شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 12

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 12
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا فضيلة الدكتور.   

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لازلنا في باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيءٌ فتُصدِّق عليه فليُكفِّر، كنا توقفنا عند أربع مسائل ساقها ابن قدامها –رحمه الله– في كتاب المُغني لعلنا فقط نُذكِّر الإخوة بالثلاث الأُول، ثم نستكمل الرابعة إذا تفضلتم، أحسن الله إليكم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فتقدم في كلام ابن قدامة ثلاث مسائل:

الأول: أن من أفسد صومًا واجبًا بجماع فعليه القضاء سواء كان ذلك في رمضان أو في غيره في قول الجمهور، وساق القول الثاني بدليله.

والمسألة الثانية: أن الكفارة تلزم من جامع في الفرج عامدًا، أنزل أو لم ينزل في قول عامة أهل العلم، وأما الناسي فهو موضوع المسألة الرابعة.

والمسألة الثالثة: الجماع فيما دون الفرج هل يوجب الكفارة أو لا؟

تقدمت هذه المسائل الثلاث، وأما المسألة الرابعة وهي التي قد بقيت من كلامه –رحمه الله–.

المسألة الرابعة: إذا جامع ناسيًا. يقول: فظاهر المذهب أنه كالعامد نصَّ عليه، وهو قول عطاء وابن الماجشون.

روى أبو داود عن أحمد أنه توقف عن الجواب، وقال: أجبُن أن أقول فيه شيئًا.

مَن الذي يقول هذا الكلام؟ الإمام أحمد، الذي يحفظ من السنة سبعمائة ألف حديث، وتجد بعض الطلاب الصغار الذي لا يحفظ الأربعين لا يتردد في مثل هذا، ولا شك أن هذه علامة خذلان، والإمام أحمد الإمام إمام أهل السنة وحافظ السنة يقول: أجبُن أن أقول فيه شيئًا، وأن أقول ليس عليه شيء.

قال: سمعته غير مرةٍ لا ينفذ له فيه قول.

المقدم: في الناسي؟

في الناسي نعم.

المقدم: وما سقناه قبل قليل.

أنه يقول به؟

المقدم: نعم.

هذه رواية عنه؛ لأن الإمام أحمد كما هو معروف له روايات ينقلها أصحابه، وقد يجرؤ في وقت؛ لأنه لاح له الدليل وتبينت له المسألة ولا إشكال فيها عنده، ثم يجبن في وقتٍ آخر أو العكس، قد يكون جبنه الأول لعدم اتضاح الدليل، وجزمه الثاني بعد ظهوره.

ونقل أحمد بن القاسم عنه: كل أمرٍ غُلب عليه الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره.

"غُلب عليه" يعني: كما لو طار إلى حلقه ذباب مثلًا، هذا ليس عليه القضاء، فهل إذا غُلب الإنسان بنسيانٍ أو غيره أو إكراه على الجماع مثلًا يبطل صيامه وتلزمه الكفارة أو لا؟ يقول: كل أمر غُلب عليه الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره.

قال أبو الخطّاب، أبو الخطاب ما هذا؟ من؟ أبو الخطاب؟ نعم.. الخطاب الكلوذاني من أئمة الحنابلة.

قال أبو الخطاب: هذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان، وهو قول الحسن ومجاهد والثوري والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه معنى حرّمه الصيام، فإذا وُجد منه مكرهًا أو ناسيًا لم يفسده الأكل. وكان مالك والأوزاعي والليث يوجبون القضاء دون الكفارة؛ لأن الكفارة لرفع الإثم وهو محطوطٌ عن الناسي.

إذا أُكره على الجماع: المرأة يُتصور إكراهها على الجماع، لكن الرجل هل يُتصور إكراهه على الجماع؟ هذه مسألة يبحثها العلماء في أصول الفقه في مسألة الإكراه وأنه يدخل في مثل هذا أو لا؛ لأن الرجل إذا أُكره لا يستجيب، لا يستطيع الاستجابة إذا أُكره يعني: لا ينتشر، بخلاف المرأة.

على كل حال: ابن قدامة يقول: لنا أن النبي –صلى الله عليه وسلم–. أصل المسألة إذا جامع ناسيًا، فظاهر المسألة أنه كالعامد.

يستدل لهذا القول ابن قدامة، وأنه لا فرق بين العامد والناسي في مسائل الجماع: ولنا أن النبي –صلى الله عليه وسلم– أمر الذي قال: وقعت على امرأتي بالكفارة، ولم يسأله عن العمد، ولو افترقا الحال لسأل واستفصل، ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ السائل وهو الوقوع على المرأة في الصوم.

