بلوغ المرام - كتاب الحج (3)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد: فقد قال الإمام الحافظ ابن حجر -رحمه الله- أثناء أحاديث باب الإحرام وما يتعلق به:

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لما فتح الله على رسوله مكة، قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعةً من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين))، فقال: العباس إلا الإذخر يا رسول الله؛ فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: ((إلا الإذخر)) [متفق عليه].

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: لما فتح الله على رسوله مكةَ: وذلك في السنة الثامنة من الهجرة -في رمضان- قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الناس خطيباً: ومن متطلبات الخطبة الحمد والثناء على الله -جل وعلا-.

فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: كعادته -عليه الصلاة والسلام- في خطبه، ((أما بعد، فإن الله حبس)): اختُصر هذا، واقتُصر على المطلوب، كما أن الراوي لم يسق لفظ الحمد والثناء الذي بدأ به النبي -عليه الصلاة والسلام-.

قال: ((إن الله حبس عن مكة الفيل)): في القصة المشهورة التي استفاضت -بل توارت- وذلك لما أراد أبرهة هدم الكعبة، فأنشأ كعبة في بلده؛ ليصرف الناس عن هذه فلم ينصرف الناس، فصمم وعزم على هدم الكعبة، وسار بجيشه إليها، فحبسه الله -جل وعلا- في الوادي المعروف، وادي محسر.

((حبس عن مكة الفيل)): هذه القصة أشار إليها النبي -عليه الصلاة والسلام- إشارة هنا، ونزل فيها سورة كاملة، والإشارة هنا باعتبار أنها قضية استفاضت وانتشرت بينهم، ومثل هذه القصة التي تستفيض وتنتشر بين الناس، وتبلغ مبلغ التواتر الذي يفيد العلم القطعي يعبر عنها بالرؤية؛ كأنها مرئية عندهم، ولو لم يدركوها؛ لأن بعضهم ما أدركها، فجاء الخطاب بقوله -جل وعلا-: {أَلَمْ تَر} [(1) سورة الفيل]، النبي -عليه الصلاة والسلام- ولد عام الفيل، وخوطب بهذا: {أَلَمْ تَر}؛ وذلكم لأنها استفاضت واشتهرت، وعرفها الخاص والعام فصارت بمنزلة المشاهد في القطعية، وقل مثل هذا في ما حل بالأمم السابقة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}[(6) سورة الفجر] إلى غير ذلك من القصص التي تستفيض وتشتهر ويعرفها الخاص والعام، تنزل منزلة المشاهد.

قال: النبي –عليه الصلاة والسلام-: ((إن الله حبس عن مكة الفيل))؛ لأنهم مفسدون، ((وسلط عليها رسوله والمؤمنين))؛ لأنه مصلح.

((وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار)): فقط، استثناء من الحكم العام؛ لأن الله -جل وعلا- حرم مكة، وجعلها حرماً بلداً آمناً.

وحرمها إبراهيم -عليه السلام- بتبليغ تحريم الله لها: {رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا}[(126) سورة البقرة]، في آيتين: {اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا} و:{اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [(35) سورة إبراهيم]، فيه فرق بينهما ولا ما فيه فرق؟

طالب: .......

ما الفرق؟

طالب: ..........

يعني اجعل هذا المكان قبل أن يكون بلداً، يُجعل بلداً موصوفاً بكونه آمناً، فلما قامت بلدة متكاملة أشير إليها، فالإشارة في الأولى إلى المكان، وفي الثانية إلى البلد.

((وإنها لم تحل لأحد كان قبلي))؛ لأنها  محرمة، ومقتضى التحريم ألا يسفك بها دم، وألا يختلى الخلا -الذي هو الحشيش الرطب- ولا ينفر الصيد، ولا تحل لقطتها وضالتها، إلا لمنشد حيث لا يتملكها، كما جاء في الحديث وغيره.

((أحلت لي ساعة من نهار)): الساعة هي مدة الفتح، الساعة مقدار من الزمان، وليس المراد بها الساعة الفلكية بحيث يقال أنه أحلت له ستين دقيقة، لا، مقدار من الزمان كافي لإنجاز المهمة.

((وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي)): فلا يحل القتال فيها، لا يحل القتال بعد الفتح، ولا القتل، أما البداءة بالقتال فلا إشكال فيها فإنها لا تجوز، وإذا خرج على الإمام أحد واحتيج إلى قتاله أو ارتكب ما يوجب القتل من قتله لنفس معصومة، مع توافر الشروط وطلب القـوَد، أو الردة –مثلاً- أو زنا مع إحصان، أو غير ذلك مما يوجب القتل، فالمسألة خلافية بين أهل العلم، هل يقتل فيها من استحق القتل أو يضيق عليه حتى يخرج فيقتل خارج الحرم؟

مسألة معروفة عند أهل العلم، لكن القتل بحق يرى جمع من أهل العلم أن من استحق القتل شرعاً لا يدخل في التحريم؛ لأنه ليس له حرمة، فيكون قتله كقتل بهيمة الأنعام، حلال ما دام مستحقاً للقتل.

((فلا ينفر صيدها)): الصيد الآمن المستقر لا يتعرض له بحيث ينتقل من مكان إلى آخر، ومن باب أولى إذا كان بقصد الإخراج من الحرم حتى يقتل، حتى قال بعض العلماء أنه لو وقع صيد على ثوبه فأراد أن يلبس هذا الثوب، ومن مقتضى ذلك أن الطائر يطير، فيعرض له ما يقتله يكون مسئولاً عنه؛ لأنه متسبب، يعني افترض أنك علقت ثوبك في مكان، فجاءت حمامة ووقعت عليه، أردت الثوب فطارت، ضربت الحمامة بالمروحة وماتت، عند بعض العلماء تضمن؛ لأنك نفرته، فأنت متسبب في قتله، وهذا من المبالغة في تعظيم هذا البلد الآمن، فما أعظم جرم من يخيف الناس فيه!! نسأل الله السلامة والعافية.

((ولا يختلى خلاها)): يعني لا يقطع شوكها، لا يقتلع شوكها، يعني لا يقطع، والخلا الذي جاء في بعض الروايات هو الحشيش الرطب، فإذا يبس قيل له حشيش، فلا يختلى ولا يقطع، ولا الشوك وإن زعم بعضهم أن الشوك يقطع؛ لأنه مؤذي كالفواسق قياساً على الفواسق، لكنه قياس فاسد الاعتبار لماذا؟ لأنه  في مقابل النص، قياس في مقابل النص فهو فاسد.

((ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد)): الضالة، اللقطة لا تحل إلا لمنشد لمن يعرفها أبد الدهر، بحيث لا يتملكها بعد التعريف، بخلاف اللقطة في غير مكة، تعرف سنة ثم تملك.

((ومن قتل له قتيل فهو -أي ولي الدم- بخير النظرين)): بخير النظرين، يعني له الخيار، إما أن يفدي القتيل ويدفع الدية إذا اختار ذلك ولي الدم، وإما أن يقيد من نفسه فيقتل به، يعني مع الكفاءة وتوافر الشروط وطلب ولي الدم.

وكأن في هذا إشارة إلى أن القصاص يجوز في مكة؛ لأنه سيق مع تحريم مكة، وأنها محرمة أبدَ الآباد إلا في هذه الساعة التي أبيحت وأحلت للنبي -عليه الصلاة والسلام-.

فقال: العباس: ابن عبد المطلب عم النبي -عليه الصلاة والسلام-: "إلا الإذخر يا رسول الله": هو عم النبي -عليه الصلاة والسلام- وجاء في الحديث الصحيح بشأنه ((أن عمَّ الرجل صنو أبيه))، لكن هل لهذه القرابة أثر في تقرير حكم شرعي؟

قال العباس إلا الإذخـر: يعني لو قاله شخص من أبعد الناس قال: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، هل يتأثر الحكم؟ يعني قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إلا الإذخر)) يعني لو تصورنا أن شخصاً من أبعد الناس، من أطرف القبائل، فقال: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، يتصور أن يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- لا؟! وهل إجابة الطلب والاستثناء نزولاً على رغبة العباس برأيه -عليه الصلاة والسلام- مراعاة لخاطر عمه أو بوحي من الله جل وعلا؟ أو باجتهاد أقر عليه عليه الصلاة والسلام؟؟

ليست مجاملة أبداً، يسمى عند أهل العلم الاستثناء التلقيني، لكن الوحي نزل بالاستثناء؛ نظراً للحاجة الداعية إليه.

وهل يمكن أن يقال: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يخطر بباله حينما تكلم بما ذكر ولا يختلى شوكها ولا يختلى خلاها، والإذخر حشيش نبت طيب الرائحة يجعلونه في القبور بين اللبِن؛ لئلا يتسرب التراب إلى الميت، إذا نصب اللبن على اللحد يجعل بينه أذخر، وكذلك في البيوت يجعلونه بين الأخشاب؛ لئلا يتسرب الطين وينزل من بين الخشب، المقصود أنهم يستفيدون منه، وإلا فهو داخل في الخلا والحشيش الذي لا يقطع ولا يختلى.

لما ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- أنها لا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها ولا يقطع شوكها ولا كذا ولا كذا يعني هل في ذهنه استثناء الإذخر أو ليس في ذهنه؟

المقصود أن إقرار الاستثناء بوحي من الله -جل وعلا-: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [(3-4) سورة النجم]، ولا لأحد أي مدخل في التشريع وفي الوحي.

بعض الكُتَّاب يكتب في الصحف أن بعض الأحاديث وبعض الأحكام اكتسبت من الحضارات الأخرى، واستفيدت من الأمم المجاورة، ويستدل على ذلك بحديث: ((كنت قد أردت أن أنهى عن الغيلة -يعني الرضاعة وقت الحمل- فإذا فارس والروم يغيلون فلا يضرهم)): تأثر النبي -عليه الصلاة والسلام- بفعل فارس والروم، وعدل عن الحكم وبيانه، هل هذا الكلام صحيح؟

هذا الكلام يكتبه بعض أهل الزيغ الذين يتتبعون أمثال هذه المتشابهات، علماً بأن الحديث ليس من المتشابه واضح.

الغيلة تضر، لكنها بالنسبة لبعض الناس دون بعض، والشرع للجميع، الرسالة عامة لجميع من على وجه الأرض بعد بعثته -عليه الصلاة والسلام-، ليست للعرب خاصة، هي في بلاد العرب وفي بيئتهم قد تضر، والذي يضر ينهى عنه، لكن لما كان التشريع عاماً للناس كلهم عربهم وعجمهم، العرب وفارس والروم والبربر والترك وغيرهم، وما نسبة العرب بالنسبة لغيرهم؟ نسبتهم قليلة، والحكم للغالب، لما رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الغالب لا يتضرر عدل عن النهي؛ لأن الحكم للغالب، ويبقى الأمر بالنسبة لمن يتضرر ينهى عن ذلك للضرر، فلا مدخل لأحد في تشريع حكم كائناً من كان، لا العباس ولا غير العباس، ولولا أن هذا نزل الوحي بإقراره، أو اجتهاد من النبي -عليه الصلاة والسلام- ووفق عليه ولم يعاتب عليه -على الخلاف بين أهل العلم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كل ما يقوله وما يحكم به ينزل به الوحي أو يجتهد، له أن يجتهد ويقر على اجتهاده، أو يعاتب عليه كما جاء في بعض المسائل- المقصود أن هذا مقرٌّ شرعاً.

وقل مثل هذا في الرؤيا، عبد الله بن زيد بن عبد ربه في الأذان، قد يقول: قائل هل الرؤيا يثبت فيها حكم شرعي؟ نقول لا، لا يثبت فيها حكم شرعي، هذه الرؤيا رؤيا الأذان اكتسبت الشرعية من إقرار النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهو لا يقر على باطل، وعلى هذا من جاء برؤيا تخالف ما جاء في النصوص فلا التفات إليها، مهما بلغت منزلة رائيها.

"إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا فقال: ((إلا الإذخر)) متفق عليه: هناك نصوص قد يتذرع بها بعض من يتتبع المتشابه، هناك كلمة أراد النبي -عليه الصلاة والسلام- أن ينهى عنها فمنعه الحياء، اللي هي "ما شاء الله وشئت"، وهل الحياء يمنع من إقرار الحكم؟

ليس فيها حكم شرعي، ما ورده عن الله -جل وعلا- ما يقتضي المنع، وأراد أن ينهى عنها؛ لما فيها من المبالغة في تعظيمه الذي لم يرد الشرع بالنهي عنه.

