التعليق على تفسير القرطبي - سورة المؤمنون (01)

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. قال الأمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:  

 

"سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ".

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ( 2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ(5) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَت أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (8)  وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ(9) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ(11)}.

 

فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ:

 

الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي فَقَالَتْ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَال".

 

طالب: قال ضعيف جدًّا، أخرجه الحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن أنس وإسناده ضعيف...ابن عاصم الوسطي ذكره الذهبي في الميزان في هذا الحديث، وفي حديث آخر وقال: هذان باطلان، والحديث صححه الحاكم في المستدرك وتعقبه الذهبي وقال: بل ضعيف".

 

نعم.

 

"وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن السَّائِب قَالَ: حَضَرْت رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- يَوْم الْفَتْح فَصَلَّى فِي قِبَل الْكَعْبَة، فَخَلَعَ نَعليه فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَاره فَافْتَتَحَ سُورَة الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْر مُوسَى أَوْ عِيسَى -عليهمَا السَّلَام- أَخَذَتْهُ سَعْلَة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب -رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- قَالَ كَانَ النَّبِيّ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- إِذَا أُنْزِلَ عليه الْوَحْي سُمِعَ عِنْد وَجْهه كدوى النَّحْل، وَأُنْزِلَ عليه يَوْمًا فَمَكَثْنَا سَاعَة فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا - ثُمَّ قَالَ- أُنْزِلَ على عَشْر آيَات مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّة - ثُمَّ قَرَأَ - قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» حَتَّى خَتَمَ عَشْر آيَات; صَحَّحَهُ ابن الْعَرَبِيّ."

 

طالب: قال ضعيف أخرجه الترمذي والنسائي في الكبرى والحاكم من حديث عمر، صححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: سُئل عبد الرزاق عن شيخه ذاك، أي يونس بن سليم فقال" لا أظنه شيئًا. انتهي كلامه. وقال عنه الحافظ في التقريب: مجهول. وقال الذهبي في الميزان: حدث عنه عبد الرزاق وتكلم فيه، ولم يعتمده في الرواية وقال العقيلي: لا يُتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به، ثم ذكر الذهبي هذا الحديث وقال: حديث منكر. انتهي كلامه. ومع ذلك نقل القرطبي عن ابن العربي تصحيحه لهذا الحديث، والصواب أنه غير قوي، بل هو إلى الضعف أكثر، والله علم. والحديث ضعفه الألباني.

 

طالب:.... وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تُؤثر علينا، ما بين المعقُوفتين مستدرك من الترمذي والنسائي.

 

نعم أدخله الكتاب، ما هو في القرطبي من الأصل، أضافه من مصدر التخريج، لكن حتى ختم عشر آيات، الآيات تمامها إحدى عشرة، ونظير ذلك ما جاء في قيامه -عليه الصلاة والسلام- من الليل وقراءته آخر آل عمران حتى ختم عشر آيات، وهن إحدى عشرة من قوله: {إن في خلق السموات والأرض} إلى الآخر إحدى عشرة، وهنا إحدى عشرة، وفي الموضعين قال: عشر آيات

 

طالب:......

 

فما مرد هذا؟

 

طالب:....

 

نعم يعني حذف الكسر والإبقاء على عشرات..... ما يقال إن هناك آيات عُدت أية في الحقيقة

 

الاختلاف فيها في القراءات، يعني بعض الآيات تُعد آيتين، وبعضها آية، واختلاف عدد الآيات من المكي عند البصريين وعند كذا.

 

طالب:.........

 

طالب:.........

 

إلى هنا لم يظهر إلا في هذين الموضِعين هنا وفي آخر آل عمران.

 

طالب:.....

 

ماذا فيها؟ عشر آيات؟

 

طالب:.....

 

العشر الأولي ما تنتهي بمقطع، المقصود أنهم لا يعنون بأعدادهم بدقة، إنما يحذفون الكسور، جرت عادتهم بحذف الكسور.. وغير ذلك الخلاف في سنه -عليه الصلاة والسلام- حينما توفي جاء في الحديث الصحيح أنه توفي عن ستين سنة، حذف الكسر، وجاء ثلاث وستين، وهذا هو الواقع، وجاء خمس وستين، فعد سنة الولادة كاملة وسنة الوفاة كاملة..

 

 "وَقَالَ النَّحَّاس: مَعْنَى {مَنْ أَقَامَهُنَّ} مَنْ أَقَامَ عليهنَّ وَلَمْ يُخَالِف مَا فِيهِنَّ; كَمَا تَقُول: فُلَان يَقُوم بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْد هَذِهِ الْآيَات فَرْض الْوُضُوء وَالْحَجّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف {قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ} بِضَمِّ الْأَلِف عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَاب وَالْخَيْر، وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّل الْبَقَرَة مَعْنَى الْفَلَاح لُغَة وَمَعْنَى، وَالْحَمْد لِلَّهِ وَحْده."

 

يعني خلاصة ما قيل: إن هذه الكلمة من أجمع الكلمات أنه لا يوجد ما يُعبر به عنها بكلمة واحدة نظير ما قالوا في النصيحة أنه لا يوجد كلمة تعبر عن هذه الكلمة أو تقوم مقامها، والفلاح الجمع بين خير الدنيا والآخرة –نسأل الله من فضله–.

" الثانية قوله تعالى: {خَاشِعُونَ} رَوَى الْمُعْتَمِر عَنْ خَالِد عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- يَنْظُر إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة; فَأَنْزَلَ اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- هَذِهِ الْآيَة {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتهمْ خَاشِعُونَ} فَجَعَلَ رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- يَنْظُر حَيْثُ يَسْجُد. وَفِي رِوَايَة هُشَيْم: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاة وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتهمْ خَاشِعُونَ}، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتهمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامهمْ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْم الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُر فِي " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله: {فَوَلِّ وَجْهك شَطْر الْمَسْجِد الْحَرَام} [الْبَقَرَة: 144]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوع لُغَة وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَة أَيْضًا".

خلاصة ما ذكره في هذه المسألة أن الإمام مالك يرى أنه يَنظر إلى جهة القبلة أثناء صلاته، والجمهور على أنه ينظر إلى موضع سجوده.

طالب:....

هذا منسوخ؛ هذا موجود هنا.

طالب:....

نعم منسوخ.

طالب:......

فيه ماذا؟

طالب:......

نعم، على تضعيف الحديث، لكن عليه عامة أهل العلم والجمهور وهو أحفظ للصلاة.

"وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوع لُغَة وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَة أيضًا عِنْد قَوْله تَعَالَى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَة إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [الْبَقَرَة: 45]. وَالْخُشُوع مَحَلّه الْقَلْب".

ويظهر أثره على الجوارح. 

" فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتْ الْجَوَارِح كُلّهَا لِخُشُوعِهِ; إِذْ هُوَ مَلِكهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّل الْبَقَرَة."

يفرقون بين الخشوع والخضوع يقولون: الخضوع للبدن والخشوع في القلب، مع أنه جاء الخضوع من اللسان {ولا تخضعن بالقول}، هذا يَرد على كلامهم.

" وَكَانَ الرَّجُل مِنْ الْعُلَمَاء إِذَا أَقَامَ الصَّلَاة وَقَامَ إليها يَهَاب الرَّحْمَنَ أَنْ يَمُدّ بَصَره إِلَى شَيْء، وَأَنْ يُحَدِّث نَفْسه بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاء: هُوَ أَلَّا يَعْبَث بِشَيْءٍ مِنْ جَسَده فِي الصَّلَاة. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- رَجُلًا يَعْبَث بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاة فَقَالَ: «لَوْ خَشَعَ قَلْب هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحه»."

لا يصح عن النبي -عليه الصلاة والسلام- المعروف عن عمر -رضي الله عنه- ماذا يقول في تخريجه؟

طالب: يقول: ضعيف ذكره الحكيم الحميدي في نوادر الأصول من حديث أبي هريرة وقال العراقي في الإحياء: إسناده ضعيف، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن المسيب من قوله.

من قول سعيد؟ ما يحفظ من قول عمر؟ ما فيه تخريج ثانٍ؟... في الجامع الصغير عزاه إلى عمر-رضي الله عنه-.