يعني: لا يوجد علة في إيجاب الكفارة إلا ما ورد على لسان السائل، وهو أنه جامع امرأته في نهار رمضان، وهم يقولون: العلة قوله: هلكت.

فرق بين ملحظ الحنابلة وملحظ غيرهم: غيرهم يلحظ كلمة "هلكت" على ما تقدم، وأنها تدل على أنه كان متعمدًا؛ لأن الناسي ليس بهالك على ما سبق شرحه، والحنابلة يقولون: ما عندنا في النص إلا أنه قال: وقعت على امرأتي في رمضان، وهو تفسيرٌ للهلاك فمجرد الوقوع موجب للكفارة.

ولنا أن النبي –صلى الله عليه وسلم– أمر الذي قال: وقعت على امرأتي بالكفارة، ولم يسأله عن العمد، ولو افترقا الحال لسأل واستفصل، ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ السائل وهو الوقوع على المرأة في الصوم، ولأن السؤال كالمُعاد في الجواب، فكأن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «من وقع على امرأته في رمضان فليُعتق رقبة..» إلى آخر الحديث «من وقع على امرأته في رمضان فليُعتق رقبة..».

فإن قيل: في الحديث ما يدل على العمد وهو قوله: هلكت، ورُوي: احترقت، قلنا: يجوز أن يخبر عن هلكته لما يعتقده في الجماع مع النسيان من إفساد الصوم وخوفه من غير ذلك يعني: من غير عمد، ولأن الصوم عبادة تحرم الوطء فاستوى فيها عمده وسهوه كالحج.

يعني: من وطئ قبل التحلل الأول يفسد حجه، وبعد التحلل يلزمه ما يلزمه من بدنة إلى غير ذلك من الآثار المترتبة على الجماع.

فاستوى فيها عمده وسهوه كالحج، لكن على ابن قدامة أن يثبت في هذا أن الخصم يقول بلزوم اللوازم في الجماع بالنسبة للحج على الساهي والناسي.

يعني: هل يبطلون حج من جامع ساهيًا أو ناسيًا أو يطردون الباب؟ إذا كانوا يبطلون الحج يُلزمهم بهذا؛ لأن الدليل ينبغي أن يكون مُسلمًّا به عند الخصمين. الفقهاء يتوسعون ويجعلون العلماء الذين بينهم شيء من الخلاف خصوم، يعني في باب المناظرة: لا تأتي بدليلٍ لا يقر به المناظر، الخصم، لابد أن يكون مما يعترف به الخصم.

يعني لو قال الحنبلي أو الشافعي: أنا لا أرمي الجمرة بحجر رُمي به سابقًا، يقول المالكي: ما دليلك؟ يقول: لأن الماء المستعمل في الطهارة لا يجوز أن يستعمل ثانيًا.  

المقدم: وهؤلاء ما يقرون.

نعم المالكية ما يرون مثل هذا، فلا تحتج به عليهم إلا بشيءٍ يعترف به مناظرك وخصمك.

ولأن الصوم عبادة تحرم الوطء فاستوى فيها عمده وسهوه كالحج، ولأن إفساد الصوم ووجوب الكفارة حكمان يتعلقان بالجماع لا تُسقطهما الشبهة، فاستوى فيهما العمد والسهو كسائر أحكامه.

لكن لو جاءنا شخص، قال: أنا نسيت ووطئت هذه المرأة، أجنبية عنه، قال: نسيت. طيب كيف نسيت؟! يُقبل مثل هذا؟

المقدم: ما يُقبل منه.

قد تشتبه الأجنبية بزوجته بأن توجد في فراشه مثلًا، أو يكون الشكل متقاربًا والرؤية غير واضحة، قد تشتبه زوجته بأجنبية، فإذا وطئها على أنها زوجته هذا قد يُقبل مثل هذا، لكن إذا قال: نسيت ووطئتها من دون شُبهة، لا يُقبل مثل هذا الكلام.

فاستوى فيهما العمد والسهو كسائر أحكامه. وفي المهذّب للشيرازي وهو من متون الشافعية مع شرحه المجموع للنووي، قال: وإن أفطر بالجماع من غير عذرٍ وجب عليه القضاء؛ لما روى أبو هريرة –رضي الله عنه– أن النبي –صلى الله عليه وسلم- أمر الذي واقع أهله في رمضان بقضائه، ولأنه إذا وجب القضاء على المريض والمسافر وهما معذوران فعلى المجامع أولى، ويجب عليه إمساك بقية النهار؛ لأنه أفطر بغير عذرٍ، وفي الكفارة ثلاثة أقوال.