كل إنسان سوي لا يحتمل المبالغة في تعظيمه، لكنه لما كان الدافع إلى ذلك.. التعظيم يخجل الإنسان أن يرد مثل هذا، وهذا في المسائل التي لا دليل فيها، أراد أن ينهى عنها لما فيها من المبالغة في تعظيمه -عليه الصلاة والسلام- ولم يأت إليه ما يقتضي التحريم، فلما قيل له: إنكم تقولون كذا وكذا جاء الخبر بتحريمها فحرم وجزم بالتحريم، فأراد أن ينهى عنها لما فيها من المبالغة.

وبعض الناس لا يحتمل بعض أنواع التقدير والاحترام الذي يقدم عليه لا سيما من الكبار، فيتمنى أن يكف هذا عن مثل هذا، إلا أنه يخجل يعني ما فيه مبرر أن يمنعه.. وإن كانت المسألة نفسية.

لما جاء الخبر أو جاء الوحي بتحريم هذا اللفظ ما تردد في تحريمه -عليه الصلاة والسلام-.

فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((إلا الإذخر)): فالبيت معظم، والحرم محترم، فلا يجوز انتهاكه بحال من الأحوال.

من أفسد واعتصم به ولم يخرج أو بغى على الإمام وخرج عليه، الجمهور على أنه يقاتل؛ لأنه  مستحق للقتل، ولا حرمة له، وإن ضيق عليه حتى يخرج -كما يقول بعض أهل العلم- ففيه أيضاً تحصيل لمصلحة تعظيم البيت، وتحصيل لمصلحة قمع مثل هذا، أما إلا إذا كان هناك من يمده بالمؤونة بحيث يبقى أطول مدة ويسري فساده ويعرض فساده، مثل هذا يبادر والله المستعان.

في قوله -عليه الصلاة والسلام: ((سلط عليها رسوله..)) ((أحلت له)) مع ما يعرف من أنه -عليه الصلاة والسلام- دخل وعليه المغفر هو دخل من جهة وخالد من جهة وحصل قتل يستدل بها الجمهور على أن فتح مكة كان عنوة، والشافعي -رحمه الله- يرى أنها فتحت صلحاً ويستدل ويؤيد كلامه بأنها لم تقسم بين الغانمين، والجمهور على أنها فتحت عنوة، والأدلة على ذلك ظاهرة، وكونها لم تقسم تكون مما منَّ به النبي -عليه الصلاة والسلام- على أهل هذا البيت من أقاربه وعشيرته وغيرهم منَّ بذلك كما منَّ عليهم بذواتهم، وأنهم طلقاء منَّ عليهم بممتلكاتهم كما فعل في غنائم حنين قسمها ثم أعادها.

وعن عبد الله بن زيد بن عاصم -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلَيْ ما دعا إبراهيم لأهل مكة)) [متفق عليه].

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

وعن عبد الله بن زيد بن عاصم: هذا راوي حديث الوضوء، وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه راوي خبر الأذان، وإن زعم بعضهم أنهما واحد.

-رضي الله عنه-أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن إبراهيم)) الخليل -عليه الصلاة والسلام- ((حرم مكة)): في بعض الروايات: ((إن الله -جل وعلا- حرم مكة))، والأحكام مردها إلى الله -جل وعلا- فهو الذي يحرم وهو الذي يبيح ويحلل، لكن الأنبياء يبلغون عن الله -جل وعلا- هذه الأحكام، فإذا نسب التحريم والتحليل إلى الله -جل وعلا- فهو الأصل، وإذا نسب إلى أحد من أنبيائه ورسله فباعتبار التبليغ، والله -جل وعلا- يتوفى الأنفس حقيقة، ويتوفاها رسله على سبيل النيابة.

((إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها)): {رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}[(126) سورة البقرة]، ودعا لأهلها.

((وإني حرمت المدينة)): المدينة، هذا اللفظ إذا أطلق يراد به مدينة النبي -عليه الصلاة والسلام- طيبة مهاجر النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا على الإطلاق.

وبعضهم يدلس إذا اشتهرت المدينة النبوية بشيء يمتاز عن غيره ووجد في غيرها ما هو دونه من السلع، بعضهم ينادي مثل أن يقول: هذا نعناع المدينة، هذا وجد، فإذا شممته ما وجدت رائحة نعناع المدينة، فإذا نوقش قال: نعم، هذا نعناع المدينة، أنا أقصد الرياض أو الخرج أو القصيم أو كذا، المدينة.

فالمدينة إذا أطلقت يراد بها المدينة النبوية، ((وإني حرمت المدينة))، يعني هل لأهل جدة أن يقولوا لنا نصيب من هذا الحديث؛ النبي حرم المدينة وجده مدينة أو الرياض مدينة؟

ليس لهم نصيب من هذا.

((وإني حرمت المدينة، كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها)): يعني بالبركة فيما يكال بالصاع والمد أن يبارك فيه، ودعا -عليه الصلاة والسلام- بنقل الحمى منها إلى الجحفة، فدعا بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة، والبركة ظاهرة بسبب الدعوة النبوية، يلمسها كل من يسكن المدينة أو يفد إلى المدينة، ولو قصرت مدت إقامته.

مقتضى التحريم ((وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة)) من بعض الوجوه، لا من جميع الوجوه، صيد المدينة حرام وإلا حلال؟

طالب:..........

والشجر؟

طالب:.........

هم يختلفون بالنسبة لتحريم هذه الأمور بالنسبة في المدينة مع اتفاقهم على النص الوارد في مكة، أما بالنسبة للتحريم بعضهم يرى أن هذه الأمور محرمة لكن لا جزاء فيها، هي محرمة لا جزاء فيها، مع تحريمها لا جزاء فيها، وأقيمت الحدود بالمدينة ولا خلاف في إقامة الحدود بالمدينة كالخلاف في إقامتها بمكة؛ يعني الحدود بمكة بعضهم يخالف.

حدود المدينة النبوية:

وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال:  قال: النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((المدينة حرم ما بين عير إلى ثور)) [رواه مسلم].

يقول -رحمه الله تعالى-:

وعن علي -رضي الله تعالى عنه- قال، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((المدينة حرم ما بين عير إلى ثور)): هما جبلان بالمدينة في شمالها وجنوبها، وبعضهم يشكك في ثور ويجعل هذه الكلمة وهم؛ لأن جبل ثور معروف أنه بمكة، فيقول: هذا وهم، لكن بالتحري والتأكد وسؤال أهل البلد من قبل أهل العلم وجد أن بالمدينة جبلاً يقال له ثور، قريب من أحد، فحدودها من الشمال إلى الجنوب ما بين عير إلى ثور، ومن الشرق إلى الغرب ما بين اللابتين، ما بين لابتيها.

