أحكام الزكاة

تاريخ النشر: 
أربعاء 03/ Safar/ 1436 9:15 ص
تصنيف المحاضرة: 
الفقه

محاضرة صوتية

وأما الركن الثاني وهو إقام الصلاة فإنه  أعظم أركان الإسلام العملية يعني بعد الشهادتين أعظمها الصلاة ولذا يكفر من تركها ولو اعترف بوجوبها كفراً أكبر مخرجاً عن الملة  كما في قوله عليه الصلاة والسلام:

((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر))........... كالزكاة والصيام والحج فالقول بكفر تارك واحد منها معروف عند أهل العلم، وهو رواية عند الإمام أحمد، وقول مشهور عند أصحاب مالك، فمن لم يزكِ فهو كافر على هذا القول، ولو اعترف بوجوب الزكاة، أما من لم يعترف بوجوبها أو لم يعترف بوجوب الصيام، أو لم يعترف بوجوب الحج، هذا يكفر إجماعاً، يعني من أنكر الوجوب كفر اتفاقاً بين أهل العلم، لكن الكلام فيمن أقر بالوجوب، وقال هذه فريضة، وركن من أركان الإسلام؛ لكنه لا يزكي، أو لا يصوم أو لا يحج، فإنه يكفر على القول الذي ذكرناه، وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، وقول معروف لأصحاب الإمام مالك، والأكثر على أنه لا يكفر بمجرد الترك وإن كان على خطر عظيم، وقد ارتكب موبقاً من الموبقات –نسأل الله السلامة والعافية– وعلى كل حال الأكثر على أنه لا يكفر إلا إذا جحد.

تعريف الزكاة:

والزكاة: هي الركن الثالث بالاتفاق، وهي مأخوذة من الزكاء والنماء والزيادة والطهر، {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [(103) سورة التوبة] يعني تطهرهم بها، وصدقة الفطر إنما شرعت طهراً للصائم فهي تطهر الدافع من رذيلة الشح والبخل، وتزكيه، وتزكي عمله، والزكاة كما جاء في الخبر ((ما نقص مال من صدقة بل تزده)) مع أن هذه الزيادة (بل تزيده) غير محفوظة ((ما نقص مال من صدقة)) هذا هو المحفوظ، أما الزيادة (بل تزيده) ليست محفوظة، بل لفظها خطأ من حيث العربية، المقصود أن الزكاة تزيد في المال، قد يقول قائل: إذا كان عندي ألف ريال وأخرجت زكاة الألف خمسة وعشرين ريالاً صار تسعمائة وخمسة وسبعين، نقص، وأنتم تقولون: تزيده، نقول: نعم تزيده، ولا تنقصه الصدقة، والواقع يشهد بذلك، فكم من شخص جمع الأموال الطائلة، ومنع حق الله فيها ولم يؤد زكاتها لم يستفد من هذه الأموال، وأصيب بالجوائح التي تجتاح أمواله، وقد يوفر له ماله لكنه توفير حسي لا معنوي، المعنى أنه لا يستفيد منه، وقد يصرفه في غير وجوهه، فيكون وبالاً وعذاباًَ عليه في الدنيا والآخرة، وقد يصرفه في معالجة نفسه أو معالجة من تحت يده من أولادٍ وزوجة وغيرها، كل هذا ابتلاء من الله -جل وعلا-، لما منع الواجب ابتلي، وهذا الواقع يشهد به، وكم من شخص صار ماله وبالاً عليه إذا لم يؤد زكاته.

وزيادة الأموال بالزكاة أمر مشاهد لا يحتاج إلى استدلال، فالذين يؤدون الزكوات على وجوهها يطرح الله -جل وعلا- في أموالهم البركة، وينتفعون منها، ويستفيدون منها أكبر فائدة، وشواهد الأحوال من التجار في القديم والحديث ظاهرة واضحة.

الزكاة طهرة للمزكي، فهي من الزكاء والنماء والزيادة، كما في قوله -جل وعلا-: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [(103) سورة التوبة] فهي تطهر المال من الشوائب التي قد تشوبه، ومن الشبهات التي تدخل عليه، وتطهر صاحبها من أدران الشح والبخل، وهي أيضاً صدقة {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [(103) سورة التوبة] وسميت صدقة لأنها دليل وبرهان على إيمان صاحبها وصدقه في دعواه؛ لأن الإنسان قد يشهد أن لا إله إلا الله ويصوم لكنه يبخل بالزكاة، فلا برهان ولا دليل على صدق دعواه.

تنوع العبادات:

ومن فضل الله -جل وعلا- أن جاءت شرائع الإسلام مختلفة متنوعة، فمنها البدني المحض، ومنها: المالي المحض، ومنها: المشترك بين البدن والمال، ومنها: ما يكون بالبدن، ومنها: ما يكون بالقلب، ومنها: ما يكون باللسان، فما يكون بالقلب هو في غاية الأهمية كالاعتقاد الصحيح الجاري على ما جاء عن الله -جل وعلا- في كتابه وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-, وعلى ضوء ما يعتقده سلف هذه الأمة وأئمتها، والإيمان يكون في القلب، فالإيمان ما وقر في القلب، وأيضاً من العبادات ما يكون باللسان كالإقرار بالشهادتين، وقراءة القرآن والأذكار وغير ذلك، ومنها: ما يكون بالبدن كالصلاة والصيام والحج، وما أشبه ذلك، ومنها: ما يتعلق بالمال وهو الزكاة، الزكاة المالية برهان على صدق مدعي الإيمان.

