التعليق على تفسير القرطبي - سورة هود (10)

عنوان الدرس: 
التعليق على تفسير القرطبي - سورة هود (10)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير القرطبي
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 02/ ربيع الثاني/ 1440 4:15 م

سماع الدرس

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:

 "قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} [هود: 69] هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ إِبْرَاهِيمَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَحًّا، وَكَانَتْ قُرَى لُوطٍ بِنَوَاحِي الشَّامِ، وَإِبْرَاهِيمَ بِبِلَادِ فِلَسْطِينَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِعَذَابِ قَوْمِ لُوطٍ مَرُّوا بِإِبْرَاهِيمَ وَنَزَلُوا عِنْدَهُ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِرَاهُ".

 يحسن إبراهيم، نعم.

"وَكَانُوا مَرُّوا بِبِشَارَةِ إِبْرَاهِيم، فَظَنَّهُمْ أَضْيَافًا، (وَهُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ- عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-)، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وقال الضَّحَّاكُ: كَانُوا تِسْعَةً. السُّدِّيُّ:  أَحَدَ عَشَرَ مَلَكًا عَلَى صُورَةِ الْغِلْمَانِ الْحِسَانِ الْوُجُوهِ، ذُو وَضَاءَةٍ وَجَمَالٍ بَارِعٍ.

 {بِالْبُشْرَى} قِيلَ: بِالْوَلَدِ. وَقِيلَ: بِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ . وَقِيلَ: بَشَّرُوهُ بِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَأَنَّهُ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ .

{قَالُوا سَلَامًا} [هود: 69] نُصِبَ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، كَمَا تَقُولُ: قَالُوا خَيْرًا. وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ} [الكهف: 22]، فَالثَّلَاثَةُ اسْمٌ غَيْر قَوْلٍ مَقُولٍ". غَيْرَ قَوْل مَقُول.

"غَيْرَ قَوْلٍ مَقُولٍ. وَلَوْ رُفِعَا جَمِيعًا أَوْ نُصِبَا جَمِيعًا {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} [هود: 69] جَازَ فِي الْعَرَبِيَّةِ".

يعني لو قالوا: سلامٌ وقال سلامٌ أو نصب جميعًا قالوا: سلامًا قال سلامًا، جاز في العربية؛ لأنه إذا انتصب فإنه نائب مصدر نائب عن فعله، وإذا رفع فهو اسم، ولذا يقول أهل العربية: إن سلام إبراهيم -عليه السلام- أبلغ من سلام الملائكة؛ لأنه مرفوع فهو اسم، وذاك منصوب فهو نائب عن فعل، والاسم إنما هو للثبوت والدوام والاستمرار بخلاف الفعل، ولذا جاء سلام إبراهيم -عليه السلام- أبلغ من سلام الملائكة، مع أنه يجوز من حيث العربية النصب في الموضوعين، والرفع في الموضوعين، والعكس برفع الأول ونصب الثاني.

 على كل حال هذه قصة لوط وبدايتها، عندما مروا بإبراهيم -عليه السلام-، فأحسن قراهم، وبشروه بأنه سيولد له على ما سيأتي بالتفسير، وأما بالنسبة لعددهم هل كانوا ثلاثة أو كانوا تسعة، أو كانوا أحد عشر، فلا يتعلق به فائدة، ولذا أبهم العدد، رسل، الرسل جمع من الثلاثة فما فوق، يجوز عند بعضهم أن يكون اثنين؛ لأن أقل الجمع اثنان، لكن الأكثر على أن أقل الجمع ثلاثة.

 لوط -عليه السلام- ابن عم لإبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-، لحًّا يعني نسبًا مباشرًا، نسبًا مباشرًا له ليس بابن عم بعيد، إنما هو مباشر، وقرى لوط كما قال أهل العلم بنواحي الشام، وإبراهيم بطرف الشام الغربي بفلسطين، كانت تلك الجهات كلها يطلق عليها الشام، فلسطين، سوريا، الأردن، لبنان، كلها شام، وشمال المملكة أيضًا شام، تبوك أيضًا من أرض الشام، هذا من حيث الأصل. 

"قِيلَ: انْتَصَبَ عَلَى الْمَصْدَرِ. وَقِيلَ : {قَالُوا سَلَامًا} [هود: 69] أَيْ فَاتَحُوهُ بِصَوَابٍ مِنَ الْقَوْلِ".

يعني قالوا قولاً صائبًا، {قَالُوا سَلَامًا} [هود: 69] يعني قالوا قولاً صائبًا، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان:72] يعني صوابًا من القوم، كما أن يقول خيرًا لهؤلاء يعني يكفوهم عن اللغو، أو يرشدوهم لما هو أنفع منه، وهم يقولون صوابًا، وهذه صفة عباد الرحمن.

"كَمَا قَالَ:  {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63] أَيْ صَوَابًا، فَسَلَامًا مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا لَفْظُهُ".

يعني ليس إذا مر الإنسان باللغو، ناس يلغو بعضهم على بعض، يتشاجرون بعضهم مع بعض، قالوا سلامًا اتركوهم، لماذا سلامًا هذه؟ إنما يقولون قولاً صوابًا، يكفونهم عن هذا اللغو، أو يرشدونه إلى ما هو أنفع منه، {قَالُوا سَلَامًا} [هود: 69].

طالب:.........

قالوا سلامًا.

"قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَاخْتَارَهُ. قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ ذِكْرَ اللَّفْظِ قَالَهُ بِعَيْنِهِ فَقَالَ مُخْبِرًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ : {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} [الرعد:24]  {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ} [الزمر: 73] وَقِيلَ: دَعَوْا لَهُ، وَالْمَعْنَى سَلِمْتَ سَلَامًا {قَالَ سَلامٌ} [هود: 69] فِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ :

أَحَدُهُمَا: عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ أَيْ هُوَ سَلَامٌ، وَأَمْرِي سَلَامٌ، وَالْآخَرُ: بِمَعْنَى سَلَامٌ عَلَيْكُمْ إِذَا جُعِلَ بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ، فَأُضْمِرَ الْخَبَرُ. وَجَازَ سَلَامٌ عَلَى التَّنْكِيرِ؛ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ".

هو الأصل في الآية عند الموضع بأنهم قالوا سلامًا، يعني حيوه بهذه التحية، ورد عليهم بقوله: سلامٌ، وهذا اللفظ أقل ما تتأدى به التحية، أقل ما تتأدى به التحية، والأصل أن يؤتى بالتحية كاملة: سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، ونكروا لكثرة الاستعمال، ولذا يقول الفقهاء: ويخير بين تعريفه وتنكيره في سلامٍ على الحي، يعنى الحي إذا قلت: السلام عليكم ورحمة الله، أو قلت: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سيان، فهما على التخير، لكن بالنسبة للميت لا ينكر، وإنما يؤتى به معرفًا على لفظ الخبر، السلام عليكم دار قوم المؤمنين، إلى آخره.

"وَجَازَ سَلَامٌ عَلَى التَّنْكِيرِ؛ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ، فَحُذِفَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ كَمَا حُذِفَتْ مِنْ لَاهُمَّ فِي قَوْلِكِ: اللَّهُمَّ. وَقُرِئَ "سِلْمٌ" قَالَ الْفَرَّاءُ : السِّلْمُ وَالسَّلَامُ بِمَعْنًى، مِثْلُ الْحِلِّ وَالْحَلَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69] فِيهِ أَرْبَعُ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً .

فِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً. مبني على فتح الجزأين.

" فِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ} [هود: 69] أَنْ بِمَعْنَى حَتَّى، قَالَهُ كُبَرَاءُ النَّحْوِيِّينَ، حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ.  والتَّقْدِيرُ: فَمَا لَبِثَ حَتَّى جَاءَ. وَقِيلَ: أَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الْجَرِّ، التَّقْدِيرُ: فَمَا لَبِثَ عَنْ أَنْ جَاءَ، أَيْ مَا أَبْطَأَ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ بَقِيَ أَنْ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ".

أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر في محل جر أصله، وإن كان بعد النزع نزع الخافض ينتصب، كما هو معروف، فلما حذف حرف الجر بقي أن في محل النصب، يعني على نزع الخافض.

طالب: شيخ.

نعم.

طالب: إذا قال: ابن العربي، يعني في أحكام القرآن؟

نعم. في الغالب.

"وَفِي لَبِثَ ضَمِيرُ اسْمِ  إِبْرَاهِيمَ . وَمَا نَافِيَةٌ، قَالَهُ سِيبَوَيْهِ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : فَمَا لَبِثَ مَجِيئُهُ، أَيْ مَا أَبْطَأَ مَجِيئُهُ، فَأَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَلَا ضَمِيرَ فِي لَبِثَ".

أن وما دخلت عليه في موضع رفع فاعل لبث، فاعل لبث، يقول: فما لبث مجيئه، فما لبث أن جاء أي مجيئه، وحينئذٍ يكون أن المصدرية وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل للبث، على القول الأول فاعل لبث إبراهيم- عليه السلام-.

"وَ "مَا" نَافِيَةٌ، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَفِي لَبِثَ ضَمِيرُ إِبْرَاهِيمَ وَ "أَنْ جَاءَ "خَبَرُ" مَا" أَيْ فَالَّذِي لَبِثَ إِبْرَاهِيمُ هُوَ مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ".

يعني الذي أخره هو المجيء بهذا العجل، يعني تأخر عنهم قليلاً، ولبث مدةً هي أقصر ما يمكن من أجل أن يجهز لهم هذا النزل، وهذا القراه.

"وَ "حَنِيذٍ" مَشْوِيٍّ. وَقِيلَ: هُوَ الْمَشْوِيُّ بِحَرِّ الْحِجَارَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ. يُقَالُ: حَنَذْتُ الشَّاةَ أَحْنِذُهَا حَنْذًا أَيْ شَوَيْتُهَا، وَجَعَلْتُ فَوْقَهَا حِجَارَةً مُحْمَاةً لِتُنْضِجَهَا فَهِيَ حَنِيذٌ. وَحَنَذْتُ الْفَرَسَ أَحْنِذُهُ حَنْذًا، وَهُوَ أَنْ تُحْضِرَهُ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ".

تجريه شوطًا أو شوطين، تحضره، حضر الفرس يعني محل جريه.

"ثُمَّ تُظَاهِرُ عَلَيْهِ الْجِلَالَ فِي الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ، فَهُوَ مَحْنُوذٌ وَحَنِيذٌ، فَإِنْ لَمْ يَعْرَقْ قِيلَ: كَبَا . وَحَنَذٌ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَقِيلَ: الْحَنِيذُ السَّمِيطُ ، قاله ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ".

طالب: شيخ.

نعم.

طالب: يحتج بعضهم، تقول في التبذير في الضيافة وكذا، يقول: إن إبراهيم جاءه ثلاثة أو تسعة فجاء لهم بعجل، وهو حجته لما يأتيه واحد أو اثنان يأتي له بذبيحة كاملة، ومعروف أن الواحد أو الاثنين أو العشرة ما يأكلون ذبيحة كاملة. فهل لهم فذ هذا حجة حتى لو كانت لا تؤكل؟

لكن هل يمكن لإبراهيم أن يأتي بأقل من ذلك؟ إذا كان ما عنده بقر، فماذا يقدم لهم؟

طالب: يشتري يا شيخ؟

من أين يشتري؟ ما عنده إلا بقرته أو فرسه أو كذا.

طالب: يعني هل لهم في ذلك حجة؟

لا ليس لهم، إن يجزئ أقل من ذلك، فالإسراف محرم.

نعم.

طالب: هو يقول: إذا ذبحت أقل من ذلك أعير بين قومي.

على كلٍّ قد يمر معنا ذلك.

 "حَنِيذٌ نَضِيجٌ. وَحَنِيذٌ بِمَعْنَى مَحْنُوذٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِعِجْلٍ لِأَنَّ الْبَقَرَ كَانَتْ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِ .

الثَّانِيَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَدَبِ الضَّيْفِ أَنْ يُعَجِّلَ قِرَاهُ، فَيُقَدِّمُ الْمَوْجُودَ الْمُيَسَّرَ فِي الْحَالِ، ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِغَيْرِهِ إِنْ كَانَ لَهُ جِدَةٌ، وَلَا يَتَكَلَّفُ مَا يَضُرُّ بِهِ .وَالضِّيَافَةُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمِنْ آدَابِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ خُلُقِ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ . وَإِبْرَاهِيمُ أَوَّلُ مَنْ أَضَافَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَةِ ، وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ".

نعم عند الجمهور ليست بواجبة وإنما مستحبة، وأوجبها جمع من أهل التحقيق؛ لثبوت الأمر بها.

طالب:.........

تقدم بحث المسألة، يعني ما ثبتت الضيافة قبل إبراهيم -عليه السلام-.

طالب:.........

النصوص الصحيحة هي التي يعول عليها، وقد يأتي في الأوائل أول من فعل كذا.

"لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ». وَالْجَائِزَةُ الْعَطِيَّةُ وَالصِّلَةُ الَّتِي أَصْلُهَا عَلَى النَّدْبِ .

وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :- «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ»".

الأصل في اللام، لام الأمر هنا الوجوب، وعلى هذا فإكرام الجار وإكرام الضيف واجب، ولا يعني أنك تكرم جارك كل يوم تدفع له، تبعث له بشيء من طعامك أو شرابك، إنما الإكرام بما يقابل الإهانة، فإذا كانت إهانة الجار محرمة فإكرامه واجب، وإكرام كل شخص بحسبه، فالضيف إكرامه أن تقدم له ما تستطيع، هذا إكرامه، والجار أن تعامله بالحسنى، وتواسيه إن كنت أهلًا للمواساة وحلت به نازله، هذا إكرامه، لا تهينه، لا تسبب في إيذائه، كل هذا على الوجوب.

"وَإِكْرَامُ الْجَارِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِجْمَاعًا".

نعم إذا قلنا: المراد بالإكرام أن تبعث له بطعام، هذا ليس بواجب، لاسيما إذا كانت ليست حاجته إلى الطعام تصل إلى حد الضرورة، أما إذا كانت حاجته إلى الطعام وصلت به إلى حد الضرورة، فإطعامه واجب على الأمة كلها، فرض كفاية، لو ترك أثم جميع من يعلم بحاله.

"فَالضِّيَافَةُ مِثْلُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

استدلالاً بدلالة الاقتران، ومعروف عند أهل العلم أن دلالة الاقتران ضعيفة.

"وَذَهَبَ اللَّيْثُ إِلَى وُجُوبِهَا تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- «لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَفِيمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلْهِدَايَةِ.

 قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:  وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ وُجُوبَ الضِّيَافَةِ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ لَمْ يَثْبُتْ، وَالنَّاسِخُ لَمْ يَرِدْ، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ، وَفِيهِ: «فَاسْتَضَفْنَاهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُونَا فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ» الْحَدِيثَ. وَقَالَ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الضِّيَافَةَ لَوْ كَانَتْ حَقًّا لَلَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْقَوْمَ الَّذِينَ أَبَوْا، وَلَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ".  

