شرح المحرر - كتاب الصيام - 03

سم.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.

قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة)) وفي لفظ: فقيل له: "إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت؟ فدعا بقدح من ماء بعد العصر" رواه مسلم.

وروى أيضاً عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "رخص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه" رواه الدارقطني، وقال: هذا إسناد صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: هلكت يا رسول الله! قال: ((وما أهلكك؟)) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم في رمضان، قال: ((هل تجد ما تعتق رقبة؟)) قال: لا، قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)) قال: لا، قال: ((فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟)) قال: لا، ثم جلس فأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرق فيه تمر، فقال: ((تصدق بهذا)) فقال: على أفقر منا؟! فما بين لابتيها أهل بيت أفقر إليه منا، فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت أنيابه، ثم قال: ((اذهب فأطعمه أهلك)) متفق عليه، واللفظ لمسلم.

وقد روي الأمر بالقضاء من غير وجه، وهو مختلف في صحته.

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) متفق عليه، وقد تكلم فيه الإمام أحمد بن حنبل.

حسبك.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان" المسافر وجاء الشرع بالتخفيف عنه؛ لأن السفر مظنة المشقة، فمن رخص السفر الجمع والقصر والفطر بالنسبة للصائم، والمسح أكثر من مدة المقيم، ثلاثة أيام بلياليها.

هذه الرخص معلقة بوصف مؤثر هو السفر لا غير، سواءً وجدت المشقة أو لم توجد، السفر لا شك أنه مظنة المشقة، وكان القصر معلقاً بالخوف، ثم ارتفع الوصف {إِنْ خِفْتُمْ} [(101) سورة النساء] وبقي الوصف المؤثر للقصر وهو السفر، وكذلك الفطر في رمضان يبيحه السفر المعروف عند أهل العلم، وكل على مذهبه في طوله ومدته، مما سبق شرحه وبيانه في موضعه من هذا الكتاب، فإذا تحقق هذا الوصف فإن الصائم له أن يفطر {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [(184) سورة البقرة] يعني فأفطر فعليه عدة من أيام أخر، إذا أفطر في السفر لوجود الوصف المؤثر الذي علق عليه الترخص، إذا أفطر ولو كان السفر لا يشق عليه، فيجب عليه عدة من أيام أخر، إذا لم يفطر فليس عليه عدة من أيام أخر خلافاً للظاهرية في قولهم: إن المسافر لا يصح صومه، بل يلزمه عدة من أيام أخر {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ} [(184) سورة البقرة] يعني فعليه عدة، أو فيلزمه {عدة من أيام أخر} لكن الجمهور يقدرون في ذلك فأفطر، وعلى هذا الصوم في السفر رخصة، ومنهم من يفضله مطلقاً، أوجبه الظاهرية كما سمعنا، وأن المسافر لا يصح منه الصوم، وعليه على أي حال عدة من أيام أخر، والجمهور يصححون الصوم، لكن منهم من يفضل الفطر؛ لأنها رخصة من الله -جل وعلا-، والله -سبحانه وتعالى- جواد كريم يحب أن تؤتى رخصه، ومنهم من يقول: الصوم أفضل، ومنهم من يقول: إذا شق عليه الصوم فالفطر أفضل، وإذا لم يشق عليه الصوم فالصوم في وقته أفضل، ولو كان مسافراً، وإذا زادت المشقة على المسافر فيتجه ما في هذا الحديث: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة)) فلا يطرد الحكم في كون الصيام في السفر أفضل، ولا كون الفطر أفضل مطلقاً، بل إذا تساوت المشقة الحاصلة بسبب الصوم مع السفر مثل المشقة الحاصلة بسبب الصوم في الحضر فالمتجه التساوي؛ لأن المبيح للفطر قائم، والملزم بالصيام قائم، وبعض الناس سفره أقل مشقة منه في حال الإقامة كمن بلده حار ويسافر إلى بلد بارد، فهو في السفر أريح منه في حال الإقامة مثل هذا إذا صام والداعي للصيام ما زال قائماً، ووقت الصيام وهو رمضان ما زال، وهو محترم في حال السفر وغير السفر.

على كل حال الرسول -عليه الصلاة والسلام- "خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان" نعم فتح مكة في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة "فصام حتى بلغ كراع الغميم" وادٍ بين مكة والمدينة، قريب من عُسفان "حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس" النبي -عليه الصلاة والسلام- صام، فدل على مشروعية الصيام في السفر "وصام الناس" لكنه -عليه الصلاة والسلام- وهو الرؤوف الرحيم، المشفق على أمته يخشى أن يشق هذا الصيام على من معه، ولا تسمح أنفسهم أن يفطروا وهو صائم.

"ثم دعا بقدح من ماء حتى نظر الناس إليه، ثم شرب" هكذا ينبغي أن يكون القدوة، أن يلاحظ الضعفاء من الناس، ولا ينظر إلى نفسه، بحيث يحمل الناس على قوته وشدته وتحمله، الرسول -عليه الصلاة والسلام- أعطي من القوة ما لم يعطه غيره، ولا يشق عليه أن يصوم في السفر، لكنه لاحظ الناس "فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء" إناء فيه ماء "فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب" يعني كما فعل عشية عرفة؛ لينظر الناس إليه، لأن بعض الناس عنده من الحرص ما يتحمل معه الضرر في سبيل حصول الأجر "فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس" وقد رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- يرفع القدح ويشرب من الماء، رغب عن سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، وتحمل هذه المشقة "فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة))" و((ليس من البر الصيام في السفر)) وهو منزل على هذه الحالة، إذا وجدت المشقة، وإذا لم توجد المشقة فالصيام متجه؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- صام وهو في السفر، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يسافرون معه، فمنهم الصائم ومنهم المفطر، ولا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، هذا في حال عدم المشقة، أما إذا وجدت المشقة فالفطر أفضل بلا شك، وإن زادت المشقة، قد وجد شخص قد ظلل عليه من الحر والعطش، ومثل هذا لا يجوز له أن يصوم في السفر، ويدخل في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة)) فالصوم في السفر يحتاج إلى مثل هذا التفصيل؛ لأنه جاء في النصوص ما يدل عليه.