ومثل ما ذكرنا كون العبادات في الإسلام متنوعة هذا من نعمة الله -جل وعلا- على عباده، فلو كانت بدنية محضة، فيوجد في الناس من لا يطيق العمل ببدنه وعنده الاستعداد التام ليبذل الأموال الطائلة، بعض الناس يستطيع عنده القدرة على البذل، وتجود نفسه بالأموال الطائلة، لكن من أشق الأمور عليه أن يصلي ركعتين، أو يقرأ آيتين، هذا صنف، ومن الناس من هو مستعد لأداء مائة ركعة في وقت واحد، لكنه لا يستطيع أن يبذل من الأموال شيئاً، فشرعت العبادات من هذا وهذا، ليتمكن من جادت نفسه بالعمل البدني من أداء شيء من مال الله -جل وعلا- عليه من حق، وليتمكن من جُبل على البذل وحرم عبادة البدن من أن يؤدي بعض ما عليه لله -جل وعلا-، إذ لو كانت العبادات كلها بدنية، لفاز بها من سهلت عليه عبادة البدن، ولو كانت كلها مالية لحرم منها الفقراء، فتنوع العبادات من فضل الله -جل وعلا- على عباده، ومن تيسيره عليهم، وقد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- رسالة في تنوع العبادات.

حكم الزكاة:

الزكاة قرينة الصلاة من جحد وجوبها كفر بالاتفاق، ومن اعترف بها وامتنع من دفعها على خطر عظيم، وقيل بكفره كما قدمنا، لكن المعتمد عند الجمهور أنه لا يكفر إلا إذا قاتل دونها، كما في قول، وإذا امتنع من الزكاة أخذت منه قهراً، يأخذها الإمام منه قهراً، ولا ينتظر حتى يجود بها، بل يأخذها منه الإمام قهراً، فإذا أخذها الإمام قهراً أجزأت عنه، قد يقول قائل: هو ما نوى، أخذت منه من غير رضا، بل نوى ألا يدفع، نوى ألا يدفع الزكاة فأخذت منه قهراً، وأهل العلم يقولون: تجزئ، ومعنى الإجزاء هنا الإجزاء الظاهر، بمعنى أنه لا يطالب بها مرة ثانية، لا يطالب بدفعها مرة ثانية، يسقط الطلب لأخذها منه ولو قهراً.

وأما الإجزاء الذي يترتب عليه الثواب ويرتفع به العقاب فلا، لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) فإذا أخذت من الممتنع قهراً، لا يطالب بها مرة ثانية، وهذا معنى الإجزاء في قول أهل العلم، وأما الإجزاء الذي يترتب عليه الثواب ويرتفع به العقاب فلا، لأنه متعلق بالنية، ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)).

شروط وجوب الزكاة:

إذا عرفنا هذا فالزكاة تجب بشروط: منها الإسلام: كما جاء في حديث معاذ حينما بعثه النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى اليمن: ((إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد افترض عليهم خمس صلوات، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) إذا أقروا بالشهادتين، وأدوا الصلاة، يعلمهم أن الله -جل وعلا- قد افترض عليهم الزكاة، تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء، فلا تؤخذ الزكاة ممن لم يشهد أن لا إله إلا الله، كما أنها لا تصح ممن لا يصلي، فأول ما يدعى إليه الكافر الشهادة، فإن نطق بها أمر بالصلاة، ثم يؤمر بالزكاة، ثم يؤمر ببقية شرائع الإسلام.

الكفار مخاطبون بفروع الشريعة:

كون الكافر لا يطالب بالصلاة ولا بالزكاة إلا إذا شهد واعترف بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ هذا لا يعني أنه غير مطالب بفروع الشريعة، نعم قد يستدل به من يقول: أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، قد يستدلون بهذا الحديث وعندهم ما يتمسكون به؛ لكن ليس في هذا دليل، هم يقولون: كيف يطالب بالصلاة ويخاطب بها ويخاطب بالزكاة ويخاطب بالصيام، وهو لا يشهد أن لا إله إلا الله؟ نقول: ليس معنى مخاطبته بالصلاة أو بالزكاة أو بالصيام أو بغيرها من شرائع الإسلام أنه يؤمر بأدائها قبل أن يسلم؟ لا، ولا أنه يقضيها إذا أسلم، إذاً ما الفائدة في كونه مخاطب بالفروع، وهو لا يطالب بها قبل إسلامه ولا يقضيها إذا أسلم؟ معنى مخاطبته بهذه الفروع أنه يزاد في عذابه يوم القيامة، ويعذب على الصلاة، ويعذب على الزكاة إذا كان عنده مال، يعذب على ترك الصيام وهكذا، إضافة إلى تعذيبه على كفره بالله -جل وعلا-، {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [(42-43) سورة المدثر] فبدؤوا بفرع من الفروع، فدل على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة كأصلها.

والذين يقولون: أنه غير مخاطب بالفروع كالحنفية يقولون: أن الإيمان شرط، شرط صحة، فكيف يخاطب بالأمر الذي لم يتحقق شرطه؟ نقول: كما يطالب الشخص بالصلاة، ولو لم نعلم أنه غير متوضيء، يعني الإنسان في طريقه إلى المسجد يرى شخصاً واقفاً أو جالساً يقول له: صل، لماذا لا تصلي؟ لا يسأله عن الوضوء أولاً، يقول: توضأ أولاً، أو هل أنت متوضئ أو لا؟ يسأله عن الغاية ولو تخلف الشرط؛ لأنه إذا أمر بالصلاة فقد أمر بجميع ما اشترط لها.

