شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 04

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 04
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.   

حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لازلنا في حديث سلمة بن الأكوع– رضي الله عنه– في باب إذا نوى بالنهار صومًا، لعلنا نستكمل بقية الأحكام يا شيخ.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تقدم كلام الحافظ ابن حجر في مسائل تتعلق بالنية، وأن النية لابد منها، ولابد من تبييتها لصيام الفرض. وادعى أن صيام يوم عاشوراء ليس بفرض، ورجحه ليستقيم له الكلام ويطرد عنده، وغير ذلك من المسائل التي مرت في كلامه، والعيني يناقشه فيها، فيقول: قد احتج أصحابنا.

يقول العيني: احتج أصحابنا بحديث الباب على صحة الصيام لمن لم ينوِ من الليل سواء كان من رمضان أو غيره؛ لأنه– صلى الله عليه وسلم– أمر بالصوم في أثناء النهار، فدل على أن النية لا تشترط من الليل. وقال بعضهم– يريد بذلك العادة، إذا أبهم وأورد الكلام للرد فهو يرد على ابن حجر، وقال بعضهم يعني ابن حجر: وأُجيب بأن ذلك يتوقف على أن صيام يوم عاشوراء كان واجبًا، والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا.

قلت– العيني–: روى الشيخان من حديث عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان -عليه الصلاة والسلام- يصومه، فلما قدم إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه». فهذا الحديث ينادي بأعلى صوته أن صوم يوم عاشوراء كان فرضًا.

فلما قدم إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه»، يعني: لو لم يكن فرضًا ما كان للتخيير مجال هنا، وكونه أمر بصيامه يدل على الوجوب.

يقول العيني: فهذا الحديث ينادي بأعلى صوته أن صوم يوم عاشوراء كان فرضًا. وعن النبي– صلى الله عليه وسلم– أنه أرسل إلى قرى الأنصار التي حول المدينة «من كان أصبح صائمًا فليُتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم» متفقٌ عليه.

قال الإمام أبو جعفر الطحاوي– رحمه الله-: ففي هذه الآثار وجوب صوم يوم عاشوراء، وفي أمره– صلى الله عليه وسلم– بصومه بعدما أصبحوا، وأمره بالإمساك بعدما أكلوا دليلٌ على وجوبه؛ إذ لا يأمر– صلى الله عليه وسلم– في النفل بالإمساك إلى آخر النهار بعد الأكل، ولا بصومه لمن لم يصمه.

وقول القائل المذكور– يعني ابن حجر–: والذي يترجح من أقوال العلماء أنه أي: صوم يوم عاشوراء لم يكن فرضًا، وعلى تقدير أنه قد كان فرضًا فقد نُسخ بلا ريب، فنُسخ حكمه وشرائطه.

قلت– العيني–: هذه مكابرة، فلا يترجح من أقوال العلماء إلا أنه كان فرضًا لما ذكرنا من الدلائل. وقوله: "فنُسخ حكمه وشرائطه" غير صحيح، ألا ترى أن التوجه إلى بيت المقدس قد نُسخ ولم تُنسخ سائر أحكام الصلاة وشرائطها؟ لكن التنظير مطابق؟

المقدم: لا.

غير مطابق.

المقدم: غير مطابق أبدًا.

نُسخ جميع ما يتعلق بالتوجه إلى بيت المقدس، أما الصلاة فهي باقية، ونسخ إيجاب صوم يوم عاشوراء لا يعني..

المقدم: نسخ الصوم كله.

 نسخ جنس الصوم، فالتنظير غير مطابق في كلام العيني، أما كلامه في وجوب صوم يوم عاشوراء كلام وجيه.

المقدم: كلام قوي، واستدلاله قوي.

نعم وقوله وأمره بالإمساك لا يستلزم الإجزاء؛ لأن الأمر بالإمساك يحتمل أن يكون لحرمة الوقت.

قلت– يقول العيني–: الاحتمال إذا كان ناشئًا عن غير دليل لا يعتبر به.

ابن حجر– رحمه الله– يردد هذه القاعدة: الاحتمالات العقلية المجردة–يعني عن الأدلة– لا مدخل لها في هذا العلم.

والعيني يقول: وقوله وأمره بالإمساك لا يستلزم الإجزاء؛ لأن الأمر بالإمساك يحتمل أن يكون لحرمة الوقت. قلت: الاحتمال إذا كان ناشئًا عن غير دليل لا يعتبر به، فبالاحتمال المطلق لا يُثبت الحكم ولا يُنفى.