بعض الروايات ما يبين إن هؤلاء القوم ليسوا بمسلمين، الذين لدغ سيدهم ليسوا بمسلمين، وإذا كانوا بهذه الصفة لا يتوجه لهم لوم منه -عليه الصلاة والسلام-، ما دام هؤلاء لا يمتثلون أوامر الإسلام فلومهم في غير محله، فاستضفناهم، يقول لهم سعيد، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فرقاه أبو سعيد، رقاه بالفاتحة فبرأ، وأخذوا منهم الجعل، وفي قصة موسى مع الخضر دخلوا القرية، ولم يضيفوهم، فوجد الخضر جدارًا يريد أن ينقض فأقامه، {قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77]؛ لأن هؤلاء القوم لم يضيفوهم، فاستحقوا أن يعاملوا بالعدل لا بالعفو، كما صنع أبو سعيد، وهل فعل أبي سعيد أكمل أو فعل الخضر؟

أولاً فعل أبو سعيد جائز اتفاقًا، وأخذ النبي -عليه الصلاة والسلام- قسمًا من هذا الجعل ضربوا له بسهم، وقال: «إن أحق ما أتخذتم عليه أجرًا كتاب الله»، وهو جائز مثل صنيعه، لكن هل صنيعه أكمل أو صنيع الخضر؟ يعني هل الفضل هنا أو العدل؟ أو نقول: إن بين الحالتين اختلافًا؟

الذي لدغ سيد القوم، والجدار كان لغلامين يتيمين ليس بيدهم شيء ليضيفوهم، وليس لديهم أمر ولا نهي، وإلا لو كان بمثابة سيد القوم لعملوا بالعدل، وهذا قد يستحسن إذا كان من باب التأديب والتربية للشخص، على أن العفو أقرب للتقوى دائمًا. لكن إذا كان في مثل هذه الحالة في حال أبي سعيد قوم أبوا أن يضيفوهم استضافناهم فأبوا أن يضيفونا، فتأديب مثل هؤلاء القوم له وجه، وكون الخضر لم يأخذ أجر {لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77]، كونه لم يأخذ أجرًا؛ لأن الجدار كان ليتيمين.

 المقصود أن الحالة تختلف، ومثل هذا عندهم سيدهم استضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلا مانع أن يعامل مثل هؤلاء بالعدل تأديبًا لهم.   

طالب: شيخ.

نعم

طالب: قلت: إن هؤلاء القوم قيل: إنهم غير مسلمين، فهنا يرد سؤال.

نعم.

طالب: سيد القوم الذي لدغ كان غير مسلم، فهل تنفع الرقية الشرعية معه؟

تنفع نعم غير المسلم.

طالب: طيب كلام الإمام أحمد أن الفاتحة هي الفاتحة والراقي غير الراقي.

هذا في الراقي.

طالب: ما يلزم للمرقي أن يعتقد اعتقادًا جازمًا في الرقية؟

طيب افترض أنه غير أهل للاعتقاد، صبي صغير، يلزم؟

طالب: هو غير مكلف بها.

فهذا في حكمه.

"الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يُخَاطِبُ بِهَا ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إِلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا أَهْلُ الْحَضَرِ وَالْبَادِيَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ ضِيَافَةٌ. قَالَ سُحْنُونٌ : إِنَّمَا الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، وَأَمَّا الْحَضَرُ فَالْفُنْدُقُ يَنْزِلُ فِيهِ الْمُسَافِرُ، حَكَى اللُّغَتَيْنِ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَغَيْرُهُ".

حكى اللغتين، أين اللغتان؟

طالب:.........

قولان.

أين هما؟ حكى اللغتين صاحب العين، هل يذكر خلافًا؟ يذكر خلافًا في حكم المسألة، حكمًا شرعيًّا.

طالب:.........

 صاحب العين كيف كتاب العين؟ كتاب العين فيه أحكام شرعية؟ حكى اللغتين صاحب العين وغيره. يعني المراد باللغتين في ضبط الفندق، لكنه ما تقدمت اللغتان، لا شك أن فيه قصورًا، لأن هذه زيادة من بعض النسخ، حكى اللغتين صاحب العين وغيره، فلعلها مأخوذة من تعليق على الكتاب، وليست من أصله، أو تخريج من خرج الكتاب، فقص بعض الكلام دون بعض، من مجلد أو غيرها، أو تعرضت لها آفة أو أكلة أو أرضة.

 المقصود أنه يقول حكى اللغتين صاحب العين، اللغتين في ضبط الفندق، هو ما ضبط الفندق، وما حصل في الفندق ينزل فيه المسافر، حكى اللغتين صاحب العين، يعني في ضبطه، والفندق معروف عندهم معروف، إطلاقه ما فيه إشكال عربي.

طالب: بفتح الدال؟

نعم.

"وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :- «الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ وَلَيْسَتْ عَلَى أَهْلِ الْمَدَرِ» . وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، مَنْسُوبٌ إِلَى الْكَذِبِ، وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، وَنُسِبَ إِلَى وَضْعِهِ، قَالَه أَبُو عمرو".

عمر.

"أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ" .

الضيافة على أهل الوبر، بالنسبة للخبر لا يثبت، لكن إذا كان الوافد في البادية، وليس عنده محل يشتري منه ما يأكله، تعين عليهم أن يضيفوه، لكن في الحضر والأسواق مشرعة، والأماكن مفتوحة، فلا يحتاج إلى غيره، فالأمر فيه أسهل، في حكم أهل الوبر حكم البوادي، إذا كان الوافد ليس معه ما يشتري به، يلزم الناس أن يضيفوه.

"قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الضِّيَافَةُ -حَقِيقَةً- فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْقُرَى حَيْثُ لَا طَعَامَ وَلَا مَأْوَى، بِخِلَافِ الْحَوَاضِرِ فَإِنَّهَا مَشْحُونَةٌ بِالْمَأْوَاةِ وَالْأَقْوَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّيْفَ كَرِيمٌ، وَالضِّيَافَةَ كَرَامَةٌ، فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا فَهِيَ فَرِيضَةٌ.

 الرَّابِعَةُ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: كَانَتْ ضِيَافَةُ إِبْرَاهِيمَ قَلِيلَةً فَشَكَرَهَا الْحَبِيبُ مِنَ الْحَبِيبِ، وَهَذَا حُكْمٌ بِالظَّنِّ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَبِالْقِيَاسِ فِي مَوْضِعِ النَّقْلِ، مِنْ أَيْنَ عُلِمَ أَنَّهُ قَلِيلٌ"؟!

هذا عكس ما تقوله، عكس ما تذكر.

طالب:.........

 لكن من الضيوف؟ أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، فالضيوف ملائكة، ومن غرائب الاستدلال عند بعض العوام، معروف عند العامة أنهم في الغالب يكرهون لحم البقر، غالبًا عامة الناس يكرهونه، هذا موجود.

طالب:.........

 نعم عندنا كلام في بلدنا. فقدم بعضهم من العامة لحم عجل، فقال بعض الحاضرين: ما وجدت إلا هذا تقدمه لضيوفك، قال: ما وجدت أفضل منه، قدمه إبراهيم للملائكة -عليه السلام-.

