شرح الموطأ – كتاب صفة النبي صلى الله عليه وسلم (2)

عنوان الدرس: 
شرح الموطأ – كتاب صفة النبي صلى الله عليه وسلم (2)
عنوان السلسلة: 
شرح الموطأ
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 12/ ذو الحجة/ 1435 7:00 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام مالك -رحمه الله تعالى-:

باب ما جاء في معى الكافر:

حدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يأكل المسلم في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)).

وحدثني عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضافه ضيف كافر، فأمر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة، فحلبت فشرب حلابها، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة فحلبت، فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((المؤمن يشرب في معى واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء)).

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،

أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب ما جاء في معى الكافر:

والمعى: واحد الأمعاء، والأمعاء كما هو معروف هي المصارين، واحدها مصير، وهي معروفة لا تحتاج إلى تعريف، ومنها على ما يقسمه الأطباء الدقيقة والغليظة، المقصود أن ما جاء في معى الكافر وسعته، أو في سعته وضيقه بالنسبة للمسلم، والكافر في الغالب أنه شره في أمور دنياه، يستكثر منها من غير رقابة، ولا اهتمام لشأن الآخرة، فيستكثر من هذه الدنيا؛ لأنه ليس له في الآخرة من خلاق، بينما المؤمن يدخر نعيمه ولذته في الآخرة، كما جاء في الحديث الصحيح: ((الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر)) فالكافر يستكثر منها بقدر إمكانه، ولذا نجد من يلهث على هذه الدنيا، ويحرص على جمعها وكنزها، ولا ينفقها في سبيل الله، فيه شبه من هؤلاء، بينما الذي يعرف، ما جاء عن الله وعن رسوله في حقيقة هذه الدنيا، وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، يأخذ منها بقدر البلغة، ما يبلغه، ويعنيه على تحقيق الهدف الذي من أجله خلق، وذلكم أن الكافر حينما يأكل بنهم، ويشرب بنهم، لا يدرك ما وراءه، ولا يعمل لما أمامه بخلاف المسلم فإنه يأكل مقتصداً في أكله، ويشرب مقتصداً في شربه؛ لأن كثرة الأكل، وكثرة الشرب لها آثارها على أمور دينه، وعلى أمور دنياه، فإن من أكل كثيراً نام كثيراً، ومن نام كثيراً غفل كثيراً عما خلق له، وهذا –أعني فضول الطعام- كفضول النوم، كفضول الكلام، فضول الخلطة، فضول، جميع الفضول تجد المؤمن الحريص على أمر دينه، تجده يتقلل منها بقدر الإمكان.

وهذه الفضول هي منافذ الشيطان إلى القلب، فمن حفظها وراقبها لا شك أنه يسلم من كثير من خطرات الشيطان ووساوسه، فيتجه إلى آخرته، وما خلق من أجله.

قال -رحمه الله-:

"حدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يأكل المسلم في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء))" لأنه قد يقول قائل مثلاً: إذا جئنا بأمعاء مسلم، وأمعاء كافر ما نجدها في الحجم متفاوتة، نجدها متساوية، إلا أن الأمعاء مع كثرة الأكل، ومع كثرة الشرب تتمدد وتكبر وتنتفخ، ويتبع ذلك البطن يكبر، لكثرة ما في جوفه ووسطه، وإلا فالأصل أن الخلقة هنا، والخلقة هناك ما تختلف، وعلى كل حال سبب ذلك كله الشره والتعلق بهذه الدنيا، وأما المسلم فإنه يلتفت لما أمامه، ويتقلل منها بقدر الإمكان، ومع ذلك إذا تقلل منها، وفطم نفسه عن الزيادة على القدر الكافي فإنه يجد نفسه تعاف ما زاد على ذلك؛ لأنه مرن نفسه على ذلك، ولذا جاء قوله: ((يأكل المسلم في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)) وتوضيحه في مسلم، هذا الحديث متفق عليه في الصحيحين.

توضيحه في الحديث الذي يليه:

"حدثني عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضافه ضيف" يعني نزل به ضيف كافر، الضيافة مطلوبة لكل أحد، لا سيما الغريب، الذي ليس له من يؤويه، ولو كان كافراً، لا سيما إذا كان هذا من باب التأليف، إذا اقترن ذلك بتأليفه وتيسير دعوته إلى الإسلام، فإنه يؤجر على هذه الضيافة، وإلا فالأصل أن الكافر لا يخلو إما أن يكون حربياً فهذا ليس له حق في ضيافة ولا غيرها، بل هو بصدد أن يقتل، وإن كان معاهداً فله من الحقوق ما كفلها له الشرع.

"ضافه ضيف كافر فأمر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة" كل كبد رطب فيها أجر، والمرأة البغي دخلت الجنة بسبب كلب سقته.

"فأمر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة فحلبت فشرب حلابها" الحليب، الحليب الذي حلب من هذه الشاه شربه "ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه حتى شرب حلاب سبع شياه" يعني ناتج سبع شياه، حليب سبع شياه، ولا شك أن مثل هذه الشياه تتفاوت، فمنها ما حلابها كثير، ومنها ما حلابها قليل، لكن العبرة بالمتوسط.

"ثم إنه أصبح فأسلم" ولا شك أن التعامل مع هؤلاء يجدي، فإذا رجي إسلامه يكرم "ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة فحلبت، فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها" وهذا من بركة هذا الدين؛ لأن شربه حلاب سبع شياه لا شك أنه سببه ما تقدم من أنه لا خلاق له في الآخرة، فهو يحرص على أن يستكثر من هذه الدنيا، التي هي في الحقيقة جنته، وهي رأس ماله، ومع ذلكم يستمر النهم فيه حتى يسع بطنه وأمعاءه هذه الأمور، والمسلم بصدد الانتباه إلى ما خلق من أجله، فتجده يعان على ذلك ويقتصد في أمره، ويعان على هذا الاقتصاد، ويبارك له فيما يقتصر عليه، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((المؤمن يشرب في معى واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء)).

