كتاب الحدود من سبل السلام (5)

ماذا؟

طالب:...

كيف؟

طالب:...

نعم، ممكن. يمكن. يُسمَّى ثم يُختَلف هل هذا اسم أو لقب، اسمه كذا أو لقب، وقد يُظَن الواحد عددًا، مثل ما قيل في أسماء أولاد النبي -عليه الصلاة والسلام-، القاسم، الطيب، الطاهر، المطيب، منهم من يقول: هو واحد القاسم، والباقي ألقاب.

طالب:...

ومنهم من يقول: هذا عدد كل واحد له اسم.

 نعم.

"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 قال في البلوغ وشرحه في باب حد السرقة:

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا»، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَيُسْتَعْمَلُ بِالْفَاءِ وَثُمَّ، وَلَا يَأْتِي بِالْوَاوِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَوْ زَادَ، وَإِذَا زَادَ لَمْ يَكُنْ إلَّا صَاعِدًا فَهُوَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: «تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا»، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: أَيْ عَنْ عَائِشَةَ، وَهو: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ»".

وهي يعني الرواية.

"أي عن عائشة وهي: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ» إيجَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ؛ قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38]، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ نِصَابُ مَا يُقْطَعُ فِيهِ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَسَائِلَ:

الْأُولَى: هَلْ يُشْتَرَطُ النِّصَابُ أَوْ لَا؟ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى اشْتِرَاطِهِ مُسْتَدِلِّينَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، بَلْ يُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ، وَلِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ».

 وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ مُطَلَّقَةٌ فِي جِنْسِ الْمَسْرُوقِ وَقَدْرِهِ، وَالْحَدِيثُ بَيَانٌ لَهَا، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حَدِيثِ الْبَيْضَةِ غَيْرُ الْقَطْعِ بِسَرِقَتِهَا، بَلْ الْإِخْبَارُ بِتَحْقِيرِ شَأْنِ السَّارِقِ وَخَسَارَةِ مَا رَبِحَهُ مِنْ السَّرِقَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَعَاطَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْحَقِيرَةَ، وَصَارَ ذَلِكَ خُلُقًا لَهُ جَرَّأَهُ عَلَى سَرِقَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَبْلُغُ قَدْرُهُ مَا يُقْطَعُ بِهِ، فَلْيَحْذَرْ هَذَا الْقَلِيلَ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَهُ الْعَادَةُ فَيَتَعَاطَى سَرِقَةَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ".

نعم، يكون مآله إذا سرق البيضة أو سرق الحبل مآله إلى القطع، يعني لا يقطع في البيضة أو الحبل إذا لم تبلغ قيمتها النصاب، لكن يكون مآله ذلك إذا استمر واستمرأ السرقة وصارت عادة له سرق ما هو أكثر من ذلك أو ما هو أعظم من ذلك قيمةً، فيكون مآله إلى القطع.

طالب:...

تصل، لكن في وقت الحديث ما تصل، بعضهم قال: المراد بالبيضة بيضة الحرب التي توضع على الرأس وتبلغ قيمتها أكثر من النصاب، والحبل حبل السفينة الطويل الذي تصل قيمته إلى أكثر، لكن السياق يأبى مثل هذا التأويل؛ لأن السياق يدل على التحقير، والتحقير لا يكون بالشيء الكبير.

"ذَكَرَ هَذَا الْخَطَّابِيُّ وَسَبَقَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ»، وَحَدِيثُ «تَصَدَّقِي وَلَوْ بِظِلْف مُحَرَّقٍ»".

يعني هذا في باب المبالغة يغتفر مثل هذا الأسلوب يغتفر في باب المبالغة، وإلا فظلف محرق هذا يصلح أن يتصدق به؟ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون، لكنه من باب الحث على الصدقة، ولو بالشيء القليل. ومفحص القطاة لا تسع لقدم، فكيف يجعل مصلى أو مسجدًا إلا على سبيل الاشتراك؟ يعني لو اشترك ألف مثلاً في بناء مسجد، وكل واحد له مثل هذا المقدار يمكن.

طالب:...