أصل المسألة، ماذا يقول صاحب المهذب؟ وإن أفطر بالجماع من غير عذرٍ وجب عليه القضاء.. إلى آخر كلامه، وفي الكفارة ثلاثة أقوال:

أحدها: تجب على الرجل دون المرأة؛ لأنه حقٌّ مالي مختصٌّ بالجماع، فاختص به الرجل دون المرأة كالمهر.

والثاني: تجب على كل واحدٍ منهما كفارة؛ لأنه عقوبة تتعلق بالجماع، فاستوى فيها الرجل والمرأة كحد الزنا، ظاهر؟

المقدم: نعم.

يعني إلحاقه بالمهر أو إلحاقه بالزنا.

والثالث: تجب عليه عنه وعنها كفارة؛ لأن الأعرابي سأل النبي –عليه الصلاة والسلام– عن فعلٍ مشتركٍ بينهما، فأوجب عتق رقبة، فدل على أن ذلك عنه وعنها.

يعني: ما أفتاه إلا برقبةٍ واحدة، ما ألزمه إلا برقبة واحدة «هل تجد ما تعتق رقبة؟» فألزمه برقبةٍ واحدة، فدل على أنها عنه وعنها؛ لأنه عملٌ واحد، هو عملٌ واحد يلزم فيه كفارة واحدة، هذا وجهة القول الثالث.

القول الأول: أنها تجب على الرجل دون المرأة، المرأة ما عليها شيء كالمهر، ولو كانت مطاوِعة على هذا الكلام.

والثاني: تجب على كل واحدٍ منهما؛ لأن كلًّا منهما متلذذ بالفعل، فتجب على كل منهما كالحد.

والثالث: تجب عليه عنه وعنها كفارة؛ لأن الأعرابي سأل النبي –عليه الصلاة والسلام– عن فعل مشترك، يعني عمل واحد فتجب فيه كفارة واحدة.

هنا نستعمل ماذا؟ في مثل هذا إذا أمكن الإلحاق بأكثر من أصل، الفرع الواحد يُلحق بأكثر من أصل، هل يُلحق بالمهر فيلزم الرجل دون المرأة، أم يُلحق بالزنا فيلزمهما؟ هذا يستعمل في قياس الشبه وتردد الفرع بين أصلين.

أولًا: الحديث ليس فيه ما يدل على إلزام المرأة بالكفارة، اللهم إلا إذا قلنا إن النساء شقائق الرجال في التكليف، وأن ما يلزم الرجل يلزم المرأة إلا ما استُثني، فلا يلزم من عدم ذِكر الكفارة على المرأة أنها لم تجب عليها؛ لأن النساء شقائق الرجال.

فهل يُلحق الجماع بالمهر فلا يلزم المرأة، أو يُلحق بالزنا فيلزم الطرفين؟ أيهما أشبه به؟ أكثر شبهًا؟ والذي يظهر أنه مثل الزنا؛ لأن التلذذ من طرفين. إذا كانت مطاوعة وهي مكلفة كتكليف الرجل بالصيام ويلزمها ما يلزمه من حفظ الصيام وعدم الإخلال به.

المقدم: فعليها وعليه.

وهي أيضًا متلذذة بالعمل، فهي مثله، فإلحاقها بالحد أولى من إلحاقها بالمهر؛ لأن المهر في مقابل الاستمتاع وغيره، فالرجل أكثر فائدة بالنكاح من المرأة، يستفيد أكثر، وله القوامة عليها بسبب المهر، فهو مستفيد أكثر فالمهر عليه، بخلاف الجماع فإنه فائدته للطرفين.

المقدم: طيب يا شيخ مثل هذه الأقوال ألا يمكن أن تقطع الخلاف السابق في مسألة العامد أو الناسي؟ يعني: أنا ما استطعت أن أتخيل أن يحصل هذا الفعل نسيانًا من طرفين؟ وفي نهار رمضان، في شهرٍ اشتُهرت حُرمته عند الناس.

هو في غاية البُعد، لكن في اليوم الأول مثلًا.

المقدم: من الطرفين يا شيخ؟!

من الطرفين، قد يقع، لكن لا يتذرع به من يتناسى ويزعم أنه ناسي؛ هذه معاملة بينه وبين ربه «الصوم لي وأنا أجزي به»، لا يطلع عليه أحد. ما الذي يطلع على رجل وامرأته في فراشهما، في قعر بيتهما إلا الله – جل وعلا–، وبعض الناس يضحك على نفسه ويظن أن الله –جل وعلا– لا يطلع عليه، وإن لم يقر بذلك بلسانه بل بفعله، فالمسألة في غاية الخطورة، إبطال صوم يوم من رمضان عمد هذه موبقة من الموبقات –نسأل الله السلامة والعافية–.