"وَقَالَ أَبُو ذَرّ قَالَ النَّبِيّ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ-: «إِذَا قَامَ أَحَدكُمْ إِلَى الصَّلَاة فَإِنَّ الرَّحْمَة تُوَاجِههُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى» رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. وَقَالَ الشَّاعِر:

أَلَا فِي الصَّلَاة الْخَيْر وَالْفَضْل أَجْمَع       لِأَنَّ بِهَا الآداب لِلَّهِ تَخْضَع

وَأَوَّل فَرْض مِنْ شَرِيعَة دِيننَا           وَآخِر مَا يَبْقَى إِذَا الدِّين يُرْفَع

فَمَنْ قَامَ لِلتَّكْبِيرِ لَاقَتْهُ رَحْمَة            وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَع

وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْش حِين صَلَاته      نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لَوْ كَانَ يَخْشَع

وَرَوَى أَبُو عُمَر أَنَّ الْجُوْنِيّ قَالَ"

الجَونيّ.

"وَرَوَى أَبُو عُمَر أَنَّ الْجَوْنِيّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَا كَانَ خُلُق رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ-؟ قَالَتْ: أَتَقْرَؤونَ سُورَة الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَتْ: اِقْرَؤوا; فَقُرِئَ عليها {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون} حَتَّى بَلَغَ {يُحَافِظُونَ}. وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ ابن عَبَّاس -رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا- قَالَ: كَانَ رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- يَلْحَظ فِي صَلَاته يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقه خَلْف ظَهْره".

الحديث هذا مصحح؟ الحديث هذا؟

طالب: قال: أخرجه أحمد والترمذي والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، كلهم من حديث ابن عباس، وهو على شرطهم، لكن له علة، وهو أن الترمذي أخرجه وكذا أحمد من وجه آخر عن بعض أصحاب عكرمة مرسلًا، والحديث غير قوي، ولعله كان في أول الإسلام؛ فإن هناك حديث أصح منه....

صححه الألباني؟

 "وَقَالَ كَعْب بْن مَالِك فِي حَدِيثه الطَّوِيل: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ -يَعْنِي مِنْ النَّبِيّ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- وَأُسَارِقهُ النَّظَر، فَإِذَا أَقْبَلْت عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إلي، وَإِذَا اِلْتَفَتّ نَحْوه أَعْرَضَ عَنِّي... الْحَدِيث; وَلَمْ يَأْمُرهُ بِإِعَادَةٍ."

مجرد الالتفات لا يبطل الصلاة، ولا يلزم منه إعادتها، فضلَا عن مجرد اللحظ بالعين، إنما إذا ترك القبلة واستقبل إلى غيرها بصدرها بطلت صلاته، أما مجرد لي العنق فلا يبطل الصلاة، عامة أهل العلم على كراهته، وذكروا من مناقب أبي بكر أنه كان لا يلتفت في صلاته، على كل حال أنه إذا قام الإنسان يناجي ربه المفترض ألا يلتفت إلى غيره.

طالب:........

هو على الحكاية المؤمنون، الحكاية المؤمنون؛ لأن فيها قد أفلح المؤمنون، فإذا أعربت إعربًا على الجادة فهي مضاف إليه.

"الثالثة: اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْخُشُوع، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِض الصَّلَاة أَوْ مِنْ فَضَائِلهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيح الْأَوَّل، وَمَحَلّه الْقَلْب."

والصحيح الأول الذي هو من فرائض الصلاة، يعني واجب من واجبات الصلاة، والجمهور على خلافه، الجمهور على أنه سنة، الخشوع القدر الزائد على الواجبات والأركان سنة، وانتصر للوجوب ابن رجب -رحمه الله- وألف فيه رسالة وكذلك الغزالي في الإحياء، وشدد في مسألة الخشوع، ولا شك أن الخشوع لب الصلاة، والذي لا يخشع في صلاته لا يظهر أثره عليه، ولا تحقق الهدف من مشروعيتها، لكن مسألة التأثيم تحتاج إلى نص يصمد، لذلك جماهير أهل العلم على أنه سنة.

 " وَهُوَ أَوَّل عِلْم يُرْفَع مِنْ النَّاس، قَالَهُ عُبَادَة بْن الصَّامِت، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث جُبَيْر بْن نُفَيْر أَيْضًا عَنْ عَوْف بْن مَالِك الْأَشْجَعِيّ مِنْ طرق صَحِيحَة. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَة بْن صَالِح ثِقَة عِنْد أَهْل الْحَدِيث، وَلَا نَعْلَم أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْر يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان.

قُلْت: مُعَاوِيَة بْن صَالِح أَبُو عَمْرو وَيُقَال: أَبُو عُمَر الْحَضْرَمِيّ الْحِمْصِيّ قَاضِي الْأَنْدَلُس، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فَقَالَ: صَالِح الْحَدِيث، يُكْتَب حَدِيثه وَلَا يُحْتَجّ بِهِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ قَوْل يَحْيَى بْن مَعِين، وَوَثَّقَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَأَبُو زُرْعَة الرَّازِيّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِم فِي صَحِيحه".

أما من تكلم فيه فهو ممن عُرف بالتعنت في الجرح كيحيى بن سعيد وأبي حاتم، أما من عداهم من الأئمة المعتدلين كلهم وثقوه، وخرج عنه الأمام مسلم في صحيحه، فالمعتمد أنه ثقة.

 

"وَتَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " مَعْنَى اللَّغْو وَالزَّكَاة، فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ ".

وقال قولهم من طريق صحيحة، طريق يذكر ويؤنث كما هو معروف، والقرآن جاء بالتذكير {طريقًا في البحر يبسًا}.

" وَقَالَ الضَّحَّاك: إِنَّ اللَّغْو هُنَا الشِّرْك. وَقَالَ الْحَسَن: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلّهَا. فَهَذَا قَوْل جَامِع يَدْخُل فِيهِ قَوْل مَنْ قَالَ: هُوَ الشِّرْك، وَقَوْل مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاء، كَمَا رَوَى مَالِك بْن أَنَس عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر، عَلَى مَا يَأْتِي فِي " لُقْمَان " بَيَانه. وَمَعْنَى " فَاعِلُونَ " أَيْ مُؤَدُّونَ; وَهِي فَصِيحَة، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَام الْعَرَب. قَالَ أُمَيَّة ابن أَبِي الصَّلْت: الْمُطْعِمُونَ الطَّعَام فِي السَّنَة الْأَزْمَة".

 

فاعلون فصيحة، يقول فاعلون فصيحة لا يقصد فصاحة اللفظ؛ لأنه جاء في أفصح الكلام، لكن فصاحة المعنى، وأن المراد به فاعلون يعني مؤدون من حيث معناه فصيح بهذا التفسير، أما فصاحة اللفظ فلا يمكن أن يقال مثل هذا الكلام؛ لأنه جاء في أفصح الكلام.

 "قَالَ أُمَيَّة ابن أَبِي الصَّلْت: الْمُطْعِمُونَ الطَّعَام فِي السَّنَة الْأَزْمَة وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ.

 

قوله تعالى: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } قَالَ ابن الْعَرَبِيّ: "مِنْ غَرِيب الْقُرْآن أَنَّ هَذِهِ الْآيَات الْعَشْر عَامَّة فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء، كَسَائِرِ أَلْفَاظ الْقُرْآن الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَة لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّة فِيهِمْ، إِلَّا قَوْله: {وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرِّجَال خَاصَّة دُون الزَّوْجَات، {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجهمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ}، وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظ الْمَرْأَة فَرْجهَا مِنْ أَدِلَّة أُخَر كَآيَاتِ الْإِحْصَان عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّة."

يعني لو اقتصر الأمر على {إلا على أزواجهم} دخل في الخطاب النساء، لكن لما قال: {أو ما ملكت أيمانهم} {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} هذا المرأة لا نصيب لها في هذا؛ لأنه لا يجوز لرقيقها أن يطأها.

" قُلْت: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل فِي الْآيَة فَلَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأهَا مَنْ تَمْلِكهُ إِجْمَاعًا مِنْ الْعُلَمَاء; لِأَنَّهَا غَيْر دَاخِلَة فِي الْآيَة، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْد مِلْكهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجهَا كَمَا يَجُوز لِغَيْرِهِ عِنْد الْجُمْهُور. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِين مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحهمَا. قَالَ أَبُو عُمَر: وَلَا يَقُول هَذَا أَحَد مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار; لِأَنَّ تَمَلُّكهَا عِنْدهمْ يُبْطِل النِّكَاح بَيْنهمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخ لِلنِّكَاحِ; وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْد مِلْكهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيد وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّة مِنْهُ.