الشرط الأول: الإسلام، كما في الحديث الذي ذكرناه، ((تؤخذ من أغنيائهم)) يعني: من أغنياء المسلمين فترد في فقرائهم، وهذه جملة يستدل بها من يقول أن الزكاة لا يجوز نقلها عن البلد الذي فيه المال، فبلد الأغنياء هو الذي تصرف فيه زكاتهم إلى فقراء هذا البلد، فلا يجوز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، استدلالاً بقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) تؤخذ من أغنياء هذا البلد، وترد في فقرائه، وهذا قول معروف عند أهل العلم، ومنهم من يرى جواز نقل الزكاة إلى بلد آخر ما دام الشرط متحققاً، وهي صرفها في مستحقها من المسلمين أو في المصارف الثمانية التي بينها الله -جل وعلا-، ويكون الضمير في أغنيائهم وفقرائهم تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد في فقراء المسلمين، يعني في أي بلد كان، ويكون نقل الزكاة جائزاً، بل قد يكون أفضل، إذا وجد من هو أشد حاجة لهذه الزكاة من فقراء البلد.

وعلى كل حال أولى الناس بالزكاة أهل البلد، فإذا وجد من هم أشد حاجة وأمس حاجة، أو أقرب إلى الدافع من قرابته في بلد آخر فلا مانع حينئذ من نقلها إلى البلد الآخر -إن شاء الله تعالى-.

الشرط الثاني: الحرية: فلا زكاة في مال الرقيق، أولاً: لأنه لا يملك عند جمهور العلماء، لا يملك لأنه هو وما تحت يده ملك لسيده، وإذا قيل: بأنه يملك بالتمليك كما هو قول مالك -رحمه الله- فالخلاف في الزكاة هل هي عليه؟ أو على سيده؟ أو لا زكاة في ماله؟ كما أنه لا زكاة في رقبته إذا لم يعد للتجارة؟.

ومن الشروط: ملك النصاب: لا بد أن يتم المال ويبلغ النصاب المحدد شرعاً، النصاب المحدد شرعاً، ومقدراه من الذهب عشرون مثقالاً، أحد عشر جنيهاً وأربعة أسباع الجنيه، ويمكن تحويلها بالريالات، ومن الفضة مائتا درهم، وتعادل ستة وخمسين ريالاً بالريال العربي الفضة، ستة وخمسين ريال، وإذا أردنا تحويل الذهب والفضة إلى الريالات السعودية سألنا الصاغة عن قيمة الذهب وعن قيمة الفضة، فإذا قالوا: الجنيه بخمسائة ريال مثلاً، ضربنا الأحد عشر وأربعة أسباع الجنيه بخمسمائة، وإذا قالوا عن الريال العربي الفضة: أن قيمته مثلاً عشرون ريالاً مثلاً، ضربنا الستة والخمسين في عشرين، فينتج لنا نصاب الفضة بالريالات الورقية، هذا بالنسبة للنقدين.

وأما بالنسبة لبهيمة الأنعام فإن نصابها مبين في كتاب أبي بكر -رضي الله عنه- في الصدقة التي أخبره بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبين أن النصاب بالنسبة للإبل إذا بلغت خمساً ففيها شاة، فإذا صارت عشراً ففيها شاتان، خمسة عشرة ثلاث شياه، عشرون أربع شياه، خمسة وعشرون بنت لبون...إلخ، المقصود أن الأنصبة بينت في هذا الكتاب.

وفي الغنم في أربعين شاة شاة، وفي مائة وعشرين وإذا زادت على ذلك واحدة صارت فيها شاتان...إلخ ثم في كل مائة شاة، وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي أربعين مسنة.

وأما زكاة الخارج من الأرض وهي الحبوب والثمار التي تكال وتدخر لا الفواكه والخضروات فإنه لا زكاة فيها إلا إذا أعدت للتجارة وبلغت قيمتها نصاب التجارة.

الحبوب والثمار لا زكاة فيها حتى تبلغ خمسة أوسق، والوسق: ستون صاعاً، إذاً ثلاثمائة صاع هو النصاب بالنسبة للحبوب والثمار، ولا يشترط لها حول، وإنما تؤتى وقت الحصاد {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [(141) سورة الأنعام] فوقت حلولها وقت الحصاد.

وأما بالنسبة لعروض التجارة فتقوم إذا حال عليها الحول بالدراهم والدنانير، فإذا بلغت قيمتها نصاب الدراهم والدنانير فإنها حينئذ تجب فيها الزكاة، فتزكى ربع العشر، كالذهب والفضة، زكاتها ربع العشر، يعني اثنين ونصف بالمائة، وعلى هذا فأصحاب المحلات التجارية يجعلون لهم شهراً للزكاة ويقومون فيه ما في محلاتهم ومستودعاتهم من البضائع ثم يخرجون ربع العشر.

والأصل أن الزكاة تجب في عين المال، ولها تعلق بالذمة، وإخراج العروض، يعني شخص أمواله مواد غذائية تجارته في المواد الغذائية، هل يخرج مواد غذائية أو يخرج قيم دراهم ودنانير؟ الأصل أنه يخرج الدراهم والدنانير، لأنها منـزلة منـزلة الدراهم والدنانير، إلا إذا كان إخراج العروض أنفع للفقراء، فإنه حينئذ يجوز على القول الصحيح.

النصاب: محدد شرعاً، ولا يضر نقصه اليسير، لا يضر النقص في الحبوب والثمار كالحبة والحبتين والحفنة والحفنتين هذه لا تضر، ولا تخرم النصاب.