لكن القياس في مثل هذا ظاهر أم غير ظاهر؟ أنه ما بلغهم وجوب صوم يوم عاشوراء إلا في النهار كمن لم يبلغه ثبوت دخول شهر رمضان إلا في النهار، ماذا يصنع؟ يؤمر بالإمساك، لكن هل يجزئ أو لا يجزئ؟ هذه مسألة أخرى، لكنه مع ذلك يؤمر بالإمساك، فتنظير ابن حجر مطابق، وإن قالوا في كثيرٍ من المناسبات أنه لا قياس في العبادات لكنهم يستعملونه، إذا احتاجوا إليه استعملوه.

ثم استدل هذا القائل– يعني ابن حجر– في قوله: الأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء بقوله: كما يؤمر من قدِم من سفرٍ في نهار رمضان، وكما يؤمر من أفطر يوم الشك ثم رُؤي الهلال، وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء، بل قد ورد ذلك صريحًا في حديث خرَّجه أبو داود والنسائي من طريق قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة، عن عمه أن أسلمَ أتت النبي– صلى الله عليه وسلم–، أتوه يوم عاشوراء، فقال: «صمتم يومكم هذا؟». قالوا: لا. قال: «فأتموا بقية يومكم واقضوه».

قلت– القائل: العيني–: هذا القياس باطل؛ لأن الرمضانية متعينة في الصورة الأولى ونُفيت في الثانية، فكيف لا يؤمر بالقضاء بخلاف ما نحن فيه؟ 

الرمضانية متعينة في الصورة الأولى، كيف متعينة؟ الصورة الأولى التي قدِم فيها المسافر في رمضان يلزمه الإمساك، الصورة الثانية: إذا رُؤي الهلال في أثناء النهار على كلام ابن حجر يلزمه الإمساك.

يقول: هناك فرق بين الصورتين، الرمضانية متعينة في الصورة الأولى؛ المكلّف عنده الخبر أن الصيام ملزم له إذا حضر، إذا شهد الشهر، وفي الصورة الأولى لا يلزمه؛ لأنه لم يعلم به..

المقدم: الصورة الثانية.

الصورة الثانية نعم، والحديث الذي قوَّى كلامه به غير صحيح «فأتموا بقية يومكم واقضوه».

يقول العيني: والحديث الذي قوَّى كلامه به غير صحيح من وجوه.. فذكرها.

ذكر أوجهًا لإضعاف هذا الحديث، لا نطيل في ذكرها، ثم قال هذا القائل–يعني ابن حجر–: واحتج له الجمهور لاشتراط النية في الصيام من الليل بما أخرجه أصحاب السنن من حديث ابن عمر– رضي الله عنهما– عن أخته حفصة أن النبي– صلى الله عليه وسلم– قال: «من لم يُبيت الصيام من الليل فلا صيام له»، واختُلف في رفعه ووقفه، ورجَّح الترمذي والنسائي الموقوف، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وأطال العيني في تقرير ضعفه «من لم يُبيت الصيام».

أطال العيني في تقرير ضعفه، استغل الخلاف فيه هل هو موقوف على حفصة أو مرفوع إلى النبي– عليه الصلاة والسلام– ورجَّح الترمذي وقفه، ورجَّح النسائي الوقف فاستغل العيني هذه الأقوال لهؤلاء الأئمة فضعَّفه، لكن إذا رُوي الحديث مرفوعًا وموقوفًا فالمسألة خلافية عند أهل العلم، والحكم لما ترجحه القرائن، والنووي وابن حجر وجمع من أهل العلم رجحوا أنه مرفوع.

هذه المناقشات من العيني للحافظ ابن حجر مردها الاختلاف في المذاهب الفرعية (هذا حنفي، وهذا شافعي).

هذا شافعي: يرى وجوب تبييت النية في صوم الفرض، سواء كان عاشوراء أو رمضان أو نذرًا أو قضاءً، لا بد من وجوب تبييت النية.

العيني لا يرى تبييت النية لاسيما في الوقت المحدد كرمضان وعاشوراء، الوقت لا يستوعب إلا صيام هذا اليوم وهذا الشهر فلا يحتاج إلى تبييت، وقوَّى كلامه بما سمعنا.

ابن حجر رأى أن صيام يوم عاشوراء نفلًا فيطرد الحكم الوارد في صوم يوم عاشوراء من النية في أثناء النهار على كل نفل، والذي قرره العيني أنه فرض، أنه واجب، وكلام العيني متجه، ووجوبه في أول الأمر لاشك أنه ظاهر يعني: قبل فرض رمضان.