"وفي لفظ: فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر" رواه مسلم" لأن بعض الناس يتحمل هذه المشقة، وتزيد عليه المشقة حتى أن بعضهم يتضرر يحتاج إلى الأكل لوجود مرض يستدعي ذلك، ومع ذلك يتحمل هذه المشقة، وقد لا يكون الداعي إلى ذلك كله الرغبة في الخير، قد يكون صيامه مع الناس أخف عليه، ويستثقل القضاء، بعض الناس يستثقل القضاء، ويتحمل ما صام، يقول: أنا صمت الآن، انتصف النهار ما بقي إلا ساعات، أتحمل ولو تضررت، نقول: أولئك العصاة، هذا في السفر، أما في الحضر فلا مندوحة من الصيام، إلا إذا وصل الضرر بحيث يترتب عنه مرض أو زيادة في مرض، أو تأخر برء فإنه حينئذٍ يفطر {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [(184) سورة البقرة].

"وفي لفظ: فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر" يعني فشرب منه، رفعه حتى رآه الناس فشرب منه -عليه الصلاة والسلام- "رواه مسلم".

"وروى أيضاً عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: "يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟" يعني أنا أصوم وقد رأيتك تشرب الماء بعد الصيام "فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((هي رخصة من الله تعالى، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه))".

((هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن)) لأن الله -جل وعلا- يحب أن تؤتى رخصه، والرخصة في الاصطلاح ما جاء على خلاف الدليل الشرعي لمعارض راجح، أو هي: استباحة المحظور مع قيام الحاظر؛ لمعارض راجح، والعزيمة ما جاء على وفق الدليل الشرعي مع عدم المعارض الراجح.

"فهل علي جناح؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن))" صدقة تصدق الله بها، وجاء في القصر فاقبلوا صدقته.

((ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)) هذا يدل على أن الصيام والفطر كلاهما جائز، لكن قد يترجح الفطر، وقد يترجح الصيام على ما سبق.

"وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه".

رأي ابن عباس في قوله -جل وعلا-: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [(184) سورة البقرة] الجمهور على أن الفطر مع الإطعام بالنسبة للقادر على الصيام هو منسوخ {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [(185) سورة البقرة] كان في الأمر الأول على التخير من شاء صام ومن شاء أطعم مع القدرة {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [(184) سورة البقرة] ابن عباس يرى أن الآية ليست منسوخة، وإنما هي في حق الشيخ الكبير يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، الشيخ الكبير لا يخلو إما أن يكون قادراً على الصيام، وحينئذٍ يلزمه أن يصوم؛ لقوله -جل وعلا-: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [(185) سورة البقرة] وإن كان غير قادر على الصيام صار كالمريض الذي لا يرجى برؤه، فالمريض والمسافر يفطران، والحامل والمرضع تفطران، لكن الذي يستطيع القضاء لا يجزئه الإطعام، والذي لا يستطيع القضاء من كبير، من شيخ كبير هرم، أو مريض لا يرجى برؤه فإن هذا يطعم عن كل يوم مسكيناً نصف صاع من طعام، ولا قضاء عليه؛ لأنه لا يستطيع ولا يرجى برؤه كالمريض.

"رواه الدارقطني، وقال: هذا إسناد صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري" العلماء ينصون على أن هذا من دقيق فقه ابن عباس، يعني الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [(184) سورة البقرة] الذين يطيقونه، والإطاقة التحمل والاستطاعة، كيف نحمل هذا على شخص لا يطيقه، شيخ كبير؟ لأن الكبر والشيخوخة ليست بوصف مؤثر في الصيام، إنما المؤثر الطاقة والقدرة أو عدم الطاقة والقدرة، فبأي وجه قال أهل العلم إن هذا من دقيق فقه ابن عباس؟ ابن عباس ليجعل الآية محكمة وليست منسوخة، ولا شك أنه إذا أمكن حمل النص ولو على وجه، هو أولى من إلغاء النص، وقول ابن عباس يجعلنا نحمل هذا النص على وجه وهو حمله على الشيخ الكبير أولى من أن نجعله منسوخاً، ملغى من كل وجه، مرفوع الحكم عن كل أحد.

وعلى كل حال قول الجمهور واضح والظاهر يدل عليه؛ لأن الطاقة هي القدرة، فالذي يطيقه يلزمه الصيام، ولا يجوز له أن يفدي، ويترك الصيام.

"رواه الدارقطني، وقال: هذا إسناد صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري"

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: هلكت يا رسول الله" جاء رجل، في بعض الروايات: أعرابي "إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: هلكت يا رسول الله، قال: ((وما أهلكك؟)) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم في رمضان" قوله: "هلكت" قال العلماء: هذا يدل على أنه يعرف الحكم، وأن الجماع في نهار رمضان محرم، وأنه مفطر، لكنه لا يعرف ما يترتب على هذا المحرم، وأهل العلم يقررون أن من عرف الحكم فإنه يلزمه ما يترتب عليه ولو جهل ذلك بخلاف من لم يعرف الحكم أصلاً، يعني لو قدر أن شخصاً لا يعرف أن الجماع في نهار رمضان مفطر، ولا يعرف أنه حرام هذا معذور بجهله، ولا يرتب عليه شيء، يعني كمن قالوا في من هو حديث عهد بالإسلام وشرب الخمر ما يلزم الحد، لكن إذا كان يعرف أن الخمر حرام أو الزنا حرام، لكن لا يعرف ما يترتب عليه، فإنه يرتب عليه ما يترتب على هذا المحرم؛ لأنه يعرف أنه محرم، فكيف أقدم عليه وهو يعرف؟ وهذا يعرف أن الجماع في نهار رمضان مفطر، وأنه محرم، ولذا قال: "هلكت، وأهلكت" هلك بنفسه وأهلك زوجته معه.

"قال: ((وما أهلكك؟)) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم في رمضان" لو وقع على زوجته وهو صائم في غير رمضان صيام نفل أو قضاء؟ أما بالنسبة للنفل فقد تقدم أن المتطوع أمير نفسه، على خلاف بين أهل العلم أنه هل يفطر من غير حاجة أو لا يجوز له الفطر إلا لحاجة، المسألة تقدمت الإشارة إليها.