تمام الملك واستقراره: لا بد أن يكون الملك تام ومستقر، فالشخص الذي وعد بشيء أو صرف له هبة أو أعطية فإنه حينئذ لا تجب فيه الزكاة ولا يحسب حوله حتى يستقر ملكه عليه ويسوغ له أن يبيعه متى شاء، أما قبل الاستقرار فإنه حينئذ لا زكاة فيه، ويمثل أهل العلم لاستقرار الملك بدين الكتابة، تاجر له أرقاء يكاتبهم فلا زكاة في الكتابة، لماذا؟ لأن الكتابة وقيمتها لا تثبت إلا بانتهاء آخر قسط، فالمكاتب رق ما بقي عليه درهم، وحينئذ للمكاتب أن يعجز نفسه ويقول: ما صار شيء، كوتب هذا الرقيق على عشرة آلاف كل سنة ألف، هذا الدين لا زكاة فيه لأنه غير مستقر فإذا أدى المكاتب قسط أو قسطين ثم قال للسيد: أنا عجزت الآن، إذا أعجز نفسه يعود رقيقاً، وله أن يفعل ذلك متى شاء، ولا يلزم بمتابعة الكتابة، فهذا الدين غير مستقر، وهذا الملك غير مستقر، فلا زكاة فيه.

والشرط الأخير: مضي الحول: فلا بد من تمام الحول، أن يمر على هذه الأموال حولاً كاملاً، اثنا عشر شهراً، إلا فيما ذكرنا من الحبوب والثمار، فإن زكاتها يوم حصادها.

يشكل على كثير من الناس الأموال التي تأتي دفعات أثناء الحول، وينفق منها أهلها، كالرواتب مثلاً، شخص له مرتب عشرة آلاف في الشهر، وفي شهر يصرف خمسة، وشهر يصرف عشرة، وشهر يصرف سبعة، وشهر يصرف عشرين على حسب النوائب، فيشق عليهم حساب الحول، فهم إما أن يبنوا ذلك بدقة فإذا استلم راتب محرم يقيده، وينظر الذي يحول عليه الحول من هذا الراتب، فيزكيه فإذا استلم شهر صفر قيده، ويفعل به في صفر القادم مثلما فعل في محرم، وهذه غاية المشقة لأن الأموال تتداخل، فهو إذا استلم الراتب أودعه في البنك، ثم يضيف إليه راتب صفر، ثم يضيف إليه راتب ربيع الأول وهكذا، فهو يصرف خلال العام من هذه الرواتب، ولا يدري هل كانت نفقته من راتب محرم أو من صفر لأنها غير متميزة، نعم لو جعل لكل راتب حساب مستقل، لكل شهر حساب مستقل، أمكنه أن يعرف ذلك، أما إذا أودعها في حساب واحد فلن يصل إلى حقيقة الحال بحال.

لكن الأرفق به في مثل هذه الحالة أن يجعل لزكاته يوماً محدداً في كل سنة، يجعل مثلاً الأول من رمضان الثاني من رمضان، فيخرج الزكاة زكاة ما في حسابه، ما يوجد في حسابه يوم إخراج الزكاة، أودع شهر شوال، ثم شهر القعدة ثم الحجة ثم المحرم إلى شعبان أودع هذه الرواتب وهو ينفق منها، مجموعها مائة وعشرون ألفاً -إذا كان الراتب عشرة- أنفق منها تسعون ألفاً، ولا يدري هل النفقة أتت على جميع المحرم أو صفر؟ لا يستطيع أن يميز؛ لأنها أودعت في حساب واحد، فإذا جاء رأس الحول، من على رأس الحول من إيداعه أول مبلغ زكى، نظر ما بقي في حسابه فوجده ثلاثون ألفاً صافي السنة، الوفرة التي تحصل له من رواتب هذه السنة مبلغه ثلاثون ألفاً، صرف في السنة تسعين ألفاً، بقيت ثلاثون ألفاً، فيزكي الثلاثين، فيخرج منها سبعمائة وخمسون ريالاً، ربع العشر، لأن العشر ثلاثة آلاف وربعها سبعمائة وخمسون، هذا بالنسبة للرواتب.

وبعض الناس يتعامل بالأقساط يدين الناس أقساط، ويصعب عليه زكاة أمواله، توفر عنده مبلغ من المال، توفر عنده سبعون ألفاً فاشترى سيارة فباعها على زيد من الناس بالأقساط، ثم توفر له بعد شهر أو شهرين مثلها، ثم باعها على عمرو من الناس بأقساط شهرية، مثل هذا يفعل مثل ما فعل الموظف، وإلا فيصعب عليه حصر كل قسط بعينه، مثل أموال الموظفين يجعل لزكاته يوماً في السنة، ويكون في شهر رمضان لأنه أكثر أجراً، وهكذا يفعل كثير من المسلمين يجعلون زكاتهم في رمضان لأنها مضاعفة، زكاة رمضان مضاعفة لفضل الشهر وعظمته.