ثم بعد ذلك ناقش ابن حجر في كون النسخ يقتضي نسخ أو رفع الأحكام بالكلية المتعلقة بالمسألة، وخلصنا من هذا: أن تنظيره بنسخ القبلة غير مطابق.

والحديث الذي يعتمد عليه عامة أهل العلم وجمهورهم في وجوب التبييت هو حديث حفصة، ومثله عن عائشة عند الدارقطني، وهو مصححٌ عند جمع غفير من أهل العلم وهو عمدة أهل العلم لاسيما وأن الحديث المجمع على ثبوته والعمل به حديث «إنما الأعمال بالنيات» يقتضي وجوب النية وتبييتها قبل الفعل.

هناك وجه شبه للصيام بالصلاة؛ لأنه عبادةٌ بدنية، وهناك وجه شبه أيضًا بالحج، من أي وجه؟ نعم لأنه محدد الوقت، وقته لا يستوعب غيره، فإذا فُعل فيه غيره انصرف إليه، وانقلبت نيته إليه.

لو نوى الحج عن غيره وهو لم يحج، انقلب إلى فرضه. لو نوى نفلًا وهو مكلف حر ولم يحج سابقًا، انقلب إلى الفرض، فنية الحج تنقلب؛ لأن الوقت لا يستوعب غيره.

وقالوا: إن الصيام من هذه الجهة لا يستوعب غير صيام رمضان لا يستوعب غير أيام رمضان، أيام رمضان لا تستوعب غير صيام الشهر، ففيه وجه شبه من الحج من هذه الحيثية، ورجَّح الحنفية هذا، وقالوا: إنه لا يحتاج إلى نية من هذه الجهة، ولو نوى غيره انقلب إليه كالحج، ويوافق الحنفية غيرهم من أهل العلم في أن الحج تنقلب نيته.

وعلى كل حال: المرجح في هذه المسألة أن النية لابد من تبييتها، وحديث حفصة صحيح، ويشهد له..

المقدم: في الفرض هذا؟

في الفرض نعم، وأما في النفل فثبت عن النبي– عليه الصلاة والسلام– أنه كان يدخل ويقول: «هل عندكم طعام»، فإذا قالوا: لا. قال: «إني إذًا صائم».

يأتي أيضًا ما يتعلق بالمسألة من أقوال أهل العلم المنقولة من شتى المذاهب، يقول ابن بطال: احتج بالحديث من أجاز صوم النافلة بغير تبييت وهو قول أبي حنيفة–يعني: جزء من قول أبي حنيفة؛ لأن أبا حنيفة يرى التبييت حتى في الفرض ليس بلازم، وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، كلهم يجيزون أن ينوي النافلة بالنهار وهو مرويٌ عن عثمان وابن مسعود وأبي أيوب.

"وذهب مالك، وابن أبي ذئب، والليث، والمُزني إلى أنه لا يصح صيام التطوع إلا بنيةٍ من الليل كالفرض سواء–يعني: في مقابل مذهب الحنفية- وهو مذهب ابن عمر وعائشة وحفصة" حملوا الحديث «لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل» على الجميع، على الفرض والنافلة؛ ولذلك تلاحظ أن الذين قالوا به من الصحابة هم رواة الحديث.

وحجتهم حديث حفصة سابق الذكر، ولعموم حديث «الأعمال بالنيات» وكل جزءٍ من النهار الإمساك فيه عمل، فلا يصح بغير نيةٍ في الشرع، لكن الجمهور الذين قالوا: إنه يصح أن يُنوى النفل من أثناء النهار.

قالوا: إن النية تنعطف من فضل الله– جل وعلا–، ويكون الصيام كله أداءً في وقته، وأجره من أول اليوم إلى آخره ولو لم ينو إلا من أثنائه، ونظير ذلك: أن من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، وتكون صلاته كلها أداء، حتى الركعة التي صلاها بعد طلوع الشمس، وقل مثل هذا في المغرب: الصلاة كلها أداء وهذا من فضل الله– جل وعلا–، والنية عند أهل العلم في مثل هذا تنعطف على أول العمل.