قال ابن قدامة في المُغني: ويفسد صوم المرأة بالجماع بغير خلافٍ نعلمه في المذهب؛ لأنه نوعٌ من المفطِّرات فاستوى فيه الرجل والمرأة كالأكل، وهل يلزمها كفارة؟ على روايتين:

إحداهما: يلزمها، وهو اختيار أبي بكر، وقول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر؛ ولأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل.

إحداهما: يلزمها يعني: الكفارة، وهو اختيار أبي بكر، أبي بكر هذا مَن؟

المقدم: أبو بكر كثير، أي واحد؟

هذا كلام صاحب المُغني "وهو اختيار أبي بكر".

المقدم: ...

ما له علاقة، ليس له علاقة فيها، ليس هو ابن الباقلاني أبدًا، غيره، ولا ابن العربي، ولا الصديق.

المقدم: ما مر، يعني: أول مرة لم أقيده يا شيخ.

الفقهاء يدور على ألسنتهم أُناس مشاهير يوردونهم على سبيل الإهمال بمعنى: أنهم لا يذكرون أنسابهم؛ لأنهم معروفين، مَن من الحنابلة من يخفى عليه أبو بكر؟ مَن أبو بكر؟ أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال صاحب الشافي.

يقول: يلزمها كفارة؛ لأنها كالرجل، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر؛ ولأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل.

والثانية: لا كفارة عليها. الثانية يعني: الرواية في المذهب.

قال أبو داود سُئل أحمد: مَن أتى أهله في رمضان أعليها كفارة؟ قال: ما سمعنا أن على امرأةٍ كفارة، وهذا قول الحسن، وللشافعي قولان كالروايتين، ووجه ذلك: أن النبي –صلى الله عليه وسلم– أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشيء مع علمه بوجود ذلك منها، ولأنه حق مال يتعلق بالوطء فكان على الرجل كالمهر يعني: مثل ما تقدم في كلام صاحب المهذب.

وفي "الهداية" من كتب الحنفية، من أشهر كتب الحنفية "الهداية" مع شرحها فتح القدير لابن الهمام، ابن الهُمام يُعنى بالدليل؛ لأنها من تلاميذ ابن حجر، فمراجعة هذا الكتاب بل هو عندي من أفضل كتب الحنفية "فتح القدير".

المقدم: خُدم وطُبع.

مطبوع مرارًا وعليه حواشٍ، والهداية مخدومة بتخريج أحاديثها، نصب الراية للزيلعي، فالكتاب إذا كان مخدومًا من وجوه ينبغي أن يُعتنى به.

وفي "الهداية" من كتب الحنفية قال مع شرحها فتح القدير: وإذا أكل الصائم أو شرب أو جامع نهارًا ناسيًا لم يفطر، والقياس أن يفطر وهو قول مالك – قول مالك يفطر ولو أكل أو شرب ناسيًا على ما تقدم–  وهو قول مالك؛ لوجود ما يضاد الصوم، فصار كالكلام ناسيًا في الصلاة.

يعني: يطرد عند الحنفية أن الكلام في الصلاة يبطل ولو كان ناسيًا، لكن لا يطرد عند المالكية.

يقول: إذا أكل أو شرب أو جامع نهارًا لم يفطر، والقياس أن يفطر، إذًا ما عمدته في قوله: "لم يفطر"؟ أما أكل أو شرب فتقدم أن الله –جل وعلا– أطعمه وسقاه، وقاسوا عليه الجماع؛ لأن النسيان حكمه واحد.

يقول: القياس أن يفطر، قاس ذلك على من تكلم في الصلاة ناسيًا، ووجه الاستحسان – يعني: وجه كونه لم يفطر– قوله عليه السلام للذي أكل وشرب ناسيًا: «تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك» وإذا ثبت هذا في الأكل والشرب ثبت في الوقاع للاستواء في الركنية بخلاف الصلاة؛ لأن هيئة الصلاة مذكرة فلا يغلب النسيان، ولا مذكرة في الصوم فيغلب، ولا فرق بين الفرض والنفل؛ لأن النص لم يفصِّل، ولو كان مخطئًا أو مكرهًا فعليه القضاء خلافًا للشافعي –رحمه الله– فإنه يعتبره بالناسي، ولنا أنه لا يغلب وجوده، وعذر النسيان غالب، ولأن النسيان من قِبل من له الحق، والإكراه من قِبل غيره فيفترقان كالمُقيد والمريض في قضاء الصلاة.

