احفظ الله يحفظك

تاريخ النشر: 
أربعاء 03/ صفر/ 1436 8:30 ص
المكان: 
الجامع الكبير - تبوك
تصنيف المحاضرة: 
العقيدة

محاضرة صوتية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فإن أولى ما تنفق فيه الأوقات وتصرف فيه الأنفاس والدقائق والساعات العلم الشرعي لا سيما ما يتعلق بالوحيين الكتاب والسنة كتاب الله جل وعلا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الذي من قرأه كأنما يخاطب الرحمن والسنة التي هي الوحي الثاني قال الله جل وعلا عن نبيه عليه الصلاة والسلام:   النجم: ٣ - ٤  فعلى المسلمين عمومًا العناية والاهتمام بهذين الوحيين وعلى طلاب العلم الاهتمام بما يعين على فهم الوحيين درسنا اليوم في حديث عظيم في وصايا نفيسة من أشفق الخلق وأرحم الخلق بالخلق وأرأفهم بهم من النبي عليه الصلاة والسلام لابن عمه والعبرة بهذه الوصايا وليست لابن عباس وحده إنما هي لكل من يعقل ولكل من يريد نجاة نفسه الحديث الذي هو موضوع الدرس مخرج في المسند وسنن الترمذي وعند عبد بن حميد والحاكم وغيرهم بأسانيد سند الترمذي منها على وجه الخصوص جيد وما عداه لا يخلو من مقال والحديث بمجموع طرقه يثبت في هذا الحديث النبي عليه الصلاة والسلام يوصي ابن عمه حبر الأمة وترجمان القرآن أبا العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الذي أوصاه النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الوصايا النفيسة ودعا له بأن يفقهه الله في الدين وأن يعمله التأويل يفقهه في الدين «ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» فالذي لا يتفقه في الدين لم يرد الله به خيرًا من مفهوم هذا الحديث المتفق عليه ويعلمه التأويل تأويل الكتاب وتفسير القرآن والقرآن هو الدستور الذي أنزل ليعمل به وخير الناس من تعلم القرآن وعلمه وابن عباس في هذا الباب له القِدح المعلا بسبب دعوة النبي عليه الصلاة والسلام فضائل ومناقب ابن عباس تحتاج إلى دروس وسيرة ابن عباس ومنهجه في العلم والتعليم وكيفية الأخذ عن الشيوخ وكيفية تربية التلاميذ يحتاج إلى جلسات توفي ابن عباس سنة ثمان وستين بعد أن كُفّ بصره بالطائف يقول ابن عباس رضي الله عنهما كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الكلام يحتمل أمورًا الاحتمال الأول أن النبي عليه الصلاة والسلام كان راكبًا على دابة وكان خلفه على ظهر هذه الدابة وهو ما يسمى بالإرداف ويصح أن يقال إنه خلفه ويصح أن يقول كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم والإرداف معروف حكمه وثبوته عن النبي عليه الصلاة والسلام فقد أردف الحسن والحسين ومعاذ وأسامة والفضل بن العباس وغيرهم حتى جمع ابن منده كتابًا فيه من أردهم النبي صلى الله عليه وسلم فزادوا على الثلاثين هذا الاحتمال الأول أنهما على دابة والاحتمال الثاني أن يكون خلف النبي عليه الصلاة والسلام وهما يمشيان على الأقدام والاحتمال الثالث أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام راكبًا وابن عباس يسير وراء دابته عليه الصلاة والسلام وحينئذ يصح أن يقال كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا غلام يا غلام» وفي بعض الروايات: «يا غليم» تصغير ليس للتحقير ومقاصد التصغير كثيرة منها التحقير لكن منها التعظيم ومنها التمليح «يا غليّم» ابن عباس غلام بلا