نعم معروف المقصود من ذلك الحث على الصدقة، والحث على بناء المساجد ولو صغُرت، ما يقال: والله هذا مسجد، ما يصلح مسجد ثلاثة أمتار في ثلاثة، صغير، لا هو ولو كمفحص قطاة.

"وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَفْحَصِ الْقَطَاةِ لَا يَصِحُّ تَسْبِيلُهُ وَلَا التَّصَدُّقُ بِالظِّلْفِ الْمُحَرَّقِ؛ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا فَمَا قَصَدَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلَّا الْمُبَالَغَةَ فِي التَّرْهِيبِ. الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِي قَدْرِ النِّصَابِ بَعْدَ اشْتِرَاطِهِمْ لَهُ عَلَى أَقْوَالٍ بَلَغَتْ إلَى عِشْرِينَ قَوْلاً، وَاَلَّذِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْهَا قَوْلَانِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ النِّصَابَ الَّذِي تُقْطَعُ بِهِ رُبُعُ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ، وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْفِضَّةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَان كَمَا سَمِعْت".

الشيخانِ.

"وَهُوَ نَصٌّ فِي رُبُعِ دِينَارِ قَالُوا: وَالثَّلَاثَةُ الدَّرَاهِمُ قِيمَتُهَا رُبُعُ دِينَارٍ، وَلِمَا يَأْتِي مِنْ «أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ»، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ إذَا لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهَا رُبُع دِينَارٍ لَمْ تُوجِبْ الْقَطْعَ، وَاحْتَجَّ لَهُ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ أَتَى عُثْمَانُ بِسَارِقٍ سَرَقَ أُتْرُجَّةً قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ حِسَابِ الدِّينَارِ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَقَطَعَ".

لا إشكال في الموازنة والمقارنة بين ربع الدينار وثلاثة دراهم إذا كان الصرف ثابتًا، الدينار باثني عشر درهم، لكن إذا اختلف؛ لأنه قد يكون الدينار بعشرة دراهم في بعض الأحوال، وقد يكون بخمسة عشر درهمًا فهل المعتبر ربع الدينار أو المعتبر ثلاثة دراهم، أو كل واحد منهما أصل إذا بلغت القيمة ربع دينار أو ثلاثة دراهم قُطِع؟

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

ينظر للأعلى لماذا؟

طالب:...

يعني من باب درء الحد، من باب درء الحد؛ لأنه لم يصل إلى الأعلى منهما، يعني من باب درء الحد ينظر للأعلى، لكن التنصيص في أحاديث كثيرة على أن النصاب ربع دينار، نعم جاء في مجنٍ قيمته ثلاثة دراهم، وكأنه لملائمته في وقت القطع للصرف، الدينار باثني عشر درهمًا، ولو قيل بأن كل واحد منهما أصل ما دام ثبت الخبر في هذا وفي هذا لما بعُد، وأما القول بأنه ينظر إلى الأعلى ففيه بعد مع التنصيص على كل واحد منهما، يعني بلغ ما قيمته ربع دينار يقطع، لماذا لا يُقطع وقد بلغت القيمة ربع دينار أو بلغت ثلاثة دراهم؟ ما المانع بأن يُقطَع؟ لأنه وصل إلى نصابٍ شرعي ثبت بدليل صحيح، فكّلٌ منهما أصل، وسيأتي بالخلاف على هذا.

"وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَطَعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رُبُعُ الدِّينَارِ مُوَافِقٌ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الصَّرْفَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ، وَكَانَ كَذَلِكَ بَعْدَهُ، وَلِهَذَا قُوِّمَتْ الدِّيَةُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ الْوَرِقِ وَأَلْفَ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لِلْهَادَوِيَّةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ إلَّا سَرِقَةُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَا يَجِبُ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَرَوَى أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مِثْلَهُ؛ قَالُوا: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَطَعَ فِي مِجَنٍّ»، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، لَكِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَدْ عَارَضَتْ رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ".

يعني رواية البيهقي والطحاوي عارضت رواية الصحيحين فقدموا رواية البيهقي والطحاوي على رواية الصحيحين.

