزوجها كما في حديث ابن مسعود: وزكاة امرأته، لكن هل يجوز دفع الزكاة للزوجة؟

المقدم: لا.

الزوجة لا تلزمها نفقة زوجها فتدفع زكاتها لزوجها، لكن العكس لا.

المقدم: الزوج يجب عليه النفقة.

الزوج يجب عليه النفقة، وإن عجز عنها وطالبت تفسخ.

ومنها أن تكون صُرفت إلى أهله؛ لأنه فقيرٌ عاجز لا يجب عليه النفقة لعُسره وهم فقراء أيضًا، فجاز إعطاء الكفارة عن نفسه لهم يعني: هذا ما يجب عليه نفقة، والمسألة مفترضة في مَن تجب عليه نفقتهم، ومادام معسرًا ورضيت بالبقاء لا تجب عليه النفقة، ومادام ما تجب عليه النفقة والمانع من صرف الزكاة ومن صرف الكفارة هو وجوب النفقة وهذا لا تجب عليه نفقة.

فجاز إعطاء الكفارة عن نفسه لهم، وقد جوَّز بعض أصحاب الشافعي لمن لزمته الكفارة مع الفقر أن يصرفها إلى أهله وأولاده، وهذا لا يتم على رواية من روى «كُلْه وأطعمه أهلك».

وقال ابن حجر: قيل: المراد بالأهل الذين أُمر بصرفها إليهم من لا تلزمه نفقته من أقاربه، وهو قول بعض الشافعية، وضُعِّف بالرواية الأخرى التي فيها «أطعمه عيالك»، وبالرواية المصرِّحة بالإذن له في الأكل من ذلك.

قال الشيخ تقي الدين، مَن تقي الدين؟

المقدم: إذا أُطلق كده؟

هذا معرض كلام ابن حجر.

المقدم: شيخه.

من هو؟ لا، هو إذا أطلق تقي الدين لا يريد بذلك إلا ابن دقيق العيد، أما إذا أراد ابن تيمية قال: ابن تيمية.

قال الشيخ تقي الدين: وأقوى من ذلك أن يُجعل الإعطاء لا على جهة الكفارة، بل على جهة التصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم، وأما الكفارة فلم تسقط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذًا من هذا الحديث.

يعني: إذا استقرت في ذمته وهي دين، تبقى بذمته، وما في الحديث يكون هو مجرد رفع حاجة، وليس فيه أن الكفارة سقطت، ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذًا من هذا الحديث، يعني هذا الحديث ما فيه ما يدل على أنها استقرت في ذمته؛ إنما فيه «أطعمه أهلك»، ما قال: وتبقى الكفارة في ذمتك، لكن معلومٌ أن الكفارة تبقى دين من الديون متى أيسر بها يُخرجها.

وأما ما اعتلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه؛ لأن العلم بالوجوب قد تقدم، ولم يرِد في الحديث ما يدل على الإسقاط؛ لأنه لما أخبره بعجزه ثم أخبره بإخراج العَرَق دل على أن لا سقوط عن العاجز.

يقول: وأما ما اعتلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه؛ لأن العلم بالوجوب قد تقدم.

النبي– عليه الصلاة والسلام  وهذا موضع بيان– لم يقل له خذ هذا وأطعمه أهلك، لكن تبقى الكفارة في ذمتك، ولما لم يقل له ذلك والمقام مقام بيان، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، هذا رده ابن دقيق العيد، " وأما ما اعتلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه؛ لأن العلم بالوجوب قد تقدم، ولم يرِد في الحديث ما يدل على الإسقاط؛ لأنه لما أخبره بعجزه ثم أخبره بإخراج العَرَق دل على أن لا سقوط عن العاجز، ولعله أخر البيان إلى وقت الحاجة وهو القدرة".

يعني: هل للقائل الذي قال: تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز أن يقول: هذا أول شخص وقع منه هذا العمل والمسألة مسألة بيان؟ هل له أن يقول هذا لأنها أول حادثة، والمسألة مسألة بيان؟

في الحديث «خذ هذا فتصدق به»، فقال الرجل لأنه بيّن بأنه لا يوجد عنده ما يُطعم ستين مسكينًا، قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟»، قال: لا. هو عاجز الآن، فكيف يُرد عليه مرة ثانية أن يقال: «خذ هذا فتصدق به»؟ يعني لو كانت تسقط مع العجز.

المقدم: ما أُعطي.

لو كانت تسقط مع العجز لكان في قوله: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟»، قال: لا، انتهت، ما يُعاد عليه مرة ثانية «خذ هذا فتصدق به»، فدل على أنه يؤمر بها ثانية. إذا أبدى عذرًا من عدم قدرته على التكفير في وقته دل قوله بعد ذلك: «خذ هذا فتصدق به» على أنها مازالت في ذمته، ولم يحتج إلى الأمر بها ثانيًا. 