معروف أنه لا يطأها بسبب ملك اليمين؛ لأنها هي المالك، يعني تزوجته هي، يجوز للرجل أن يتزوج الأمة، لو أن حرة تزوجت عبدًا يجوز أم ما يجوز؟

طالب:.......

يجوز مغيث وبريرة بعدما عتقت خيرها النبي –صلي الله عليه وسلم-، وأشار عليها أن تبقي معه، لكن كونه ملكًا لها هذا لا شك أن فيه تعارضًا في القوامة، تعارضًا في القوامة الذي هو مقصد شرعي، لا بد أن تكون القوامة في يد الرجل، فإذا كانت القوامة ملكًا لها صارت هي القيمة عليه.

 "الخامسة: قَالَ مُحَمَّد بْن الْحَكَم: سَمِعْت حَرْمَلَة بْن عَبْد الْعَزِيز قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُل يَجْلِد عُمَيْرَة، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة {وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} إِلَى قَوْله: {الْعَادُونَ}. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنْ الذَّكَر بِعُمَيْرَةَ; وَفِيهِ يَقُول الشَّاعِر:

إِذَا حَلَلْت بِوَادٍ لَا أَنِيس بِهِ               فَاجْلِدْ عُمَيْرَة لَا دَاء وَلَا حَرَج

الآن الأطباء يقررون أنها داء، وأنها مضرة، وأهل الشرع يقررون أن فيه الحرج وهو التحريم، وهذا الشاعر يقول: لا داء ولا حرج، ما فيها مضرة ولا فيه. -الله المستعان-.

 ذكر القرطبي في تفسير سورة المعارج، ذكر قصة أناس عندهم جارية اسمها عميرة فضربتها صاحبة المنزل حتى علا صوتها، فجاء الجيران وطرقوا الباب، ففتح الباب ولد مغفل عند هؤلاء، فقالوا: ما الخبر؟ فقال: أمي تجلد عميرة، ذكر القصة هناك.

"وَيُسَمِّيه أَهْل الْعِرَاق الِاسْتِمْنَاء، وَهُوَ اِسْتِفْعَال مِنْ الْمَنِيّ. وَأَحْمَد بْن حَنْبَل عَلَى وَرَعه يُجَوِّزهُ، وَيحْتَجّ بِأَنَّهُ إِخْرَاج فَضْلَة مِنْ الْبَدَن، فَجَازَ عِنْد الْحَاجَة، أَصْله الْفَصْد وَالْحِجَامَة. وَعَامَّة الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيمه."

عامة أهل العلم الجمهور على أنه محرم لهذه الآية وما جاء في معناها، ولقوله -عليه الصلاة والسلام-: «يا معشر الشباب من استطاع منك الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم».

أرشد إلى العلاج الشرعي ولو كانت جائزة لأرشده إليها، ومنهم من يري جوازها عند الحاجة، وتبقي فيما عدا الحاجة محرمة، ونص الزاد يقول: ومن استمنى بيده بغير حاجة عذر، يدل على تحريمه عندهم.

 "وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ."

لكن هذه الحاجة لا تكون إلا بعد أن يُعرض الإنسان نفسه للفتنة وما يُعرض الإنسان نفسه للفتنة والأماكن التي يكثُر فيها النساء وغيرهم أو يشاهد ما يفتنه ويُحوجه إلى مثل هذا، إذا اضطر إلى ذلك وكان من غير قصد، وخُيِّر الفعلة أو يقع في الفاحشة، ارتكب أخف الضررين مُقرر شرعًا وتبقي محرمة لكن أيسر من الفاحشة.

"وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَة أَحْدَثَهَا الشَّيْطَان."

جاء بعض الأحاديث التي لا تثبت، ضعيفة، جاء لعن من نكح، من عمل عمل قوم لوط، من نكح البهيمة، والناكح يده. جاء ذلك.

" وَهِيَ مَعْصِيَة أَحْدَثَهَا الشَّيْطَان وَأَجْرَاهَا بَيْن النَّاس حَتَّى صَارَتْ قَيْلَة، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ."

يا ليتها لم تقل في كتب أهل العلم، ما عرفها الناس، لكن لما ذكرت وتداولها الناس من طلاب علم وغيرهم انتبه لها من لم ينتبه، وهذه حجة من يقول: إن المنكرات لا ينبغي أن تذكر في الأماكن العامة؛ لأنه ينتبه لها من كان غافلاً عنها، وإذا ذكرت بتفصيلها ووسائل تحصيلها قد يكون فتح باب لمن يريدها، فيسلك هذا المسلك الذي يحصلها، وعلى غرة مِمن يتحدث عن هذه المنكرات، وعلى كل حال يختلف ففي مجلس لا مانع من التفصيل، وفي مجلس ينبغي أن يحترز من التفصيل فيه.

طالب:.........

ثم بعد ذلك طبّقت، طبِّق، مثلما يجري الآن في وسائل الإعلام أول ما يبدأ بتطبيقها الأطفال، ثم المُمَيزون أيَضًا.

طالب:.......بالنسبة لما يجري بالمدارس الثانوية.........

والله لو غلب على هذا الظن أنها موجودة أو توجد لا مانع من أن يُذكر حُكمها؛ لأنه تعلق بها أحكام، بعضهم يفعلها في وقت الصيام، وبعضهم لا يغتسل بعدها، أحكام كبيرة، لابد من بيانها ترتب عليها بطلان الصيام، بطلان الصلاة، لا بد من التفصيل في الأمر، ومثل هذا لا يُتصور أنه يخفى الآن على أحد مع وجود هذه الوسائل ووجود هذه المشكلات.

" وَلَوْ قَامَ الدَّلِيل عَلَى جَوَازهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَة يُعْرِض عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْر مِنْ نِكَاح الْأَمَة; قُلْنَا: نِكَاح الْأَمَة وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَة عَلَى مَذْهَب بَعْض الْعُلَمَاء خَيْر مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِل أَيْضًا، وَلَكِنْ الِاسْتِمْنَاء ضَعِيف فِي الدَّلِيل عَارٍ بِالرَّجُلِ الدَّنِيء فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِير."

السادسة: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}.

قَالَ الْفَرَّاء: أَيْ مِنْ أَزْوَاجهمْ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّه لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ.

{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} فِي مَوْضِع خَفْض مَعْطُوفَة عَلَى " أَزْوَاجهمْ."

لأن العطف على نية تكرار العامل.

"وَ"مَا" مَصْدَرِيَّة. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزِّنَى وَمَا قُلْنَاهُ مِنْ الِاسْتِنْمَاء وَنِكَاح الْمُتْعَة; لِأَنَّ الْمُتَمَتَّع بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَات، لَا تَرِث وَلَا تُورَث، وَلَا يَلْحَق بِهِ وَلَدهَا، وَلَا يُخْرَج مِنْ نِكَاحهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَف لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَج بِانْقِضَاءِ الْمُدَّة الَّتِي عُقِدَتْ عليها وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. قال ابن الْعَرَبِيّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاح الْمُتْعَة جَائِز فَهِيَ زَوْجَة إِلَى أَجَل يَنْطَلِق عليها اِسْم الزَّوْجِيَّة. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عليه الْأُمَّة مِنْ تَحْرِيم نِكَاح الْمُتْعَة لَمَا كَانَتْ زَوْجَة، فَلَمْ تَدْخُل فِي الْآيَة.

قُلْت: وَفَائِدَة هَذَا الْخِلَاف: هَلْ يَجِب الْحَدّ وَلَا يَلْحَق الْوَلَد كَالزِّنَى الصَّرِيح، أَوْ يُدْفَع الْحَدّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَق الْوَلَد، قَوْلَانِ لِأَصْحَابنا."

الشبهة لاسيما لمن عاش ببلد تكثر فيه، قد تدرأ الحد، لكن جاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: لا أُتي برجل نكح المتعة إلا جلدته الحد، والتفريق بينهما واجب، بلا شك، وهل يُحد أو لا يُحد مسألة خلافية بين أهل العلم، ولاشك إن نكاحهم باطل، لكن مع بطلانه قد يعتريه في بعض المجتمعات التي يكثر فيها، وقد يُزوال بعض الناس نكاح المتعة وهو لا يشعر، مُتأولًا بأنه النكاح بنية الطلاق، بعض الناس يسترسل في هذا حتى يقع في نكاح المتعة وهو لا يشعر، الأصل في النكاح بنية الطلاق جمهور أهل العلم على جوازه، لكن ليس معني هذا أن يتفق على المدة في العقد، ويعرفه الطرفان، لا، لا يعرفه إلا الزوج فقط، ويحدد مدة هو يحتاج النكاح فيها، والطرف الثاني لا يعرف شيئًا، أما إذا عرف بصريح القول أو بجريان العادة أو بالعُرف أو ما أشبه ّذلك فهو المتعة، لا يجوز بحال.