في كلام هذا الحنفي صاحب الهداية، "الهداية" عليها بعض الملاحظات من قِبل الحنفية وهي مُبينة.

يقول: إذا أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسيًا لم يفطر، والقياس أن يفطر، وهو قول مالك لوجود ما يضاد الصوم فصار كالكلام ناسيًا في الصلاة، ووجه الاستحسان يعني: وجه الترجيح في كونه لم يفطر وإن كان على خلاف القياس قوله -عليه السلام- للذي أكل وشرب ناسيًا: «تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك».

هذا بالنسبة للأكل والشرب ناسيًا، هذا ما فيه إشكال، وإذا ثبت هذا في الأكل والشرب ثبت في الوقاع قياسًا للاستواء في الركنية، يعني: ركن الصيام ترك الأكل والشرب والجماع، فإذا حصل ما يضاد هذا الركن بطل الصيام، وإذا لم يبطل في الأكل والشرب وتركه ركن في صحة الصوم لم يبطل في الجماع مثله.

للاستواء في الركنية بخلاف الصلاة: عندهم أن الكلام في الصلاة وإن كان ناسيًا يبطل الصلاة، بخلاف الصلاة، قال: لأن هيئة الصلاة مذكرة. أنت الآن تزاول الفعل، والفعل وجودي ما هو بفعل عدمي تنساه، الصلاة فعلٌ وجودي مذكر بنفسه، بينما الصيام فعلٌ عدمي تركي، فهذا يُنسى معه الناقض.

بخلاف الصلاة؛ لأن هيئة الصلاة مذكرة فلا يغلب النسيان، ولا مذكرة في الصوم فيغلب، ولا فرق بين الفرض والنفل؛ لأن النص لم يفصِّل في «من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه» ما فيه فرق بين الفرض والنفل. 

ولو كان مخطئًا أو مكرهًا فعليه القضاء. مخطئًا ظن أنه في شعبان، أو ظن أنه في غير رمضان، صائم لكن في غير رمضان، أو مُكرهًا: ملزَم بالأكل والشرب أو الجماع فعليه القضاء، لماذا؟ لأن النص في الناسي، والمُكرَه والمخطئ ذاكر أنه صائم، لكن لا يذكر أنه في صومٍ واجب أو في رمضان.  

فعليه القضاء خلافًا للشافعي –رحمه الله– فإنه يعتبره بالناسي؛ لأنه كل منهم معذور، الإكراه عذر، الخطأ عذر كالنسيان، فاستوت عند الإمام الشافعي. 

فإنه يعتبره بالناسي، ولنا أنه لا يغلب وجوده، الإكراه والخطأ لا يغلب وجوده بخلاف النسيان، النسيان كثير، يكثُر من الصائم، لكن الإكراه والخطأ قليل. ولنا أنه لا يغلب وجوده وعذر النسيان غالب، ولأن النسيان من قِبل من له الحق، ما الذي جعله ينسى فيأكل؟ الله –جل وعلا– وهو صاحب الحق في الصوم فيُعذر، بخلاف الإكراه فإنه من قِبل غير صاحب الحق فيفترقان كالمُقيد والمريض في قضاء الصلاة.

المقدم: هل يمكن أن أفهم يعني تلخيص ما تفضلتم به وأستخلص رأيكم أنكم توجبون الكفارة على الرجل والمرأة على حدٍ سواء، كما فهمته من الكلام.

نعم هذا الذي يظهر؛ لأن النساء شقائق الرجال، لا إذا كانت مطاوِعة غير مُكرَهة.

المقدم: ولا يُتصور أمر الناسي في الغالب فإن عليه الكفارة، أو ممكن هذا عندكم يا شيخ؟

والله الإمام أحمد جبُن عن ذلك، لكن إذا تُصور أنه نسي فالله –جل وعلا– يقول: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]. إذا تُصور، والأصل أصل العذر بالنسيان في الأكل والشرب منصوصٌ عليه، لكن العلماء حينما يختلفون في مثل هذا لأن سبب الخلاف أنه لا يُتصور النسيان، لكن إن تُصوِّر فـ{رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}.

المقدم: أحسن الله إليكم ونفع بعلمكم، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

لقاؤنا بكم يتجدد بإذن الله تعالى في حلقة قادمة وأنتم على خير، شكرًا لطيب متابعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.