"وَالْوَاجِبُ الِاحْتِيَاطُ فِيمَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْعُضْوُ الْمُحَرَّمُ قَطْعُهُ إلَّا بِحَقِّهِ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ الْأَكْبَرُ؛ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ مَعَ جَلَالَتِهِ فِي الْحَدِيثِ إلَى أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَدَ مُحَرَّمَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا تُسْتَبَاحُ إلَّا بِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَالْعَشَرَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى الْقَطْعِ بِهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ فَيُتَمَسَّكُ بِهِ مَا لَمْ يَقَعْ الِاتِّفَاقُ عَلَى دُونِ ذَلِكَ.

 قُلْت: قَد اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الِاضْطِرَابُ فِي قَدْرِ قِيمَةِ الْمِجَنِّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ عَشَرَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي قَدْرِ قِيمَتِهِ، وَرِوَايَةُ رُبُعِ دِينَارٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ صَرِيحَةٌ فِي الْمِقْدَارِ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَيْهَا مَا فِيهِ اضْطِرَابٌ، عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ قِيمَةَ الْمِجَنِّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لِمَا يَأْتِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَبَاقِي الْأَحَادِيثِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ لَا تُقَاوِمُهُ سَنَدًا؛ وَأَمَّا الِاحْتِيَاطُ بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّلِيلِ فَهُوَ اتِّبَاعُ الدَّلِيلَ لَا فِيمَا عَدَاهُ، عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ التَّقْدِيرِ".

يعني مثل ما يقول شيخ الإسلام -رحمه الله- أن الاحتياط إذا أدى إلى ترك مأمور الاحتياط إذا أدى إلى ترك مأمور أو فعل أو فعل محظور فالاحتياط في ترك هذا الاحتياط، فالاحتياط في ترك هذا الاحتياط، الغريب أن ترجيهم رواية البيهقي والطحاوي على رواية الصحيحين، وجعلوه أصلاً في القطع، ثم قاسوا عليه الصداق، فقالوا: أقل الصداق عشرة دراهم؛ لأن العشرة استبيح بها عضو، وهو اليد فليستبح بها العضو الآخر.

يعني من الغرائب في الاستدلال مثل هذا النوع.

"وَأَمَّا الِاحْتِيَاطُ بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّلِيلِ فَهُوَ اتِّبَاعُ الدَّلِيلَ لَا فِيمَا عَدَاهُ، عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ التَّقْدِيرِ لِقِيمَةِ الْمِجَنِّ بِالْعَشَرَةِ جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَفِيهِمَا كَلَامٌ مَعْرُوفٌ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَرَى الْقَدْحَ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ، إنَّمَا ذَكَرُوهُ كَمَا قَرَّرْنَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِشَرْطِيَّةِ النِّصَابِ".

ابن إسحاق فيه كلامٌ طويل لأهل العلم، بل طويل جدًّا، ويختلف القول فيه من إمام إلى دجال من الدجاجلة، يعني يختلف فيه القول يعني تباين كبير في الكلام على ابن إسحاق، ولا شك أنه في باب المغازي إمام، وفي باب الرواية فيه ضعف، وهو مُدلس أيضًا لا بد أن يُصرِّح، فأقل ما يقال فيه: إن حديثه كما يختار كثير من المتأخرين إذا صرّح بالتحديث أن حديثه من قبيل الحسن، وهذا كله فيما إذا لم يُعارَض.

"الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِشَرْطِيَّةِ النِّصَاب فِيمَا يُقَدَّرُ بِهِ غَيْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ: يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ لَا بِرُبُعِ الدِّينَارِ يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ صَرْفُهُمَا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رُبُعُ دِينَارٍ صَرْفَ دِرْهَمَيْنِ مَثَلًا؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَصْلُ فِي تَقْوِيمِ الْأَشْيَاءِ هُوَ الذَّهَبُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الصِّكَاكَ الْقَدِيمَةَ كَانَ يُكْتَبُ فِيهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ، فَعُرِفَتْ الدَّرَاهِمُ بِالدَّنَانِيرِ وَحُصِرَتْ بِهَا حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ إذَا لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهَا رُبُعَ دِينَارٍ لَمْ تُوجِبْ الْقَطْعَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَقَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْوِيمِ أَبُو ثَوْرٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُد، وَقَالَ أَحْمَدُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي التَّقْوِيمِ بِالدَّرَاهِمِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي قَدْرِ النِّصَابِ تَفَرُّع عَنْ الدَّلِيلِ كَمَا عَرَفْت".