في قضاء رمضان لا يجوز له بل يحرم عليه أن يقع على زوجته في نهار رمضان، أو يفطر بأي مفطر، لكن لا تلزمه الكفارة؛ لأن الكفارة خاصة في نهار رمضان احتراماً للوقت.

"وقعت على امرأتي وأنا صائم في رمضان، قال: ((هل تجد ما تعتق رقبة؟)) قال: لا، قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)) قال: لا، قال: ((فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟))" هذا يدل على أن الكفارة على الترتيب ككفارة الظهار، وجاء في بعض الروايات ما يدل على التخيير، لكنها محمولة على هذه الرواية، وعلى ما جاء في الكفارة الأخرى التي يعبر بها عنها، يعني أهل العلم إذا جاء مثل هذا الرجل ماذا يقولون له؟ يقولون: عليك كفارة ظهار، وهذا معروف، حتى في كتب الفقه من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة ظهار، ما يقول أهل العلم: عليه كفارة مجامع في نهار رمضان، لماذا؟ لأن كفارة الظهار ثبتت بالكتاب الذي يقرأه الخاص والعام، يعرفه الناس كلهم، بينما لو قالوا: عليك كفارة مجامع في نهار رمضان، قد لا يعرفها كثير من الناس؛ لأنها ثبتت بالسنة، كثير من الناس لا يعرف السنة، يعرفون القرآن، عوام المسلمين يعرفون القرآن، ويقرؤون القرآن، لكن كثير منهم تخفى عليهم الأحكام الواردة في السنة، ولذلك يقال: عليك كفارة ظهار، وعبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ما بايع عليه النساء، وبيعة الرجل متقدمة على بيعة النساء، فكيف يحال على بيعة النساء؟ لأن بيعة النساء ثابتة بالقرآن {إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [(12) سورة الممتحنة] فهي ثابتة في القرآن، فيحال على ما ثبت في القرآن، وإن كان ثبوت الثاني بصحيح وصريح السنة، لما قلنا من أن القرآن معروف لدى الخاص والعام فيحال عليه، فإذا جامع في نهار رمضان قلنا: تلزمه كفارة ظهار، ما قالوا: يلزمه كفارة قتل خطأ، لماذا؟ لأن كفارة الخطأ ليس فيها إطعام.

"قال: ((هل تجد ما تعتق رقبة؟))" جاءت الرقبة هنا مطلقة، وفي كفارة الظهار مطلقة، وفي كفارة اليمين مطلقة، وفي كفارة القتل مقيدة {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [(92) سورة النساء] المطلق مع المقيد لا يخلو من أن يتفقا في الحكم والسبب، وحينئذٍ يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق، أو يختلفا في الحكم والسبب وحينئذٍ لا يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق، أو يختلفا في الحكم دون السبب يختلفا في الحكم ويتفقا في السبب فلا يحمل المطلق على المقيد عند الجمهور، وإذا اتحدا في الحكم واختلفا في السبب فإنه يحمل المطلق على المقيد عند جمهور أهل العلم.

والرقبة هنا مطلقة، ومقيدة في كفارة القتل، ما وجه الاتحاد وما وجه الاختلاف؟ اتحدا في إيش؟

طالب:........

العتق، ما زلنا في العتق، اتحدا كلها رقبة.

طالب:........

لأن عندنا حكم وسبب، لا نتعدى الأمرين، ولا نتخرص، اتفقا في الحكم، واختلفا في السبب، الصورة الأولى أن يتحدا في الحكم والسبب، فيحمل المطلق على المقيد اتفاقاً {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ} [(3) سورة المائدة] هذا مطلق، والمقيد في قوله: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [(145) سورة الأنعام] فيحمل المطلق على المقيد فلا يحرم إلا الدم المسفوح، هذا بالاتفاق.

إذا اختلفا في الحكم والسبب لا يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق، اليد في آية الوضوء مقيدة بكونها إلى المرافق، وفي آية السرقة مطلقة، الحكم واحد، لا، هذا غسل وهذا قطع، السبب واحد، لا، هذا سرقة وهذا حدث، إذاً لا يحمل المطلق على المقيد اتفاقاً، فلا تقطع اليد من المرفق.

إذا اتحدا في الحكم واختلفا في السبب، الرقبة هنا مطلقة، وفي كفارة القتل مقيدة، الحكم واحد كله وجوب العتق، والسبب يختلف، هنا جماع في نهار رمضان، أو ظهار، أو يمين، هذا بالنسبة للمطلق، وفي كفارة القتل سببه القتل، والحكم وجوب العتق، وحينئذٍ يحمل المطلق على المقيد عند الجمهور، جمهور أهل العلم على أنه لا تجزئ الرقبة في العتق أياً كان إلا إذا كانت مؤمنة، والجارية لما جيء بها إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- لإعتاقها اختبرها النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد أن شهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وقال لها: ((أين الله؟)) قالت: في السماء، قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) والوصف تكرر في آية القتل مراراً، لكنه في غيره من الكفارات ما ذكر، فهي مطلقة، والحكم واحد، ووجوب العتق، والأئمة الثلاثة على أنه لا بد أن تكون الرقبة مؤمنة خلافاً لأبي حنيفة الذي لم يحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة، ولا شك أن الراجح في هذا قول الجمهور.

ولا يعرف أن أحداً في زمنه -عليه الصلاة والسلام- أعتق في كفارة رقبة غير مؤمنة، والشرع يتشوف إلى عتق الرقاب لتتم لهم الحرية التي بها يحققون العبودية التامة، أما رقبة غير المؤمنة فعدم تحريرها أولى؛ لتعيش عند هذا الرجل المسلم علها أن تتأثر به، وتسلم على يديه، وإذا أعتقت وهي غير مؤمنة لا يخشى شرها، ولا يرجى خيرها، فالنظر يقتضي ذلك، مع ما تقرر عند أهل العلم من حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة.