نجد في الواقع أن من المسلمين من يأكل أضعاف أضعاف ما يأكله غيره، ووجد الآن في المطاعم عروض، من أكل عدد كذا من الصحون، أو عدد كذا من السندوتشات، أو عدد كذا، يعرضون إلى عشرين ثلاثين، هل هذا ينطبق على خلق المسلم المشار إليه في هذا الحديث؟ لا والله ما ينطبق على خلق المسلم، ولا ينبغي أن يكون المسلم على هذه الحالة إطلاقاً، بل هذا معرض نفسه للضرر، وهو آثم بفعله هذا، وعلى غير طريقة المسلمين، لكن الحديث كأن فيه التوجيه إلى الاقتصاد في الأكل والشرب، نعم؟

طالب:......

معىً.

طالب:......

لا، معىً واحد، نعم؟

طالب:......

{فَبِأَيِّ آلَاء} [(55) سورة النجم]؟ الآلاء على وزن أفعال، واحدها إلىً مثل معىً، نعم؟

طالب:......

كيف يمنع من الصرف؟ لإيش؟

طالب:......

مثل فتىً، نعم مثل فتىً، نعم؟

طالب:......

لا، المسألة يعني سبعة أضعاف.

طالب: يعني يأكل كما يأكل سبعة من المسلمين؟

نعم إيه، ولذلك انظر حاله لما أسلم تغير، نعم.

أحسن الله إليك.

باب النهي عن الشراب في آنية الفضة والنفخ في الشراب:

حدثني عن مالك عن نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنهم- عن أم سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)).

وحدثني عن مالك عن أيوب بن حبيب مولى سعد بن أبي وقاص عن أبي المثنى الجهني أنه قال: كنت عند مروان بن الحكم فدخل عليه أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- فقال له مروان بن الحكم: أسمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن النفخ في الشراب؟ فقال له أبو سعيد -رضي الله عنه-: نعم، فقال له رجل: يا رسول الله إني لا أروى من نفس واحد، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((فأبن القدح عن فاك ثم تنفس)) قال: فإني أرى القذاة فيه، قال: ((فأهرقها)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب النهي عن الشراب في آنية الفضة والنفخ في الشراب:

قال: "حدثني عن مالك عن نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أم سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم))" وجاء أيضاً: ((الذي يشرب في آنية الذهب والفضة)) في حديث حذيفة التنصيص على الذهب والفضة، وأنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة، فالأكل والشرب في آنية الذهب والفضة حرام لا يجوز لا للرجال ولا للنساء، والذي يشرب فيهما إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، إنما يجرجر أي: يحدر في بطنه نارَ جهنم، أو يجرجر في بطنه نارُ جهنم، يعني نار جهنم تتجرجر في بطنه، وضبطت بالضبطين، إما مفعول أو فاعل، وعلى كل حال التحريم ثابت، والحكم بالنسبة للأكل والشرب أمر يكاد يكون متفقاً عليه بين أهل العلم، ودليله صحيح صريح، والخلاف في الاستعمال في غير الأكل والشرب مجرد الاتخاذ، أو مجرد الاستعمال في غير الأكل والشرب.

فالجمهور على أنه يحرم اتخاذ الذهب والفضة واستعمالهما في الأكل والشرب وغيرهما، وإن كان الترخيص في الفضة جاء فيه التوسعة أكثر من الذهب.

على كل حال استعمال الذهب والفضة بالنسبة للرجال حرام على ذكور أمتي كالحرير، حل لإناثها بالنسبة للحلية، وأما ما عدا ذلك فيستوي فيه الرجال والنساء.

وكونها لهم في الدنيا يعني الكفار لا يعني أنها حلال لهم، وإنما هم الذين يتمتعون بها من غير تردد، فالكافر لا يتردد في استعمال ما حرم الله -جل وعلا-، والمسلم هو الذي يتوقف عند أمر الله، وعند نهيه، وعند أمر رسوله -عليه الصلاة والسلام- ونهيه، ولا يعني هذا أنها حلالاً لهم؛ لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة، وعند جماهير أهل العلم الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وهذا منها، وقوله: فإنها لهم، لا يعني أنها حلال لهم، بل يعاقبون عليها في الآخرة، في قول الجمهور خلافاً للحنفية الذين يرون أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، وحجتهم أنهم لا يطالبون بها حال كفرهم، ولا يطالبون بقضائها إذا أسلموا، فما معنى التكليف؟ الجمهور يرون أن التكليف إنما هو من أجل زيادة عذابهم عليها في الآخرة، هذه فائدة الخلاف.

((فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)) الاتخاذ والاستعمال أعم من أن يكون في الأكل والشرب، والجمهور طردوا ما جاء في هذا الحديث في جميع أنواع الاستعمال، في غير الأكل والشرب؛ لأنه إذا منع من الأكل والشرب والحاجة داعية إلى ذلك فالمنع من غيره من باب أولى، يعني مجرد اتخاذه زينة ليست له فائدة، ولا تدعو الحاجة إلى ذلك، أو استعماله في أمور أخرى، كساعة ذهب، أو قلم ذهب، أو ما أشبه ذلك كل هذا لا يجوز بحال.

طالب:......

ولا مجرد الاتخاذ؛ لأن هذا كنز، هذا سرف وخيلاء، نعم؟

طالب:......

إيه، ثم ماذا؟

طالب:......

يعني كنز أو زينة؟

طالب:......

هذا كنز، هذا إذا أديت زكاته فليس بكنز.

طالب:......

هذا رصيد هذا، هذا في حكم الرصيد، فإذا أديت زكاته فليس بكنز.

طالب:......

لا، ما يجوز.

طالب:......

إيه.

طالب:......