تفرعا. وهذان قولان تفرعا.

"وهذا القولان في قدر النصاب تفرعا عن الدليل كما عرفت".

والدليل فيه ربع دينار، وفيه ثلاثة دراهم، نعم. منهم من قال: لا تقطع الخمس إلا في خمس، فيكون النصاب عنده خمسة دراهم، والأصل في القطع لليد أن تكون من مفصل الكوع نعم من مفصل الكوع من هنا، وإن قال بعضهم: إنها تُقطع من المرفق قياسًا على الوضوء، وقال بعضهم من الآباط لأن هذا غاية ما تطلق عليه اليد، وقال الشريف في أماليه وهو من الشيعة قال: تقطع الأصابع فقط، الأصابع هي التي أخذت، فلا تقطع الراحة؛ لأنها لم تأخذ، لكن العبرة بما ثبت بالنصوص وأيدته اللغة.

"وَفِي الْبَابِ أَقْوَالٌ أُخَر كَمَا قَدَّمْنَا لَمْ يَنْهَضْ لَهَا دَلِيلٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى شَغْلِ الْأَوْرَاقِ وَالْأَوْقَاتِ".

والأوقات بالقيل والقال أو بالقال والقيل؟

نعم.

"وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَطَعَ فِي ثمن مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الْمِجَنُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ التُّرْسُ، مِفْعَلٌ"

مفعل نعم.

"مِنْ الِاجْتِنَانِ وَهُوَ الِاسْتِتَارُ وَالِاخْتِفَاءُ، وَكُسِرَتْ مِيمُهُ؛ لِأَنَّهُ آلَةٌ فِي الِاسْتِتَارِ، قَالَ:

وَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْت أَتَّقِي

 

 

 

ثَلَاثَ شُخُوصٍ كَاعِبَان وَمِغْفَرِي

 

 

 

وَقَدْ عَرَفْت مِمَّا مَضَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ بِرُبُعِ دِينَارٍ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ»، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَطْعَ فِي رُبُعِ الدِّينَارِ ثُمَّ أَخْرَجَ الرَّاوِي هُنَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَطَعَ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ» مَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّهَا رُبُعُ دِينَارٍ وَإِلَّا لنا فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ هُنَا "قِيمَتُهُ" هَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ أَعْنِي الْقِيمَةَ، ووَرَدَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ: «ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ».

 قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ، وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ ذِكْرِ الثَّمَنِ فَكَأَنَّهُ لِتَسَاوِيهِمَا عِنْدَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ فِي عُرْفِ الرَّاوِي أَوْ بِاعْتِبَارِ الْغَلَبَةِ، وَإِلَّا فَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْقِيمَةُ وَالثَّمَنُ الَّذِي شَرَاهُ بِهِ مَالِكُهُ لَمْ تُعْتَبَرْ إلَّا بِالْقِيمَةِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ»".

يعني إذا سرق متاعًا اشتراه صاحبه بأكثر من النصاب، بأكثر من النصاب، ثم عند السرقة قُوِّم فوُجد لا يصل إلى النصاب، فالعبرة بما اشتري به أو بقيمته حال السرقة؟

طالب:...

كما يقال نظيره في الزكاة، في زكاة العروض إنما تقوم في وقت الزكاة، وهنا يُقوم في وقت السرقة.

"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا.

تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَدِلَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِمَا ذُكِرَ قَرِيبًا، وَالْمُوجِبُ لِتَأْوِيلِهِ مَا عَرَفْته مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ»، وَقَوْلِهِ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ: «وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ»، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْأَعْمَشِ لَهُ بِأَنَّهُ أُرِيدَ بِالْبَيْضَةِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ، وَبِالْحَبْلِ حَبْلُ السُّفُنِ فَغَيْرُ صَحِيحٌ".