إذا اختلفا في الحكم واتحد السبب، أيضاً لا يحمل المطلق على المقيد عند الجمهور، وهذه تمام القسمة الرباعية، اليد مطلقة في آية التيمم، ومقيدة في آية الوضوء، فهل نمسح إلى المرافق؛ لأن الآية جاءت مطلقة في آية الوضوء؟ السبب واحد وهو الحدث، والحكم يختلف، هذا غسل وهذا مسح، فلا يحمل المطلق على المقيد حينئذٍ.

((هل تجد ما تعتق رقبة)) يعني مؤمنة "قال: لا، قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟))" هو ما استطاع يكمل يوم، ما استطاع أن يكمل يوم من رمضان، ويعرف أن هذا حرام، ماذا قال؟ "قال: لا" لا بد من الصيام أن يكون شهرين متتابعين، فلو صام سبعة وخمسين يوماً متتابعة في شهرين ناقصين فأفطر الثامن والخمسين؛ لأنه إذا ابتدأ بالشهر من أوله من الهلال إلى الهلال أجزأه، ولو تسع وعشرين، بقي يوم فأفطر، تعب، مل، نقول: يستأنف؛ لأن التتابع شرط، وهنا يأتي أيضاً في الكفارات الصيام مقيد بالتتابع، وقد يأتي الصيام مقيد بالتفريق، وقد يأتي الصيام مطلقاً، فهل يحمل على القيد الأول أو على القيد الثاني أو يُترك؟ فيه صيام، صيام ثلاثة أيام جاءت القراءة مبينة متتابعات، لكن لو لم تأتِ هذه القراءة، أو نذر أن يصوم عشرة أيام، هل نقول: لا بد أن تكون متتابعة؛ لأنه جاء القيد في نصوص كثيرة بالتتابع؟ أو نقول: متفرقة؟ {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [(196) سورة البقرة] هذه مقيدة بالتفريق، هل نقول: الذي نذر أن يصوم عشرة أيام يصوم ثلاثة أيام ثم يصوم سبعة حملاً للمطلق هنا على المقيد في الصيام البديل عن الهدي لمن لم يجد الهدي؟ أو نقول: مقيد بالتتابع كما هنا؟ أو نقول: يرجع إلى نية الحالف أو الناذر؟ لأنه إن كان قصدها متتابعة صامها متتابعة، هذا يرجع إلى نيته؛ لأنه لا يمكن حمله على التفريق، ولا يمكن حمله على التتابع؛ لأنه لا يوجد ما يقتضي ذلك.

يعني مثل هذه المسائل لا بد من معرفتها؛ لأنه يرد عليك أشياء تحتاج إلى أن تحمل على غيرها، أشياء فيها قصور، نذر أن يصوم عشرة أيام ويش تقول له؟ متتابعة وإلا غير متتابعة؟ يعني فرق بين من نذر أن يصوم شهراً وبين من نذر أن يصوم ثلاثين يوماً، فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين، يعني لو أخل بيوم واحد عليه أن يستأنف، ولا يستثنى من ذلك إلا بما يبيح الفطر في رمضان؛ لأن الأصل في صيام رمضان التتابع، فإذا وجدت الرخصة الشرعية التي تبيح له الإخلال بهذا التتابع في الركن من أركان الإسلام جاز له أن يخل بهذا التتابع في الكفارة، ما لم يتخذ ذلك حيلة، إن صام شهر قال: أسافر على شان أفطر، أتلين وأرتاح، وأرجع لأصوم الشهر الثاني، قلنا: لا، هذه حيلة، لكن لو طرأ عليه سفر، وأفطر في هذا السفر، ويباح له الفطر في رمضان، هذان الشهران من باب أولى.

"قال: لا، قال: ((فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟))" كل مسكين على الخلاف بين أهل العلم هل يكفي المد أو لا بد من نصف الصاع؟ المسألة خلافية بين أهل العلم، والعِرق أو العَرق الذي فيه خمسة عشر صاعاً يشهد لقول من يقول بأن المقدار مد، ربع؛ لأن الخمسة عشر صاعاً هي ستون مداً.

"((فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟)) قال: لا، ثم جلس فأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بعِرق" أو عَرق كما ضبطه بعضهم، وهو مكتل، زمبيل، وعاء يسع خمسة عشر صاعاً "فيه تمر، فقال: ((تصدق بهذا))" هذه الكفارات تقبل النيابة كالديون إذا تحملها من تحملها من قريب أو بعيد سقطت عمن لزمته "فقال: ((تصدق بهذا)) فقال: على أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا!" وفي بعض الروايات أكد ذلك باليمين: "فو الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا" استدل أهل العلم بهذا على أنه يجوز الحلف على غلبة الظن، يعني هل عنده يقين أنه لا يوجد في المدينة في جميع بيوتها أفقر منهم؟ لما غلب على ظنه لأنه لا يجد شيء، ولا يتصور أن هناك أفقر ممن لا يجد شيئاً، يوجد، يعني إذا كان لا يجد شيئاً وهو غير مدين، هذا فقير، لكن إذا كان لا يجد شيئاً ألبتة وغرق بالديون هذا أفقر منه، فهو ظن أنه لا يوجد، فحلف على غلبة ظنه.

"فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت أنيابه" النبي -عليه الصلاة والسلام- في الغالب يتبسم، ولا يسمع له صوت، لكنه ضحك -عليه الصلاة والسلام- من شدة العجب، رجل جاء خائفاً وجلاً هالكاً مهلكاً، ثم يرجع بالطعام إلى أولاد "ثم قال: ((اذهب فأطعمه أهلك))" ماذا عن الكفارة؟ سقطت وإلا ما سقطت؟ نعم؟ أو بقيت ديناً في ذمته؟ الآن هذا العرق الذي فيه الخمسة عشر صاعاً هل هو الكفارة؟ وإذا كان هو الكفارة يجوز أن يأكله من وجبت عليه الكفارة؟ أو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: خذ هذا تمشية لحالك وحاجتك أنت وأهل بيتك، والكفارة كسائر الديون، تبقى في ذمتك، وهذا قول معتبر، وقول كثير من أهل العلم.