شك لأنه عند وفاة النبي عليه الصلاة والسلام قد ناهز الاحتلام ناهز الاحتلام في الثالثة عشرة من عمره يعني لم يحتلم لم يكلف بعد ولذا كانت أكثر مروياته عن الصحابة وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام حديثًا كثيرًا لكن أكثرها بواسطة كبار الصحابة «يا غلام» وهذا من باب الملاطفة والمداعبة لهذا الغلام النجيب الذي يتوسم فيه النبوغ لينتفع وينفع الله به ولذا خص بهذه الوصايا ليبلغها عن النبي عليه الصلاة والسلام: «يا غلام ألا أعلمك كلمات» ألا أعلمك كلمات هذه مقدمة لكي ينتبه ابن عباس لما يلقى إليه «ألا أعلمك كلمات؟» لكي يستحضر الذهن ليستوعب ما يقال ويحفظ ما يقال «ألا أعلمك كلمات؟» هي كلمات وهذه الكلمات عبارة عن جمل ست جمل وتزيد كما جاء في بعض الروايات وتنقص وهي كلمات والجملة يطلق عليها كلمة وكِلمة بها كلام قد يؤم يعني يقصد فهي جمل وهي في الحقيقة كلمات فإن نظرت إلى مفرداتها فهي كلمات حقيقة وإن نظرت إلى الجمل كاملة صح إطلاق الكلمة على الجملة وهذا معروف وكلمة التوحيد لا إله إلا الله «ألا أعلمك كلمات؟» ما هذه الكلمات كلمات عظيمة على المسلم أن يعنى بها يقول بعض السلف لما سمع الحديث وكاد قلبه أن يطير يقول: وا أسفاه على عمري الذي ضاع قبل أن أعرف هذا الحديث لماذا؟ لأنها أوامر رتب عليها نتائج ولا يستغني أي مسلم عن هذه النتائج وإذا حدثته نفسه بتحقق هذه النتائج فعليه أن يمتثل هذه الأوامر فعليه أن يمتثل هذه الأوامر الجملة الأولى فيما علمه النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس «احفظ الله يحفظك» احفظ الله يحفظك الجملة الثانية «احفظ الله تجده تجاهك» «احفظ الله يحفظك» احفظ أوامر الله فلا تضيعها واحفظ حدود الله فلا تتجاوزها واحفظ ما جاءك عن الله من محظورات لتجتنبها فمن حفظ الأوامر وفعلها وعرف النواهي واجتنبها حصل له جواب الطلب «احفظ الله يحفظك» والجزاء من جنس العمل فمن حفظ الله يعني حفظ حدود الله وأوامر الله واجتنب ما نهاه الله عنه وحفظ جوارحه حفظه الله جل وعلا وبالمقابل ﯕﯖ التوبة: ٦٧  الجزاء من جنس العمل «احفظ الله يحفظك» ويكون هذا الحفظ بحفظ حدوده وحفظ الجوارح ولذا بعض العلماء ولعله طاهر بن عبد الله الطبري قد جاز المائة واعترضته حفرة كبيرة فقفزها قفزها وقد جاز المائة فقيل له كيف غامرت بهذه الحفرة وأنت جاوزت المائة فقال جوارح حفظناها في الصغر فحفظها الله لنا في الكبر ومن الشواهد على ذلك شيء أدركناه إمام مسجد في الرياض قبل ثلاثين عام أيام الحفريات العميقة للمجاري كان يؤم مسجد فخرج من المسجد وهو كفيف البصر والذي أجزم به أنه يناهز المائة خرج من المسجد فوقع في حفرة عميقة جدًا ففزع الناس لما الشيخ سقط وكبير جدا لما أخرجوه من هذه الحفرة فإذا به لم يمسه شيء من الأذى إلا العصا انكسر وهذا شيخ معروف بالصلاح «احفظ الله يحفظك» احفظ البدن احفظ العقل لا يضيع عقلك بما لا ينفعك أنت عاقل تضيع عقلك وتهدر عقلك فيما لا ينفعك احفظه من الصغر يحفظ لك في الكبر احفظ علمك من المخالفات يحفظ لك حتى وتثبت وتسدد حتى الموافاة فاحفظ الله يحفظك كلام عام مطلق يتناول جميع يمكن حفظه من قبل العبد والجزاء من جنس العمل «احفظ الله تجده تجاهك» وفي الرواية الأخرى: «احفظ الله تجده أمامك» والمعنى واحد «تجاهك» والأصل وجاهك بالواو والمقصود به