لكن هذه الساعة هل حكمها حكم الحلية وإلا لا؟ يعني مما يتحلى به؟ فنقول: مما يجوز لبسه للنساء؟ وننظر في حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- لما جاءت الحلل إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، الحلة السيراء التي تقدمت، فأعطى منها عمر، فقال: كيف تعطيني منها، وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟ مثله، فإذا كانت مما يستفاد منه على غير هذه الحالة أو يباع فيستفاد من ثمنه على غير الوجه المحرم لا مانع، إذا أهديت تبيعها، لا سيما إذا كان يستفاد منها على غير الوجه المحرم، عمر -رضي الله تعالى عنه- لما أعطي هذه الحلة كساها أخاً له مشركاً بمكة هذا تقدم، ولا يعني هذا أنها تباح لهذا الأخ المشرك، لكن يبيعها، ويستفيد من ثمنها، ويكسوها امرأته، أو يكسوها ابنته، مما يجوز له أن يتخذها.

طالب: إن كانت لا تصلح للنساء؟

إن كانت لا تصلح إلا على هذه الحالة، يعني نفترض إنه شماغ حرير هذا لا يصلح للنساء، ولا يجوز لبسه للرجال، ماذا يصنع به؟ يعني مثلما قالوا في مسائل في..، حرم الله الأصنام مثلاً، لا يجوز بيعها، لكن إذا كسرت واستفيد منها، لو افترضنا أنه صنم ذهب فكسر وبيع على أساس أنه ذهب خام، أو ما أشبه ذلك، غير مصوغ أو صيغ فبيع مصوغاً ما في إشكال، إذا كان يستعمل على وجه مباح ما في إشكال، أما إذا كان استعماله على وجه واحد وهو محرم فلا، نعم؟

طالب:......

هذا كلام أهل العلم معروف يعني، منهم من يقول: إن النص خاص بالذهب والفضة، فلا يتعداه إلى غيره، ويقولون: إن الفقراء الذين تتعلق نفوسهم بهذه الأموال لا يعرفون غير الذهب والفضة، فلا يتأثرون بغيرهما، ومنهم من يقول: إذا منع الذهب والفضة فمنع ما فوقهما من باب أولى؛ لأن هناك من المعادن ما هو أغلى من الذهب والفضة، فيكون من باب قياس الأولى، وعلى كل حال الإسراف والتبذير ممنوع من أصله، من أي مادة كان.

طالب:......

الذهب الأبيض، الصاغة يقولون: إن حقيقته ذهب، اللون يمكن أن يغير من أصفر إلى أبيض والعكس، فهو مثله.

طالب:......

على كل حال إذا كان يتحلل منه ذهب فلا يجوز استعماله البتة، نعم؟

طالب:......

من؟

طالب: أم سلمة.

أم سلمة الذي وضعت فيه الشعر، نعم؟

طالب:......

ذكرت أصل المسألة والخلاف فيها، من يقول -وهم جمهور أهل العلم-: إنه لا يجوز الاتخاذ، ولا يجوز سائر الاستعمالات مجرد الاتخاذ لا يجوز، لماذا؟ لأنك تبقي شيء يحجز مالاً، وقد منعت من استعماله، فمنعك من استعماله فيما قد تدعو إليه الحاجة دليل على منعك من مجرد الاتخاذ أو الاستعمال فيما لا تدعو إليه الحاجة، هذا كلام الجمهور، من أهل العلم من يرى أن النهي خاص بالأكل والشرب، وما عدا ذلك ما فيه إشكال، ولا شك أن الاتخاذ من هذه المعادن الثمينة الغالية لا شك أنه فيه ما فيه، فيه سرف، فيه خيلاء، وفيه أنه حلية أهل الجنة، وفيه التضييق على النقدين، العلل كلها موجودة التي يذكرها أهل العلم، ولا شك أن المتحري الحريص على دينه وإبراء ذمته لا يفعل مثل هذه الأمور.

يقول: "وحدثني عن مالك عن أيوب بن حبيب مولى سعد بن أبي وقاص عن أبي المثنى الجهني أنه قال: كنت عند مروان بن الحكم فدخل عليه أبو سعيد الخدري فقال له مروان بن الحكم: أسمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن النفخ في الشراب؟" يعني من آداب الشرب "نهى عن النفخ في الشراب، فقال له أبو سعيد: نعم" نهى عن النفخ في الشراب، لماذا؟ لأنه قد يخرج منه شيء يقذره عليه وعلى من بعده ممن يريد الشرب بعده.

"قال: نعم، فقال له رجل: يا رسول الله إني لا أروى من نفس واحد" يقول: أحتاج إلى أن أتنفس "فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((فأبن القدح عن فيك ثم تنفس))" أبعده عنك يميناً وإلا شمالاً ثم تنفس، "قال: فإني أرى القذاة فيه، قال: ((فأهرقها))" يجد القطعة من الشيء الذي سقطت في هذا الشراب هذه تهراق، ولا يلزم شربها، تهراق وما حولها، عندنا تنفس وعندنا نفخ، طعام حار يحتاج إلى تبريد، ولا يبرد إلا إذا نفخ فهل نقول: إن التنفس شيء، والنفخ شيء آخر؟ أو نقول: إن النفخ من التنفس باعتبار أن كلاً منهما يخرج من الفم؟

طالب:......

واحد، واحد يعني النفخ من المعدة يخرج أو من الفم؟

طالب:......

لا، انتبه، التنفس لا شك أنه يخرج من المعدة، ولذلك رائحته كريهة، أما مجرد النفخ الذي من الفم فما دون فيختلف اختلافاً كبيراً، لو تأملت ونظرت بدقة لوجدت الفرق أن النفخ يختلف عن التنفس، ففرق بين الإنسان يتنفس في وجه آخر، أو ينفخ عليه، افترض أن في يدك حرق ومر وقال: أف، نفخ عليه، وبرد وإلا شيء من هذا، هذا ما تحس فيه بأدنى رائحة؛ لأنه لا يخرج من الجوف من المعدة، بينما لو أرسلت النفس على طبيعته من فمك أو أنفك لا شك أن الرائحة قبيحة، فتحتاج إلى دقة تأمل، لو جربت وجدت، نعم؟

طالب:......

كيف؟

طالب:......

لا.

طالب:......

لا، لا هذا رائحته كريهة، وقد يخرج معه شيء يقذر الطعام من المعدة، أو من جوف الأنف، أو من داخل الأنف قد يخرج شيء.

طالب:......