طالب:..........

الجبلين نعم، ومن الشرق إلى الغرب اللابتين، والصنعاني يرى أن هذا الحديث مفسر للابتين، أي ما بين عير إلى ثور تفسير لما بين اللابتين، لكن هذا الكلام ليس بصحيح؛ لأن الحرتين شرقية وغربية، وهذان الجبلان يكتنفان المدينة من الشمال إلى الجنوب.

قال:  الإمام الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:

"باب صفة الحج ودخول مكة:

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجَّ فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس، فقال: ((اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي))، وصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به على البيداء أهلَّ بالتوحيد: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك؛ إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك))، حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم أتى مقام إبراهيم فصلى ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: (({إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ}[(158) سورة البقرة]، أبدأ بما بدأ الله به)) فرقيَ الصفا حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره وقال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير، لا إله إلا الله، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده))، ثم دعا بين ذلك ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعد مشى إلى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا"... فذكر الحديث وفيه: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، وركب النبي -صلى الله عليه وسلم- فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، فأجاز حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئاً، ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً، حتى غاب القرص، ودفع وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: (( يا أيها الناس، السكينة، السكينة)) كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وأقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا وكبر وهلل، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر، ثم ركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر" [رواه مسلم مطولاً].

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب صفة الحج ودخول مكة: وذكر فيه أحاديث، منها ومن أشملها حديث جابر في صفة حج النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهو حديث جليل عظيم عني به أهل العلم وصنفوا في شرحه المؤلفات، واستنبطوا منه الفوائد، وهو بمجموعه وبرواياته منسك متكامل لنسك صحيح كامل.

يقول: وعن جابر-رضي الله تعالى عنهما-: جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حج: يعني أذن بالحج وأمر بتبليغ الناس أن النبي -عليه الصلاة والسلام- عازم على الحج، فاجتمع بالمدينة خلق كثير؛ كلهم يريد أن يأتم ويقتدي بالنبي -عليه الصلاة والسلام- ليؤدي هذه الفريضة العظيمة والركن من أركان الإسلام على مراد الله -جل وعلا- على وجه مُرْضٍ لله تعالى.

فخرجنا معه: يعني من كان من أهل المدينة ومن وفد إليها من الأطراف، حتى أتينا ذا الحليفة: الميقات، فولدت أسماء بنت عميس: زوجة أبي بكر الصديق، وكانت قبله تحت جعفر بن أبي طالب، وبعد أبي بكر تزوجها علي بن أبي طالب.

فولدت أسماء بن عميس، خرجوا من المدينة مسافة قصيرة ويسيرة، فولدت هذه المرأة، والذي يغلب على الظن أن مقدمات الولادة بدأت قبل خروجها من بيتها، ومع ذلك من حرصها وهي تمثل النساء في زمنه -عليه الصلاة والسلام- في حرصها على دينها وعلى الاقتداء والائتساء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- خرجت وهي في الطلق، والناس اليوم يسوفون ويتعللون ويعتذرون، تقول للواحد أو للواحدة: حج هذا العام ما تدري ما يعرض لك، ومع ذلك يقول -مثل ما ذكرنا سابقاً-: تسليم البحث في أول يوم من الدارسة، هذه امرأة في الطلق تخرج عشرة كيلو ثم تلد!

كثير من الناس مجرد ما يعرف أن المرأة حامل، مجرد ما يخرج التحليل يقول: خلاص ما فيه امكثين في المكان، لا روحة ولا جية، لا حج ولا غيره، وكل هذا يعبر عن الاهتمام والتساهل، فالذي يهتم بالأمور الدنيوية تجده يحتاط لها أشد الاحتياط، وأمور العبادات على التراخي.

ذكرنا أن بعض الناس يتعذر بالبحث، وبعضهم يقول: هذه السنة .... ربيع، أعذار واهية، وأسماء بنت عميس بعد أن أخذها الطلق تمشي للحج، ولا شك أن الاعتماد على الله والارتباط به له أثر كبير في حياة الناس.

يذكر الجيل الذي قبلنا أن المرأة في الشهر التاسع وقبيل الولادة تزاول من الأعمال ما لا يستطيع كثير من الرجال في هذا الوقت، تجذ النخل الطوال وهي في التاسع من الحمل، نعم، وتجلب الماء من الأماكن البعيدة وتحمل الثياب لغسلها في موارد المياه، وتخدم زوجها وضيوفه، ومع ذلك هي على هذه الحالة، ومع ذلك لما فتحت الدنيا واسترخى الناس صار أدنى شيء يؤثر، فالله المستعان.

ولدت أسماء بنت عميس في آخر القعدة قبل دخول الشهر بخمس ليالي ولدت، طيب، متى يتوقع أن تنتهي من النفاس؟، يعني إذا كان نفاس عادي أربعين يوم، فهي لن تنتهي من نفاسها إلا بعد خروج شهر ذي الحجة، مع أن النفاس لا حد لأقله، فلم يذكر في قصتها أنها أخرت الرفقة أو تأخرت عن الرفقة، فلعلها طهرت في مدة يسيرة ولحقت بالناس، لكن اليوم يحسب لهذه الأمور حسابات طويلة، كثير من الناس إذا ذهب بموليته من زوجته أو ابنته يسأل عن الاستثناء، يقول: احتمال تنزل الدورة الشهرية ثم تحبسنا، المشقة اللاحقة بالناس قبل شيء ما يتصور يعني، بعض الجهات أشهر حتى يصل إلى مكة، نحن في سويعات نذهب ونرجع، ومع ذلك نحتاج نستثني ونحتاج نحتاط على شان ما تحبس الرفقة، وبعضهم بينه وبين مكة ساعتين أو ثلاث أو خمس ثم بعد ذلك يلجأ إلى القول بأن الحائض تطوف لئلا تحبس الرفقة!!

الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((أحابستنا هي))، دلَّ على أنها تحبس الرفقة، الناس ما يصبرون على مثل هذا ولا زمن يسير!!

فعلى المسلم أن يهتم بدينه ويعظم شعائر الله في نفسه، لا يتساهل بمثل هذا التساهل، أما أن يستثني ويعود بها بعد أن أحرمت، وبعضهم يقول: لا ما يحتاج تحرم، ما يحتاج عمرة؛ لئلا تحبسنا، كل هذا من التساهل والتفريط بالأجور العظيمة المرتبة على هذه الأعمال.