الآن هذا العرق الذي..، يعني لو أخذه وتصدق به، ودفعه إلى أهل بيت فقراء برئت ذمته من الكفارة؛ لأنها تحملت عنه، وتحملها جائز، لكن هو الآن ما بذل، ما بذل هذا المكتل، أو هذا الزنبيل، أو هذا التمر، أكله، فهل لمن وجبت عليه الكفارة أن يأكلها هو وأهله؟ عليه أن يخرج، فجمع من أهل العلم يقولون: إنه لا يجوز له أن يأكلها، بل ثبتت في ذمته كسائر الديون، يعني في الفرائض أول ما يبحث في كتب الفرائض الحقوق المتعلقة بالتركة، أولها: مؤونة التجهيز كما تقدم في الجنائز، والثاني: الديون المتعلقة بعين التركة، كالديون التي فيها رهن، الثالث: الديون المتعلقة بذمة الميت من حقوق العباد وحقوق الله -جل وعلا- ((دين الله أحق أن يقضى)) ويذكرون في هذا الكفارات، دين في ذمته كسائر الديون، إن استطاعها في حياته، وإلا من تركته إن كانت، وإلا إن تحملها أحداً عنه، وإلا تبقى كسائر الديون، ومنهم من يقول: إذا لم يستطع فإنها تسقط، وهذا الحديث ليس فيها ذكر بعد ذلك، ومن أهل العلم من يقول: هذه كفارة، هذا العرق وهذا المكتل كفارة، فلو أخرجها بنفسه لما جاز له أن يأكلها، لكن لما تحملها غيره جاز لهذا المتحمل أن يدفعها لمن شاء من فقراء الأمة، وهذا من فقراء الأمة، وأهل بيته ممن تدفع لهم مثل هذه الكفارة.

طالب:........

الأصل أن الذي يتحمل الكفارة الجاني نفسه، لكن لو تحملها أحداً عنه، قال: خلاص، علي، مثلما تحمل الدين على الرجل الذي رفض النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يصلي عليه، تحمله أبو قتادة فصلى عليه النبي -عليه الصلاة والسلام-، يسوغ التحمل للقريب والبعيد، أي شخص يتبرع فيتحمل ديناً عن أخيه، هو مأجور على هذا، ويبقى دين في ذمته، هنا تحملها النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثم دفعها إليه وأهل بيته، فإذا كانت الكفارة ليست من هذا الشخص بنفسه جاز له أن يأكل منها، كما في هذا الحديث، وهذا قول لجمع من أهل العلم، ولا شك أن الأحوط أنه يبقى مستحضراً لهذه الكفارة، ولو قيدها في وصيته كسائر الديون، بحيث إذا استطاع أن يخرجها في وقت من الأوقات أخرجها كسائر الديون، وإذا عجز عنها فالله -جل وعلا- أرحم من أن يعذبه على شيء عجز عنه.

"متفق عليه، واللفظ لمسلم، وقد روي الأمر بالقضاء" هذا أفطر يوم من نهار رمضان متعمداً، فهل عليه القضاء أو ليس عليه القضاء؟ سبقت الإشارة إلى حديث: ((من أفطر في يوم من نهار رمضان عامداً لم يقضه صيام الدهر وإن صامه)) وقال جمع من أهل العلم: إنه لا يصوم ولا يقضي، فهو أعظم من أن يقضى، إنما تلزم التوبة والاستغفار، وذكرنا مثل هذا بالنسبة للصلاة والخلاف في ذلك، والجمهور على أنه لا بد من القضاء.

"وقد روي الأمر بالقضاء من غير وجه، وهو مختلف في صحته" لكن كثرة الطرق تدل على أن له أصل ملزم، فيلزمه حينئذٍ القضاء إذا أفطر ولو كان متعمداً، سواءً كان فطره بجماع أو أكل أو شرب أو غير ذلك من المفطرات.

قال -رحمه الله-: "وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) متفق عليه. وقد تكلم فيه الإمام أحمد بن حنبل" يعني هل يلتفت إلى كلام الإمام الجليل الحجة في هذا الباب في حديث خرجه الشيخان؟ لا يلتفت إلى أحد كائناً من كان، فالحديث لا إشكال فيه.

((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) الصيام لا يخلو إما أن يكون نفلاً أو واجباً، عليه صيام كيف يكون عليه صيام نفل؟ اعتاد أن يصوم أيام معينة فمات عنها، خلاص انقطع عنه التكليف، بقي صيام الواجب، صيام الواجب إما أن يكون مما وجب بأصل الشرع، أو مما أوجبه الإنسان على نفسه، ما وجب بأصل الشرع كرمضان، أو أوجبه على نفسه كالنذر، ما وجب بأصل الشرع هذا عليه صيام يعني واجب، ولا يقال عليه إلا في الواجب، طيب، عليه صيام نكرة في سياق الشرط فتعم أنواع الصيام، وقلنا: إن النفل يخرج، يبقى الواجب، فيشمل ما وجب بأصل الشرع، وما أوجبه الإنسان على نفسه، وما وجب بأصل الشرع جاء فيه: ((لا يصل أحد عن أحد)) وجاء فيه قبول النيابة في الحج: ((حج عن أبيك)) وهذا ركن وهذا ركن.

جاء النهي عن الصلاة ((لا يصل أحد عن أحد)) وجاء في الحج: ((حج عن أبيك)) نعم الصيام ما جاء فيه شيء، جاء ((لا يصل أحد عن أحد)) وجاء ((حج عن أبيك)) فهل الصيام كالصلاة لأنه عبادة بدنية أو كالحج لأن فيه بدل مالي وهو الفدية؟ فهل يلحق بهذا أو بهذا في قبول النيابة؟ دعونا من الحديث، الآن ننظر في قياس الشبه في الصيام، الصيام عبادة بدنية فهل تلحق بالصلاة؟ وقد جاء: ((لا يصل أحد عن أحد)) أو تحلق بالحج ((حج عن أبيك)) والصيام له بدل مالي وهو الإطعام ففيه وجه شبه بالصلاة، وفيه وجه شبه بالحج، وهنا يستعمل فيه قياس الشبه، وهو تردد فرع بين أصلين، يلحق بالأقوى به شبهاً.