لا، لا النفخ لو تأملته ما وجدت فيه هذه الرائحة التي تخرج من المعدة، تأمل أنت، فعندي أن النفخ يختلف اختلافاً جذرياً عن التنفس، وقد يحتاج إلى النفخ لحرارة الطعام، بينما التنفس لا يحتاج إليه البتة؛ لأنه لا يبرد الطعام التنفس، نعم؟

طالب:......

كيف؟

طالب:......

نهى عن النفخ الذي هو بمعنى التنفس، ولذلك قال: فإني لا أروى من نفس واحد، قال: ((فأبن القدح عن فيك ثم تنفس)) لكن أنت أنت، تأمل المعنى، أنت لو احتجت في إناء ماء حار وإلا..، تتوقف في نفخه حتى يبرد، وهل يتوقع أن يخرج من فمك شيء للنفخ؟ أما بالنسبة للتنفس هذا قبيح، وهذا لا شك أنه يقذر.

طالب:......

لا، يخرج رائحة قبيحة تؤثر في الماء، تؤثر في السائل.

طالب:......

والله إذا كان في باقي طعام وقذره أخذ العلة، أخذ الحكم.

طالب:......

لا، لا ما يصير من باب أولى؛ لأن الرائحة تختلف، وجرب وترى، تجد العجب الفرق بينهما، نعم؟

طالب:......

هو ما يحمل معنى التنفس بدليل ((فأبن القدح عن فيك ثم تنفس)) ولذلك النفث على المريض هل يتقذر المريض من..؟ هل تخر الرائحة أثناء النفخ؟ ما تخرج، والرقية في الماء، هل نقول: هذا تنفس؟ ليس تنفس أبداً، النفخ والنفث يختلفان عن التنفس، وجرب وتجد.

طالب:......

لا، لا مما يأخذه الفم من الهوى النفخ، إذا فتحت فمك دخل الهواء ثم أخرجته، ما يخرج من أقصى الحلق أبداً، نعم؟

طالب:......

إذاً نمنع النفث على الناس والنفخ عليهم إطلاقاً؛ لأن هذا كله يدخل في هذا من النفس، لا من نفخه، لو نفخ ما طلع شيء، النفخ يخرج بإخراج الهواء الذي دخل من خارج الفم إليه ثم يخرج، بينما التنفس يخرج من داخل، ولذلك ما في أحد ينفخ من أنفه، إنما يتنفس من أنفه، وفرق بين الأمرين، ولو قلنا: بأن النفخ هو التنفس لمنعنا النفث على المريض، النفث على أي مادة من المواد، لقلنا: هذا تنفس في الإناء، ومن تأمل وجد الفرق، نعم؟

طالب:......

الرائحة قبيحة من التنفس، وتؤثر في الماء، تنتقل إلى الماء تؤثر فيه.

طالب:......

لأجل تقذير الماء.

طالب:......

لا، النفخ ما يؤثر في الماء، النفخ...

طالب:......

كيف؟

طالب:......

أيوه.

طالب:......

طيب، هم يقولون... -اصبر، اسمع- هم يقولون..، الأطباء يقولون: مليم واحد من اللعاب فيه ما أدري كم مليون مكروب، صح يقولون هذا، وين جاء التعامل مع الزوجة، ومعاشرة الزوجة؟ ويش يصير هذا أجل؟ ويش يصير هذا؟ يعني نمنع التعامل العشرة بين الزوجين لأجل ها المكروبات أجل هذه، يعني ما وجد نصوص تدل على هذا في العشرة بين الزوجين؟

طالب:......

خلاص يا أخي انتهينا.

طالب:......

لا، لا الفرق واضح، واضح الفرق مثل الشمس.

سم.

طالب:......

يعني لا لقصد الزينة ولا الحلية.

طالب:......

ويخلعه مباشرة؟

طالب:......

على كل حال مثل هذا لا يقصد به اللبس، نعم.

باب ما جاء في شرب الرجل وهو قائم:

حدثني عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما- كانوا يشربون قياماً.

وحدثني عن مالك عن ابن شهاب أن عائشة أم المؤمنين وسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم بأساً.

وحدثني مالك عن أبي جعفر القارئ أنه قال: "رأيت عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يشرب قائماً".

وحدثني عن مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه -رضي الله عنه- أنه كان يشرب قائماً.

يقول -رحمه الله-:

باب ما جاء في شرب الرجل وهو قائم:

ثبت النهي عن الشرب قائماً، وثبت أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: ((من شرب قائماً فليقئ)) هذا ثابت ما فيه إشكال، ثم بعد ذلك ثبت عنه أنه شرب من ماء زمزم وهو قائم، وشرب من شن معلق وهو قائم، فالذي يقول: إن هذا نسخ للنهي السابق لا إشكال في هذا، والذي يقول: إنه شرب من ماء زمزم؛ لأن الأرض غير مناسبة للجلوس، فيطرد هذا فيما إذا كان المكان لا يناسب الجلوس، ويبقى النهي على حاله، ومن أهل العلم من يرى أن الشرب قائماً خاص بماء زمزم دون ما عداه من...، فتبقى على المنع، وعلى كل حال وجود مثل هذه الصوارف من شربه -عليه الصلاة والسلام- من الشن المعلق، أو من ماء زمزم، إما أن يقال: إنها نواسخ، رفع للحكم بالكلية، أو يقال: إنه رفع جزئي، بمعنى أنها صوارف من التحريم إلى الكراهة، وفعله -عليه الصلاة والسلام- ذلك لبيان الجواز، وهما مسلكان لأهل العلم، منهم من يقول: إن الشرب قائماً مكروه، الأصل فيه التحريم، لكنه صرف بمثل هذه النصوص، ومنهم من يقول: إن الحكم نسخ.

وعلى كل حال أن الشرب من جلوس أفضل وأمرأ وأهنأ، لكن يبقى أن الصحابة فعلوا ذلك بعده -عليه الصلاة والسلام- مما يدل على أنهم فهموا أن النهي منسوخ.