يقول: وذهب مالك، وابن أبي ذئب، والليث، والمزني إلى أنه لا يصح صيام التطوع إلا بنيةٍ من الليل كالفرض سواء، وهو مذهب ابن عمر وعائشة وحفصة، وحجتهم حديث حفصة سابق الذكر، ولعموم حديث «الأعمال بالنيات» وكل جزءٍ من النهار الإمساك فيه عمل، فلا يصح بغير نيةٍ في الشرع. ولنا– يقول ابن بطال وهو مالكي– ولنا أن نقيس الصيام على الصلاة؛ لأنه لم يختلف فرضها ونفلها في باب النية.

يعني: هل من أهل العلم من يقول: إن صلاة النافلة تصح بغير النية؟ ما فيه أحد.

قال ابن القصّار: يحتمل أن يكون معناه أن يسألهم– عليه السلام– عن الغداء.

يريد أن يجيب عن حديث مسلم، حديث عائشة عند مسلم، أنه كان يدخل عليها فيسألهم: «هل عندكم طعام؟». فيقولون: لا. فيقول: «إني صائم». ماذا يريد ابن القصار؟ يريد أن يجيب عن هذا الحديث؛ ليتفق مع مذهبه.

يقول: يحتمل أن يكون معناه أن يسألهم– عليه الصلاة والسلام– عن الغداء-ليأكل؟ لا– عن الغداء ليعلم هل عندهم شيء وهم يظنون أنه يتغدى، وهو ينوي الصوم ليقول لهم: اجعلوه للإفطار، فتسكن نفسه إليه، فلا يتكلف ما يفطر عليه. فلما قالوا: لا. قال: «إني صائم» إذاً..أي: إني كما كنت، أو إني بمنزلة الصائم، ويحتمل أن يكون عزم على الفطر.

المقدم: تكلف هذا يا شيخ.

لعذرٍ وجده، فلما قيل له: ليس عندنا شيء تمم الصوم، وقال: «إني صائم كما كنت»، وإذا احتمل هذا كله لم تُخص الظواهر به، والأصول تشهد لما قلناه.

وصورة.. التكلف-مثل ما تفضلت- ظاهر.

المقدم: جدًّا يا شيخ.

يقول: يحتمل أن يكون معناه أن يسألهم– عليه السلام– عن الغداء؛ ليعلم هل عندهم شيء، وهم يظنون أنه يتغدى وهو ينوي الصوم ليقول لهم: اجعلوه للإفطار فتسكن نفسه إليه، فلا يتكلف ما يفطر عليه. فلما قالوا: لا. قال: «إني صائم».

إذًا لما قالوا: لا. قال: «إني صائم إذًا» الظاهر من مفهومه أنه لو كان عندهم شيء أكل، إذ كيف تكون المقابلة هنا؟ كيف تتم المقابلة: عندهم شيء أو لا شيء عندهم؟ إذا كان ما عندهم شيء يصوم، طيب إذا كان عندهم شي يصوم؟ يقول: يصوم.

المقدم: تطمئن نفسه تسكن، ما يبحث عن إفطار.

لا لا، ما تتم المقابلة إلا إذا حملناه على أنه لو كان عندهم شيء أكل، بدليل أنهم لما قالوا له: ما عندهم شيء، صام -عليه الصلاة والسلام-.

يقول: ويحتمل أن يكون عزم على الفطر لعذرٍ وجده، فلما قيل له: ليس عندنا شيء تمم الصوم، وقال: «إني صائم كما كنت»، وإذا احتمل هذا كله لم تُخص الظواهر به، والأصول لما قلناه، لكن ظاهر الحديث يدل على خلاف ما قال.

"عزم على الفطر" كثيرٌ من أهل العلم يرى أن من نوى الإفطار أفطر ولو لم يأكل؛ لأنه يقول: ويحتمل أن يكون عزم على الفطر لعذرٍ وجده، فلما قيل له: ليس عندنا شيء تمم الصوم.

طيب نذكر مثالًا: لو أن شخصًا احتاج قريبٌ له إلى دم يتبرع به، وهذا ممن يرى أن الحجامة تفطر الصائم، وأن التبرع يُلحق بالحجامة، يرى أن التبرع مفطر. فذهب إلى المستشفى ليتبرع، فلما جاء إلى المستشفى قالوا: اكتفينا، أفطر أو ما أفطر؟

المقدم: على هذا يكون.

عند أهل العلم من نوى الإفطار أفطر، على هذا يكون أفطر، أو يكون نيته مشروطة حكمًا، كأنه قال: إن احتيج إليَّ تبرعت وإلا فالأصل أني صائم.

المقدم: هذا أيضًا ممكن.