نأتي إلى الحديث: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) وما وجب بأصل الشرع مثل الصلاة، وما أوجبه الإنسان على نفسه هذا يقبل النيابة، ولذا اختلف أهل العلم في المراد بالصيام هنا، منهم من قال: عليه صيام واجب، سواءً كان بأصل الشرع أو أوجبه على نفسه، فيصوم عنه وليه، ومنهم من قال: لا، ما وجب بأصل الشرع كالصلاة لا يقبل النيابة، وما أوجبه الإنسان على نفسه هو الذي يقبل النيابة، ويرجحه ما جاء في بعض طرق الحديث: إن أبي مات وعليه، أو أمي ماتت وعليها صوم نذر، في بعض طرق الحديث: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، قال: ((من مات وعليه صوم صام عنه وليه)).

يبقى النظر في عموم اللفظ وخصوص السبب، اللفظ عام يشمل جميع أنواع الصيام، والسبب خاص بالنذر، فهل يقصر هذا العام على سببه؟ أو نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ معروف أن المذهب عند الحنابلة أنه لا يصام ما وجب بأصل الشرع، إنما يصام ما كان في النذر، وهو الذي يختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، قالوا: وهو الموافق للأدلة العامة، وهو الموافق لعمومات الشريعة.

ننظر في مسألة عموم اللفظ وخصوص السبب، الشيء الذي يكاد أن يكون متفقاً عليه، بل نقل عليه الاتفاق أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، يبقى أن إذا كان مفهوم العموم معارض بمنطوق أخص منه حمل العموم على السبب، يعني ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً)) مع ((صلاة القاعدة على النصف من أجر صلاة القائم)) والحديث الأول لا يصحح الصلاة من قعود بالنسبة للقادر على القيام، وهذا محمول على الفريضة بينما ((صلاة القاعدة على النصف من أجر صلاة القائم)) محمول على النافلة؛ لأن السبب جاء في نافلة، دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- المسجد والمدينة محمة، والناس يصلون من قعود، يصلون فريضة وإلا نافلة؟ نافلة قطعاً، ما يمكن أن يصلوا قبل حضوره -عليه الصلاة والسلام- الفريضة، فهم يصلون من قعود، فقال: ((صلاة القاعدة على النصف من أجر صلاة القائم)) فهذا محمول على سببه، لماذا؟ لأنه معارض بما هو أقوى منه ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً)) فللجمع والتوفيق بين النصوص يُسلك مثل هذا، يحمل العام على سببه، يقصر العام على سببه؛ لأنه معارض بما هو أقوى منه، وهذا معارض بما هو أقوى منه، فيحمل على سببه، وتقصر النيابة في الصيام على صوم النذر، كما حملت الصلاة من قعود على صلاة النافلة؛ لما دل عليها من سبب الورود.

سم.

وقال -رحمه الله-:

باب: في قيام شهر رمضان

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من قام رمضان إيمانًا واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه.

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلى فصلوا بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  فصلى بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: ((أما بعد: فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها)) فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والأمر على ذلك" متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.

وعنها -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله" متفق عليه.

حسبك.

يكفي.

قال -رحمه الله-:

باب: في قيام شهر رمضان

في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ما فرقه البخاري -رحمه الله تعالى- ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) وهنا: ((من قام رمضان إيمانًا واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) الجملة الثالثة: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) والذي عندنا ما يناسب قيام شهر رمضان قوله: ((من قام رمضان إيمانًا واحتساباً)) يعني قاصداً بذلك وجه الله، مخلصاً في ذلك لله -جل وعلا-، لا يبعثه ولا ينهزه على ذلك إلا الإيمان الواقر في قلبه، واحتساب الأجر من الله -جل وعلا-، لا لأمر من الأمور ليترتب على ذلك جواب الشرط ((غفر له ما تقدم من ذنبه)) وأي حرمان بالنسبة لمن يسمع مثل هذه الأحاديث الصحيحة، ولا يقوم رمضان، وقد يقوم رمضان ويتعب نفسه ولا يحقق القيد الوارد في الحديث الذي يرتب عليه الأجر إيماناً واحتساباً، فتجد بعض الناس يصلي مجاملة، أو يصلي مراءاة لغيره، فلا بد من أن يكون قيامه رمضان إيماناً واحتساباً، والمراد بالقيام القيام في لياليه، الصيام في النهار، والقيام للصلاة والذكر والتلاوة في الليل ((غفر له ما تقد من ذنبه)) على الإنسان أن يحرص، المسألة لا تكلف شيئاً، الآن بما يتحقق القيام؟ ((من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)) وبعض الأئمة قيامه لا يزيد على نصف ساعة، لكن الحرمان لا نهاية له، تجده يبحث عن إنسان أخف من صلاة هذا الإمام الذي لا يزيد عن نصف ساعة، وعنده استعداد أن يمشي، وأن يركب السيارة مدة ساعة ذهاباً وساعة إياباً لإمام أخف من الإمام الذي بجوار مسجده الذي لا تزيد صلاته على نصف ساعة، قالوا: فلان ينتهي بعشرين دقيقة من القيام، يركب السيارة، مهما كلفه ذلك، ويرجع مثل ذلك، ويستغرق في ذهابه وإيابه وقتاً طويلاً؛ ليحصل وليوفر عشر دقائق، وما ذلك إلا لثقل العبادة على كثير من الناس.

يعني يصل الأمر إلى حد أن يُسأل عن آية الدين، هل تقسم في ركعتين؟ هذا سؤال جاد، إمام مسجد يسأل عن آية الدين، وفي الحديث الصحيح: ((من قام مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)) وإذا كان في المسجد أكثر من إمام فحكم الجميع حكم الإمام الواحد، لا بد أن يبدأ مع الأول وينتهي مع الآخر؛ لأن الأصل أن الإمام واحد، لكن إذا كانت الصلاة مراوحة بين أكثر من إمام فلا يتحقق القيام إلا من أوله إلى آخره، من التكبيرة الأولى إلى السلام؛ لأن بعض الناس يصلي مع الأول، ثم ينصرف معه ويقول: صليت مع الإمام حتى انصرف، نقول: لا، هذا نصف إمام، وليس بإمام كامل، المنظور إليه الصلاة حتى تنتهي الصلاة.