ولدت أسماء بنت عميس فقال: ((اغتسلي))، قال -عليه الصلاة والسلام-: ((اغتسلي)) كما يغتسل من أراد الإحرام، فدل هذا على أن الحائض والنفساء تغتسل عند إرادة الإحرام، وأنها تحرم مثل الناس إحرام عادي، تدخل في النسك، وتفعل جميع ما يفعله الحاج إلا الطواف.

((افعلي ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)): وهذا العموم يشمل جميع ما يتطلبه الحج من أركان وواجبات وسنن ولا يستثنى من ذلك إلا الطواف، ولا يعني أنه بعمومه يتناول قراءة القرآن -كما قال البعض- يقول: الحاج يقرأ القرآن إذن الحائض تقرأ القرآن، إذ أنه يقول: افعل جميع ما يفعله الحاج ومن ذلك قراءة القرآن! لكن قراءة القرآن ليست من أعمال الحج المقصودة، فلا تحتاج إلى استثناء في مثل هذا.

((اغتسلي واستثفري)): يعني تحفظي، الاستثفار عندهم أن يربط حبل في وسط البدن، ثم يؤتى بخرقة يلف بها الفرج وما حوله وترتبط بهذا الحبل.

((استثفري بثوب وأحرمي)): دليل على أن الحائض والنفساء تحرم؛ إحرامها صحيح وتغتسل قبله على سبيل الندب.

وصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد: خرج من المدينة، بعد مدة يسيرة وصل إلى المحرم -ذي الحليفة- وصلى بالمدينة الظهر أربعاً، ثم صلى بذي الحليفة العصر ركعتين ثم المغرب ثم العشاء ثم الفجر ثم الظهر، ثم أحرم، وإحرامه بعد صلاة الظهر، وإن قال بعضهم إنها بعد الفجر، هو صلى ركعتين سواء كانت الظهر أو الفجر.

وصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد: ووقع إحرامه بعد صلاة، ولذا يستحب العلماء أن يكون الإحرام بعد صلاة، إن كانت فريضة فبها ونعمت، وإلا صلى ركعتين نافلة، ومنهم من يرى أن الإحرام ليس له صلاة، وإنما وقع هذا اتفاقاً من النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر ثم أحرم، لكن مقتضى حديث صلِّ في هذا الواد المبارك وقل، مقتضاه أن الإحرام يكون بعد صلاة؛ للربط بين الأمر بالصلاة والأمر بالإحرام، وهذه حجة من يقول هناك سنة للإحرام، إن لم يكن هناك فريضة تغني عنها، وله وجه.

وصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به على البيداء أهل بالتوحيد: وعرفنا في حديث ابن عباس السابق أنه بعد أن صلى في المسجد أحرم أهل، ثم لما استقلت به دابته أهل، ثم لما استوت به على البيداء أهل بالتوحيد، وكل ذكر ما سمع.

أهل بالتوحيد: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك)): أهل بالتوحيد، بتوحيد الله -جل وعلا-  خلافاً لما كان عليه الناس في الجاهلية من الشرك بالله تعالى، لبيك لا شريك لك إلا شريكاًَ هو لك، تملكه وما ملك، هذا الشرك بعينه، ولذا جاءت تلبيته -عليه الصلاة والسلام- بالتوحيد: ((لبيك لا شريك لك لبيك؛ إن الحمد والنعمة لك والملك)): إنَّ وأنَّ روايتان، وهي جملة تعليلية, لا شريك لك. حتى إذا أتينا البيت استلم الركن: المراد به الحجر الذي في الركن، استلم الركن، ثم شرع في الطواف استلام الركن سنة، يحرص عليها الحاج والمعتمر؛ اقتداء به -عليه الصلاة والسلام- إن لم يتيسر له الاستلام بيده استلمه بما في يده من عصا ونحوه، وإن لم يتيسر أشار إليه.

ثم شرع في الطواف فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً: الرمل الإسراع، الهرولة، ثلاثاً: يعني ثلاثة أشواط، وإذا حذف التمييز جاز التذكير بالتأنيث، فرمل ثلاثاً، والرمل سنة؛ وسببه أن المشركين في عمرة القضاء قالوا: يأتي محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، وجلس المشركون مما يلي الحجر، فرمل النبي -عليه الصلاة والسلام- الشوط الأول والثاني والثالث، ثم يمشي بين الركنين؛ لأن المشركين لا يرونهم، وليس في هذا مراءاة وإنما هي إغاظة للكفار {وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ} [(120) سورة التوبة]، هذا من إغاظتهم، فهو مشروع.

يقول: حتى إذا أتينا البيت استلم الركن: والبيت المراد به الكعبة، وتحيتها الطواف، والمسجد أوسع، وتحيته الركعتان.

حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً: ولم يمنعه -عليه الصلاة والسلام- من الرمل في الأشواط السبعة إلا الإبقاء عليهم؛ لأنه بعد السفر وبعد التعب شاق، فيشق على بعضهم، والنبي -عليه الصلاة والسلام- نبي الرحمة، نبي الرأفة يعز عليه ما يشق على أمته، ولذا ندم على دخوله البيت؛ لئلا يشق على أمته -عليه الصلاة والسلام-.

والسبب والباعث والعلة في مشروعية الرمل قول المشركين، ارتفع هذا السبب بعد ذلك، فهل ارتفع الحكم؟

لا، لمَّا جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- في حجة الوداع رمل ثلاثة أشواط، لكن بدلاً من أن يمشي بين الركنين استوعب الأشواط الثلاثة بالرمل، وهذا هو الفرق، وهذا في أول طواف، الرمل يشرع في أول طواف بعد ما يقدم الإنسان، ويكون معه الاضطباع: بأن يخرج منكبه الأيمن، ويجعل طرفي الرداء فوق منكبه الأيسر.

مشى أربعاً ثم نفر إلى مقام إبراهيم، ويطلق على المكان الذي قام فيه، كما أنه يطلق على الحجر الذي في هذا المكان، وهل السنة متعلقة بالمكان أو بالحجر؛ لأن الصيغة مقام تشمل المكان كما هو الأصل الذي قام فيه، والحجر الذي قام عليه، فهل الحكم مرتبط بالحجر أو بالمكان؟

في وقته -عليه الصلاة والسلام- الحجر في مكانه ملاصق للكعبة، ثم أبعد عنه قليلاً في زمن عمر -رضي الله تعالى عنه- فهل الحكم متعلق بالمكان والمقام يتناوله أو هو متعلق بالحجر؟

يعني لو اقتضت المصلحة أن الحجر يبعد أيضاً ويكون في الأروقة، تكون السنة تتبع هذا الحجر في الأروقة وتترك المساحة الطويلة بينه وبين الكعبة، أو أن الحكم متعلق بالبقعة التي قام فيها؟

طالب: ..........