زكاة الحلي:

من المسائل التي تشكل -وهي من مسائل النقدين- حلي النساء، وهي من الذهب أو الفضة، والأصل فيها أنها زكوية تزكى، هذا باعتبار أنها ذهب أو فضة {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [(34) سورة التوبة] وهذا يصح أنه ذهب وفضة، ففيها الزكاة عند جمع من أهل العلم، وجاء فيها ما جاء من أخبار، النبي -عليه الصلاة والسلام- رأى على امرأة سوارين من ذهب، فقال: ((أتؤدين زكاتهما؟)) قالت: لا، قال: ((أتحبين أن تسوري بهما سوارين من نار؟)) فألقتهما، وجمهور أهل العلم على أنه لا زكاة فيها، لا سيما الذهب المستعمل، إذا كان بقدر الحاجة، لأنه قنية لم يعد لتجارة ولا لنماء، مثل ما يستعمله الإنسان من مسكن ومن سيارة ومن أثاث ومن ملابس ومن فرس ومن عبد؛ وما أشبه ذلك، ما يستعمله للقنية لا زكاة فيه، لأنه ليس بنامٍ، لم يعد للتجارة ولا للنمو، وهذا مذهب أكثر أهل العلم، وعلى هذا يكون زكاة الحلي إنما هو من باب الاحتياط، يعني من أخرج زكاة الحلي فمن باب الاحتياط، ولا يلزم بها، فلو لم يزكِ، وإذا لم تزكِ المرأة على الحلي فإنها حينئذ لا تأثم، وإنما إذا أرادت أن تحتاط لنفسها ودينها وخروجاً من خلاف من أوجبها، فإنها تخرج زكاته ربع العشر، هذا إذا كان مستعملاً وليس بكنـز، وأيضاً بقدر الحاجة، أما إذا زاد عن الحاجة ودخل في حيز السرف، وصار محرماً فإنه تجب فيه الزكاة، كما لو اتخذ الرجل حلياً فإنه حينئذ تجب عليه الزكاة، لو اتخذت المرأة ما ليس بحلي من الذهب والفضة أواني، اتخذت أواني من ذهب أو فضة وجب عليها أن تزكيها قولاً واحداً، لأن ما يحرم استعماله يجب فيه الزكاة.

زكاة مال الصبي:

الزكاة بالنسبة للتكليف لا ارتباط لها بالتكليف، فتجب في مال الصبي والمجنون، قد يقول قائل: الصبي والمجنون رفع عنهما القلم فكيف يكلفان بالزكاة؟ جاء في الحديث: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل، والنائم حتى يستيقظ)) كيف يكلف بالزكاة وهو غير مكلف شرعاً؟ نعم هو غير مكلف بالحكم التكليفي، وإنما هو مكلف بالحكم الوضعي، أيش معنى هذا الكلام؟ الآن الصبي لو كسر آلة لزيد من الناس، أخذ قلم ثمين مثلاً أو غير ثمين فكسره يطالب بقيمته أو لا يطالب؟ هل نقول: هذا المسكين غير مكلف؟ أو رمى حجر فكسر زجاج السيارة لفلان، يطالب أو ما يطالب؟ يطالب، لو رمى حجراً فقتل به إنسان؟ يطالب بديته، فهذا من باب الحكم الوضعي، من باب ربط الأسباب بالمسببات، فتجب الزكاة في ماله، وإن كان غير مكلف بالتكاليف الشرعية، وإنما هذا من باب ربط الأسباب بالمسببات، ومن ذلك قيم المتلفات وأروش الجنايات، ولو كان مكلفاً لقتل بمن يقتل، يعني إذا تعمد الصبي قتل شخص، جاء بمسدس وقتله؟ هذا لو كان مكلفاً يقتل به، القصاص، لكن إذا كان غير مكلف؟ عمد الصبي والمجنون كخطأ المكلف، فعليه الدية، والدية حينئذ على عاقلته كالمكلف.

مصارف الزكاة؟

الأصناف الذين تدفع لهم الزكاة هم الثمانية الذين بينهم الله -جل وعلا- ولم يكل بيانهم إلى أحد من خلقه، لا إلى الأنبياء ولا إلى اجتهادات العلماء، هم: الفقراء الذين لا يجدون شيئاً، أو يجدون شيئاً لا يعتبر شيء بالنسبة إلى مصروفاتهم وعوائلهم، والمساكين الذين يجدون بعض الكفاية، فالفقراء والمساكين هما الصنفان الأول والثاني من أهل الزكاة، فيعطون ما يكفيهم، قد يقول قائل: في حديث معاذ الذي سبق أن ذكرناه ((تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) الآن الذي راتبه ألف ريال أو ألفين ريال وعنده أسرة هذا غني أو فقير؟ أسرة مكونة من خمسة عشر شخصاً غني أم فقير؟ هذا في عرف الناس فقير، وفي الواقع فقير، لأن الألفين ما تمشيه يمكن ولا أسبوع، فيأخذ بقية نفقته وبقية من يعول لمدة سنة، في حديث معاذ ((تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) الآن الذي يملك ألفين ريال، هذا تجب عليه الزكاة لأنها أكثر من النصاب إذا نظرنا إلى الفضة أكثر من النصاب، فتجب عليه الزكاة فتجب عليه الزكاة فتؤخذ منه، ويأخذ ما يكفيه لمدة عام، إذا نظرنا إلى هذا الذي ملك النصاب، لكنه لم يحل عليه الحول، هل يدخل في حديث معاذ؟ هذا راتبه ألفين ريال، قلنا: إنه لا يوفر منه شيء، وإذا مر عليه الحول ما بقي منه شيء، إذاً لا تجب عليه الزكاة، وهو فقير يأخذ من الأموال.