((غفر له ما تقدم من ذنبه)) ومثله: ((رمضان إلى رمضان، والصلوات الخمس، والعمرة إلى العمرة)) كلها كفارات، وأسباب لمغفرة الذنوب، لكن الجمهور يحملون هذا الغفران وهذا التكفير على الصغائر دون الكبائر، وأما الكبائر لا بد فيها من التوبة، عند جمهور أهل العلم؛ لأنه جاء هذا القيد: ((ما اجتنبت الكبائر)) ((ما لم تغش كبيرة)) فالكبيرة لا بد فيها {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [(31) سورة النساء] فكل هذه المكفرات إنما هي للصغائر دون الكبائر.

"وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد" في ليلة من ليالي رمضان "خرج ليلة من جوف الليل" يعني من أثنائه، وفي وسطه "فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته" اقتدوا به، فصلاة الليل سواءً كانت في رمضان أو في غير رمضان، لا مانع من أن تكون جماعة، هذا في غير رمضان، دليله حديث ابن عباس صلى مع النبي -عليه الصلاة والسلام- وصلى معه ابن مسعود، المقصود أنها لا مانع من أن تصلى جماعة، ما لم تتخذ عادة، إلا في رمضان؛ لما سيأتي.

النبي -عليه الصلاة والسلام- صلى ليلة في جوف الليل من رمضان، فصلى رجال بصلاته "فأصبح الناس فتحدثوا" هؤلاء الذين صلوا مع النبي -عليه الصلاة والسلام- نقلوا ذلك للناس، والله صلينا مع النبي -عليه الصلاة والسلام- البارحة صلاة تهجد، فزاد العدد في الليلة الثانية، فصلى فصلوا بصلاته، ثم تحدثوا من الغد، فزاد العدد، فلما صار في الليلة الثالثة أو الرابعة، هنا يقول الرابعة، وفي بعض الروايات: فلما كان في الليلة الثالثة أو الرابعة "عجز المسجد عن أهله" يعني امتلأ المسجد، عجز المسجد، فلم يخرج إليهم -عليه الصلاة والسلام- "حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر" صلى الفجر "أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: ((أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم))" المسجد مملوء، والمسجد بجوار الحجر، يسمع، ((فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم)) الرسول -عليه الصلاة والسلام- ترك صلاة الليل في المسجد جماعة رفعاً لحكمها أو خشية أن تفرض عليهم؟ خشية أن تفرض عليهم، فبهذا يستدل على أن صلاة التراويح جماعة في المسجد مشروعة، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- إنما تركها خشية أن تفرض، فلما أمن هذا المخشي بموته -عليه الصلاة والسلام- جمع الناس عمر -رضي الله تعالى عنه- على إمام واحد، جمع الناس عمر -رضي الله تعالى عنه- على إمام واحد، فيما عرف فيما بعد بالتراويح، التراويح؛ لأنهم يتروحون، يستريحون بين كل تسليمتين، وهذا مأخوذ من حديث عائشة: "ما زاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً" يعني فاصل بين الأربع الأولى والثانية راحة، هذه تسمى تراويح؛ لأنهم يستريحون بين كل أربع ركعات، بين كل تسليمتين يستريحون، طيب عمر -رضي الله عنه- لما جمع الناس على التراويح جماعة، دليله هذا الحديث، الرسول -عليه الصلاة والسلام- ما استمر، أبو بكر ما فعل.

طالب:........

نعم ما استمر الرسول -عليه الصلاة والسلام- للعلة التي ذكرها ((خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها)) فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والأمر على ذلك" يصلون أوزاعاً، وكل واحد يصلي لنفسه، وجاءت خلافة أبي بكر وهي قصيرة، والأمر على ذلك، ثم صدر من خلافة عمر الأمر على ذلك، ثم رأى أن يجمع الناس عليها، مستدلاً بهذا، خرج عليهم كما في الصحيح ليلة من الليالي، وأعجبه المنظر، أعجبه اجتماع الناس، وكثرة الناس على إمام واحد، واجتماع كلمتهم، فقال -رضي الله عنه-: "نعمت البدعة هذه" "نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل منها" يعني هذه التي يصلونها في أول الليل ممدوحة، يعني نعمة، والتي ينامون عنها في آخر الليل أفضل، لا شك أن صلاة آخر الليل أفضل من أوله، طيب نعمت هذا مدح، والبدعة مذمومة، وكل بدعة ضلالة، فكيف يقول: نعمت البدعة؟ نعم من أهل العلم من يرى أن من البدع ما يمدح؛ لأن هناك بدع مستحسنة، وبدع سيئة، ((من سن سنة حسنة)) ((ومن سن سنة سيئة)) وهنا يقول: "نعمت البدعة" ما فعله عمر -رضي الله عنه- بدعة وإلا سنة؟ نعم؟ سنة، هل هي بدعة لغوية؟ والبدعة في الأصل ما عمل على غير مثال سابق، هذه البدعة اللغوية، عمر عمل التراويح على غير مثال سابق؟ لا، عمل ذلك على مثال سبق، سبقه النبي -عليه الصلاة والسلام-، فليست بدعة لغوية، هل هي بدعة شرعية؟ ليست بدعة شرعية؛ لأن لها دليل من السنة، والبدعة الشرعية ما عمل مما يتعبد به ويتقرب به إلى الله من غير أن يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة، والتراويح سبقت شرعيتها في السنة، وإنما تركها النبي -عليه الصلاة والسلام- لا نسخاً لها، ولا عدولاً عنها، وإنما خشيت أن تفرض، طيب كيف يقول: بدعة؟

الشاطبي يقول: مجاز، وشيخ الإسلام يقول: بدعة لغوية، والتعريف للبدعة اللغوية لا ينطبق عليها، كما أن البدعة الشرعية من باب أولى لا تنطبق، كيف يقول: نعمت البدعة؟ التعبير بالبدعة هنا وهي ليست بدعة لا لغوية ولا شرعية، ماذا يبقى لنا؟ أن يكون من باب المشاكلة، المشاكلة التي هي المجانسة في التعبير {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [(40) سورة الشورى] الجناية سيئة، لكن عقوبة الجاني سيئة وإلا حسنة؟ حسنة بلا شك، تسميتها سيئة إنما هي مشاكلة في التعبير، في العبارة، مثلما ذكرنا البيت السابق.