السياق يأبى هذا التأويل؛ لأن السياق إنما سيق للتحقير والتهوين من شأن السارق، فلا يُحقر ويُهوَّن من شأنه بأمر خطير بأمر له شأن.

"لِأَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي التَّهْجِينِ عَلَى السَّارِقِ؛ لِتَفْوِيتِهِ الْعَظِيمَ بِالْحَقِيرِ. قِيلَ: فَالْوَجْهُ فِي تَأْوِيلِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: فَتُقْطَعُ خَبَرٌ لَا أَمْرٌ وَلَا فِعْلٌ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ؛ لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ يَقْطَعُهُ مَنْ لَا يُرَاعِي النِّصَابَ أَوْ بِشَهَادَةٍ عَلَى النِّصَابِ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا دُونَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ".

يعني يعرض نفسه للقطع، يعرض نفسه للقطع، إذا سرق هذه الأشياء التافهة عرض نفسه للقطع، إما بأن يكون مآله إلى القطع فيسرق ما هو أعظم من ذلك، أو يقطعه من لا يرى النصاب، هذا كلام المؤلف يقطعه من لا يرى النصاب، وهذا التأويل فيه بعد، يعني كون النبي -عليه الصلاة والسلام- يُقرر أن من يسرق هذا الشيء التافه قد يجتهد بعض الناس ويقطعه، ويرى فيه القطع هذا فيه بعد.

طالب:...

لا، هو يلعن لذات السرقة؛ لأن السرقة من كبائر الذنوب، وإن كان المسروق حقيرًا.

"وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ مُخَاطِبًا لِأُسَامَةَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَاخَتطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَلَهُ، أَيْ لِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَتْ امْرَأَةٌ".

قالت.

"من وجه آخر عن عائشة قالت: «كانت امرأة»".

قالت: كانت امرأة.

"قالت: «كانت امرأة تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِقَطْعِ يَدِهَا». الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: أَتَشْفَعُ، لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ كَمَا يَدُلُّ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، قَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَتَشْفَعُ؟» الْحَدِيثَ".

لأن الحدود إذا بلغت السلطان فلا تجوز الشفاعة فيها بحال، والشفاعة في الحدود من عظائم الأمور؛ لأنها تؤدي إلى التعطيل، تعطيل ما شرعه الله -جلّ وعلا-  للقضاء على الفساد وأهله وتوطئ للإباحية، والسلطان إذا بلغه الحد كما جاء في الخبر فعفا فلا عفا الله عنه، هذه أمور لا بد أن تؤخذ بحزم، تؤخذ بحزم؛ لئلا تضيع الحقوق وتصير الأمور فوضى، وما شرعت الحدود إلا للقضاء على الفساد وقطع دابره ودابر أهله، ليست كما يقال عن هذه الحدود: إنها وحشية، أو إهانة للإنسان، أو حط من قيمة الإنسان، هذه من أجل الحفاظ على حياة الإنسان وكرامة الإنسان، ليسود الأمن، وتسود الطمأنينة، ويعيش الناس بسلام، والقتل حياة، ولكم في القصاص حياة، وفي كلام العرب: القتل أنفى للقتل، كيف القتل وهو إزهاق النفس ولنا فيه حياة؟ يعني يقتل واحد؛ من أجل أن يحيى بقية الناس، ولو لم يقتل هذا الواحد لجرأ على أن يقتل آخر ثم يقتدي به آخر وثالث وعاشر ثم يكثر الهرج، ويصير الناس فوضى، وتصير الحياة فوضى لا يأمن الإنسان على نفسه ولا على ماله ولا على ولده، لكن إذا أقيمت الحدود فكلٌّ يقف عند حده.

"وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ، وَكَأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ عِلْمُ أُسَامَةَ بِأَنَّهُ لَا شَفَاعَةَ فِي حَدٍّ. وَفِي الْحَدِيثِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: النَّهْيُ عَنْ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ، وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بِبَابِ كَرَاهِيَةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ إذَا رُفِعَ إلَى السُّلْطَانِ".

المراد من الكراهة هنا التحريم كما في عرف المتقدمين.