طالب:......

نقول: لو صار عُرفًا، عرف هذا الشخص ما يأتي إلا لهذا الغرض صار متعة، أو عرفت هذه الجهة أنهم ما يأتون إلا لهذا.

طالب:....

معروف أنه المتعة، متعة، هذه متعة.

طالب:.......

معروف، إذا عُرف.

طالب:.......

هم، شف النتيجة بعضهم يعرف أن الطرف الثاني أنه سيطلق ويقول: هم سيكسبون، يأتيه من المبالغ من الزواج المزمع على إجرائه وإنفاذه، يعني أفضل من قومهم يأتيه أكثر من هذا. يُتصور شخص يأتي أسبوعًا أو شهرًا يدفع أكثر مما يدفعه الزوج من أهل هذا البلد، فهم كاسبون، وإذا تركها تزوجت من آخر، فهؤلاء عندهم خبر أنه سيطلق، لكن هناك أناس ما يدرون، ولو عرفوا أنه يطلق ما زوجوا، لكن لا يمنع هذا من جوازه أبدًا. اللهم إلا إذا عرفوا أنه سيطلق، فما يجوز، الحين يكون متعة.

طالب:..............

إذا عرف الطرف الآخر بأي وسيلة سواء بالتصريح أو بالعادة وجرت بذلك، وعرف عن شخص بعينه، كل هذا حكمه حكم المتعة، هناك حوادث وقضايا حقيقة مؤسفة تحدث من بعض مما ينتسب إلى الدين والعلم شوهت سمعة المسلمين، فضلًا عن المتدينين، مثل هذه لا يتردد في تحريمها.

طالب:...............

كيف

طالب:...............

ما يدري؟

طالب:............

بهذه النية جاء.

طالب:......

"وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم أَحْوَال; فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَة ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُول اللَّه- صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- زَمَن خَيْبَر، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاة الْفَتْح; ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْد، قَالَهُ ابن خُوَيْز مندد مِنْ أَصْحَابنا وَغَيْره، وإليه أَشَارَ ابن الْعَرَبِيّ. وَقَدْ مَضَى فِي " النِّسَاء " الْقَوْل فِيهَا مُسْتَوْفًى.

السابعة: قوله تعالى: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}.

"فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا لَا يَحِلّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عليه الْحَدّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِط عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَة؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْم عَادُونَ} [الشُّعَرَاء: 166] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْأَعْرَاف "; فَوَجَبَ أَنْ يُقَام الْحَدّ عليهمْ، وَهَذَا ظَاهِر لَا غُبَار عليه.

قُلْت: فِيهِ نَظَر، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاع مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجهمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ فَإِنَّهُمْ غَيْر مَلُومِينَ} “

يعني المتأول في مثل صور النكاح في بعض صور النكاح ولا يعود إلى أقرب مسألة التي هي اللواط، اللواط لا يقبل فيها أدني تأول، لكن من نكح أخت من يطأها بملك يمين، فهذه مسألة مختلف فيها، نكح أختها، أو نكح متعة، ولا يعرف الحكم، المقصود أنه متأول فيما يقبل التأويل أو نكاح الرجل الرجل، فهذا لا يقبل التأويل بحال؛ لأن قوله فيه نظر ما لم يكن جاهلًا أو متأولًا لا يعود إلى أقرب مسألة، مثل هذا لا يقبل التأويل ألبتة.

" خُصَّ بِهِ الرِّجَال دُون النِّسَاء; فَقَدْ رَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ: تَسَرَّرَتْ اِمْرَأَة غُلَامهَا; فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْت أَرَاهُ يَحِلّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَة بِمِلْكِ اليمين".

مثل هذا قد يقبل، لكن لو أن رجلاً وطئ غلامه وزعم بأنه ملك يمين يُقبل أم ما يُقبل؟ ما يقبل ألبتة، هذا ما يقبل التأويل.

" فَاسْتَشَارَ عُمَر فِي رَجْمهَا أَصْحَاب رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَاب اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى غَيْر تَأْوِيله، لَا رَجْم عليها. فَقَالَ عُمَر: لَا جَرَم! وَاَللَّه لَا أُحِلّك لِحُرٍّ بَعْده أَبَدًا."

يعني عذرها وعاقبها بمنعها من النكاح.

" عَاقَبَهَا بِذَلِكَ، وَدَرَأَ الْحَدّ عَنْهَا، وَأَمَرَ الْعَبْد أَلَّا يَقْرَبهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُول: أَنَا حَضَرْت عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز جَاءَتْهُ اِمْرَأَة بِغُلَامٍ لَهَا وَضِيء فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ، فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُل تَكُون لَهُ الْوَلِيدَة فَيَطَؤُهَا; فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَر: أَتَزَوَّجْت قَبْله؟ قَالَتْ: نَعَمْ, قَالَ: أَمَا وَاَللَّه لَوْلَا مَنْزِلَتك مِنْ الْجَهَالَة لَرَجَمْتُك بِالْحِجَارَةِ; وَلَكِنْ اِذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُج بِهِ إِلَى غَيْر بَلَدهَا.

" وَرَاء " بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُول بِ " اِبْتَغَى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاج وَالْوَلَائِد الْمَمْلُوكَة لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاج: أَيْ فَمَنْ اِبْتَغَى مَا بَعْد ذَلِكَ فَمَفْعُول الِابْتِغَاء مَحْذُوف، وَ " وَرَاء " ظَرْف. وَ"ذَلِكَ " يُشَار بِهِ إِلَى كُلّ مَذْكُور مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا. {فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ} أَيْ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدّ; مَنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدّ وَجَازَهُ.

"الثامنة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}

قَرَأَ الْجُمْهُور: " لِأَمَانَاتِهِمْ " بِالْجَمْعِ. وَابن كَثِير بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَة وَالْعَهْد يَجْمَع كُلّ مَا يَحْمِلهُ الْإِنْسَان مِنْ أَمْر دِينه وَدُنْيَاهُ قَوْلًا وَفِعْلًا. وَهَذَا يَعُمّ مُعَاشَرَة النَّاس وَالْمَوَاعِيد وَغَيْر ذَلِكَ; وَغَايَة ذَلِكَ حِفْظه وَالْقِيَام بِهِ. وَالْأَمَانَة أَعَمّ مِنْ الْعَهْد، وَكُلّ عَهْد فَهُوَ أَمَانَة فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْل أَوْ فِعْل أَوْ مُعْتَقَد."

الأمانة أعم، وهي تشمل ما كان متعاقدًا عليه بين الخلق، وبين العبد مع ربه، فالوضوء أمانة، والغسل من الجنابة أمانة، وأما بالنسبة للعقد والعهد فهو أخص.

"التاسعة: قَرَأَ الْجُمْهُور: " صَلَوَاتهمْ " وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ: " صَلَاتهمْ " بِالْإِفْرَادِ; وَهَذَا الْإِفْرَاد اِسْم جِنْس فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِع".

كسابقه مثل أماناتهم وأمانتهم مفرد مضاف يعم، وهو في معني الجمع.

 "وَالْمُحَافَظَة عَلَى الصَّلَاة إِقَامَتهَا وَالْمُبَادَرَة إليها أَوَائِل أَوْقَاتهَا، وَإِتْمَام رُكُوعهَا وَسُجُودهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى.

"ثم قال: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ}

أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَات فَهُمْ الْوَارِثُونَ; أَيْ يَرِثُونَ مَنَازِل أَهْل النَّار مِنْ الْجَنَّة. وَفِي الْخَبَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- «إِنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَان مَسْكَنًا فِي الْجَنَّة وَمَسْكَنًا فِي النَّار، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلهمْ وَيَرِثُونَ مَنَازِل الْكُفَّار وَيَجْعَل الْكُفَّار فِي مَنَازِلهمْ فِي النَّار» خَرَّجَهُ ابن مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ-: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِل فِي الْجَنَّة وَمَنْزِل فِي النَّار، فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّار وَرِثَ أَهْل الْجَنَّة مَنْزِله، فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ}» إِسْنَاده صَحِيح. وَيَحْتَمِل أَنْ يُسَمَّى الْحُصُول عَلَى الْجَنَّة وِرَاثَة مِنْ حَيْثُ حُصُولهَا دُون غَيْرهمْ، فَهُوَ اِسْم مُسْتَعَار عَلَى الْوَجْهَيْنِ."