أمامك وفي حديث صلاة الخوف فصفت طائفة مع النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة وجاه العدو يعني مقابل العدو أمام العدو وكون الرب جل وعلا تجاهه وأمامه بمعنى أنه يقاد إلى كل خير يقاد إلى كل خير يقاد إلى ما يوصله إلى السلامة الأبدية والنعيم السرمدي «إذا سألت فاسأل الله» إذا سألت فاسأل الله لأنه هو المعطي حقيقة وهو المانع حقيقة وقد جاء ذم السؤال للمخلوقين «وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال» وبايع النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة على ألا يسألوا أحًا فكان أحدهم يقع سوطه على وخطام دابته فينزل ويأخذه بنفسه ولا يقول لأحد ناولني العصا أو الخطام لأن السؤال في الجملة للمخلوقين ذل والمؤمن أعزه الله جل وعلا بدينه      فصلت: ٣٣  مع الأسف أنه في الظروف التي نعيشها تجد من منطلق الضعف بعض الكُتَّاب في بلاد المسلمين تتجده يتوارى ببعض الأعمال ويوري ولا يصرح بها وإن كانت مما يرضي الله جل وعلا والسؤال لا شك أنه ذل وإذا عرف المؤمن حقيقة أن المعطي والمانع هو الله جل وعلا اتجه إليه ووحده بالقصد والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إنما أنا قاسم والله المعطي» وما بيد الخلق من أموال وعروض إنما هي لله جل وعلا ﭿ ﮁﮂ النور: ٣٣  ولا يمنع أن تبذل الأسباب أن تبذل الأسباب فالله جل وعلا بيده الخزائن وبيده المفاتيح لكن قد يكون بعض المخلوقين سبب في وصول مال الله إلى هذا المحتاج فالفقير وهو يقصد الغني وقد أمر الغني أن يعطيه من مال الله الذي آتاه والفقير نظرًا لحاجته أباح الله له السؤال لكن ليكن على يقين أن المعطي هو الله جل وعلا وهذا الغني إنما هو سبب والسبب بيد المسبب إن شاء رتب عليه المسبب وإن شاء منعه ولذا يستغرب كثير من الناس أنه قد يطلب إنسان حاجة من شخص فتحقق على يديه ويطلب إنسان آخر هو أحق من الأول فيعتذر منه ثم يأخذ باللوم أنا أحق من فلان يا أخي تذكر أن المعطي والمانع هو الله جل وعلا فالجأ إليه وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن فعلى المسلم أن يعول على الله جل وعلا كونه تكون هناك وسائط يجري الله على يديها بعض المسببات لا يمنع هؤلاء يقسمون والله جل وعلا هو المعطي الحقيقي وإذا استحضر الإنسان هذا الأمر إذا استحضر الإنسان هذا الأمر وحّد قصده واتجاهه إلى الله جل وعلا. «إذا سألت فاسأل الله» إذا سألت المال اسأل الله إذا سألت حاجة من حوائج الدنيا اتجه إلى الله والجأ إلى الله إذا سألت عن علم فاسأل الله جل وعلى أن يفتح لك أبواب العلم والسؤال عن العلم لا إشكال فيه وقد جاء الأمر به              النحل: ٤٣  لكن الإشكال أن يذل الإنسان نفسه بسؤال أهل الدنيا وأهل الحطام شيئًا من أوساخهم لأن الصدقات أوساخ المال لكن إذا كان محتاجًا فهو معذور على أن يعرف أن المعطي الحقيقي هو الله جل وعلا «وإذا سألت فاسأل الله» اتجه إلى ربك «وإذا استعنت فاستعن بالله وإذا استعنت فاستعن بالله» «إذا سألت فاسأل الله» لا يجوز لأحد أن يسأل أحدًا كائنا من كان مما لا يقدر عليه إلا الله يسأل مخلوق شيئًا لا يقدر عليه يسأل ميت هذا شرك يسأل مخلوق حي أمرًا لا يقدر عليه هذا أيضًا شرك لكن إذا كان مما يقدر عليه فهو سبب فهو سبب والسبب لا بد أن يكون إما شرعيًا أو عاديًا ومثل هذا جعله الله