لأن الأصل أن يبقى الحجر في مكانه؛ لأنه ترتبت عليه أحكام شرعية، لكن لما اجتهد الخليفة الراشد وأبعده عن مكانه صار للاجتهاد فيه مسرح، يأتي من يأتي فيما بعد يقول: أنه الآن حجر ضيق على الناس، وألف في هذه المسألة رسائل، مقام إبراهيم وهل يجوز تقديمه وتأخيره مسألة معروفة عند أهل العلم، وكتب فيها المعلمي بهذا الاسم "مقام إبراهيم"، ثم رد عليه "نقض المباني من فتوى اليماني" ثم رد على من رد عليه، المقصود أن المسألة طال فيها الكلام، فإذا قلنا أن المسألة تقبل الاجتهاد، فإذا كان وجوده مضر بالناس وتسبب في وفيات وزحام وما أشبه ذلك ورأى المجتهدون -مجتهدو الأمة في عصر من العصور- واتفقت كلمتهم على أنه ينقل، مسألة خلافية بين أهل العلم، لكن الذي يهمنا الحكم الشرعي: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}[(125) سورة البقرة]، هل نتبع الحجر أينما ذهب به؛ لأن الأحكام متعلقة به أو المكان الذي قام فيه إبراهيم -عليه الصلاة والسلام وعلى نبينا- أو نقول يبقى الحجر في مكانه، ولا يجوز أن نتعرض له بشيء والحكم متعلق به؟

طالب:...................

يكون الحجر الذي هو المقام بين المصلي والقبلة، لكن أنت افترض أنه اجتهد العلماء وقالوا: هذا الحجر الذي ضيق المقام يبعد ويدخل في الأروقة..

طالب: ..........

وراء الأروقة، يعني ولو اقتضى الأمر أن الناس يصلون وراءه مع شدة الزحام وخرجوا عن المسجد.

طالب:...................

إي لكن أين مقام هذه الكلمة، بتصريفها تشمل البقعة، يعني لولا أن الاجتهاد من الخليفة الراشد عمر -رضي الله تعالى عنه- لكان المتجه أن يبقى في مكانه؛ لأنه تعلقت به أحكام شرعية، وجد هذا الاجتهاد من هذا الخليفة الراشد الذي أمرنا بالاقتداء به والعمل بسنته، فيه أحد يتطاول على عمر بن الخطاب ويقول: فعل عمر أو اجترأ عمر، لا ما هو بصحيح، خلافاً لما يقول:ه بعض الناس البدعة سيئة ولو كانت من عمر، هذا ليس بصحيح.

طالب: ..............

يعني الآن خلِّ الحجر وراءنا، ونصلي إلى القبلة.

طالب: ...........

طيب المكان هو الأصل، الآن الحجر ليس في مكانه.

طالب: ...........

الآن منقول الحجر عن مكانه الأصلي، نستدبر الحجر ونصلي إلى 

الكعبة نفس المقام مكان المقام الأول؟

طالب: .................

هذا بناء على أن المقام المكان الذي قام فيه، وأن الحجر كغيره من الأحجار، لكن أيضاً كما يتناول المكان يتناول الحجر الذي قام عليه هو مقام، نعم، يعني مثل ما تقول لهذا الكرسي هذا مقعد فلان، أزيل هذا الكرسي وجيء بكرسي آخر، نعم، يستمر مقعد فلان باعتبار ما كان؟.

طالب: يا شيخ بارك الله فيك، لو نظرنا إلى التنويه الذي وقع في الآية، لعلمنا أن الله نوه على هذا المكان لما حصل فيه، وهو البناء –بناء البيت- فينظر إلى المكان بغض النظر عن الحجر الذي كان قد اعتلاه إبراهيم عليه السلام.

يعني أننا نقول هذا الحجر كغيره من الأحجار.

طالب: نعم، والعبرة بالبقعة.

لكن يبقى أنه على هذا أننا نستدبر المقام الآن؛ لأن مكانه والمكان الذي قام فيه قريب جداً من الكعبة.

طالب:..............

خلنا من ظروف الزحام وغيرها، ما صليت خلف المقام، لو استدبرت ما صليت خلفه  صليت أمامه.

طالب:.............

إيه هذا يضطر إليه إما للزحام الشديد، أو للاتقاء عن الشمس في صلاة العصر مثلاً في ظل الكعبة، المسألة كلها سنة يعني صليت خلف المقام، أو صليت بعيد عنه في المسجد أو صليت خلف المسجد -الركعتين- عمر -رضي الله تعالى عنه- صلى الركعتين بذي طوى، لكن المسألة في تحقيق السنة، كونهم صلوا أمامه أقرب إلى الكعبة خالفوا {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [125) سورة البقرة]، لكن تبقى أن مخالفة السنة قد يعتريها ما يعتريها قد يوجد ما يرجحه عند الحاجة.

طالب:: .........

أنا أقول لا بد من اعتبار الأمرين معاً، فإذا كان وجود المقام باجتهاد، ممن له الاجتهاد، في المكان الذي تمكن الصلاة فيه لا شك أن هذا هو الأصل؛ لأن الأمر مرتبط بالأمرين كلاهما يقال:  لهما مقام، لكن لو قدر أن هذا الحجر وهو المعتبر -النبي -عليه الصلاة والسلام- صلى خلف هذا الحجر- وهو معتبر وملحوظ في النص لو أبعد عن مكانه ما صار مقام، فالمعتبر الأمرين معاً.

يقول: ثم نفر إلى مقام إبراهيم -عليه الصلاة والسلام وعلى نبينا- فصلى: صلى الركعتين -ركعتي الطواف- الطواف الذي طافه النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا طواف القدوم، وهو سنة، فصلى الركعتين، وهما ركعتا الطواف خلف المقام؛ امتثالاً للأمر، وهاتان الركعتان سنة عند جمهور أهل العلم، ويرى بعضهم الوجوب؛ لأنه ما ثبت أنه طاف ولم يصلِّ -عليه الصلاة والسلام- ومنهم من يرى أن حكم هاتين الركعتين حكم الطواف، فإن كان الطواف واجباً كانت الركعتان واجبتين، وإلا فهما سنة تبعاً للطواف.