نأتي إلى زكاة الحبوب والثمار، هي التي يكون فيها المثال واضح، شخص عنده مزرعة وتنتج أربعمائة صاع من التمر، تجب عليه الزكاة يوم الجذاذ لأنها أكثر من النصاب، وتؤخذ منه الزكاة، وإذا نظرنا في الباقي لا يكفيه لمدة عام، يعني إذا قلنا: أربعمائة صاع أخذنا ربع العشر، أخذنا منها زكاة الثمار، وهي إن كانت تسقى بلا مؤونة ففيها العشر، نأخذ منها أربعين صاعاً، وإذا كانت تسقى بالمؤونة فنصف العشر، عشرون صاعاً، صار الباقي -على أي حال- ثلاثمائة وثمانين صاع، ثم باعها، احتاج منها الثمانين يدخرها لأولاده طول العام مثلاً، وتكفيه من التمر، لكنه يحتاج إلى حوائج أصلية غير التمر، فإذا باع الثلائمائة صاع، الصاع بعشرة باعها بثلاثة آلاف ريال، وهو يحتاج في السنة إلى ثلاثين ألف، قلنا: إنه تجب عليه الزكاة وتحل له الزكاة، المثال ظاهر أو مو بظاهر؟ قلنا: أن هذا ثمرته أربعمائة صاع، أخذ منها الزكاة نصف العشر؛ لأنها تسقى بالمؤونة، بالآلات، يؤخذ منها نصف العشر عشرون صاعاً، يبقى ثلاثمائة وثمانين صاع، الثمانين هذه يدخرها لأولاده طيلة العام تمر، يحتاجون إلى تمر كغيرهم، باع الثلاثمائة صاع بعشرة، يعني في المتوسط، باعها بثلاثة آلاف ريال، يحتاج نفقة له ولأولاده إلى أقل تقدير بالنسبة لأسرة متوسطة ألفين وخمسمائة شهرياً فيحتاج إلى ثلاثين ألفاً، فتؤخذ منه الزكاة ويأخذ الزكاة، أنا أريد أن أتوصل إلى شيء من خلال الحديث في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم)) فهل يتصور أن يوصف الشخص أنه غني فقير في وقت واحد؟....... هو غني من جهة أنه يدفع الزكاة، يدفع الزكاة تؤخذ منه زكاة فهو غني بالحديث، وباعتباره محتاج له ولأسرته مبالغ لحوائجه الأصلية فإنه حينئذ في حيز الفقراء.

وبعض أهل العلم يقول: لا يمكن أن يوصف الشخص بأنه غني وفقير في آن واحد، فإما أن نوجب عليه الزكاة فلا يأخذ الزكاة، وإما أن يأخذ الزكاة فلا يدفع زكاة، أيش معنى أنه يطلع عشرين صاع ويأخذ ثلاثين ألفاً؟ وعلى كل حال الجهة منفكة، هو مطالب بزكاة هذه الأموال التي بلغت النصاب وهو التمر الذي مثلنا به، وله أن يأخذ حاجته وحاجة من يموله لمدة عام، ولو بلغ ثلاثين أو أربعين ألفاً.

هناك أشياء كان أهل العلم لا يفتون بأخذ الزكاة من أجلها، يعني قبل ثلاثين سنة مثلاً لو جاء شخص لعالم وقال: أنا ما عندي ثلاجة أريد أخذ الزكاة أشتري ثلاجة ما عندي ثلاجة، وما عندي سيارة، قيل له: لا يا أخي لا تأخذ، هذا ترف، هذا زيادة، لكن الآن يأخذ الزكاة من أجل مكيف، من أجل الثلاجة، ...إلخ يأخذ أو ما يأخذ؟ هذه حاجات أصلية يعني إذا كان ما عنده مكيف ما نام، إذاً هي حاجة أصلية فيأخذ الزكاة، قد يلاحظ على بعض من يأخذ الزكاة ولا يستطيع أحد أن يقول شيء، معه جوال وزوجته جوال وزوجته جوال وولده جوال وبنته جوال ويأخذ الزكاة، يأخذ الزكاة لأنه مضطر ومحتاج، طيب هي الجوالات التي معك؟ يقول: إذا احتجت الولد أروح الكبينة أريد أكلم عليه بضعف ما أكلم بالجوال، إذن الجوال يوفر لي، طيب أنت معك سيارة جيمس موديل 2005 أو 2006 وتأخذ زكاة، أما تخاف الله؟! قال: نعم آخذ زكاة الجيمس هذه حاجة أصلية أنتقل بها أنا وأولادي لحوائجنا، طيب خذ لك جيمس 90-91 بعشر القيمة، قال: يا أخي الذي أصرفه على هذه الجيمس الرديء في الورش أكثر مما دفعته في هذا الجيمس الجديد، فالمسألة مسألة حاجة، فهل هذا مبرر لأن يأخذ الزكاة ويشتري فوق مستواه؟.

بعض الناس يأخذ من صندوق التنمية ثلاثمائة ألفاً ويستدين معها أربعمائة ليشيد منـزل متوسط، ويأخذ الزكاة من أجل سداد الأربعمائة ألفاً، نقول: يا أخي بإمكانك ربع هذه القيمة أن تشتري بيتاً لائقاً بك، لكن الناس في هذه الأزمان تساهلوا في سؤال الناس، وفي أخذ الزكوات، لأن كون الإنسان يستعمل ما هو فوق طاقته وفوق مستواه، لا يجوز له أن يأخذ من أموال الناس بهذه الصفة، يعني الذي يكنه بيت بمائتي ألف؛ لكن لا يجد بأقل من مائتي ألف، بيت له ولأسرته نقول: يأخذ الزكاة بمائتين، لأن البيت حاجة أصلية، لأنه لو كلف بدفع إيجار كل سنة عشرة آلاف أو أكثر أو عشرين ألفاً لأرهقه ذلك بسؤال الناس، وتتبعهم في كل سنة، وقد يتعرض لإخراجه من البيت وإيذائه والمشقة الشديدة التي لا يحتملها، لكن إذا اشترى بيت بسبعمائة ألف يجوز له أن يأخذ من الزكاة؟ لا يجوز له أن يأخذ من الزكاة إذا كانت فوق حاجته.