والإمام مالك كثيراً ما يعتمد على الموقوفات من أفعال الصحابة، ويترك المرفوع؛ لأن المرفوع لا يخفى على طالب العلم، ويبقى الموقوف للدلالة على أن الأمر استمر بعده -عليه الصلاة والسلام-.

فيقول: "حدثني عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان كانوا يشربون قياماً" هل يتصور من هؤلاء أنهم يخالفون النصوص الصحيحة الصريحة في النهي عن شرب القائم؟ لكن فهموا أنه نسخ، كان نهي ثم نسخ.

ثم قال: "وحدثني عن مالك عن ابن شهاب أن عائشة أم المؤمنين وسعد بن أبي وقاص كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم بأساً" كسابقه.

قال: "وحدثني مالك عن أبي جعفر القارئ أنه قال: "رأيت عبد الله بن عمر يشرب قائماً" لأنه رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- يشرب قائماً.

ثم بعد ذلك قال: "وحدثني عن مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه كان يشرب قائماً" كل هذا للدلالة على أن الأمر استمر بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- فهم فهموا أن النهي منسوخ، نعم؟

طالب:......

إيه كلها موصولة، هذه من الأحاديث الموصولة.

طالب: النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((من شرب قائماً فليقئ)).

فليقئ هذا في أول الأمر لما كان محرماً، نعم؟

طالب:......

ينهض، إما أن يكون ناسخاً، أو يكون صارف، الصرف واضح من التحريم إلى الكراهة، ولذلك يقال: الأولى أن يشرب الإنسان جالساً، لكن يبقى مسألة زمزم، زمزم شرب بين الجموع الكثيرة وهو قائم، ممن لم يبلغهم النهي، يعني في حجه -عليه الصلاة والسلام-، ممن لم يبلغهم النهي، فهذا يقوي النسخ كما قيل في نظيره في قطع الخف.

طالب:......

بالقرائن نعم إيه، ولذلك فعله الصحابة -رضوان الله عليهم-، نعم.

باب السنة في الشرب ومناولته عن اليمين:

حدثني عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتي بلبن قد شيب بماء من البئر، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر -رضي الله عنه-، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: ((الأيمن فالأيمن)).

وحدثني عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)) فقال الغلام: لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً، قال: فتله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يده.

يقول -رحمه الله تعالى-:

باب السنة في الشرب ومناولته عن اليمين:

ومناولته عن اليمين، يعني إذا شرب يعطي من عن يمينه، فالسنة أن يبدأ إذا كانوا مترتبين بالكبير، سواءً كان كبير السن، أو كبير القدر، إذا كانوا مرتبين، ثم بعد ذلك من على يمين هذا الكبير، فالتيامن له مدخل في هذا، وكبر كبر، أيضاً له مدخل، فيجمع بينهما بأن يعطى الكبير، ثم من عن يمينه كما أعطي النبي -عليه الصلاة والسلام- القدح، وهو في وسط الجلسة عن يمينه أناس، وعن يساره أناس، بدء به، ثم بعد ذلك من عن يمينه إلى أن ينتهوا، إذا تنازل من عن اليمين، استأذن فأذن لا مانع أن يعطى الذي على الشمال، لكن الأصل أنه إذا أعطي وبدء بالكبير أنه يأخذه من عن يمينه، والحادثتان في حديثي الباب صغير الذي على اليمين، غلام، ابن عباس، وعن اليسار أبو بكر وعمر، وفي القصة الأخرى أعرابي، والذي على اليسار أبو بكر وعمر -رضي الله عنهم-، ومع ذلك قدم الغلام وقدم الأعرابي على أبي بكر وعمر؛ لأن اليمين لها مدخل في التقديم.

قال: "حدثني عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتي بلبن قد شيب بماء من البئر" وجاء مدح شوب اللبن بالماء للاستعمال لا للبيع، أما البيع فلا؛ لأنه غش "وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق، فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: ((الأيمن فالأيمن))" الأيمن هو الذي له نصيب، هو المقدم على غيره، وإن كان بعضهم ينازع في مثل هذه الصور، ويفرق بين المنفصل والمتصل، ويفرق بين يمين الشارب ويمين المعطي، لكن الصورة ظاهرة إذا ترتبوا وقدم الأكبر، كما قدم النبي -عليه الصلاة والسلام- سواءً كان الكبر هذا في السن، أو في القدر، فالبقية من عن يمينه، هذا ظاهر الصورة، يعني التي لا تحتمل غير هذا، أما أن نعطي الكبير ثم بعد ذلك من عن يمين الساقي عكسنا تماماً، يعني أعطينا أبو بكر وتركنا الأعرابي، لو فعلنا هذا، وأعطينا يمين الساقي كأننا أعطينا أبا بكر في الصورة الموجودة عندنا، وتركنا الذي على اليمين.

طالب:......

ولو كان يدور، الحكم واحد، ما دام أعطي هذا يعطى من على يمينه.

طالب:......

من يسار النبي -عليه الصلاة والسلام-.

طالب:......

ما عليك من الساقي، الساقي أعطى الكبير، أعطى النبي -عليه الصلاة والسلام-، الباقي عن يمينه، خلاص انتهى، انحلت المسألة، يعني لو أن الساقي شرب هو قبل الناس يعطي من عن يمينه، نعم؟

طالب:......

نفس الشيء، الحكم واحد، الساقي ما له علاقة، يعطى الكبير، ثم من عن يمينه، يمشي هذا في الحديثين كليهما.

طالب:......

عن يمينه، يبدأ باليمين؛ لأنها هي الأصل، نعم؟

طالب:......

وإلا لو قدم الكبير "كبر كبر" أولى.

قال: "وحدثني عن مالك عن أبي حازم بن دينار -يعني سلمة بن دينار- عن سهل بن سعد الأنصاري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ –الكبار- فقال للغلام: ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟))" لا شك أن مثل هذا الاستئذان لجبر خاطر الجميع؛ لأن الصغير لا بد من إذنه؛ لأنه أحق، فيجبر خاطره بالاستئذان، والكبير أيضاً له نصيب في التقديم والأولوية، ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)) وجاء في بعض الطرق أن الصغير ابن عباس "فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحداً، قال: فتله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يده" يعني وضعه في يده، ألقاه في يده، واللفظ يدل على أنه بقوة، أعطاه إياه بقوة، فكل هذا يدل على أنه يبدأ بالكبير، ثم من عن يمينه، نعم.