 الاستدلال طيب، فرد عليه الآخر قال: إنهم لم يأكلوا لما رأوا عجلًا ما أكلوا، نعم لو أكلوا صار فيه دليل، لكن ما أكلوا لما رأوا عجلًا، هذا يدل على السرعة في البديهة، لكن في النصوص الملائكة لا يأكلون كما هو معروف.  

"بَلْ قَدْ نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا ثَلَاثَةً؛ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ- وَعِجْلٌ لِثَلَاثَةٍ عَظِيمٌ، فَمَا هَذَا التَّفْسِيرُ لِكِتَابِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ! هَذَا بِأَمَانَةِ اللَّهِ هُوَ التَّفْسِيرُ الْمَذْمُومُ فَاجْتَنِبُوهُ فَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ ."

طالب:.........

هو الظاهر.

طالب:.........

لكن الأمانة هل هي من أوصاف الله أو من أسمائه؟

طالب:.........

 إذن هي شيء منفك عنه ليس من أوصافه، أن تضاف إلى الله لشرفها، كما يقال: بيت الله وناقة الله، فلا يجوز القسم بها.

"الْخَامِسَةُ : السُّنَّةُ إِذَا قُدِّمَ لِلضَّيْفِ الطَّعَامُ أَنْ يُبَادِرَ الْمُقَدَّمُ إِلَيْهِ بِالْأَكْلِ ، فَإِنَّ كَرَامَةَ الضَّيْفِ تَعْجِيلُ التَّقْدِيمِ، وَكَرَامَةُ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ الْمُبَادَرَةُ بِالْقَبُولِ، فَلَمَّا قَبَضُوا أَيْدِيَهُمْ نَكِرَهُمْ إِبْرَاهِيمُ؛ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنِ الْعَادَةِ، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُمْ مَكْرُوهٌ يَقْصِدُونَهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْكُتُونَ بِقِدَاحٍ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ فِي اللَّحْمِ، وَلَا تَصِلُ أَيْدِيهِمْ إِلَى اللَّحْمِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: 70] أَيْ أَضْمَرَ. وَقِيلَ: أَحَسَّ، وَالْوُجُوسُ الدُّخُولُ، قَالَ الشَّاعِرُ :

جَاءَ الْبَرِيدُ بِقِرْطَاسٍ يَخُبُّ بِهِ         فَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ قِرْطَاسِهِ جَزَعًا

خِيفَةً خَوْفًا، أَيْ فَزَعًا. وَكَانُوا إِذَا رَأَوُا الضَّيْفَ لَا يَأْكُلُ ظَنُّوا بِهِ شَرًّا، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: {لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 70]".  

نعم ومازال هذا الخوف موجودًا، إذا وجد ضيف ما أكل، إذا أكل عرفوا أن الضيف ليس وراءه شر، لأن الإنسان في عرف العرب واصطلاحهم إذا مالح فهو دخل في القوم، لكن إذا لم يأكل فلا شك أنه مبيت شرًّا، فإبراهيم -عليه السلام- خاف منهم {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: 70]؛ لأنهم لم يأكلوا، ولو أكلوا لزال عنه الخوف، فلما اعتذروا زال الخوف وهكذا، إذا قدمت لإنسان شيئًا من المطعوم أو من المشروب، فلم يأكل منه شيئًا، جاءك في وقت غير وقت الوجبات مثلاً، فقدمت له القهوة والشاي، أصب لك قهوة قال: خلاص أنا ما أشرب القهوة، أصب لك شاي قال: ما أشرب الشاي، يصيب النفس شيء، لكن إذا بيّن السبب وقال: والله القهوة تؤثر عندي على المعدة، والشاي كذا وكذا، يعني إذا اعتذر يقبل عذره، لكن مثل هذا لا شك أنه عبء على مضيفه، ما يأكل شيئًا، ماذا تفعل؟ قد لا يكون حاضرًا شيء يناسبه، ما هو إلا الماء الذي ما يحجب عنه أحد.

 فعليه السلام إبراهيم لما لم يأكلوا {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: 70]، وهذه جبلة في الناس وطبيعة، إذا لم يأكل الضيف حصل ذعر عند المضيف، لكن لما أبدوا عذرًا مقبولاً زال، زال هذا الخوف.

طالب:.........

كيف.

طالب:.........

 نعم إذا وصل الحد إلى أن يكون هناك شك وعدم ثقة يبدأ المضيف بالأكل ما الذي يمنع؟ لاسيما إذا كان هناك قرائن تدل على أن المضيف محل تهمة أو شيء من هذا، ولا شك أنه من باب إكرام الضيف وتأنيسه، والتلطف معه الأكل معه، أما كونك تترك ضيفك وحده يأكل وأنت تقعد تنتظر وهو جالس، فهذا ليس من الأدب، وليس من الكرم، ما ينفع هذا لا يأكل ويأنس ضيفه؛ لأن هذا مدعاة لأن يستعجل الضيف.

طالب:.........

غلط هذا.

طالب:.........

نعم على المضيف أن يأكل مع ضيفه، لكن ليس معنى هذا أنه ينظر في أكل ضيفه، ويحدد فيه، وكم أكل، وكم ترك، لا، هذا ليس من الأدب، هذا من سوء الأدب؛ لأن بعض الناس قد لا يملك نفسه، بعض الناس، الناس عادات وطبائع، وجاء في كتب الأدب من هذا القصص الكثيرة، قال بعضهم: من أجشع الناس من يرى الناس يأكلون من قصعته وهو ينظر، المقصود أنه إذا كان من هذا النوع الذي لا يملك نفسه بحيث يرى الناس يأكلون من طعامه، ولا يصلح شيء من هذا، لو خرج وتركهم فهذا أفضل من جلوسه.

"السَّادِسَةُ : مِنْ أَدَبِ الطَّعَامِ أَنَّ لِصَاحِبِ الضَّيْفِ أَنْ يَنْظُرَ فِي ضَيْفِهِ هَلْ يَأْكُلُ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ وَمُسَارَقَةٍ لَا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ. رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَكَلَ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَرَأَى سُلَيْمَانُ فِي لُقْمَةِ الْأَعْرَابِيِّ شَعْرَةً فَقَالَ لَهُ: أَزِلِ الشَّعْرَةَ عَنْ لُقْمَتِكَ؟ فَقَالَ لَهُ: أَتَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَرَ مَنْ يَرَى الشَّعْرَةَ فِي لُقْمَتِي؟! وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ مَعَكَ" .

يحدد النظر، يحدد النظر فيه.

"قُلْتُ: وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ إِنَّمَا كَانَتْ مَعَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا مَعَ سُلَيْمَانَ، وَأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ :

وَلَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ زِيَارَةِ بَاخِلٍ              يُلَاحِظُ أَطْرَافَ الْأَكِيلِ عَلَى عَمْدِ

السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} [هود: 70] يَقُولُ: أَنْكَرَهُمْ، تَقُولُ: نَكِرْتُكَ وَأَنْكَرْتُكَ وَاسْتَنْكَرْتُكَ إِذَا وَجَدْتَهُ.

وجدتَه.

إذا وجدتَه عَلَى غَيْرِ مَا عَهِدْتَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ :

وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ             مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا"

هذا هو العيب عند النساء.

"فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ".

أنكر ونكر.

"وَيُقَالُ: نَكِرْتُ لِمَا تَرَاهُ بِعَيْنِكَ وَأَنْكَرْتُ لِمَا تَرَاهُ بِقَلْبِكَ .

الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ} [هود: 71] ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ قَائِمَةٌ بِحَيْثُ تَرَى الْمَلَائِكَةَ. قِيلَ: كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ. وَقِيلَ: كَانَتْ تَخْدُمُ الْمَلَائِكَةَ وَهُوَ جَالِسٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : قَائِمَةٌ تُصَلِّي. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ قَاعِدٌ".  التَّاسِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَضَحِكَتْ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَة : حَاضَتْ، وَكَانَتْ آيِسَةٌ.

كانت تخدم الملائكة وهو جالس، كان هذا في شرعهم، أن المرأة تخدم الضيوف مع وجود زوجها، أما شرعنا بعد نزول الحجاب فلا شيء من ذلك، قد وجد منه شيء، ودلت النصوص على وجود شيء منه قبل نزول الحجاب، أن المرأة تقدم للضيف، بمن في ذلك العروس قد تقدم لضيفانها ليلة عرسها شيئًا من ذلك، وهذا في أول الإسلام، وأمرٌ جرى عليه العرب قديمًا، جاء عليه المسلمون في أول الأمر، ثم لما نزل الحجاب حجب النساء فلم يختلطن بالرجال.

"وَكَانَتْ آيِسَةٌ، تَحْقِيقًا لِلْبِشَارَةِ".

آيسة عمرها أكثر من تسعين أو تسع وتسعين سنة.

"وَأَنْشَدَ عَلَى ذَلِكَ اللُّغَوِيُّونَ :

وَإِنِّي لَآتِي الْعِرْسَ عِنْدَ طُهُورِهَا           وَأَهْجُرُهَا يَوْمًا إِذَا تَكُ ضَاحِكَا

وَقَالَ آخَرُ: 

وَضِحْكُ الْأَرَانِبِ فَوْقَ الصَّفَا              كَمِثْلِ دَمِ الْجَوْفِ يَوْمَ اللِّقَا"

يعني حيض الأرانب فوق الصفا.

طالب: تحيض الأرنب؟

نعم تحيض.

"وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الْأَرْنَبُ إِذَا حَاضَتْ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَعِكْرِمَةَ ، أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَحِكَتِ الْكَافُورَةُ -وَهِيَ قِشْرَةُ الطَّلْعَةِ- إِذَا انْشَقَّتْ. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنَى حَاضَتْ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هُوَ ضَحِكُ التَّعَجُّبِ، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ :

   فَجَاءَ بِمَزْجٍ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ             هُوَ الضَّحْكُ إِلَّا أَنَّهُ عَمَلُ النَّحْلِ"

عمل نحل يعني العسل، إن ضحكت متعجبة، لكن ضحكها لحلاوته أشبه عمل النحل، أشبه العسل.

"وَقَالَ مُقَاتِلٌ : ضَحِكَتْ مِنْ خَوْفِ إِبْرَاهِيمَ، وَرِعْدَتِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ فِي حَشَمِهِ وَخَدَمِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُومُ وَحْدَهُ بِمِائَةِ رَجُلٍ. قَالَ: وَلَيْسَ الضَّحِكُ الْحَيْضَ فِي اللُّغَةِ بِمُسْتَقِيمٍ. وَأَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْفَرَّاءُ ذَلِكَ، قَالَ الْفَرَّاءُ : لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ ثِقَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ. وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَسَحَتِ الْعِجْلَ، فَقَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَلَحِقَ بِأُمِّهِ، فَضَحِكَتْ سَارَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَبَشَّرُوهَا بِإِسْحَاقَ . وَيُقَالُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ أَضْيَافَهُ أَقَامَ سَارَةَ تَخْدُمُهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ} [هود: 71] أَيْ قَائِمَةٌ فِي خِدْمَتِهِمْ. وَيُقَالُ: قَائِمَةٌ لِرَوْعِ إِبْرَاهِيمَ فَضَحِكَتْ لِقَوْلِهِمْ: "لَا تَخَفْ" سُرُورًا بِالْأَمْنِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ :فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، الْمَعْنَى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ فَضَحِكَتْ، أَيْ ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالْوَلَدِ، وَقَدْ هَرِمَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.

قَالَ النَّحَّاسُ فِيهِ أَقْوَالٌ: أَحْسَنُهَا - أَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَأْكُلُوا أَنْكَرَهُمْ وَخَافَهُمْ، فَلَمَّا قَالُوا لَا تَخَفْ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ، فَرِحَ بِذَلِكَ، فَضَحِكَتِ امْرَأَتُهُ سُرُورًا بِفَرَحِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ قَالَتْ لَهُ: أَحْسَبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عَذَابٌ فَضمَّ لُوطًا إِلَيْكَ، فَلَمَّا جَاءَتِ الرُّسُلُ بِمَا قَالَتْهُ سُرَّتْ بِهِ فَضَحِكَتْ".

يعني وافق توقعها.

"قَالَ النَّحَّاسُ : وَهَذَا إِنْ صَحَّ إِسْنَادُهُ فَهُوَ حَسَنٌ. وَالضَّحِكُ انْكِشَافُ الْأَسْنَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّحِكُ إِشْرَاقَ الْوَجْهِ".

طالب: شيخ.

نعم.

طالب: معروف أن الأمم السابقة كانت تعيش سبعمائة وثمانمائة، فهل كان الشيب يصل إليهم في أعمارنا؟ يعني المرأة تحيض حتى الخمسين، والرجل يهرم في الثمانين؟

 لا لا ما يهرم. يعني يعيش هذه المئات وهو هرم؟

طالب: نعم.

لا لا، الشباب إلى ثلاثمائة، بدل ثلاثين ثلاثمائة. وقد جاء في بعض الأخبار: أن امرأة وجدت تبكي عند قبر، فقيل: ما يبكيك؟ قالت: ابني توفي وهو شاب، قيل: كم عمره قالت: ثلاثمائة، قيل: وأنت؟ قالت فوق الألف. فشبابهم غير شبابنا.

"تَقُولُ: رَأَيْتُ فُلَانًا ضَاحِكًا، أَيْ مُشْرِقًا. وَأَتَيْتُ عَلَى رَوْضَةٍ تَضْحَكُ، أَيْ مُشْرِقَةٍ".

أتاك الربيع الطلق يختال ضحكًا.

"وَفِي الْحَدِيثِ «إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَبْعَثُ السَّحَابَ فَيَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ». جَعَلَ انْجِلَاءَهُ عَنِ الْبَرْقِ ضَحِكًا، وَهَذَا كَلَامٌ مُسْتَعَارٌ".

هذا على أن الضحك من السحاب، وإذا كان الضحك مسندًا إلى الله -سبحانه وتعالى- ففيه إثبات هذه الصفة، لله -سبحانه وتعالى- على ما يليق بجلالة وعظمته، والمعروف أن المؤلف يؤول مثل هذه الصفة.

"وَرُوِيَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَّاءِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَعْرَابِيُّ،" فَضَحَكَتْ" بِفَتْحِ الْحَاءِ، قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَفَتْحُ الحاء مِنْ فَضَحِكَتْ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. وَضَحِكَ يَضْحَكُ ضَحْكًا وَضِحْكًا وَضِحِكًا وَضَحِكًا أَرْبَعُ لُغَاتٍ. وَالضَّحْكَةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ :

غَلِقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ الْمَالِ".

والضحكة، ضُحكة أو الضحكة، يعني من يُضحك منه، ويسخر منه، ضُحكة، كما أن الرُحلة إلى من يُرحل إليه، وأما ضحك فكثير الضحك كالهمزة واللمزة، كثير الهمز واللمز.

قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ . 