"وَقَدْ دَلَّ لِمَا قَيَّدَهُ مِنْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ بَعْدَ الرَّفْعِ مَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِأُسَامَةَ لَمَّا تَشْفَعْ: «لَا تَشْفَعْ فِي حَدٍّ فَإِنَّ الْحُدُودَ إذَا انْتَهَتْ إلَيَّ فليس لها منزل»، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مرفوعًا: «تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ أَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَفِي الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي مِلْكِهِ»، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ مَوْصُولًا بِلَفْظِ: «اشْفَعُوا مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْوَالِي؛ فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْوَالِي فَعَفَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ»، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَقِيَ الزُّبَيْرُ سَارِقًا فَشُفِّعَ فِيهِ فَقِيلَ: حَتَّى يَبْلُغَ الْإِمَامَ، فَقَالَ: إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ. قِيلَ: وَهَذَا الْمَوْقُوفُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَتَأْتِي قِصَّةُ الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ وَرَفَعَهُ إلَيْهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ أَرَادَ أَنْ لَا يَقْطَعَهُ، فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟»، وَيَأْتِي مَنْ أَخْرَجَهُ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَعَاضِدَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إلَى الْإِمَامِ".

سواء كان الإمام الأعظم أو من أنابه لهذا الأمر وهو القاضي، وأما من قبل القاضي فلا يعتبر الحد وصل إلى الإمام.

"وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَةُ الْحَدِّ، وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ، وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ عُرِفَ بِأَذِيَّةِ النَّاسِ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ: لَا يُشْفَعُ فِي الْأَوَّلِ مُطْلَقًا، وَفِي الثَّانِي تَحْسُنُ الشَّفَاعَةُ قَبْلَ الرَّفْعِ".

نعم، من حصلت منه هفوة أو زلة فشُفع له أو سُتِر عليه فهذا أمرٌ مطلوب، من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، أما من كانت له عوائد وسوابق وجرائم فهذالا يحسن الشفاعة له سواء قبل الرفع أو بعده.

طالب:...

لا لا، الهيئة أو الشرطة، ما فيه إلا القاضي هو النائب عن الإمام.

"وَفِي حَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ إلَّا فِي الْحُدُودِ»، مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الشَّفَاعَةِ فِي التَّعْزِيرَاتِ لَا فِي الْحُدُودِ. وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي قَوْلِهِ: "كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ"، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظِ: اسْتَعَارَتْ امْرَأَةٌ عَلَى أَلْسِنَةِ أُنَاسٍ يُعْرَفُونَ وَهِيَ لَا تُعْرَفُ، فَبَاعَتْهُ وَأَخَذَتْ ثَمَنَهُ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ فَقَالَتْ: إنَّ فُلَانَةَ تَسْتَعِيرُ حُلِيًّا بِإِعَارَتِهَا إيَّاهَا، فَمَكَثَتْ لَا تَرَاهُ، فَجَاءَتْ إلَى الَّتِي اسْتَعَارَتْ لَهَا فَسَأَلَتْهَا فَقَالَتْ: مَا اسْتَعَرْتُك شَيْئًا، فَرَجَعَتْ إلَى الْأُخْرَى فَأَنْكَرَتْ، فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَدَعَاهَا فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا اسْتَعَرْت مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ: اذْهَبُوا إلَى بَيْتِهَا تَجِدُوهُ تَحْتَ فِرَاشِهَا فَأَتَوْهُ، وَأَخَذُوهُ، فَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى جَحْدِ الْعَارِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالظَّاهِرِيَّةِ، وَوَجْهُ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ وَاضِحَةٌ؛ فَإِنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَتَّبَ الْقَطْعَ عَلَى جَحْدِ الْعَارِيَّةِ".

ولا شك أن هذا مشكل؛ لأن حد السرقة لا ينطبق على جحد العاريَّة، واشتراط الحرز كذلك لا يمكن تحققه في جحد العاريَّة، لكن يبقى أن الحديث هذا سياقه، وهو ظاهرٌ في قطع جاحد العاريَّة، منهم من يقول: إن جاحد العاريَّة لا يُقطع، وقُطعت هذه المخزومية؛ لأنها تسرق، سرقة موجبة للحد، ولكنها عُرفت، واشتهرت بجحد العاريَّة، فقوله: تجحد المتاع هذه صفتها التي تُعرف بها بين الناس، وأما القطع فلأجل سرقتها غير جحد المتاع.

"قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْجُحُودِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهَا كَانَتْ جَاحِدَةً عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهَا كَانَتْ سَارِقَةً، وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ فِي جَحْدِ الْعَارِيَّةِ. قَالُوا: لِأَنَّ فِي الْآيَةِ فِي السَّارِقِ وَالْجَاحِدِ لَا يُسَمَّى سَارِقًا، وَرَدَّ هَذَا ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ: إنَّ الْجَحْدَ دَاخِلٌ فِي اسْمِ السَّرِقَةِ قُلْت: أَمَّا دُخُولُ الْجَاحِدِ تَحْتَ لَفْظِ السَّارِقِ لُغَةً فَلَا تُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وَأَمَّا الدَّلِيلُ فَثُبُوتُ قَطْعِ الْجَاحِدِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ الْجُمْهُورُ: وَحَدِيثُ الْمَخْزُومِيَّةِ قَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ أَنَّهَا سَرَقَتْ، مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ مُصَرِّحًا بِذِكْرِ السَّرِقَةِ، قَالُوا: فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهَا سَرَقَتْ وَرِوَايَةُ "جَحَدَ الْعَارِيَّةَ" لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ لَهَا، بَلْ إنَّمَا ذَكَرَ جَحْدَهَا الْعَارِيَّةَ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ خُلُقًا لَهَا مَعْرُوفًا فَعُرِفَتْ الْمَرْأَةُ بِهِ، وَالْقَطْعُ كَانَ لِلسَّرِقَةِ وَهَذَا خُلَاصَةُ مَا أَجَابَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ".

لا يخفى تكلفه، يعني ليس بظاهر ظهور القول بقطع من جحد العاريَّة من الحديث، لا شك أن هذا أظهر، لكن يبقى أنه لمعارضته لنصوص أخرى، وأن جحد العارية لا يدخل في مسمى السرقة فالوصف المؤثر في قوله -جلّ وعلا-: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}[المائدة:38] لا بد من ارتكاب مثل هذا التوجيه، وإن كان فيه شيء من التكلف.

طالب:...

يعني كما يقطع في السرقة يقطع في جحد العاريَّة؟

طالب:...

لكن ما دام جاء في بعض النصوص أنها سرقت في بعض روايات الخبر أنها سرقت، فلماذا لا يكون القطع لسرقتها؟

"ثُمَّ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ جَعِلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ثَانِيًا رِوَايَةٌ وَهُوَ يَقْتَضِي مِنْ حَيْثُ الْإِشْعَارُ الْعَادِيُّ أَنَّهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ دَقِيقٍ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا صَنَعَ مَا صَنَعَهُ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ: وَيُؤَيِّدُه".

ويؤيد.

"ويؤيد مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَعَنْ جَابِرٍ".

الحديث الآتي. ويؤيد ما ذهبنا إليه الحديث الآتي وهو قوله.

"ويؤيد ما ذهبنا إليه الحديث الآتي وهو قوله".

يكفي يكفي، قف عليه.

هذا يقول: وعدتم بتحقيق الرغبة بإصدار مصنف مناهج شروح كتب السُّنَّة وذلك قبل سنتين فمتى تتحقق هذه الرغبة؟

على كل حال المادة موجودة ومكتوبة، لكن تبقى مسألة المراجعة، وهي تحتاج إلى وقتٍ يتفرغ فيه لمثل هذا العمل، إن شاء الله تعالى.

هذا يقول: ما رأيك في شرح ابن الملقن الذي صدر أخيرًا على البخاري؟

معروف أن ابن الملقن له اطلاع واسع، وهو جمّاع، يعني من رأى صنيعه في شرح العمدة نظيره صنيعه في شرح البخاري.

هذا يقول: حديث محمد بن إسحاق يحسن حتى في حال التفرد؟

مقتضى كلام أهل العلم وصنيعهم أنه لو صرح بالتحديث أنه يحسن، ولو تفرد ما لم يخالِف.