باب جامع ما جاء في الطعام والشراب:

حدثني عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: قال أبو طلحة لأم سليم -رضي الله عنهما-: لقد سمعت صوت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخذت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي، وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فذهبت به فوجدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالساً في المسجد، ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((آرسلك أبو طلحة؟)) قال: فقلت: نعم، قال: ((للطعام؟)) فقلت: نعم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن معه: ((قوموا)) قال: فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس، وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو طلحة معه حتى دخلا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((هلمي يا أم سليم ما عندك؟)) فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ففت، وعصرت عليه أم سليم عكة لها فآدمته، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ((ائذن لعشرة بالدخول)) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرة)) حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلاً، أو ثمانون رجلاً.

وحدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة)).

وحدثني عن مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أغلقوا الباب، وأوكوا السقاء، وأكفئوا الإناء، أو خمروا الإناء، وأطفئوا المصباح، فإن الشيطان لا يفتح غلقاً، ولا يحل وكاءً، ولا يكشف إناءً، وإن الفويسقة تضرم على الناس بيتهم)).

وحدثني عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، وضيافته ثلاثة أيام فما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه)).

وحدثني عن مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((بينما رجل يمشي بطريق إذ اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب وخرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له)) فقالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال: ((في كل ذي كبد رطبة أجر)).

وحدثني عن مالك عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أنه قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثا قبل الساحل فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاث مائة، قال: وأنا فيهم، قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة -رضي الله عنه- بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتناه كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني، ولم تصبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حيث فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة -رضي الله عنه- بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتهما، ولم تصبهما.

قال مالك: الظِرب الجبيل.

الظَرب.

الظَرب الجبيل.

وحدثني عن مالك عن زيد بن أسلم عن عمرو بن سعد بن معاذ عن جدته أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرقاً)).

وحدثني عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((قاتل الله اليهود نهوا عن أكل الشحم فباعوه فأكلوا ثمنه)).

قف على هذا.

طالب:......

نعم؟

والله ما عندي فيه إشكال بخلاف التنفس.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب جامع ما جاء في الطعام والشراب:

الباب الجامع الذي يجمع أحديث في الغالب لا مناسبة بينها ظاهرة، وإنما يجمعها الموضوع العام.

يقول: "حدثني عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأم سليم" أم سليم هي أم أنس، وأبو طلحة علاقته بأم سليم؟ زوجها "لقد سمعت صوت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضعيفاً أعرف فيه الجوع" نعم ينكسر الصوت مع الجوع، ويظهر عليه علامات الحاجة القوية الماسة إلى الطعام، فيعرف الجائع، كما أنه يعرف العطشان، يعرف المجهد، يعرف المريض بضعف صوته.

على كل حال الجائع صوته ضعيف.

"سمعت صوت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟" يعني نطعمه النبي -عليه الصلاة والسلام- لارتفاع هذا الوصف الذي أضعفه "فقالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير" أقراص جمع قرص من الشعير "ثم أخذت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه" ببعض الخمار لفت الخبز، لماذا؟ لئلا يبرد فييبس "فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي، وردتني ببعضه" جعلته رداءً، يعني باقي الخمار جعلته رداء، وضعته على أنس، فإذا كان هذا الخمار –خمارها- بعض هذا الخمار فيه الخبز، وجعلته تحت يده، يعني شيء يسير لم يستوعب الخمار كله، ولا أكثر الخمار، إنما وضعت، لفت الخبز ببعض الخمار، وجعلت باقي الخمار رداء.

"وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فذهبت به" يعني بالخبز "فوجدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالساً في المسجد ومعه الناس" إلى أين ذهب به؟ إلى أين ذهب بالخبز؟ يقول: "وجدت رسول الله جالساً في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((آرسلك أبو طلحة؟)) قال: فقلت: نعم، قال: ((للطعام؟)) قلت: نعم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن معه: ((قوموا)) فانطلق، وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته" إما أن يكون قد جاء بالخبز إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: دعه معك حتى نأكله عند أبي طلحة، أو يكون أوصله إلى أبي طلحة، ثم دعا النبي -عليه الصلاة والسلام-، لكن ظاهر اللفظ يقول: "ثم أرسلتني إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذهبت به -يعني بالخبز- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" فكأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: دعه معك حتى نأكله عند أبي طلحة.

"فوجدت رسول الله جالساً في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم" يعني وقفت عليهم، جالسين هم، أكثر من سبعين أو يزيدون، وقفت عليهم، يعني قمت "فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((آرسلك أبو طلحة؟))" وهذا لا شك أنه من علاماته ودلائل نبوته -عليه الصلاة والسلام- "قال: فقلت: نعم، قال: ((للطعام؟)) فقلت: نعم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن معه: ((قوموا)) قال: فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس" يعني أمر يستغرب في الأمور العادية، يؤتى بسبعين على شان أقراص يسيرة من الشعير يأكلها واحد، طعام شخص واحد يدعى إليه هذا الجمع، محل استغراب في الظروف العادية، لكن من عرف حال النبي -عليه الصلاة والسلام-، وما حصل على يديه من تكثير الطعام ببركة دعائه -عليه الصلاة والسلام- ما يستغرب مثل هذا.

"فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس، وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم" الطعام أقراص الشعير ما اعتبرها شيء "وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم" طيب عندك الأقراص؟ هذه وجودها مثل عدمها، يا الله تكفي واحد، هي صنعت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقط، "وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم" دع الأمر لله، نحن اجتهدنا وبذلنا ما عندنا والباقي على الله -جل وعلا-، الله ورسوله أعلم، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يعرف ظروف أم سليم، يعرف ظروف أبا طلحة، ويعرف أنهم ما عندهم ما يكفي هؤلاء كلهم.