الفقراء والمساكين يأخذون من الزكاة بقدر الحاجة، ولذا قال أهل العلم: بقدر الحاجة، معناه أن أكثر من الحاجة لا يجوز، الحاجة تقدر بقدرها، لا يجوز ما زاد على الحاجة.

العاملون عليها:

العامل على الزكاة كالجباة والسعاة الذين يتولون جمع الزكاة لهم أجرة المثل، لكن هذا المصرف إنما يقرره ولي الأمر، ما يأتي إمام مسجد ويكلف بعض الناس، يقول: اجمعوا زكوات لنوزعها على فقراء الحي، ولكم منها كذا، لا، وأشوف بعض الإخوان يفعله، لأن هذا يكون ضياع بهذه الطريقة، يعني الزكاة ركن من أركان الإسلام ما يمكن أن يتصرف بها بتصرفات فردية، سمعنا بعض الإخوان من أئمة المساجد يكلفون بعض الشباب يجمعون زكوات عند أبواب المساجد وعند التجار، وبعد ذلك يقول: لك أجرة المثل، لك مثلاً العشر، عشر الزكاة أو عشر ما جمعت، وقد يزيده من أجل أن يحرص على الجمع، هذا ليس إليه، إنما هو لولي الأمر، فولي الأمر هو الذي يعين السعاة والجباة، وإلا لو كان لتصرفات الناس ما انتهى الأمر إلى حد.

المؤلفة قلوبهم:

المؤلفة قلوبهم: يعطى الكافر إذا رجي إسلامه، ويعطى من أسلم ليستقر الإيمان في قلبه؛ لأنه عرضة، إلى الآن ما استقر الإيمان في قلبه، فلو حصل له أدنى مشكلة ارتد عن دينه، مثل هذا يرغب ويغرى بسهم من الزكاة.

الغارمون:

الغارم: أيضاً يعطى من الزكاة، سواء غرم لحظ نفسه كالمدين بدين مباح، لا بدين يعصي فيه، يرابي ويضارب بأموال الناس بالربا، أو يستعمل المحرمات ويبيع ما حرم الله -جل وعلا-، مثل هذا لا يعطى من الزكاة، ولو غرم، ولو تحمل الأموال، فإنه لا يعطى حينئذ، أما من غرم ولو لحظ نفسه فإنه يعطى من الزكاة إذا كانت مزاولاته ومعاملاته مباحة، إذا غرم لحظ غيره كأن أصلح بين اثنين، واقتضى هذا الإصلاح بذل مال لهما أو لأحدهما، فإنه يعطى بقدر هذا المال، ولو كان غنياً، أما من غرم لحظ نفسه فإنه لا يعطى إلا إذا كان فقيراً.

وفي الرقاب:

بقي من الأصناف السادس:{وَفِي الرِّقَابِ} [(60) سورة التوبة] ويدخل فيه من أسر من المسلمين، وفكه فرض على الأمة في بيت المال، وفي أموال المسلمين من الزكوات وغيرها، والمكاتب أيضاً يعطى من الزكاة لفك رقبته.

في سبيل الله:

وفي سبيل الله، وعامة أهل العلم على أن المراد في سبيل الله الغزاة المجاهدون، الذين يجاهدون لإعلاء كلمة الله، فيأخذون من الزكاة ما يعينهم على الجهاد، وبعضهم يتوسع في مفهوم سبيل الله، فيدخل في ذلك جميع ما تحتاج إليه الأمة من المرافق العامة، وما يعين على إقامة الدين وشعائر الدين، فيجعلون في ذلك طلب العلم الشرعي وغيره، والحج جاء النص على أنه في سبيل الله، فهل يعطى من أراد أن يحج وليس عنده ما يحج به من الزكاة؟ على قول الجمهور لا، لأن المراد في سبيل الله عندهم هو الجهاد فقط، وعلى القول الثاني الذي فيه شيء من التوسع، وقال به بعض أهل العلم من المتقدمين ومن المعاصرين، يقول: يعطى من الزكاة، لأن الحج في سبيل الله، وجاءت تسميته في الحديث، لكن المراد به عند عامة أهل العلم الجهاد.

هل يعطى طالب العلم من الزكاة، لأن العلم في سبيل الله وهو جهاد؟ هل يعطى من يقوم بشعيرة الأمر والنهي، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لأنه جهاد، نوع من أنواع الجهاد، من الزكاة على قول جمهور العلماء؟ لا.

وشيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: إن لطالب العلم أن يأخذ من الزكاة ما يشتري به ما يحتاجه من كتب، الكتب في الأصل ليست بحاجة أصلية، لكن شيخ الإسلام يرى أن هذا في سبيل الله، فيأخذ الزكاة من أجل الكتب، أو يعتبر الكتب حاجة أصلية بالنسبة لطالب العلم، كالسلاح بالنسبة للمجاهد، على كل حال القول المحقق المقرر عند أهل العلم أن سبيل الله المذكور في الآية إنما هو الجهاد.