الْعَاشِرَةُ: رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ «رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي عُرْسِهِ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ يَوْمئِذٍ خَادِمُهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ». قَالَ سَهْلٌ : «إِيَّاهُ» . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ ُوَتَرْجَمَ لَهُ "بَابُ قِيَامِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرِّجَالِ فِي الْعُرْسِ وَخِدْمَتِهِمْ بِالنَّفْسِ". قَالَ عُلَمَاؤُنَا".

في مواضع كثيرة، أو في غالب المواضع إذا أراد أن يخرج من الصحيحين صارت عنايته بمسلم، ثم يردفه برواية البخاري، وأحيانًا يقول: رواه مسلم والبخاري، وهنا أثبت رواية مسلم، قال: وأخرجه البخاري وترجم له، وفي البخاري مثل ما عند مسلم، إلا أن المغالب عمومًا اعتنوا بصحيح مسلم أكثر من البخاري، بعضهم يفضل مسلم على البخاري، ومعروف أنه بالنسبة لسهولة الاستفادة من الكتاب، مسلم أسهل في الاستفادة من صحيح البخاري، ولاشك أن صحيح البخاري أعمق وأكثر فقهًا، وأكثر فائدة.

"قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فِيهِ جَوَازُ خِدْمَةِ الْعَرُوسِ زَوْجَهَا وَأَصْحَابَهُ فِي عُرْسِهَا . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَعْرِضَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ عَلَى صَالِحِ إِخْوَانِهِ، وَيَسْتَخْدِمُهُنَّ لَهُمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ ."

هذا هو المتعين، قد دلت النصوص على لزوم الحجاب ووجوبه، ووجوب اجتناب الرجال النساء.

"الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمَّا قَدَّمَ الْعِجْلَ قَالُوا: لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ، فَقَالَ لَهُمْ: "ثَمَنُهُ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَوَّلِهِ، وَتَحْمَدُوهُ فِي آخِرِهِ"، فَقَالَ جِبْرِيلُ لِأَصْحَابِهِ: بِحَقٍّ اتَّخَذَ اللَّهُ هَذَا خَلِيلًا. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَلَمْ يَأْكُلُوا؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَأْكُلُ. وَقَدْ كَانَ مِنَ الْجَائِزِ كَمَا يَسَّرَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ أَنْ يَتَشَكَّلُوا فِي صِفَةِ الْآدَمِيِّ جَسَدًا وَهَيْئَةً أَنْ يُيَسِّرَ لَهُمْ أَكْلَ الطَّعَامِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي قَوْلِ الْعُلَمَاءِ أَرْسَلَهُمْ فِي صِفَةِ الْآدَمِيِّ، وَتَكَلَّفَ إِبْرَاهِيمُ- عَلَيْهِ السَّلَام- الضِّيَافَةَ حَتَّى إِذَا رَأَى التَّوَقُّفَ وَخَافَ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى فَجْأَةً .

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الطَّعَامِ، وَالْحَمْدَ فِي آخِرِهِ مَشْرُوعٌ فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ، فَإِذَا حَضَرَ طَعَامُهُ أَرْسَلَ يَطْلُبُ مَنْ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَقِيَ يَوْمًا رَجُلًا، فَلَمَّا جَلَسَ مَعَهُ عَلَى الطَّعَامِ، قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ : سَمِّ اللَّهَ، قَالَ الرَّجُلُ: لَا أَدْرِي مَا اللَّهُ؟ فَقَالَ لَهُ: فَاخْرُجْ عَنْ طَعَامِي، فَلَمَّا خَرَجَ نَزَلَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: يَقُولُ اللَّهُ إِنَّهُ يَرْزُقُهُ عَلَى كُفْرِهِ مَدَى عُمْرِهِ، وَأَنْتَ بَخِلْتَ عَلَيْهِ بِلُقْمَةٍ، فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ: لَا أَرْجِعُ حَتَّى تُخْبِرَنِي لِمَ تَرُدُّنِي لِغَيْرِ مَعْنًى؟ فَأَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ، فَقَالَ: هَذَا رَبٌّ كَرِيمٌ، آمَنْتُ، وَدَخَلَ وَسَمَّى اللَّهَ، وَأَكَلَ مُؤْمِنًا" .

إبراهيم -عليه السلام- لما قال له: ما أدري ما الله أخرجه، بناءً على هذا الخبر، لكن اللائق به -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- أن يخبره، وأن يدعوه إلى الله، يخبره بالواقع ويبين له حقيقة معبوده، أما يخرجه كذا فلا، اخرج من طعامي، اخرج عن طعامي، لأنه لا يعرف الله، أخبره، فإن أصر وعاند أخرجه، هذا لو صح الخبر، لكن قد يقول قائل: إن الفائدة حصلت، وكون إبراهيم أخرجه -عليه السلام-؛ لكي يكون أبلغ في إيمانه، فلو أن إبراهيم أخبره بالواقع، أخبره عن ربه، فآمن وأسلم، لم يكن إيمانه بالقوة في مثل هذه الصورة التي حصلت، أخرجه ثم استدعاه فقال: حصل كذا وكذا، ثم أسلم بعد ما مناقشة، وعلى كل حال هو خبر روى بالإسرائيليات، لا يروى بإسناد.

"الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} [هود: 71] لَمَّا وُلِدَ لِإِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ مِنْ هَاجَرَ تَمَنَّتْ سَارَةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا ابْنٌ، وَأَيِسَتْ لِكِبَرِ سِنِّهَا، فَبُشِّرَتْ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا وَيَلِدُ نَبِيًّا، فَكَانَ هَذَا بِشَارَةً لَهَا بِأَنْ تَرَى وَلَدَ وَلَدِهَا.

 الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى:  {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71]".

بالنسبة لسارة ثبت بالتخفيف والتشديد، الأصل بالتشديد سارة، لكن جرى الناس على تخفيفها، وأجيز، ضبط هاجر أيضًا فاعل بفتح الجيم، ومنه من يضبطها باسم الفاعل.

طالب:.........

يضبطونها بهذا وهذا.

"قَوْلُهُ تَعَالَى : {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] قَرَأَ حَمْزَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ: " يَعْقُوبَ" بِالنَّصْبِ. وَرَفَعَ الْبَاقُونَ، فَالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى: وَيُحْدِثُ لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ . وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَعْمَلُ فِي "مِنْ" كَأَنَّ الْمَعْنَى: وَثَبَتَ لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ . وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ بَشَّرُوهَا بِإِسْحَاقَ مُقَابِلًا لَهُ يَعْقُوبُ. وَالنَّصْبُ عَلَى مَعْنَى: وَوَهَبْنَا لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ وَأَبُو حَاتِمٍ أَنْ يَكُونَ "يَعْقُوبُ" فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى مَعْنَى: وَبَشَّرْنَاهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ بِيَعْقُوبَ .

 قَالَ الْفَرَّاءُ : وَلَا يَجُوزُ الْخَفْضُ إِلَّا بِإِعَادَةِ الْحَرْفِ الْخَافِضِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ وَلَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أَوَّلَ مِنْ أَمْسِ وَأَمْسِ عَمْرٍو كَانَ قَبِيحًا خَبِيثًا؛ لِأَنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ الْمَجْرُورِ وَمَا يُشْرِكُهُ، وَهُوَ الْوَاوُ، كَمَا فَرَّقْتَ بَيْنَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ؛ لِأَنَّ الْجَارَّ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْرُورِ، وَلَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاوِ".