فصلى ثم رجع إلى الركن فاستلمه: رجع إلى الركن، والمراد به الحجر الأسود فاستلمه، كلما حاذى الركن استلمه إن أمكن، وإلا فبالمحجن، وإلا أشار إليه وكبر، وهذا يقتضي أنه يكبر في الأشواط السبعة بداية ونهاية، ففي الطواف في الأشواط السبعة يكبر سبع وإلا ثمان؟

كلما حاذى الركن كبر.

طالب: ثمان؟

نعم ثمان؛ لأنه  في البداية والنهاية، كما جاء في حديث جابر في المسند وغيره: "كنا نطوف مع النبي -عليه الصلاة والسلام- فنمسح الركن الفاتحة والخاتمة" يعني في البداية والنهاية، ومقتضى هذا أنه يكبر ثمان في الأشواط السبعة في الفاتحة والخاتمة.

ثم خرج من الباب إلى الصفا: من أجل السعي، والسعي هذا هو سعي الحج والعمرة المقرونة معه بالنسبة للنبي -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه اكتفى به، فإذا قدم السعي –الركن- بعد طواف القدوم أجزأ عن السعي يوم النحر.

فلما دنا من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ} [(158) سورة البقرة]، أبدأ بما بدأ الله به: على صيغة الخبر، وعند النسائي: ((ابدأوا بما بدأ الله به)) على صيغة الأمر، والله -جل وعلا-  بدأ بالصفا، فبداية السعي من الصفا، وعلى هذا من بدأ بالمروة الشوط الأول لاغي، نعم، لاغي يأتي ببدل، فالبداية بالصفا.

فرقي الصفا حتى رأى البيت: استقبل البيت، والآن تشق رؤية البيت من كثرة الأعمدة، قد يراه من يتحراه -يرى شيئاً يسيراً منه- وإلا فجل الناس لا يستطيعون رؤيته لكثرة الأعمدة.

حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره: وفسر ذلك بقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير: هذا التوحيد، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.

لا إله إلا الله وحده: هذا التهليل والتوحيد، وفي ضمن ذلك يقول: الله أكبر ترجمة لقوله وكبره.

لا إله إلا الله وحده المتفرد بالألوهية، أنجز وعده: أنجز لنبيه ما وعده به، ونصر عبده على أعدائه وهزم الأحزاب الذين اجتمعوا لحرب الدين وأهله وحده.

وهزم الأحزاب وحده: هذا يجعل المسلم يتعلق بربه ويعتمد عليه ويتوكل عليه، ولا ينظر إلى قوته ولا إلى ضعفه، ولا ينظر إلى قوة عدوه وكثرة جنده وعدده، فمن توكل على الله كفاه، ومن اعتمد عليه وقاه، هذا يفتح آمالاً واسعة للأمة مهما بلغت من الضعف إذا اعتمدت على الله -جل وعلا-  ومهما بلغ عدوها من القوة؛ لأن الله –جل وعلا- هزم الأحزاب، فإذا اعتمدنا على الله -جل وعلا- كفانا، أما أن نعترف بالضعف ونستسلم للعدو، العدو عنده قوة، لكن هل هذه القوة تقابل قوة الله -جل وعلا-{كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًِ} [(249) سورة البقرة]، ولم نؤمر إلا بإعداد ما استطعنا على أن نرتبط بالله -جل وعلا-، ما ننصرف عن دينه، وننتهك المحرمات، ونعين العدو على أنفسنا ونقول إن الله -جل وعلا- ينصرنا: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [(7) سورة محمد]، لا بد من أن نعود إلى ديننا، فالله -جل وعلا- هو الذي هزم الأحزاب وحده، وإلا فالقوة بالنسبة لقوة الكفار في ذلك الوقت ما في مقارنة؛ أحاطوا بالمدينة من جميع الجهات، واستنفروا جميع القبائل، لكن الله -جل وعلا- سلط عليهم الريح فشردتهم.

ثم دعا بين ذلك ثلاث مرات: يعني يكرر التوحيد والتكبير والدعاء ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة: يعني شرع في السعي، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي: بين العلمين المعروفين.

سعى: يعني جرى جرياً شديداً -عليه الصلاة والسلام- حتى أن الركب تبين من تحت الإزار من شدة السعي، حتى إذا صعدتا: يعني وصل الميل الثاني.

مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، استقبل البيت ووحد وكبر ودعا ثلاثاً.

فذكر الحديث: يعني ذكر بقية الحديث.

وفيه فلما كان يوم التروية: الآن القارن يكتفي بهذا، إذا وصل البيت طاف وسعى، ثم ينتظر وهو في إحرامه؛ لأنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله من ساق الهدي، أما من لم يسق الهدي فيقصر ويحل الحل كله وهذا هو المتمتع.

فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، وهو اليوم الثامن من الحجة يسمونه يوم التروية؛ لأنهم  يتروون فيه ويتزودون من الماء؛ لأن المشاعر ليس فيها ماء.

توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج: أحرموا بالحج، مقتضى ذلك أنهم بعد أن توجهوا إلى منىً أهلوا؛ لأن العطف بالفاء يقتضي التعقيب وأنهم أحرموا من منى، وعلى كل حال الإحرام بالحج يكون من الحرم، سواء كان من منى أو من غيرها، فيهلون بالحج.

وركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعني إلى منى, فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر: الخمسة الأوقات في اليوم الثامن وليلة التاسع وفجر التاسع، ثم مكث قليلاً بعد صلاة الفجر؛ كعادته -عليه الصلاة والسلام- يذكر الله في مصلاه حتى طلعت الشمس.

فأجاز: وهو من الجواز والعبور.

حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها بهذه القبة حتى إذا زاغت: يعني زالت الشمس أمر بالقصواء -بفتح القاف والمد- وقال: بعضهم بالقصر، وهو لقب دابته -ناقته -عليه الصلاة والسلام- فرُحلت: وضع عليها الرحل.

فرحلت له فأتى بطن الوادي، فخطب الناس: وهذه خطبة من الخطب المشروعة في اليوم الثامن وقبلها بعد صلاة الظهر من اليوم السابع، وبعدها خطبة يوم النحر، وبعدها في يوم النفر الأول، أربع خطب مشروعة في الحج.

فأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر بأذان واحد وإقامتين، ولم يصلِّ بينهما شيئاً؛ لأن هذا مقتضى الجمع أن لا يصلى بين الصلاتين المجموعتين.

ثم ركب -عليه الصلاة والسلام- حتى أتى الموقف: ويلاحظ أنه -عليه الصلاة والسلام- يركب بين المشاعر، من مشعر إلى مشعر يركب، وبهذا قال جمع من أهل العلم أن الركوب أفضل؛ لفعله -عليه الصلاة والسلام- وإن رأى بعضهم أن المشي أفضل؛ لأنه  أكثر مشقة، لكن لنعلم أن المشقة ليست مطلوبة طلباً شرعياً لذاتها، وإنما إذا جاءت تبعاً للمطلوب شرعاً للعبادة صار الأجر على قدر النصب.

ثم ركب -عليه الصلاة والسلام- حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات من الجبل المعروف بجبل الرحمة.

وجعل حبل المشاة بين يديه: الطريق المشبه بالحبل بين يديه: يعني أمامه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً -عليه الصلاة والسلام- يذكر الله -جل وعلا- ويثني عليه ويدعوه، لم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، و((خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له...)) فيحرص الإنسان على استغلال هذا اليوم، لا سيما عشية عرفة، ويتعرض لنفحات الله في هذا المكان وفي هذا الزمان، ويوجد بين المسلمين وقد يوجد من بين طلاب العلم من يضيع مثل هذه الأوقات بالقيل والقال، وبعضهم يصطحب معه آلات ويشاهد ما يشاهد، وبعضهم يرتكب بعض المحرمات من الأقوال والأفعال وهو في هذا متعرض لسخط الله -جل وعلا- والنبي -عليه الصلاة والسلام- استغل هذا الوقت فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، ويدعو ويلح في الدعاء، والإشكال في كثير من الحملات أن هذا الوقت المستغل في الذكر والدعاء -نظراً لكثرة الحجيج- يستغلونه في ترتيب الناس، يعني قبل الغروب بساعة أو أكثر ينفرون الناس إلى السيارات ويرتبونهم وينظمونهم حتى تغرب الشمس، نعم الركوب على السيارات مثل الركوب على الدابة، لكن ينبغي أن يستغل الوقت، وحضرنا بعض الحملات يعني الوقت المطلوب وقت الحاجة كلهم بمكبرات الصوت أنت رقم الباص كذا وأنت مقعد كذا وينتهي الوقت على هذه الطريقة، يعني يعطى الناس تعليمات قبل هذا الوقت، وأنه بمجرد ما تكون الساعة كذا كل واحد ينزل مكانه من دون فوضى ومن دون تشويش، ومن دون ... يعني رأينا مثل هذه الأوقات التي لا تعوض ما تدري أنت يمكن ما تقف غير هذه الوقفة كثير منها يضيع، عند كثير من الناس يوجد ولله الحمد أهل الخير وفضل وحرص موجود وبكثرة ولله الحمد، لكن يراد من الأمة أن تكون كلها بهذا المستوى.

فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص: قرص الشمس، يقول: حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، بعضهم يقول: إن حتى هنا مصحفة وأصلها حين، يعني حين غاب قرص الشمس، ودفع -عليه الصلاة والسلام- من عرفة قاصداً جمعاً –مزدلفة- وقد شنق: يعني ضيق الزمام على دابته القصواء، الزمام: الحبل الذي تربط به، فإذا شنقه وضيقه كفت عن الإسراع، بخلاف ما إذا أرخاه، ما تسرع -لعل الإخوان ما يصلون تقام الصلاة الآن طيب جيد- وقد شنق للقصواء الزمام؛ من أجل أن لا تسرع.

حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله: يعني يرد الرأس إلى الخلف، حتى أنه ليصل إلى مورك الرحل الذي يثني عليه الراكب رجله إذا تعب وهو راكب.

ويقول بيده اليمنى يشير إلى الناس((أيها الناس السكينة السكينة))إلزموا السكينة، ويشاهد من كثير من الناس المخالفة الظاهرة لهذا التوجيه النبوي، فيأمرهم بلزوم السكينة، وكم يكون من حادث، ومن اعتداء من مشاكل ومضاربات في هذا الظرف، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((السكينة السكينة))، وكل واحد من الحجيج يريد أن يصل الأول إلى مزدلفة؛ ليتحدث بذلك إذا وصل إلى أهله، أو يكلمهم أثناء وصوله ويقول: وصلنا، وما قبلنا أحد، هذا ليس مقصد من مقاصد الشرع، المقصود أن تلزم السكينة وتؤدي العبادة على الوجه الشرعي.

كلما أتى حبلاً أرخى لها قليلاً: حبلاً من الحبال الرمل التي يكون فيها شيء من الصعود؛ لأنها  تحتاج إلى أن يرخى له لتأخذ عزم، هي يشنق لها الزمام ويضيق عليها من أجل أن لا تسرع، والآن السرعة مطلوبة لتأخذ عزم لتصعد مع هذا الحبل من الرمل.

أرخى لها قليلاً: حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين: كالظهر والعصر، وهذا في حديث جابر، وهو من أفراد مسلم وجاء في حديث ابن مسعود حديث أسامة ما يخالف ذلك في البخاري وغيره، لكن المرجح عند أهل العلم ما جاء في حديث جابر، وإن كان من أفراد مسلم، والأصل أن ما يرويه البخاري أرجح مما يرويه مسلم، لكن قد يعرض عند أهل العلم للمفوق ما يجعله فائقاً، فيرجحون ما جاء في حديث جابر؛ لأنه اعتنى بالحجة النبوية وضبطها وأتقنها وفصلها من خروجه -عليه الصلاة والسلام- من بيته إلى رجوعه، وهذا يكون مرجح، هذه الأوصاف الدقيقة التي جاءت في حديث جابر بجميع رواياته تدل على مزيد عناية منه -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- فرُجِّح قوله بأذان واحد وإقامتين، بعض الروايات بإقامتين فقط بعضها بأذانين وإقامتين، وكلها صحيحة لكن يبقى أن المرجح هو ما جاء في حديث جابر.

ولم يسبح بينهما شيئاً: يعني لم يصل نافلة، السبحة يعني النافلة، ثم اضطجع حتى طلع الفجر: اضطجع: يعني نام -عليه الصلاة والسلام-.

 

اللهم صل وسلم ..