ابن السبيل:

وابن السبيل: السبيل هو الطريق، من انقطعت به السبيل، بمعنى أنه مسافر، ثم انتهت نفقته، أو فقد نفقته ضاعت أو سرقت؛ فإنه يأخذ من الزكاة حتى يصل إلى بلده، ولو كان غنياً في بلده، لكن هل له أن يأخذ الزكاة ليذهب إلى غيره بلده، ثم يعود إلى بلده؟ خرج من الرياض قاصداً مكة، فلما انتصف في الطريق سرقت نفقته، يأخذ من الزكاة لأنه ابن سبيل، انقطعت به نفقته، لكن هل يأخذ إلى أن يرجع إلى الرياض أو إلى أن يذهب إلى مكة ويرجع إلى بلده؟ لا، إلى أن يرجع إلى بلده، وإلا لما انتهى، والله بعد مكة أذهب إلى جدة وبعدها أذهب أشوف بلدان الساحل، وأتمشى أصل إلى الجهة الغربية والشمالية، وأعود إلى بلدي، لا، مثل هذا يعطى إلى ما يعيده إلى بلده فقط، وإلا لو فتح مثل هذا الباب كان ما ينتهي.

كثيراً ما يعترض الناس في طرقهم ابن السبيل، سواء كان دعواه حقيقية أو مجرد دعوى وهو كاذب فيها، يعترض الناس في المحطات ويقول: أنا –والله- سرقت نفقتي أو ضاعت أو ما أشبه ذلك، مثل هذا يعطى أو لا يعطى؟ على حسب ما يظهر من حاله، فإن دلت القرائن على صدقه، فإنه يعطى، وإن دلت القرائن على كذبه فإنه لا يعطى، وإن اشتبه أمره فلا بد من البينة التي تدل على صدقه، فإن كان صادقاً في ذلك فهو ابن السبيل الذي ذكر الله -جل وعلا- أنه من أهل الزكاة.

مما يحسن التنبيه عليه وهو أن بعض المحتسبين من الأخيار من الذين يأخذون الزكوات من الأغنياء ويوزعونها على الفقراء هل هم نواب عن الأغنياء أو نواب عن الفقراء؟

قد يقول قائل: أيش الفائدة من كونه نائب عن غني أو فقير؟ هو يأخذ من هذا ويعطي هذا، وأيش الذي ترتب على هذا من فائدة؟

نقول: إن كان نائباً عن الغني فيلزمه أن يدفعها إلى الفقراء فوراً كالغني، وإن كان نائباً عن الفقراء فله أن يقسطها عليهم حسب حاجتهم، إن كان نائب عن الغني، الغني يلزمه أن يتخلص من الزكاة فوراً، فور حلولها، يعني يتسامح في يوم أو يومين أو ثلاثة لكن أكثر من ذلك لا يجوز، إذا حلت إذا وجبت عليه، وإن كان هذا المحتسب نائب عن الفقراء، فله أن يجمع من الأغنياء ويصرف على هؤلاء الفقراء، ولو تمتد به الأمر سنة، لأنه نائب عنهم، الفقير إذا أعطي الزكاة التي تكفيه لمدة سنة، ينفق منها تدريجياً، وهذا في حكمه ينفق على هؤلاء الفقراء تدريجياً، ولو طال به الأمر، أما إذا كان نائباً عن الغني فيلزمه أن يخرجها فوراً، وهذا يكثر السؤال عنه، لأن بعض الناس يأخذ زكاة من الأغنياء بنية صرفها على فقراء الحي، ثم يودعها في حسابه ويقيدها يعني ما هي بضايعة -إن شاء الله-، فإذا أعطى آل فلان ألف ريال قيد، أعطينا آل فلان ألف ريال، بعد أسبوع أو ثلاثة أعطى آل فلان، وهكذا إلى آخره، هذا إذا كان نائب عن الفقراء صحيح ما فيه إشكال، وأما إذا كان نائباً عن الأغنياء فلا.

فالأحسن في مثل هذه الحالة أن يذهب إلى الفقراء ويطلب منهم النيابة أن يتولى السؤال عنهم والإنفاق عليهم، أما إذا قصده الغني وقال: وزع زكاتي هذه فهو في حكمه، اللهم إلا إذا كان الغني يعطيه من زكاة العام القادم، ما هو من زكاة العام المنصرم، لأنه فرق بين أن تحل عليه زكاة اليوم، حال عليها الحول فلا بد من إخراجها اليوم أو غداً أو بعده، ومن في حكمه من وكيل الذي يعطيه الزكوات ليوزعها يلزمه أن يدفعها فوراً، لكن إن أعطاه الغني وقال: هذه ما بعد حلت، تحل -إن شاء الله- بعد سنة، أنت صرفها على نظرك يفعل ما يشاء خلال السنة بحيث لا يزيد عليها.

بعض الناس يجمع الزكوات للفقراء وهو محسن ومحتسب ومثاب على ذلك، ويجعلها في حسابه، ويقترض منها، يقضي منها شيء في مصالحه، لأن هذا الفقير ليس بحاجة إليها اليوم، هو نائب عن فقير، لكن هذا الفقير ما يحتاجها اليوم، واحتاجها هو هل يجوز له أن يتصرف فيها بنية الضمان أو لا يجوز؟ الأصل أنه لا يجوز، إلا إذا ملّكها الفقير؛ لأن الزكاة بالنسبة للفقراء والمساكين تمليك لا بد أن يملكها الفقير، فإذا أقرضه شيء منها باعتبار أنه لا يحتاجها اليوم فلا مانع من ذلك.

والله أعلم.

 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.