نعم، يعني لو قلت: مررت بزيدٍ أول من أمس، وأمس عمروٍ، يعني ومررت أمس بعمروٍ، كان قبيحًا.

 في قوله تعالى في أول سورة النساء: {الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء: 1].

طالب:.........

نعم.

طالب:.........

ماذا؟

طالب:.........

 {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ} [النساء: 1]، هذا الأصل إذا قلنا: إنها مجرورة على إعادة الجار، ويجوز أن تعيد من غير أن تجر، من غير إعادة الجر، وعلى النصب {وَاتَّقُوا اللَّهَ و{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ}، وهو معتوق على لفظ الجلالة، وعلى الجر يكون معطوفًا على المجرور، {تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ}.

 على كل حال فيه قراءة بالجر، والنصب عطفًا على لفظ الجلالة، ويجوز جره عطفًا على بالباء من غير إعادة للجر، لكن هنا مع بُعد الفصل وطوله، وتفريق بين المعطوف والمعطوف عليه بفاصل، بين المعطوف وحرف العطف، بفاصل أيضًا، من أقبح.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72] فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :الْأُولَى: {يَا وَيْلَتَا} قَالَ الزَّجَّاجُ : أَصْلُهَا يَا وَيْلَتِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ مِنَ الْيَاءِ وَالْكَسْرَةِ، وَلَمْ تُرِدِ الدُّعَاءَ عَلَى نَفْسِهَا بِالْوَيْلِ ، وَلَكِنَّهَا كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلَى أَفْوَاهِ النِّسَاءِ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِنَّ مَا يُعْجَبْنَ مِنْهُ، وَعَجِبَتْ مِنْ وِلَادَتِهَا وَمِنْ كَوْنِ بَعْلِهَا شَيْخًا لِخُرُوجِهِ عَنِ الْعَادَةِ، وَمَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ مُسْتَغْرَبٌ وَمُسْتَنْكَرٌ .وَ{أَأَلِدُ} اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّعَجُّب. {وَأَنَا عَجُوزٌ} أَيْ شَيْخَةٌ. وَلَقَدْ عَجَزَتْ تَعْجِزُ عَجْزًا وَعَجَّزَتْ تَعْجِيزًا، أَيْ طَعَنَتْ فِي السِّنِّ. وَقَدْ يُقَالُ: عَجُوزَةٌ أَيْضًا. وَعَجِزَتِ الْمَرْأَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ، عَظُمَتْ عَجِيزَتُهَا عُجْزًا وَعَجَزًا بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانَتْ بِنْتَ تِسْعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا" .

يعني هي بنت تسع وتسعين على ما روي، وإبراهيم -عليه السلام- ابن مائة، والذي يظهر- والله أعلم- أن العمر أكثر من ذلك بكثير؛ لأنه إذا كان الختان وعمره ثمانون، اختتن إبراهيم- عليه السلام- وعمره ثمانون، فالذي يظهر أن العمر أكثر من ذلك بكثير.

 "الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهَذَا بَعْلِي} [هود: 72] أَيْ زَوْجِي. {شَيْخًا} [هود: 72] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِل فِيهِ التَّنْبِيهُ أَوِ الْإِشَارَةُ. وَهَذَا بَعْلِي ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَقَال َالْأَخْفَشُ : وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ" وَهَذَا بَعْلِي شَيْخٌ" قَالَ النَّحَّاسُ : كَمَا تَقُولُ: هَذَا زَيْدٌ قَائِمٌ، فَزَيْدٌ بَدَلٌ مِنْ هَذَا، وَقَائِمٌ خَبَرُ الِابْتِدَاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " هَذَا " مُبْتَدَأً "وَزَيْدٌ قَائِمٌ" خَبَرَيْنِ".

يعني هذا على تعدد الخبر، {وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} [هود: 72]، بعل خبر أول، وشيخ خبر ثانٍ، هذا زيد قائم، هذا مبتدأ، وزيد خبر، وقائم خبر ثانٍ، ويجوز تعدد الخبر، مصيف مقيد مشتٍّ، وإذا قلنا: هذا مبتدأ، وبعلي مبتدأ ثانٍ، وشيخٌ خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول.

"وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: هَذَا حُلْوٌ حَامِضٌ. وَقِيلَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةٍ. وَقِيلَ: ابْنُ مِائَةٍ فَكَانَ يَزِيدُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّهَا عَرَّضَتْ بِقَوْلِهَا: وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا أَيْ عَنْ تَرْكِ غِشْيَانِهِ لَهَا . وَسَارَةُ هَذِهِ امْرَأَةُ إِبْرَاهِيمَ بِنْتُ هَارَانَ بْنِ نَاحُورَ بْنِ شَارُوعَ بْنِ أَرْغُو بْنِ فَالِغَ، وَهِيَ بِنْتُ عَمِّ إِبْرَاهِيمَ .{إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72] أَيِ الَّذِي بَشَّرْتُمُونِي بِهِ لَشَيْءٌ عَجِيبٌ" .

التعريض في مثل هذا يستحسن، هي ما تصرح أنه لا يطأها، أو لا يعاشرها، كما قالت امرأة عبد الله تمدحه بالصيام والقيام، وأنه لا يؤوي إلى الفراش، هي لا تذمه بالعبادة، وإنما هي تطالب بحقوقها، وليس قصدها ذم العبادة، وذمه أنه رجل صالح، لا، هي تعرض بحقوقها؛ لأنه إذا كان يصوم ولا يفطر، ويقوم ولا ينام، فما معنى هذا؟ أنها ليس لها منه نصيب، فهي تطالب بحقوقها، فعرضت بعبادته لا ذمًّا للعبادة، وهنا ليس ذمًّا للشيخوخة، وإنما هي تبين لهم أنه ليس أهلاً للغشيان، لغشيانها، بل هو كبير السن شيخٌ كبير.

"قَوْلُهُ تَعَالَى : {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 73] فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ :

الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } [هود: 73] لَمَّا قَالَتْ : {وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} [هود: 72] وَتَعَجَّبَتْ، أَنْكَرَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهَا تَعَجُّبَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، أَيْ مِنْ قَضَائِهِ. وَقَدَرِهِ، أَيْ لَا عَجَبَ مِنْ أَنْ يَرْزُقَكُمَا اللَّهُ الْوَلَدَ، وَهُوَ إِسْحَاقُ . وَبِهَذِهِ الْآيَةِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنَّهُ أَسَنُّ مِنْ إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهَا بُشِّرَتْ بِأَنَّ إِسْحَاقَ يَعِيشُ حَتَّى يُولَدَ لَهُ يَعْقُوبُ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي هَذَا، وَبَيَانُهُ فِي "الصَّافَّاتِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ."

نعم مع الخلاف في المسألة، وأن الذبيح إسماعيل أو إسحاق، على أن جمعًا من المفسرين لاسيما الكبار منهم الطبري والقرطبي وغيرهما، يميلون إلى أنه إسحاق، وجمهور أهل العلم على أنه إسماعيل، والأدلة متضافرة على أنه إسماعيل، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.

"الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: "رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ" مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ "عَلَيْكُمْ". وَحَكَى سِيبَوَيْهِ عَلَيْكِمْ بِكَسْرِ الْكَافِ؛ لِمُجَاوَرَتِهَا الْيَاءَ. وَهَلْ هُوَ خَبَرٌ أَوْ دُعَاءٌ؟ وَكَوْنُهُ إِخْبَارًا أَشْرَفُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ لَهُمُ، الْمَعْنَى: أَوْصَلَ اللَّهُ لَكُمْ رَحْمَتَهُ وَبَرَكَاتِهِ أَهْلَ الْبَيْتِ. وَكَوْنُهُ دُعَاءً إِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمْرٌ يُتَرَجَّى وَلَمْ يَتَحَصَّلْ بَعْدُ".