"فقالت: الله ورسوله أعلم، قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو طلحة معه حتى دخلا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((هلمي يا أم سليم))" يعني هاتي ما عندك يا أم سليم "فأتت بذلك الخبز -خبز الشعير- فأمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ففت" إيش معنى فت؟ نعم؟

طالب:......

نعم، التفتيت يعني تقطيع الشيء إلى أجزاء يسيرة، كأنه جرش أو شبه الطحن، المقصود أنه فت، والتفتيت معروف، تفتيت الشيء.

"فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ففت، وعصرت عليه أم سليم عكة لها" معروف العكة إناء من جلد صغير دون القربة فيه السمن أو العسل "فآدمته" يعني صبته عليه "وعصرت عليه أم سليم عكة لها فآدمته" جعلته إداماً يسيغه وإلا فخبز الشعير فيه خشونة، وفيه شيء من اليبس، فلما آدمته وأساغته بهذه العكة وبهذا السمن أو العسل الذي في هذه العكة "ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما شاء الله أن يقول" يعني من الأدعية التي تجلب البركة من الله -جل وعلا- على هذا الطعام اليسير.

"ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ((ائذن لعشرة بالدخول))" هات عشرة، وهو طعام وحد "فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا" يعني والطعام على حاله "ثم قال: ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرة)) حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلاً، أو ثمانون رجلاً".

لماذا ما دعا السبعين أو الثمانين دفعة واحدة؟ المكان لا يستوعب، والأمر الثاني: قد يقول قائل: إنهم إذا اجتمعوا على هذا الشيء اليسير قد يجامل بعضهم، وقد إذا رأى العدد الكبير يجاملون ما يأكلون...، يعني قد يجاملون في مثل هذا، لكن إذا كانوا عشرة، والطعام موجود أكلوا، ولم يجامل بعضهم بعضاً، فكل أكل حاجته حتى شبع، ثم بعد ذلك يدعى غيرهم، والمكان أيضاً لا يستوعب.

قال: "وحدثني عن مالك عن أبي الزناد".

والمعجزة النبوية في مثل هذا ظاهرة، وله نظائر كثيرة في مسائل تكثير الطعام، وتكثير الشراب، اللبن والماء، هذه أدلتها في الصحيحين متضافرة، والحديث متفق عليه، وفي الحديث دلالة على أن الشبع المنهي عنه هو الاستمرار عليه، وأما إذا وجد الجوع ثم شبع الإنسان مرة واحدة، وأرضى نهمته، وكسر سورة الجوع عنه هذا لا شيء فيه، لكن لا يصير ديدنه الشبع، وكذلك استتباع أو دعوة من لم يدع لا سيما إذا كان الطعام يسير فيكاد أن يحرج منه صاحب المنزل إذا كان يعرف المدعو أن مثل هذا لا يحرج صاحب المنزل، لا يوقعه في حرج، مثل هذا يجوز، وبعض من يدعو إذا كان المدعو عزيز عليه فإنه يفرح به، وبمن يأتي به، نعم.

قال: "وحدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة))" لماذا؟ لأن الاجتماع بركة، الاجتماع فيه بركة، اجتماع الناس الزاد فيه بركة، فإذا اجتمع الثلاثة على طعام الاثنين كفاهم، وإذا اجتمع الأربعة على طعام الثلاثة كفاهم وهكذا، ولا شك أن الناس يتفاوتون، والنساء تتفاوت التي تتولى صنع الطعام، منهن من جبلت على الزيادة، ومنهن من جبلت على النقص، فالتي جبلت على الزيادة إذا دعا الزوج عشرة يحتاج إلى أن يقول لها: عندي خمسة، وبعض النساء من جبلت على النقص إذا دعا عشرة قال: عندي عشرين، ومع ذلك المعول على مثل هذا الحديث، والمسألة مسألة التوسط في الأمور، يعني التي تعطي الأمور قدرها، إذا قال: عندي عشرة جاءت بطعام عشرة، طعام العشرة يكفي أكثر من هذا العدد الذين اجتمعوا، كما أن طعام الاثنين يكفي الثلاثة، طعام الثلاثة يكفي الأربعة، فهل نقول بهذه النسب، أو نقول: إن طعام الجماعة يكفي أكثر منهم؟ لأن النسب متفاوتة، إذا قلنا: طعام الاثنين كافي الثلاثة، قلنا: طعام العشرة يكفي خمسة عشر، نعم، وإذا قلنا: طعام الثلاثة كافي الأربعة قلنا: طعام الخمسة عشر يكفي العشرين، النسبة تتفاوت في مثل هذا، فالنسبة في أول الأمر الثلث، والنسبة في ثاني الأمر الربع، أو نقول: إن المقصود من هذا الحديث أن الاجتماع على الطعام بركة، وأما التقدير بدقة ليس بمقصود.

والبركة أيضاً تتفاوت، فقد يكون طعام الخمسة يكفي العشرة، طعام العشرين يكفي الخمسين، وقد يكون طعام الاثنين لا يكفي الثلاثة، لماذا؟ لما يحتف في نفوسهم من عدم التصديق بمثل هذا الخبر، وعلى كل حال لا بد من التصديق والتسليم بما جاء عن الشرع، ثم بعد ذلك فعل الأسباب التي جاء بها الشرع، ثم النتيجة تكون كما في الحديث، لا شك أن المقصود بالطعام الذي يمكن الاجتماع عليه.

طيب قد يقول قائل: إذا كان طعام الثلاثة يكفي الأربعة وهكذا فهل تفريق الطعام مثل اللي يسمونه البوفية المفتوح أفضل وإلا الاجتماع على إناء واحد؟ لا شك أن الواضح في مثل هذا الاجتماع على إناء واحد، والتفريق والتفتيت بمعنى أن كل واحد يغترف من هذا الطعام لا يؤدي معنى الاجتماع الذي جاء به هذا الحديث، ومثل هذا البركة تنزل في أعلى الطعام، في وسط الطعام، فعلى هذا يؤكل من أطرافه؛ لأن البركة تنزل في وسط الطعام، فماذا عن الطعام الذي يكون ليس في وسطه شيء؟ نقول: ما في بركة؟ وينبغي ألا يصنع مثل هذا؟ ما في أطعمة تصنع على هذه الكيفية؟ بعض الكيكات وسطها ما في شيء، حتى بعض الولائم الكبيرة يترك الوسط فاضي، فهل نقول: إن مثل هذا لا ينبغي أن يصنع؛ لأن البركة تنزل في الوسط، والوسط ما في شيء، نعم؟

طالب:......