نعم؛ لأن الإرث يحصل لبعض الناس دون بعض حتى في أمور الدنيا الإرث يحصل لبعض الناس دون بعض، وكذلك الجنة تحصل لبعض الناس دون بعض.

 

"وَالْفِرْدَوْس رَبْوَة الْجَنَّة وَأَوْسَطهَا وَأَفْضَلهَا. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث الرُّبَيِّع بِنْت النَّضْر أُمّ حَارِثَة، وَقَالَ: حَدِيث حَسَن صَحِيح. وَفِي صحيح مُسْلِم «فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّه فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْس فَإِنَّهُ أَوْسَط الْجَنَّة وَأَعْلَى الْجَنَّة وَمِنْهُ تَفَجَّر أَنْهَار الْجَنَّة». قَالَ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بْن حِبَّان: قَوْله- صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ: «فَإِنَّهُ أَوْسَط الْجَنَّة» يُرِيد أَنَّ الْفِرْدَوْس فِي وَسَط الْجِنَان فِي الْعَرْض وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّة، يُرِيد فِي الِارْتِفَاع. وَهَذَا كُلّه يُصَحِّح قَوْل أَبِي هُرَيْرَة: إِنَّ الْفِرْدَوْس جَبَل الْجَنَّة الَّتِي تَتَفَجَّر مِنْهُ أَنْهَار الْجَنَّة. وَاللَّفْظَة فِيمَا قَالَ مُجَاهِد: رُومِيَّة عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: هِيَ فَارِسِيَّة عُرِّبَتْ. وَقِيلَ: حَبَشِيَّة; وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ وِفَاق بَيْن اللُّغَات".

يعني ما اتفقت عليه هذه اللغات، أما كون الفردوس أعلى الجنة فظاهر، وكونه وسط الجنة فهو بمعني الوسط الخيار، خيارها.

" وَقَالَ الضَّحَّاك: هُوَ عَرَبِيّ وَهُوَ الْكَرْم، وَالْعَرَب تَقُول لِلْكُرُومِ: فَرَادِيس. " هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " فَأُنِّثَ عَلَى مَعْنَى الْجَنَّة."

قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)}.

الْإِنْسَان هُنَا آدَم -عليه الصَّلَاة وَالسَّلَام- قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره؛ لِأَنَّهُ اسْتلَّ مِنْ الطِّين. وَيَجِيء الضَّمِير فِي قَوْله: " ثُمَّ جَعَلْنَاهُ " عَائِدًا عَلَى ابن آدَم، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَر لِشُهْرَةِ الْأَمْر; فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُح إِلَّا لَهُ. نَظِير ذَلِكَ " حَتَّى {تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32]. “

ولم يسبق لها ذكر، المراد الشمس ولم يُسبق لها ذكر فإذا كانت الكناية بالضمير لا توقع في لبس فلا مانع منها ولم يُسبق لها ذكر.

" وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالسُّلَالَةِ ابن آدَم; قَالَهُ ابن عَبَّاس وَغَيْره. وَالسُّلَالَة عَلَى هَذَا صَفْوَة الْمَاء، يَعْنِي الْمَنِيّ. وَالسُّلَالَة فُعَالَة مِنْ السَّلّ وَهُوَ اِسْتِخْرَاج الشَّيْء مِنْ الشَّيْء; يُقَال: سَلَلْت الشَّعْر مِنْ الْعَجِين، وَالسَّيْف مِنْ الْغِمْد فَانْسَلَّ; وَمِنْهُ قَوْله:

فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابك تَنْسُل

 فَالنُّطْفَة سُلَالَة، وَالْوَلَد سَلِيل وَسُلَالَة; عَنَى بِهِ الْمَاء يُسَلّ مِنْ الظَّهْر سَلًّا. قَالَ الشَّاعِر: فَجَاءَتْ بِهِ عَضْب الْأَدِيم غَضَنْفَرًا      سُلَالَة فَرْج كَانَ غَيْر حَصِين

وَقَالَ آخَر:

وَمَا هِنْد إِلَّا مُهْرَة عَرَبِيَّة     سَلِيلَة أَفْرَاس تَجَلَّلَهَا بَغْل

 

وقوله: {مِنْ طِينٍ} أَيْ أَنَّ الْأَصْل آدَم وَهُوَ مِنْ طِين. قُلْت: أَيْ مِنْ طِين خَالِص; فَأَمَّا وَلَده فَهُوَ مِنْ طِين وَمَنِيّ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّل سُورَة الْأَنْعَام. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: السُّلَالَة الطِّين إِذَا عَصَرْته اِنْسَلَّ مِنْ بَيْن أَصَابِعك; فَاَلَّذِي يَخْرُج هُوَ السُّلَالَة.

 

الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {نُطْفَةً} قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ.

الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ} اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخَلْقِ الْآخَرِ، فَقَالَ ابن عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو العالية وَالضَّحَّاكُ وَابن زَيْدٍ: هُوَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ. جمادا. وعن ابن عباس: خروجه إِلَى الدُّنْيَا. وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ فِرْقَةٍ: نَبَاتُ شَعْرِهِ. الضَّحَّاكُ: خُرُوجُ الْأَسْنَانِ وَنَبَاتُ الشَّعْرِ. مُجَاهِدٌ: كَمَالُ شَبَابِهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابن عُمَرَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي هَذَا وَفِي غَيْرِهِ مِنَ النُّطْقِ وَالْإِدْرَاكِ وَحُسْنِ الْمُحَاوَلَةِ وَتَحْصِيلِ الْمَعْقُولَاتِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ."

نعم إذا تغير حاله صار آخر، إذا تغير حاله من طور إلى طور صار آخر.

" الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا سَمِعَ صَدْرَ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ:" خَلْقًا آخَرَ" قَالَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ-: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». وَفِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ: وَنَزَلَتْ {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} الْآيَةَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ قُلْتُ أَنَا: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، فَنَزَلَتْ: {فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ}. وَيُرْوَى أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. وَرُوِيَ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ، وَبِهَذَا السَّبَبِ ارْتَدَّ وَقَالَ: آتِي بِمِثْلِ مَا يَأْتِي مُحَمَّدٌ، وَفِيهِ نَزَلَ {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إلى وَلَمْ يُوحَ إليه شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الانعام: 93]"

مثل هذه المواقف يحصل فيها شيء من الفتنة إذا قال الإنسان قولاً أصاب فيه الحق وطابقه قد يغتر، قد يُصاب بغرور وقد يتعالى على غيره، ثم يجره ذلك إلى أن ينسلخ من الدين بالكلية كما حصل لبعض الأذكياء من أهل العلم من فرط ذكائهم توقعوا أشياء فوقعت، وتحدثوا عن أشياء فصارت كما هي، ثم بعد ذلك خرجوا من الدين وسببه العُجب والاستكبار ورؤية النفس –نسأل الله العافية-.

"عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي" الْأَنْعَامِ ". وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتَبارَكَ} تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ. {أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} أَتقَنُ الصَّانِعِينَ. يُقَالُ لِمَنْ صَنَعَ شَيْئًا خَلَقَهُ، ومنه قول الشَّاعِرُ:

وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ... ضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي

وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى نَفْيِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَنِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يُضَافُ الْخَلْقُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ ابن جريح إِنَّمَا قَالَ: {أَحْسَنُ الْخالِقِينَ}؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ لِعِيسَى -عليه السلام- أَنْ يَخْلُقَ، وَاضْطَرَبَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ. وَلَا تُنْفَى اللَّفْظَةُ عَنِ الْبَشَرِ فِي مَعْنَى الصُّنْعِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَنْفِيَّةٌ بِمَعْنَى الِاخْتِرَاعِ وَالْإِيجَادِ مِنَ الْعَدَمِ.