ممكن، لكن هذا يمشي على كلام ابن القصار الذي يقول: يحتمل أن يكون عزم على الفطر لعذرٍ وجده، فلما قيل له: ليس عندنا شيء تمم الصوم، فكأنه قال: إن وجدت شيئًا أفطرت.

نقول: هل يختلف هذا مع..

المقدم: مَن نوى الإفطار.

من نوى الإفطار عند أهل العلم يفطر؛ لأنه نقض ما أبرمه بنيته، فالصوم يُدخَل فيه بالنية، يُخرَج منه بنية، بخلاف ما يكون الدخول فيه بعمل يُخرَج منه بعمل.

الآن لو أن الإنسان توضأ، تمم الوضوء، وما نوى نقض الطهارة إلا بعد تمام الوضوء، بعد تمام الوضوء أحس بشيءٍ يريد الخروج، فقال: أنقض الوضوء، بعد ما تمم الطهارة وتنشف وانتهى، فجلس على كرسي قضاء الحاجة فلم يخرج شيء ألبتة، ثم قام، هل نقول: انتقض وضوؤه أو ما انتقض؟ ما انتقض حتى يفعل؛ لأن مثل هذا لا تنقضه النية؛ ولذا يشترطون استصحاب النية.

ما معنى استصحاب النية؟ أن لا ينوي قطعها– قطع الطهارة– قبل تمام الطهارة.

لو أن شخصًا نوى إبطال صلاته بعدما سلم، تبطل أو ما تبطل؟ ما تبطل، لكن لو نوى إبطالها في أثناء الصلاة بطلت وهكذا.

وفي شرح الخطابي واسمه "أعلام الحديث" تقدم بنا مرارًا، تعليقًا على الحديث، قلت: صوم بعض النهار لا يصح، ولا يكون صومًا، وإنما هو استحباب، ومعناه: مراعاة حق الوقت الذي لو أدرك أوله لصامه، وقد يقدم المسافر في نصف نهار الصوم فيُمسك عن الطعام بقية النهار في رأي جماعة من العلماء احترامًا للوقت، واحترازًا من الفتنة؛ لئلا يُظن به ظن السَّوء.

يقول: "صوم بعض النهار لا يصح" يعني لا يكون صومًا، يعني شخص يصوم من الضحى، شخص يصوم من الظهر مثلًا، هل نقول: هذا صيام؟ يقول: أنا لا أتحمل صيام يوم كامل، لكن أتحمل صيام نصف يوم من صلاة الظهر إلى الغروب، ويكفيني نصف الأجر، دعني أكون مثل من صلى قاعدًا وهو قادر على القيام، يكفيني نصف الأجر، له أجر أم لا؟ بنية الصيام نقول: هذا مبتدع.

أحمد أمين في مذكراته التي كتبها في "حياتي"، سماها حياتي، أحمد أمين، قال: إن له شيخًا درَّسهم في مدرسة القضاء الشرعي وأعجبه أيما إعجاب، ثم انقطع هذا الشيخ فجأة، انقطع مدة طويلة، فبحث عنه عشر سنين فلم يجده، ثم تيسر له– أحمد أمين– الذهاب إلى تركيا، فقال: فظفرت بهذا الشيخ فوجدته قد ترهَّب، يقوم الليل ويصوم النهار، ويبدأ صيامه من التاسعة صباحًا.

كيف يبدأ من التاسعة؟ والعذر قريبٌ في القبح من الفعل إن لم يكن أقبح. 

يقول: إنه لا يستطيع أن يستيقظ آخر الليل؛ لأن في الشقة التي تحته عائلة ما أدري قال: نصرانية أو يهودية، فيخشى أن يزعجهم فينتظر بالسحور إلى الساعة التاسعة صباحًا.

هذا ضلال– نسأل الله العافية– والتعبد بمثل هذا لا شك أنه إيغالٌ في الابتداع كما كان الفارابي لما جاور في مكة مثل هذا يصوم النهار ويقوم الليل، لكنه يفطر على أيش؟ يفطر على الخمر المعتق وأفئدة الحُملان– نسأل الله السلامة والعافية– فمثل هذا إيغال في الضلال، نسأل الله السلامة والعافية.

وبقيت نقول عن القرطبي في "المُفهم"  وغيره، ثم بعد ذلك نكمل الحديث.

المقدم: أحسن الله إليكم.

إذًا نرجئ ما تبقى بإذن الله من إكمال هذا الحديث في الحلقة القادمة، وأنتم على خير.

أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، شكرًا لطيب المتابعة، نلقاكم بإذن الله وأنتم على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.