قال ابن حجر: قد ورد ما يدل على إسقاط الكفارة أو على إجزائها عنه بإنفاقه إياها على عياله، وهو قوله في حديث علي: «وكله أنت وعيالك فقد كفَّر الله عنك».

هذا لو صح قلنا إنه انتهت الكفارة، «وكله أنت وعيالك فقد كفَّر الله عنك» لكنه حديثٌ ضعيف، لا تقوم به حجة، فكونه عاجزًا عن التكفير بقوله: لا أجد ما يطعم به ستين مسكينًا لو كانت تسقط عنه انتهت، لكن لما أعاد عليه قال: «خذ هذا فتصدق به» دل على أنها مازالت في ذمته مع علم النبي– عليه الصلاة والسلام– بعجزه في قوله في الأول: لا.

فائدة: سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية– رحمه الله– عن رجل أراد أن يواقع زوجته في شهر رمضان بالنهار، فأفطر بالأكل قبل أن يُجامع ثم جامع.

المقدم: حتى لا تجب عليه الكفارة.

فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟

المقدم: هذا احتال، والمحتال يُعامل بنقيض قصده.

أراد أن يواقع زوجته في شهر رمضان بالنهار، فأفطر بالأكل قبل أن يُجامع ثم جامع، فهل عليه كفارة أم لا؟ قل مثل هذا لو سافر من أجل أن يجامع، أو سافر من أجل أن يأكل.

في مسألة الأكل قبل، الذي سُئل عنه الشيخ– رحمه الله– فأجاب: الحمد لله، هذه المسألة فيها قولان للعلماء مشهوران:

أحدهما: تجب الكفارة، وهو قول جمهورهم كـ مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، هذا قول الجمهور أنها تجب عليه.

والثاني: لا تجب، وهو مذهب الشافعي.

وهذان القولان مبنيان على أن الكفارة سببها الفطر من الصوم أو من الصوم الصحيح بالجماع أو بجماعٍ وغيره على اختلاف المذاهب، يعني: هل من أكل ثم جامع هل أفسد صومًا صحيحًا بالجماع؟ أفسد صومًا.

المقدم: باطل.

من الأصل هو فاسد، وهذه وجهة نظر الشافعية، وأما الجمهور فجعلوا الأكل كالمقدمة للجماع فهو في حكمه، وإذا لاحظنا عظمة وحرمة الشهر اتجه قول الجمهور، وأن من فعل ذلك متحايلًا فإنه تلزمه الكفارة.

الحديث فيه فوائد كثيرة جدًّا مثل ما أشرنا سابقًا إلى أن فيه أكثر من ألف فائدة، لكن نقتصر منها على الأمور الواضحة لاسيما ما اعتنى به الإمام البخاري في تراجمه التي هي فقهه.

فيه من الفوائد غير ما تقدم: الرفق بالمتعلم، والتلطف في التعليم، والتألف على الدين، والندم على المعصية، واستشعار الخوف.

الرفق بالمتعلم: يعني لو أن هذا الشخص لما جاء إلى النبي– عليه الصلاة والسلام– نهره وزجره وتلفظ بألفاظ بذيئة  حاشاه–عليه الصلاة والسلام– الذي خُلقه القرآن، افترض هذا في عالم يُسأل عن مثل هذا ثم ينهر أو يتلفظ بألفاظ ما يجيء ثانٍ، يمكن ما يجيء شخص ثانٍ يستفتي، فيصد الناس عن بيان الحق بهذه الطريقة.

الرسول القدوة والأسوة– عليه الصلاة والسلام– رفق بالمتعلم، بل رفق– عليه الصلاة والسلام– بالذي بال في المسجد «دعوه»، هذا خُلقه– عليه الصلاة والسلام–، وكم جلب هذا الخُلق من مصالح دينية ودنيوية!

فيه الرفق بالمتعلم، والتلطف في التعليم، والتألف على الدين يعني: لو جاء شخص وقع في زلة، لكن فرق بين من يأتي نادم وبين من لا يأتي في الأصل، فهذا مستهتر، وتقع منه الهفوات والزلات ويوقف عليه من غير أن يقدم نفسه للاستفتاء مع ظهور الندم وعلامات التوبة فمثل هذا يُعذّر، يختلف حكم هذا عن هذا.

يقول: والتألف على الدين، والندم على المعصية، هذا جاء نادمًا يقول: هلكت، واستشعار الخوف، قاله الحافظ ابن حجر.

وقال العيني، كلام العيني يستوعبه الوقت أم لا؟

المقدم: لعلنا نرجئ الفوائد عمومًا إلى حلقة قادمة بإذن الله تعالى.

طيب، لا بأس.

المقدم: أحسن الله إليكم ونفع بعلمكم، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة على أن نستكمل ما تبقى من الفوائد وأطراف الحديث بإذن الله تعالى في الحلقة القادمة وأنتم على خير، شكرًا لطيب متابعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.