الْخَامِسَةُ: مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ ابن عَبَّاسٍ لِعُمَرَ حِينَ سَأَلَ مَشْيَخَةَ الصَّحَابَةِ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُ يَا ابن عَبَّاسٍ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الله تعالى خلق السموات سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا، وَخَلَقَ ابن آدَمَ مِنْ سبع، وجعل رزقه في سبع، فأراها فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ الله عنه- أعجزكم أَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ مَا أَتَى هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعْ شُؤونُ رَأْسِهِ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي مُسْنَدِ ابن أَبِي شَيْبَةَ. فَأَرَادَ ابن عَبَّاسٍ" خُلِقَ ابن آدَمَ مِنْ سَبْعٍ" بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبِقَوْلِهِ: وَجُعِلَ رِزْقُهُ فِي سَبْعٍ" قَوْلُهُ: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا} [عبس: 31 -27] الْآيَةَ. السَّبْعُ مِنْهَا لِابن آدَمَ، وَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ. وَالْقَضْبُ يَأْكُلُهُ ابن آدَمَ وَيَسْمَنُ مِنْهُ النِّسَاءُ، هَذَا قَوْلٌ. وَقِيلَ: الْقَضْبُ الْبُقُولُ؛ لِأَنَّهَا تُقْضَبُ، فَهِيَ رِزْقُ ابن آدَمَ. وَقِيلَ: الْقَضْبُ وَالْأَبُّ لِلْأَنْعَامِ، وَالسِّتُّ الْبَاقِيَةُ لِابن آدَمَ، وَالسَّابِعَةُ هِيَ لِلْأَنْعَامِ، إِذْ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ رِزْقِ ابن آدم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ} أَيْ بَعْدَ الْخَلْقِ وَالْحَيَاةِ. النحاس: وَيُقَالُ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَمَائِتُونَ. ثُمَّ أَخْبَرَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَالَ: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُون}."

الميت بالتشديد من سيموت، والمَيْت بالتخفيف من مات حقيقةً لذا قال: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} يعني في المستقبل {إنك ميت وإنهم ميتون}.

طالب:..............

هذا الأصل من قد مات.

ليس من مات فاستراح بميت         إنما الميت ميت الأحياء

قد يراد هذه بمعنى هذا، وذاك بمعنى ذاك.

"قوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ} قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ سبع سموات. وَحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ يُقَالُ: طَارَقْتُ الشَّيْءَ، أَيْ جعلت بعضه فوق بعض، فقيل للسموات: طَرَائِقُ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ."

ومنه قوله: طارقت النعل، يعني جعل بعض الصفائح على بعض جعلها طرائق. 

" وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كل شيء فوق شيء طَرِيقَةً. وَقِيلَ: لِأَنَّهَا طَرَائِقُ الْمَلَائِكَةِ. {وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ} قال بعض العلماء: أي عَنْ خَلْقِ السَّمَاءِ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: أَيْ عَنِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ عليهمْ فَتُهْلِكَهُمْ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى" وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ" أَيْ فِي الْقِيَامِ بمصالحهم وحفظهم، وَهُوَ مَعْنَى الْحَيُّ الْقَيُّومُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

{وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ} فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ:

الْأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ وَمِمَّا امْتَنَّ بِهِ عليهمْ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْمِنَنِ الْمَاءُ الَّذِي هُوَ حَيَاةُ الْأَبَدَانِ وَنَمَاءُ الْحَيَوَانِ. وَالْمَاءُ الْمُنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قِسْمَيْنِ : هَذَا الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَهُ فِيهَا مُخْتَزَنًا لِسَقْيِ النَّاسِ يَجِدُونَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ. إليه، وَهُوَ مَاءُ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ وَمَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْآبَارِ. وَرُوِيَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ وغيره أنه إنما أراد الأنهار الأربعة: سيحان وَجَيْحَانَ وَنِيلَ مِصْرَ وَالْفُرَاتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مَاءٌ إِلَّا وَهُوَ مِنَ السَّمَاءِ. وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَإِلَّا فَالْأُجَاجُ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَيَّدَ قَوْلُهُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ، وَلَا مَحَالَةَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ فِي الْأَرْضِ مَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً.

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} إِشَارَةٌ إِلَى الْمَاءِ الْعَذْبِ، وَأَنَّ أَصْلَهُ مِنَ الْبَحْرِ، رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلُطْفِهِ وَحُسْنِ تَقْدِيرِهِ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى السَّمَاءِ، حَتَّى طَابَ بِذَلِكَ الرَّفْعِ وَالتَّصْعِيدِ، ثُمَّ أَنْزَلَهُ إِلَى الْأَرْضِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ إِلَى مَاءِ الْبَحْرِ لَمَا انْتُفِعَ بِهِ مِنْ مُلُوحَتِهِ.

نعم هذا ما يقوله علماء الهيئة يقولون: إن الأصل أن الشمس إذا سلطت أشعتها على البحر تبخر ثم تصاعد إلى الجو، تكثف ثم نزل، ومن أهل العلم من المتشرعة من يرى أن الماء ينزل من السماء حقيقة من غير أن يصعد إليها، وأن ميكائيل يكيله وينزله بقدر، ولو زاد عن القدر المحدد له لغرقوا، والله أعلم بحقيقة الحال.

 

الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {بِقَدَرٍ} أَيْ عَلَى مِقْدَارٍ مُصْلِحٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَثُرَ أَهْلَكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} " [الحجر: 21]. {وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ} يَعْنِي الْمَاءَ الْمُخْتَزِنَ. وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، أَيْ فِي قُدْرَتِنَا إِذْهَابُهُ وَتَغْوِيرُهُ، وَيَهْلِكُ النَّاسُ بِالْعَطَشِ وَتَهْلِكُ مَوَاشِيهِمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً} أَيْ غَائِرًا، {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِين}"

ذكر المفسرون هذه الآية آخر تبارك لما قال _جل وعلا_: {قل أرأيتم إن أصبح مائكم غورا فمن يأتيكم بماء معين} قال رجل: تأتي به الفؤوس والمعاول، فغار ماء عينه -نسأل الله العافية-، هذه نتيجة المحادة والمعاندة نسأل الله العافية..

"الثَّالِثَةُ: ذَكَرَ النَّحَّاسُ: قُرِئَ عَلَى أَبِي يَعْقُوبَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ عَنْ جَامِعِ بن سوادة قال:  حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَابِقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بن على عن مقاتل بن حيان عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- قَالَ: «أَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ سَيْحُونَ وَهُوَ نَهْرُ الْهِنْدِ، وَجَيْحُونَ وَهُوَ نَهْرُ بَلْخٍ، وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ وَهُمَا نَهْرَا الْعِرَاقِ، وَالنِّيلَ وَهُوَ نَهْرُ مِصْرَ، أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الْجَنَّةِ فِي أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ -عليه السلام- فَاسْتَوْدَعَهَا الْجِبَالَ وَأَجْرَاهَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ فِي أَصْنَافِ مَعَايِشِهِمْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:" {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ} فَإِذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَرْسَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- جِبْرِيلَ فَرَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَجَمِيعَ الْأَنْهَارِ الْخَمْسَةِ فَيَرْفَعُ ذَلِكَ إِلَى السَّمَاءِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ} فَإِذَا رُفِعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنَ الْأَرْضِ فَقَدَ أَهْلُهَا خَيْرَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا»".

الأنهار السابقة بهذا اللفظ سيحان وجيحان والنيل والفرات جاء بها الحديث الصحيح، وأنها من أنهار الجنة، أما ما ذكر في الخبر الأخير سيحون وجيحون إما أن يكون مصحفًا أو لفظ آخر ينطق به النهران الآخران، والنيل والفرات معروفان، لكن هل مقتضى كونهما من أنهار الجنة يكون لهم خصيصة؟ وفي مائهما بركة مثلاً؟ أو يندب الشرب منهما، أو يندب الاغتسال فيهما وما شابه ذلك؟

ما الفائدة من كونهم من أنهار الجنة؟ يعني مثلما جاء في الروضة: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» هل يقتضي هذا أن تختص بمزيد عبادة أو ما أشبه ذلك يصلي فيها ويتلى فيها القران ويُتعبد فيها ويُعتكف فيها؟ تكون أولى من غيرها؛ لأنها من الجنة روضة من رياض الجنة هل يقتضي هذا أم لا؟ ما الفائدة من تخصيص هذه الأنهار من كونها من الجنة؟

طالب:... ذكر فضلها.