طيب إذاً نمنع الكيكات المدورة هذه والدونات وغيرها، نعم؟

طالب:......

على كل حال لو جاءت الحاجة، لو مسهم الضر كما مس من قبلهم ما تفننوا مثل هذا التفنن، لكن الله -جل وعلا- حكيم عليم، يوسع ويضيق، والأجر والثواب على قدر الشكر والصبر، والله المستعان.

طالب:......

البقية نعم.

طالب: هل هذا من الاجتماع.....

والله كأنه ما هو باجتماع هذا، اللي يظهر أن الاجتماع على إناء واحد، هذا تفرق.

طالب:......

لا، البركة كما جاء في الحديث الصحيح في وسطه، وجاء النهي عن الأكل من الوسط؛ لأن البركة تنزل في وسطه.

طالب:......

يعني ما دون الأطراف.

طالب:......

والله ما أدري نحتاج إلى..، الوسط حسي هذا معروف.

قال: "وحدثني عن مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أغلقوا الباب، وأوكوا السقاء))" إذا أراد الإنسان أن ينام يغلق عليه الباب؛ لأن الشيطان لا يفتح الباب المغلق.

((وأوكوا السقاء)) لئلا ينساب فيه شيء يؤذيه، ويقذره عليه، أو يضره، وأيضاً الشيطان لا يحل وكاءً كما في الحديث.

((وأكفئوا الإناء)) يعني اقلبوه؛ لئلا يعرض للحس الشيطان، أو الدواب المؤذية السامة ((أو خمروا الإناء))، ((وأوكوا السقاء، وأكفئوا الإناء، أو خمروا الإناء)) (أو) هذه شك، يعني هل قال: أكفئوا الإناء أو خمروه؟ يعني غطوه.

((وأطفئوا المصباح)) ولا شك أن المصباح فيه نار قد يتعدى ضررها إلى من بجوارها، كثيراً ما تحدث الحرائق بسبب هذا المصباح، وهذه الدفايات الموجودة المحرقة.

((فإن الشيطان)) العلة ((لا يفتح غلقاً)) المغلق لا يفتحه الشيطان ((ولا يحل وكاءً)) المربوط لا يحله ((ولا يكشف إناءً مغطى، وإن الفويسقة)) يعني الفأرة ((تضرم على الناس بيتهم)) يعني تأتي إلى هذه الفتيلة أو تأتي بشيء إليها فتوقده وتحرقه فيحترق البيت ومن فيه.

قال: "وحدثني عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))" الأصل أن الإنسان محاسب بجميع ما يلفظ به، فإن قال خيراً كتب في ميزان حسناته، في صحيفة الحسنات، وإن قال شراً كتب في صحيفة السيئات، وإن قال لا هذا ولا هذا، فالخلاف بين أهل العلم معروف هل يكتب أو لا يكتب؟ مع أن قوله -جل وعلا-: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [(18) سورة ق] يدل على أن كل شيء يكتب، وعلى هذا على الإنسان أن يحتاط لنفسه؛ لأن كثرة الكلام لا بد أن توقع في المحظور والممنوع، فمن كثر كلامه كثر سقطه ((ليقل خيراً أو ليصمت)) وفاز من جبل على الصمت؛ لأن أكثر الكلام في القيل والقال الذي لا فائدة فيه فضلاً عن الكلام المحرم، فعلى الإنسان أن يهتم لمثل هذا، ولذا قال معاذ بن جبل: وهل نؤاخذ أو وهل يؤاخذ الناس على حصائد ألسنتهم -على الكلام يعني-، قال: ((وهل يكب الناس على وجوههم)) أو قال: ((على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)) فلا شك أن من يحتاط لنفسه، ويتحرى في هذا الباب، والناصح لنفسه أن يلزم الصمت إلا فيما ينفع.

((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)) وقد جاءت الوصية بالجار في أحاديث كثيرة جداً ((وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) فالجار له أكثر من حق، حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة، إن كان قريباً، وإلا لو لم يكن له إلا حق الإسلام والجوار، أو حق الجوار فقط إن كان غير مسلم.

((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) لا يجوز أن يحتاج المسلم بين المسلمين، لا يجوز أن يجوع بين إخوانه المسلمين، لا يجوز أن يبيت في العراء والبرد الشديد أو الحر الشديد بين إخوانه المسلمين فالضيف الذي بعد عن أهله ووطنه لا بد من أن يقوم المسلمون به، وهذا من فروض الكفايات.

((فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة)) يعني الواجب يوم وليلة ((وضيافته)) يعني القدر الزائد على ذلك ((ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة)) يعني إحسان إلى هذا الضيف ((ولا يحل له –يعني الضيف- أن يثوي عنده حتى يحرجه)) يعني لا يحل له أن يأتي بمتاعه ويسكن عند هذا، صاحب هذا البيت، ويقول: عليك أن تكرم الضيف، الآن صار شريك، ما صار ضيف هذا، فلا يجوز له أن يحرجه، ولذا جاء النهي عن الدخول على المضيف قبل نضج الطعام، وانتظار نضجه، لا سيما بيوت النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثم بعد ذلك إذا طعمتم فانتشروا؛ لأن الناس لهم خصوصياتهم ولهم ظروفهم، لا سيما في أوقاتنا التي نعيشها، فعلى كل حال على صاحب البيت أن يضيف، وأن يكرم ضيفه، وعلى الضيف أيضاً أن يلاحظ خصوصيات صاحب البيت.

نقف على الحديث وإلا...؟

طالب:......

 

طيب...