جل وعلا سبب وهو أيضًا سبب عادي جرت العادة بأن المسلم ينفع أخاه بما يستطيع «وإذا استعنت فاستعن بالله» والاستعانة لا تجوز إلا بالله جل وعلا وهي من فروع توحيد العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله جل وعلا ولذا قدّم المعمول في سورة الفاتحة ليدل على الحصر الفاتحة: ٥   الفاتحة: ٥  يعني لا بغيرك الفاتحة: ٥  هذه الآية التي تمر بالمسلم عشرات المرات في اليوم والليلة قد لا تحرك فيه ساكنًا ولها منازل كثيرة ذكر ابن القيم في مدارج السالكين في بيان منازل إياك نعبد وإياك نستعين الشيء الكثير في كتاب يقع في ثلاثة مجلدات «وإذا اسعتنت فاستعن بالله» يعني لا بغيره والاستعانة بالمخلوق يعني فيما يقدر عليه لا بأس به لكن فيما لا يقدر عليه شرك وجاء ما يدل على الاستعانة والإعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه وحث على الإعانة «والله في عون العبد» «تعين صانعًا» المقصود أن فيه إعانة والاستعانة طلب هذه الإعانة عند الحاجة إليها «وإذا استعنت فاستعن بالله» يسأل كثيرًا عن الاستعانة بما يدعى أنهم من صالحي الجن فبعض من يرقي الناس إذا تكلم الجني سأله عن بعض أشياء ويكثر السؤال عن هذا ويجيبه ويخبره ويحضر له بعض الأمور ويفهم من بعض كلام شيخ الإسلام على غير وجهه أنه يدل على هذا والصواب المنع الصواب المنع لأن الإفادة منهم من خواص سليمان عليه السلام والنبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يربط الجني ليراه صبيان المدينة قال: «تذكرت دعوة أخي سليمان» فهي من خواص سليمان وأيضًا فتح هذا الباب يفتح شرًا عظيمًا وبابًا كبيرًا من أبواب الشرك بحيث لا يستطاع سده فيما بعد وسد الذريعة الموصلة إلى مثل هذا أمر مطلوب شرعًا الأمر الثالث أنهم من يصدقهم أنهم صالحون هؤلاء غيب وكثير منهم يكذب أنت لا تراه ولا يمكن أن تستدل على صلاحه إلا بدلائل وقرائن ومجرد كونه يدعي الصلاح لو كان صالحًا ما ابتلى المسلم ودخل فيه وآذاه الأمر الثالث أن من يستعين بهم فيما يظن أنهم يقدرون عليه قد يستدرجونه فيخدمونه في أول الأمر بدون مقابل في أول الأمر يخدمونه بدون مقابل ثم بعد ذلك إذا استدرج ومشى في هذا الطريق وعرفه الناس بهذا الأمر قطعت هذه الإعانة وتقطع بعد أن ألفها وعرفه الناس بها لا بد أن يقدم وقد حصل وقد حصل بعض من يرقي الناس في أول الأمر يتعامل معهم ولا يطلبون منه شيئًا حتى إذا تورّط ومشى على يده على حد زعمه سبعين مقعدًا أو سبعون مقعدًا وأحرق كذا مملكة جن على ما يقول وتورط طلب منه حينئذٍ أن يقدم ولا يرضى أن يرجع لا شيء بعد أن كان شيئًا فالذي يتجه منع وسد هذا الباب بالكلية يعني الذي يحسن على الناس ويرقيهم يكتفي بإخراج هذا الجني وتخليص المسلم منه «إذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة» والمراد بالأمة جميع من على وجه الأرض مما يشمل أمة الإجابة وأمة الدعوة لأن ال هذه جنسية تشمل الجميع الأمة بكاملها لو اجتمعت الآن لو اجتمع من على وجه الأرض من الأمة من الإنس فقط سبعة مليارات لو هؤلاء كلهم اجتمعوا كلهم اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء «لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك» لو أن ملكًا من الملوك بيده الأمر والنهي في بلد من البلدان وأراد أن ينفع هذا الشخص وكتبه بيده كتب ما يريد بيده وبعث به أخص خواصه أو أوصله بنفسه إلى من ينفذ إلى من بيده حفظ الخزينة مثلاً وقال يدفع لأمر فلان كذا وكذا والله جل وعلا لم يرد هذا الأمر ولم يقدره والله لن يحصل له وكم من أمر تعثر في آخر لحظة بحيث مر على قنوات كثيرة أحيانًا تكون المعاملة من ألف صفحة وكلها بالموافقة ثم بعد ذلك في آخر لحظة يقال والله البند ما يحتمل مع أن البند فيه الأموال المكدسة وبهذه الكلمة ينصرف وينتهي لماذا؟ لأن الله لم يقدر هذا الأمر «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا» هؤلاء كلهم «وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» لو أن الأمة بكاملها من شرقها إلى غربها وكل واحد منهم بيده سيف مصلت وبيده مسدس للبحث عنك وقتلك والله جل وعلا لم يرد ذلك والله لن يستطيعوا الوصول إليك والله لن يستطيعوا الوصول إليك فعلق رجاءك بالله جل وعلا ووحّد قصدك والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن القلوب بيد الله جل وعلا إذا صدقت معه كفاك «رفعت الأقلام وجفت الصحف» المقدر قبل أن يخلق الله السموات والأرض مكتوب قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة «أوّل ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال ما أكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة إلى قيام الساعة» «رفعت الأقلام» تنتهي الكتابة يرفع القلم وإذا رفع القلم مدة يسيرة وتجف الصحف الكتابة أول ما تكتب الصحف رطبة من المداد هذا في الأمور المحسوسة لكن إذا مضى عليها وقت تجف هذه الصحف والذين يكتبون ويستعجلون في تجفيفها كما يفعله الوراقون لأنه يكتب هذه الورقة ثم يفتح الورقة التي تليها مادامت الورقة رطبة تتأثر الحروف من الورقة التي بجنبها فيتربون الكتاب يضعون عليه تراب ثم يحتون وقد نشفت الصحيفة «رفعت الأقلام وجفت الصحف» بما هو كائن ومقدر إلى يوم القيامة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح رواه الترمذي من رواية حنش الصنعاني عن ابن عباس وهذا الطريق هو أقوى الطرق وأصحها وقال حديث حسن صحيح وكلام أهل العلم مراد الترمذي بقوله حسن صحيح كلامهم يطول في هذا حتى وصلت الأقوال في ذلك إلى أربعة أو خمسة عشر قولاً لأنه كيف يجمع الترمذي بين وصفين متغايرين؟ حسن صحيح الحكم عليه بالحسن يدل على أنه قصر عن مرتبة الصحة وإرداف ذلك الحكم بقوله صحيح يدل على أنه بلغ الغاية فكيف يحكم عليه بأنه قصر عن الغاية وقد بلغها أهل العلم يستشكلون مثل هذا التعبير ومثل هذا الأسلوب من الإمام الترمذي والأجوبة كثيرة جدًا يعني مثل ما تقول لطالب مثلاً ما تقديرك في الشهادة؟ يقول لك جيد جدًا ممتاز كيف جيد جدًا ممتاز؟ يعني جيد جدًا ما وصل الامتياز وممتاز يعني أنه بلغ مثل حسن صحيح فكيف يجتمع أكثر من تقدير؟ نقول نعم يجتمع كيف يجتمع؟ إذا انفكت الجهة إذا حملنا الحسن على وجه والصحة على وجه يعني في تعبيرنا وأسلوبنا إذا قال الطالب تقديره جيد جدًا ممتاز يعني جيد جدًا في التقدير العام وممتاز في مواد التخصص ماشي صح والا لا؟ ماشي لأنها انفكت الجهة الآن في قول الترمذي حسن صحيح يمكن أن تنفك الجهة فإن كان الحديث مرويًا من طريقين فأحدهما حسن والثاني صحيح وإن كان مرويا من طريق واحد فمراده بحسن حسن صحيح أنه تردد فيه هل وصل إلى مرتبة الصحة أو قصر دونها وغاية ما يقال أنه حذف حرف التردد كأنه قال حسن أو صحيح أو أنه حسن عند قوم صحيح عند آخرين المقصود أن مثل هذا بسطه ليس هذا محله وفي رواية غير الترمذي في رواية غير الترمذي عند الإمام أحمد وعبد بن حميد والحاكم في المستدرك في هذه الوصية قال: «احفظ الله تجده أمامك» وأمامك وتجاهك معناهما واحد على ما تقدم «تعرف على الله في الرخاء» الآن «احفظ الله يحفظك» الجملة الأولى إذا حفظت أوامر الله وحدود الله حفظك في نفسك وفي دينك وفي علمك وفي عقلك وفي مالك وفي ولدك ولذا يقول سعيد بن المسيب لابنه والله يا بني إني لأزيد الركعتين من أجلك من أجل أن أحفظ فيك وفي قصة الخضر لما أقام الجدار      الكهف: ٨٢  إيش الكهف: ٨٢  والسبب في ذلك الكهف: ٨٢  يعني حفظا بصلاح أبيهما بعد وفاته فإذا حفظت الله وحفظت أوامره وحفظت حدوده وحفظت الرأس وما وعى والبطن وما حوى حفظك الله جل وعلا «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة» تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة يعني تقرب إليه في حال الرخاء في حال الصحة في حال الفراغ في حال الغنى في حال الشباب والقوة تعرف إلى الله في هذه الأحوال يعرفك، متى؟ في حال الشدائد إذا اشتدت بك الأمور وضعفت قوتك يعينك على عمل ما كنت تعمل وأنت صحيح شحيح في حال الفقر يعرفك ويدفع حاجتك وييسر لك أمرك في حال الفراغ عرفته يعرفك في حال الانشغال ييسر لك من الأمور ما تقوم به حاجتك في دينك ودنياك في حال المرض تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة من الأمثرة الواضحة كثير من الأخيار في أوقات المواسم والمضاعفات سواء كانت في المكان أو في الزمان تضيع أوقاتهم سدى تجد الخيّر الحريص على الخير يجاور في البيت الحرام في رمضان أو في العشر الأواخر منه ثم بعد ذلك يجلس بعد صلاة الصبح ليقرأ القرآن رجاء هذه المضاعفات أو يجلس بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس أو يجلس في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر بين القيام الأولى والثاني ثم بعد ذلك تسأله كم قرأت من القرآن؟ فيذكر لك جزءا أو بعض جزء وبإمكانه أن يقرأ في هذه المدة عشرة أجزاء لماذا؟ تجد هذا الشخص الذي لم يتعرف على الله في الرخاء وأضاع أوقات الرخاء بدون فائدة يفتح المصحف يصلي العصر يجلس يبي يجلس إلى الإفطار يفتح المصحف إذا فتحه قرأ الصفحة تثاءب ثم التفت يمينًا وشمالاً علّه أن يجد أحدًا إما يقصده أو هو يقوم إليه فيقصده إن جاءه أحد والا ذهب يبحث عن أحد لأنه ما تعرف على الله في الرخاء وقته معمور في القيل والقال ومع الأسف أن مثل هذا يوجد من طلاب علم فإذا تعرفت على الله في الرخاء عرفك في الشدة الحرف من القرآن بعشر حسنات الختمة الواحدة فيها أكثر من ثلاثة ملايين حسنة وتجد من الناس من من الله عليه فيقرأ القرآن وهذا مأثور عن السلف في يوم ومن الناس من تمر عليه السنة ما قرأ القرآن لأنه ما تعرف على الله في الرخاء ما فرض للقرآن من سنام وقته وقتًا يلزم نفسه بقراءة القرآن يجعل القرآن على التراخي إن حضر للمسجد قبل الإقامة بدقائق فتح المصحف وإلا ترك وبعض الناس حاله في رمضان وغير رمضان واحد في مكة والمدينة وفي أقاصي الدنيا واحد ما يفرق لأنه خصص وقتًا لكتاب الله من يترك هذا الكلام الذي:

هو الكتاب الذي من قام يقرؤه .

 

كأنما خاطب الرحمن بالكلم  .