ذكر فضلها مجرد خبر عارٍ من الفائدة لو جاء خبر آخر يدل على ما يشمل هذه الأشياء وغيرها وأُمر به مثل «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، «وما بين البيت والمنبر روضة من رياض الجنة» فهل نرتع أم ما نرتع؟ هذا فرد من أفراد العام، يعني كونه يُفسر بحلق الذكر هذا فرد من الأفراد، ولا يقتضي التخصيص، فكلما مررنا بروضة من رياض الجنة علينا أن نرتع امتثالاً للأمر وهذه منه، لكن الأنهار هذه جاء ما يخصها أو ما يشملها بمجموعه؟ ما جاء شيء فافترق.

طالب:......

يعني المياه ما ورد فيها.

طالب:......

يعني ما في شك لها وجه اختصاص، يعني كوننا نتعبد بالاغتسال فيها والشرب منها يحتاج إلى نص ولو عام مثل «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، يعني يقتضي أننا إذا مررنا بهذه الروضة من رياض الجنة فإننا نخصها بشيء من العبادة امتثالاً للفظ العام.

"الرَّابِعَةُ: كُلُّ مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مُخْتَزَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُخْتَزَنٍ فَهُوَ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ، يُغْتَسَلُ بِهِ وَيُتَوَضَّأُ مِنْهُ، عَلَى مَا يأتي في" الفرقان بيانه.

{فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ} فِيهِ مَسْأَلَتَانِ:

الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَنْشَأْنا} أَيْ جَعَلْنَا ذَلِكَ سَبَبَ النَّبَاتِ، وَأَوْجَدْنَاهُ بِهِ وَخَلَقْنَاهُ. وَذَكَرَ تَعَالَى النَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ الْحِجَازِ بِالطَّائِفِ وَالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمَا، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ. وَلِأَنَّهَا أَيْضًا أَشْرَفُ الثِّمَارِ، فَذَكَرَهَا تَشْرِيفًا لَهَا وَتَنْبِيهًا عليها. {لَكُمْ فِيها} أيْ فِي الْجَنَّاتِ. {فَواكِهُ} مِنْ غَيْرِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ خَاصَّةً؛ إِذْ فِيهَا مَرَاتِبُ وَأَنْوَاعُ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ لِسَائِرِ الثَّمَرَاتِ."

نعم التمر والعنب على اختلاف المراحل في مرحلة من المراحل فاكهة، ومرحلة من المراحل غذاء.

"الثَّانِيَةُ: مَنْ حَلَفَ أَلَّا يأكل فاكهة، ففي الرِّوَايَةِ عِنْدَنَا يَحْنَثُ بِالْبَاقِلَاءِ الْخَضْرَاءِ وَمَا أَشْبَهَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْقِثَّاءِ والخيار والجزر؛ لأنها من القبول لَا مِنَ الْفَاكِهَةِ. وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْفُسْتُقُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تُعَدُّ مِنَ الْفَاكِهَةِ."

لكن هل يحنث بها كالتمر، أو لا يحنث؟ على قول الأكثر أن مرد الأيمان والنذور إلى الأعراف العُرف، ما يدخل التمر في الفاكهة، ما يدخل التمر في الفاكهة، وإذا نظرنا إلى الآية وقلنا: إن الضمير يعود على تقدم {لكم فيها} قلنا يحنث؛ لأنه فاكهة.

"وَإِنْ أَكَلَ تُفَّاحًا أَوْ خَوْخًا أَوْ مِشْمِشًا أَوْ تِينًا أَوْ إِجَّاصًا يَحْنَثُ. وَكَذَلِكَ الْبِطِّيخُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا تُؤْكَلُ عَلَى جِهَةِ التَّفَكُّهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ، فَكَانَتْ فَاكِهَةً."

لكن ما أحد يقول: إنه لو حنث ألا يقرب الفاكهة ثم أوقد النار في الشتاء والشاعر يقول: النار فاكهة الشتاء يحنث أم ما يحنث؟ لا يحنث قولًا واحد، وسميت فاكهة.

" وَكَذَلِكَ يَابِسُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا الْبِطِّيخَ اليابس؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ إِلَّا فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ. وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْبِطِّيخِ الْهِنْدِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنَ الْفَوَاكِهِ. وَإِنْ أَكَلَ عِنَبًا أَوْ رُمَّانًا أَوْ رُطَبًا لَا يَحْنَثُ. وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أَعَزِّ الْفَوَاكِهِ، وَتُؤْكَلُ عَلَى وَجْهِ التَّنَعُّمِ. وَالْإِفْرَادُ لَهَا بالذكر في كتاب الله -عز جَلَّ-؛ لِكَمَالِ مَعَانِيهَا، كَتَخْصِيصِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. "

 يعني من عطف الخاص على العام، الاهتمام بشأن الخاص والعناية به.

" وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنْ قَالَ: عَطَفَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْفَاكِهَةِ مَرَّةً فَقَالَ: {فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]".

والعطف في الأصل يقتضي المغايرة.

" {وَمَرَّةً عَطَفَ الْفَاكِهَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَقَالَ: {وَفاكِهَةً وَأَبًّا} " [عبس: 31] وَالْمَعْطُوفُ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عليه، وَلَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ ذِكْرُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَوْضِعِ الْمِنَّةِ. وَالْعِنَبُ وَالرُّمَّانُ يُكْتَفَى بِهِمَا فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ فَلَا يَكُونُ فَاكِهَةً، وَلِأَنَّ مَا كَانَ فَاكِهَةً لَا فَرْقَ بَيْنَ رَطْبِهِ وَيَابِسِهِ، وَيَابِسُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يُعَدُّ فَاكِهَةً، فَكَذَلِكَ رَطْبُهَا.

قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} فِيهِ سِتُّ مَسَائِلَ: الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَشَجَرَةً) شَجَرَةً عُطِفَ عَلَى جَنَّاتٍ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ الرَّفْعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرِ الْفِعْلُ، بِمَعْنَى وَثَمَّ شَجَرَةً، وَيُرِيدُ بِهَا شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ. وَأَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ؛ لِعَظِيمِ مَنَافِعِهَا فِي أَرْضِ الشَّامِ وَالْحِجَازِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبِلَادِ، وَقِلَّةِ تَعَاهُدِهَا بِالسَّقْيِ وَالْحَفْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُرَاعَاةِ فِي سَائِرِ الْأَشْجَارِ.

{تَخْرُجُ} فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ. {مِنْ طُورِ سَيْناءَ} أَيْ أَنْبَتَهَا اللَّهُ فِي الْأَصْلِ مِنْ هَذَا الْجَبَلِ الَّذِي بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ. وَطُور سَيْنَاءَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عليه مُوسَى -عليه السلام-، قَالَهُ ابن عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ وَالْأَعْرَافِ. وَالطُّورُ الْجَبَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقِيلَ: هُوَ مِمَّا عُرِّبَ مِنْ كَلَامِ الْعَجَمِ. وَقَالَ ابن زيد: هو جبل بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَمْدُودٌ مِنْ مِصْرَ إِلَى أَيْلَةَ. وَاخْتُلِفَ فِي سَيْنَاءَ، فَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ الْحَسَنُ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يُنَوَّنَ الطُّورُ عَلَى النَّعْتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ مُبَارَكٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ فِرْقَةٍ:  مَعْنَاهُ شَجَرٌ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يُنَوِّنُوا الطُّورَ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ اسْمُ الْجَبَلِ، كَمَا تَقُولُ جَبَلُ أُحُدٍ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: سَيْنَاءُ حَجَرٌ بِعَيْنِهِ أُضِيفَ الْجَبَلُ إليه؛ لِوُجُودِهِ عِنْدَهُ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كُلُّ جَبَلٍ يَحْمِلُ الثِّمَارَ فَهُوَ سَيْنَاءُ، أَيْ حَسَنٌ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى وَزْنِ فَعْلَاءَ، وَفَعْلَاءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ، يُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ؛ لِأَنَّ فِي آخِرِهَا أَلِفَ التَّأْنِيثِ، وَأَلِفُ التَّأْنِيثِ مُلَازِمَةٌ لِمَا هِيَ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَعْلَاءُ، وَلَكِنْ مَنْ قَرَأَ سِينَاءَ بِكَسْرِ السين جعله فعلا لا، فَالْهَمْزَةُ فِيهِ كَهَمْزَةِ حِرْبَاءَ، وَلَمْ يُصْرَفْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ اسْمَ بُقْعَةٍ. وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ أَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ."