نعم الخبر ما فيه شك أنه أقوى وأدل على المقصود من كونه دعاء؛ لأن الدعاء قد يتحقق، وقد لا يتحقق، وكونه خبرًا يدل على أنه أمرٌ واقع مفروغ منه.

طالب:.........

نعم.

طالب:.........

قطعًا دعاء، ولا يحتمل الخبرية.

طالب:.........

أين؟

طالب:.........

لا، لا يحتمل أن يكون خبرًا؛ لأن الذي يخبر لا يدري عن الواقع، لا يدري عما مضى ولا يدري عن المستقبل من باب أولى.

طالب:.........

ما يتصور أن يكون خبرًا.

"نُصِبَ "أَهْلَ الْبَيْتِ" عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَهَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْه. وَقِيلَ: عَلَى النِّدَاءِ ."

يعني يا أهل البيت، ونصبه على أختصاص ظاهر؛ لأن أهل البيت مخصصون بهذا، إذا قلت: نحن الموقعين أدناه، فنصبه على الاختصاص، يعني أخص الموقعين هنا.

"الثَّالِثَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ تُعْطِي أَنَّ زَوْجَةَ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ أَزْوَاجَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ، فَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَغَيْرُهَا مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ : {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] وَسَيَأْتِي". 

نعم بهذا يرد على من يقدح فيها ويتولى أهل البيت، هي من أهل البيت من خواص أهل البيت.

"الرَّابِعَةُ: وَدَلَّتِ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مُنْتَهَى السَّلَامِ وَبَرَكَاتِهِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ صَالِحِي عِبَادِهِ :{رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} [هود: 73] . وَالْبَرَكَةُ النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ، وَمِنْ تِلْكَ الْبَرَكَاتِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ كَانُوا فِي وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ زَادَ شَيْئًا مَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ- وَهُوَ يَوْمئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ- : مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاكَ، فَعَرَّفُوهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: (إِنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ). وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: «دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي عُصْبَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ عِشْرُونَ لِي وَعَشَرَةٌ لَكَ. قَالَ: وَدَخَلْتُ الثَّانِيَةَ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَقَالَ: (وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثَلَاثُونَ لِي وَعِشْرُونَ لَكَ). فَدَخَلْتُ الثَّالِثَةَ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ: فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثَلَاثُونَ لِي وَثَلَاثُونَ لَكَ أَنَا وَأَنْتَ فِي السَّلَامِ سَوَاءٌ »". 

نعم محفوظ أنهم ثلاثة، الذين دخلوا، الأول دخل وقال: السلام عليكم فقال: عشر، الثاني قال: السلام عليكم ورحمة الله، قال: عشرون، الثالث قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال: ثلاثون، ولا زيادة على ذلك، وإن جاء في بعض الأخبار: ومغفرته، ومغفرته هذه اللفظة صححها بعضهم، لكن المعروف عند الأكثر انتهاء السلام ببركاته.

"{إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 73] أَيْ مَحْمُودٌ مَاجِدٌ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي "الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى".

نعم له كتاب في شرح الأسماء الحسنى، كتابٌ مبسوط فيه فوائد غزيرة، نقل منه في التفسير كثيرًا، ما أدري هل طبع أخيرًا أو ما طبع، طبع؟ ما تدرون يا أخوان؟ له كتاب في الأسماء الحسنى.

"قَوْلُهُ تَعَالَى:  {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ} [هود: 74] أَيِ الْخَوْفُ، يُقَالُ: ارْتَاعَ مِنْ كَذَا إِذَا خَافَ، قَالَ النَّابِغَةُ:  

فَارْتَاعَ مِنْ صَوْتِ كَلَّابٍ فَبَاتَ لَهُ               طَوْعَ الشَّوَامِتِ مِنْ خَوْفٍ وَمِنْ صَرَدِ

وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى أَيْ بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ" .

وارتاع من صوت كلاب، الذي يزجر الكلاب، فبات له طوع الشوامت، طائعًا خائفًا وجلاً من شدة ما اعتراه من الخوف من الصرد، من البرد الشديد.

"وَقَالَ قَتَادَةُ : بَشَّرُوهُ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَتَوْا بِالْعَذَابِ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ، وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ .

" يُجَادِلُنَا" أَيْ يُجَادِلُ رُسُلَنَا، وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا بِأَمْرِهِ. وَهَذِهِ الْمُجَادَلَةُ رَوَاهَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ جُنْدُبٍ عَنْ حُذَيْفَةَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا: {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31] قَالَ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَتُهْلِكُونَهُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَرْبَعُونَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَثَلَاثُونَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَعِشْرُونَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنْ كَانَ فِيهَا عَشَرَةٌ - أَوْ خَمْسَةٌ "شَكَّ حُمَيْدٌ "قَالُوا: لَا. قَالَ قَتَادَةُ : نَحْوًا مِنْهُ، قَالَ فَقَالَ يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ : قَوْمٌ لَيْسَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا خَيْرَ فِيهِمْ. وَقِيلَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَتُهْلِكُونَهَا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ ذَلِكَ:  {إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ}  [العنكبوت: 32]. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ : كَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ. ابْنُ جُرَيْجٍ.  وَكَانَ فِي قُرَى قَوْمِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفٍ. وَمَذْهَبُ الْأَخْفَشِ وَالْكِسَائِيِّ أَنْ يُجَادِلَنَا" فِي مَوْضِعِ "جَادَلَنَا". قَالَ النَّحَّاسُ : لَمَّا كَانَ، جَوَاب لَمَّا يَجِبْ أَنْ يَكُونَ بِالْمَاضِي جُعِلَ الْمُسْتَقْبَلُ مَكَانَهُ، كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَجُعِلَ الْمَاضِي مَكَانَهُ".

فلما ذهب، لما شرطية، ذهب فعل الشرط ماضٍ، والأصل أن فعل الشرط مضارع، مستقبل، ثم بعد ذلك يجادلنا، جواب الشرط مضارع على الأصل، لكن إذا كان الشرط ماضيًا والجواب مضارع فإنه لا يجزم؛ لأن في الغالب الجواب تابع للشرط، فلما جاء الشرط ماضيًا، والماضي معروف أنه لا يجزم بل يبنى على الفتح رفع المضارع ولم يجزم.

"وَفِيهِ جَوَابٌ آخَرُ: أَنْ يَكُونَ "يُجَادِلُنَا" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ أَقْبَلَ يُجَادِلُنَا، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ .{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} تَقَدَّمَ فِي "بَرَاءَةٌ" مَعْنَى "لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ" وَالْمُنِيبُ الرَّاجِعُ، يُقَالُ: أَنَابَ إِذَا رَجَعَ . وَإِبْرَاهِيمُصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا. وَقِيلَ: الْأَوَّاهُ الْمُتَأَوِّهُ أَسَفًا عَلَى مَا قَدْ فَاتَ قَوْمَ لُوطٍ مِنَ الْإِيمَانِ ."

نعم هذا الأواه، فالذي يتأوه، ويتأفف من كثرة ذنوبه ومعاصيه وتقصيره في جنب الله، وإن كان هو في الحقيقة محسنًا، مسابقًا، ومسارعًا.