لو أن الموظف يأتيه تعميم من المسؤولين يمكن أن يخرج من الدوام يقول نترك قراءته من إلى الغد ما يمكن يعكف عليه إذا أشكل عليه شيء جمع رؤساء الأقسام ومن يتوقع ويتوسم فيه أنه يفهم مثل هذه الأنظمة واللوائح لكن أين نحن من دستورنا الذي به نجاتنا؟   ﯙﯚ الزخرف: ٤٤  شرف لك يا محمد ولقومك اللهم صل على محمد تجد هذا يذهب إلى مكة ويهجر الوطن وفي النهاية كم قرأ القرآن من مرة مرة أو مرتين، والآخر الذي تعرف على الله في الرخاء وفرض للقرآن من وقته ما يكفي والمنهج عند سلف هذه الأمة بالنسبة للقرآن أنهم يقرؤونه في سبع ويحزبونه أسباع وقال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو «اقرأ القرآن في سبع ولا تزد» وإذا قرأت القرآن في سبع في أول يوم تقرأ ثلاث يعني ثلاث سور وفي الثاني خمس والثالث سبع وفي الرابع تسع وفي الخامس إحدى عشرة وفي السادس ثلاث عشرة وفي اليوم السابع حزب المفصل هذه طريقتهم في تحزيب القرآن وهذا ترى يا إخوان ما يكلف شيء يعني من جلس في مصلاه بعد صلاة الصبح إلى تنتشر الشمس يقرأ القرآن في سبع وهذا لا يفوت عليه شيء من أمور دينه ولا دنياه كثير من الإخوان يحرص على الحج يعني في الأربعين في الخمسين من عمره تسأله كم حج يقول لك حجيت عشرين مرة «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمه» كثير من الناس يقول الحج أربعة أيام أستطيع أن أضبط الحج لكن والله لا يستطيع أن يضبط الحج إذا كان طول أيام السنة في القيل والقال لا بد وأن يستوعب هذه الأيام الأربعة بالقيل والقال «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة» هذه أوقات شدة وش معنى الشدة، الشدة أنت تحرص على اغتنامه أوقات ضيقة فأنت تحرص عليها تغتنم هذه الأوقات لكن ما توفق لاغتنامها وأنت ما تعرفت على الله في الرخاء حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار فنزلت صخرة كبيرة سدت المخرج مخرج الغار ما الذي نجاهم ما السبب الذي نجوا به أعمالهم الصالحة أعمالهم الصالحة والله ما نفعتهم لا أنسابهم ولا أموالهم إنما نفعهم أعمالهم الصالحة منها البر بر الوالدين ومنها البعد عن ارتكاب الفواحش ومنها حفظ الحقوق والقصة معروفة في الصحيحين وغيرهما من تعرف على الله في الرخاء إذا نزلت به شدة وضائقة يعرفه الله جل وعلا انظروا إلى قيمة الذكر   الصافات: ١٤٣ - ١٤٤  تعرف على الله في الرخاء فعرف في الشدة لكن اللي ما قدم شيء لا يبالي بأي واد هلك ما قدم شيء فعلى الإنسان يحرص عليه أن يحرص أشد الحرص على اغتنام الأوقات التي يمكنه أن يقدم فيها لا بد وأن يمر عليك أيام لا تستطيع ولذا المريض والمسافر يكتب لهما ما كان يعملانه في حال الإقامة والصحة وهذا من فضل الله جل وعلا «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك» واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك هذا الأمر الذي وقع عليك أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك تريد أمرًا وتطلبه فينزل لغيرك يعني لو قدر أن خمسة أو عشرة تقدموا لوظيفة تسابقوا على هذه الوظيفة فظفر بها أحدهم تجد الواحد من التسعة يقول أنا أحق بهذه الوظيفة أنا درجاتي أعلى من درجاته أنا قدراتي أكثر من قدراته أنا عندي تزكيات أكثر من تزكياته نقول أخطأك هذا الأمر لماذا؟ هذا «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك» هذا قدر «وما أصابك لم يكن ليخطأك» يعني ما أخطئك من خير وأنت تريده وتطلبه لم يكن ليصيبك لأن هذه أمور مكتوبة «وما أصابك لم يكن ليخطئك» أنت تمشي في الطريق فنزل صخرة فكسرت عضوًا من أعضائك أو عثرت في حفرة فانكسرت رجلك تتحسر وتندم أنك ما جيت مع هذا الطريق كيف أنا ما رحت مع الشارع الثاني «ما أصابك لم يكن ليخطئك» فعليك بهذا أن ترضى وتسلم خلاص فاتك هذا الأمر الله جل وعلا ما كتبه لك أصابك هذا الأمر الله جل وعلا قدّره عليك ولا مفر مما قدره.