إن الزيتون وما جاء في مدحه شيء كثير في نصوص الكتاب والسنة ومن كلام أهل العلم، ويأتي بسورة النور في آية النور شيء من فضائله بتفصيلها. مرض شخص فرأى في المنام من يقول له: شفاؤك في لا ولا، فذهب إلى العابر فقال له الزيتون: {لا شرقية ولا غربية}.

"الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} قَرَأَ الْجُمْهُورُ" تَنْبُتُ" بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: تَنْبُتُ وَمَعَهَا الدُّهْنُ، كَمَا تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلَاحِهِ. وَقَرَأَ ابن كَثِيرٍ وأبو عمرو بضم التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ. وَاخْتُلِفَ فِي التَّقْدِيرِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ أَبُو علي الْفَارِسِيُّ: التَّقْدِيرُ تُنْبِتُ جَنَاهَا وَمَعَهُ الدُّهْنُ، فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. وَقِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، مِثْلُ: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بِالْفَرَجِ

وَقَالَ آخَرُ:

هُنَّ الْحَرَائِرُ لَا رَبَّاتُ أَخْمِرَة...  ىسُودُ الْمَحَاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بالسور

ونحو هذا قال أَبُو علي أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: نَبَتَ وَأَنْبَتَ بِمَعْنًى، فَيَكُونُ الْمَعْنَى كَمَا مَضَى فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْفَرَّاءِ وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ الْبَقْل."

والاتحاد معنى الثلاثي والرباعي جاء قوله- جل وعلا-: {أنبتكم من الأرض نباتا} ولو عاد إلى العقل نفسه لقال إنباتًا، فدل على أن معنى الثلاثي والرباعي واحد.

"وَالْأَصْمَعِيُّ يُنْكِرُ أَنْبَتَ، وَيَتَّهِمُ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيهَا:

رَأَيْتُ ذَوِي الْحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ.    .. قَطِينًا بِهَا حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ الْبَقْلُ

أَيْ نَبَتَ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَالْأَعْرَجُ:" تُنْبَتُ بِالدُّهْنِ" بِرَفْعِ التَّاءِ وَنَصْبِ الْبَاءِ. قَالَ ابن جِنِّي وَالزَّجَّاجُ: هِيَ بَاءُ الْحَالِ، أَيْ تَنْبُتُ وَمَعَهَا دُهْنُهَا. وَفِي قِرَاءَةِ ابن مَسْعُودٍ:" تَخْرُجُ بِالدُّهْنِ" وَهِيَ بَاءُ الْحَالِ. وقال ابن دَرَسْتُوَيْهِ: الدُّهْنُ الْمَاءُ اللَّيِّنُ، تُنْبِتُ مِنَ الْإِنْبَاتِ. وَقَرَأَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ:" تُنْبِتُ- بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ- الدُّهْنُ" بِحَذْفِ الْبَاءِ وَنَصْبِهِ. وَقَرَأَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْأَشْهَبُ :" بِالدِّهَانِ". وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الزَّيْتِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَهِيَ مِنْ أَرْكَانِ النِّعَمُ الَّتِي لَا غِنَى بِالصِّحَّةِ عَنْهَا. وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى الزَّيْتُونِ شَجَرُ الزَّيْتِ كُلُّهُ عَلَى اخْتِلَافِهِ بِحَسَبِ الْأَقْطَارِ.

الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ:" وَأَصْبَاغٌ" بِالْجَمْعِ. وَقَرَأَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ:" وَمَتاعاً"، وَيُرَادُ بِهِ الزَّيْتُ الَّذِي يُصْطَبَغُ بِهِ الْأَكْلُ، يُقَالُ: صِبْغٌ وَصِبَاغٌ، مِثْلَ دِبْغٍ وَدِبَاغٍ، وَلِبْسٍ وَلِبَاسٍ. وَكُلُّ إِدَامٍ يُؤْتَدَمُ بِهِ فَهُوَ صِبْغٌ، حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَأَصْلُ الصِّبْغِ مَا يُلَوَّنُ بِهِ الثَّوْبُ، وَشُبِّهَ الْإِدَامُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْخُبْزَ يُلَوَّنُ بِالصِّبْغِ إِذَا غُمِسَ فِيهِ."

 وعلى هذا يكون صبغ الفعل بمعني المفعول، صبغ يعني مصبوغ، طعام مصبوغ بالدهن للآكلين.

"وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْأُدْمُ الزَّيْتُونُ، وَالدُّهْنُ الزَّيْتُ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ أُدْمًا وَدُهْنًا، فَالصِّبْغُ عَلَى هَذَا الزَّيْتُونُ.

الرَّابِعَةُ: لَا خِلَافَ أَنَّ كُلَّ مَا يُصْطَبَغُ فِيهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ كَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالرُّبِّ وَالْخَلِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرَاقِ أَنَّهُ إِدَامٌ."

الزيت والعسل والسمن والعسل هذه معروفة، الرُّب ما هو؟

طالب:....

دبس التمر الذي يوضع مع السمن المقصود أنه مما يستخلص من التمر يوضع مع السمن معروف عند البداية.

"وَقَدْ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- عَلَى الْخَلِّ فَقَالَ: «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» رَوَاهُ تِسْعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، سَبْعَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ. وَمِمَّنْ رَوَاهُ فِي الصَّحِيحِ جَابِرٌ وَعَائِشَةُ وَخَارِجَةُ وَعُمَرُ وَابنهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَابن عَبَّاسٍ وأبو هريرة وسمرة ابن جُنْدُبٍ وَأَنَسٌ وَأُمُّ هَانِئٍ.

الْخَامِسَةُ: وَاخْتُلِفَ فِيمَا كَانَ جَامِدًا كَاللَّحْمِ وَالتَّمْرِ وَالزَّيْتُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْجَوَامِدِ، فَالْجُمْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِدَامٌ، فَمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ إِدَامًا فَأَكَلَ لَحْمًا أَوْ جُبْنًا حَنِثَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ."

إدام الخبز تأدمه بلحمه فاللحم إدام، إدام الخبز تأدمه بلحم فذاك أمانة الله، الثريد ما يُأتدم به ويوضع في الخبز ليسيغه فهو إدام أيًّا كان.

" وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالْبَقْلُ لَيْسَ بِإِدَامٍ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّمْرِ وَجْهَانِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِدَامٍ؛ لِقَوْلِهِ في التنبيه وَقِيلَ يَحْنَثُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ إِدَامٌ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عبد الله بن سَلَامٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ- أَخَذَ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ فَوَضَعَ عليها تَمْرَةً فَقَالَ: «هَذَا إِدَامُ هَذِهِ» وَقَالَ- صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ-: «سَيِّدُ إِدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ» ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ. وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بَابَ الْإِدَامِ وَسَاقَ حَدِيثَ عَائِشَةَ؛ وَلِأَنَّ الْإِدَامَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُؤَادَمَةِ وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تُوَافِقُ الْخُبْزَ فَكَانَ إِدَامًا.

وَفِي الْحَدِيثِ عَنْهُ -عليه السلام-: «ائْتَدِمُوا وَلَوْ بِالْمَاءِ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِدَامِ الْمُوَافَقَةُ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ الْفَصْلَ، كَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَنَحْوِهِمَا".

يعني ما يخالط وما يؤتدم به.

 وَأَمَّا اللَّحْمُ وَالْبَيْضُ وَغَيْرُهُمَا فلَا يُوَافِقُ الْخُبْزَ بَلْ يُجَاوِزُهُ كَالْبِطِّيخِ وَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ كُلَّ مَا يُحْتَاجُ فِي الْأَكْلِ إِلَى مُوَافَقَةِ الْخُبْزِ كَانَ إِدَامًا، وَكُلُّ مَا لَا يُحْتَاجُ وَيُؤْكَلُ عَلَى حِدَةٍ لَا يَكُونُ إِدَامًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

السَّادِسَةُ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ-  صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ-: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» هَذَا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَكَانَ يَضْطَرِبُ فِيهِ، فَرُبَّمَا يُذْكَرُ فِيهِ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ-، وَرُبَّمَا رَوَاهُ عَلَى الشَّكِّ فَقَالَ: أَحْسَبُهُ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ-، وَرُبَّمَا قَالَ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ-. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: خُصَّ الطُّورُ بِالزَّيْتُونِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الزَّيْتُونِ نَبَتَ مِنْهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الزَّيْتُونَ أَوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ الطوفان. والله أعلم.

الحديث الأخير.

طالب:..................

المقصد أنه بشواهده يدل على أن له أصلًا.

 

مباشر شرح المقنع في فقه الإمام أحمد