وكن صابرًا للفقر وادَّرِع الرضا

 

بما قدر الرحمن واشكره واحمدي

 

«واعلم أن النصر مع الصبر واعلم أن النصر مع الصبر» يريد الإنسان أن ينتصر ينتصر على عدوه ينتصر على خصمه ينتصر على نفسه الأمارة بالسوء وهو لا يصبر على طاعة الله ولا يصبر عن معصية الله ولا يصبر على أقدار الله المؤلمة هذا لا يكون لأن النصر مقرون بالصبر آل عمران: ٢٠٠  لا بد من الصبر والمصابرة «واعلم أن النصر مع الصبر» الذي لا يصبر لا يدرك شيئًا الذي يستحسر ويستعجل الأمور لا يدرك شيئًا يدعو فيدعو ثم لا يصبر على الدعاء مثل هذا لا يستجاب له يواجه العدو ثم يفر لا يصبر هذا لا ينتصر يربي أولاده ولا يصبر على تربيتهم وأنا عجزت عنهم أنا لي سنة أو سنتين أو سنوات وأنا أحوال وعجزت نقول ما صبرت اصبر وأنت في جهاد وحينئذٍ تظفر بالنصر «واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب» الفرج مع الكرب إذا بلغت الشدة مبلغها جاء الفرج من الله جل وعلا وهذه من المبشرات الإنسان إذا بلغ به الكرب مبلغه عليه أن يفعل ما أُمر به أن يصدق مع الله جل وعلا ويبذل الأسباب المأمور بها وحينئذٍ يأتيه الفرج من الله جل وعلا «وأن مع العسر يسرًا» وأن مع العسر يسرًا العسر الشدة والضيق في النفس والمال والولد بجميع ما يحتمله هذا اللفظ من عسر معه يسر وجاء في سورة الشرح:                            الشرح: ٥ - ٦  وهي جمل مؤكدة بإن وعُرِّف العسر ونُكِّر اليسر لأن المعرفة إذا أعيدت صارت عين الأولى والنكرة إذا أعيدت صارت غير الأولى فالعسر هو العسر واليسر آخر ولذا جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه عن ابن عباس لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر يسرين نعم لأن العسر جاء معرفة وإذا أعيدت اللفظة معرفة صارت نفس الأولى وإذا أعيدت النكرة نكرة صارت غيرها أو أعيدت المعرفة نكرة صارت غيرها جاءني الرجل فأكرمت رجلاً هذا غيره وجاءني رجل فأكرمت الرجل هذا نفس الأول هذا وجه قولهم لن يغلب عسر يسرين لأن الكلمة معرفة وأعيدت معرفة فصارت عينها والنكرة أعيدت نكرة فصارت غيرها فصار في الآية عسر واحد مع يسرين وهذا من فضل الله جل وعلا والحديث رواه الإمام أحمد وعبد بن حميد والحاكم والحاكم الرواية الأخيرة والحديث أيضًا مروي عن ابن عباس من طرق كثيرة من طرق كثيرة منها رواية حنش الصنعاني التي أشرنا إليها في أول الدرس وهي أصحها وهو أيضًا مروي من طريق ابنه علي علي بن عبد الله بن عباس ومن طريق علي بن أبي طلحة ومن طريق عكرمة مول ابن عباس من طريق عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وعبيد الله بن عبد الله وعمر مولى غفرة وابن أبي مليكة وغيرهم فالحديث له طرق كثيرة جدًا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى ابن عباس بهذه الوصية من حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن سعد وعبد الله بن جعفر وكلها في أسانيدها ضعف لكن مجموعها يعطيها من القوة ما يجعل الحكم على الحديث بأنه أقل أحواله أنه حسن أقل أحواله أنه حسن وللإمام الحافظ زين الدين ابن رجب رسالة قيمة جدًا وجميع كتب هذا الفحل الإمام الفذ كلها يعض عليها بالنواجذ لأنها تمثل فهم السلف للنصوص وكلامه كله متوّجٌ بأقوايل السلف له رسالة اسمها نور الاقتباس من مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.