قالوا: اقترح شيئاً نجد لك طبخه
 

 

قلت: اطبخوا لي جبة وقيمصا
ج

مشاكلة مجانسة في التعبير، كأن قائلاً: ابتدعت يا عمر، فقال: "نعمت البدعة هذه" فشاكله وتنزل على أسلوبه وعلى حسب دعواه، والمشاكلة لا يلزم أن تكون بلفظ محقق؛ لأنهم في كتب البديع يقولون: تحقيقاً أو تقديراً، ولذا قالوا: أو قلنا: كأن قائلاً: ابتدعت يا عمر، هذا تقدير.

"متفق عليه، وهذا لفظ البخاري".

"وعنها -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر" التي هي أرجى الليالي بالنسبة لليلة القدر، النبي -عليه الصلاة والسلام- اعتكف العشر الأول من رمضان، يتطلب ويرجو ليلة القدر، ويتحرى ليلة القدر، ثم اعتكف العشر الأواسط، ثم استقر اعتكافه في العشر الأواخر.

"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر شد مئزره" يعني اجتهد في العبادة، واعتزل النساء، وطوى الفراش "وأحيا ليله، وأيقظ أهله" مفهوم هذا أنه يحيي الليل كله، مع أنه جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه ما أحيا ليلة كاملة إلى الفجر، فإما أن يقال: ما أحيا ليلة في غير العشر، أو نقول: أحيا ليله يعني غالبه، فعلى الإنسان أن يجتهد في هذه الليالي العشر، وأن يحفظ صيامه وقيامه مما يخدشه، لا يكون حظه من الصيام الجوع والظمأ، وحظه من القيام السهر والتعب؛ لأنه يسمع حتى من بعض المعتكفين كثير من القيل والقال، وقد يستدرجون في الكلام، فيصل إلى حد المكروه أو المحرم أحياناً، فضلاً عن كون بعض المعتكفين يتوسع، يتوسع توسعاً غير مرضي، وبعضهم يدخل معه المعتكف الآلات، الكمبيوتر، والإنترنت والجوالات، وقد يمضي الساعة في مكالمة، ويمضي الوقت الطويل مشاهداً لبعض الأشياء التي لا تسوغ، ولا تليق في أوقات الرخاء، فضلاً عن أوقات الشدة، مثل هذه الساعات النفيسة، وبعضهم يدخل الجرائد، نعم بعض الناس وإن كان ليس هذا وقته يستعمل التليفون ليرد على فتاوى المستفتين، هو من أهل العلم معتكف ويرد على الفتاوى، وقد تضيع الليلة كلها في الرد على الفتاوى.

الرسول -عليه الصلاة والسلام- هذا وضعه، يستغل هذه الليالي بالصلاة والذكر والتلاوة لا غير، وأهل العلم قاطبة على ذلك، فيتركون التعليم، ويتجهون إلى قراءة القرآن، بل منهم من يترك التعليم من دخول الشهر إلى خروجه؛ لأن هذا شهر القرآن، لكن المقرر عند عامة أهل العلم أن النفع المتعدي أولى من القاصر، فإذا وجد النفع المتعدي والنبي -عليه الصلاة والسلام- جاهد في رمضان، كثير من الغزوات حصلت في رمضان، فبدر والفتح في رمضان، لكن من قال: أنا أستدل بالسلف وأهتدي بهديهم، وأترك كل شيء، وأقطع الصلات، وأتجه إلى قراءة القرآن، وأدارس القرآن في ليالي رمضان، وأكثر من التلاوة في نهار رمضان، وأحفظ صيامي في المسجد، ولا أختلط بالناس هذا عمل خير، لا يمكن أن يقال له: إلا أحسنت، لكن الإشكال إذا استدل في الترك وتوقف عن أفعال الخير، وما استغل الوقت كاستغلال السلف، يكون هذا حينئذٍ من تلبيس الشيطان عليه، فيترك ما كان يزاوله من أعمال الخير قبل رمضان وبعد رمضان، ويتفرغ في رمضان على حد زعمه مقتدياً بالسلف، وهو بعيد كل البعد عن حال السلف، تجده سهر ليل إلى الفجر في القيل والقال، ويقول: لا، أنا أقتدي بالسلف، نقول: لا، ما هو بهذا فعل السلف، نعم اقتدي بالسلف والزم المصحف، واختم مثلهم في كل ثلاث كما جاء عن بعضهم، أو في كل ليلة كما جاء عن بعضهم أيضاً، هذا الذي يقتدي بالسلف، يقول: والله أقتدي بالسلف وبعدين يتكلم في موضوع الاعتكاف، ويقول: لا تقول لي: أنا معتكف، ثم تمر عليك العشر ما ختمت ولا ختمة، اقرأ يا أخي القرآن، وأكثر، اقرأ جزء، جزأين.

طالب:.........

هذا يقرأه عادي الناس بغير الاعتكاف.

على كل حال المسألة الناس منازل ومقامات، ما يمكن أن ينزلوا منزلة وحدة مع الأسف تدخل المسجد الذي فيه معتكف تجد فيه عشرات الجوالات في شواحنها من كهرباء المسجد، وتجد هذا يكلم، وهذا يتصل، وهذا يسولف، وهذا يتناول شيء يأكله، وهذا يشرب، وهذا ما أدري ويش؟ ويتحلقون على هذه الأمور التي قد تضرهم ولا تنفعهم.

سيأتي في الاعتكاف شيء من هذا -إن شاء الله تعالى-، لكن على الإنسان أن يحفظ وقته، وأن يتجه إلى ما هو بصدده.

سم.

وقال -رحمه الله-:

باب: ما جاء في صيام التطوع

عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل عن الصيام يوم عرفة؟ فقال: ((يكفر السنة الماضية والباقية)) وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: ((يكفر السنة الماضية)) وسئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: ((ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت -أو أنزل علي– فيه)) رواه مسلم.

وعن أم الفضل بنت الحارث أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره، فشربه" متفق عليه، واللفظ لمسلم.

وعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)) رواه مسلم، وقد روي موقوفاً.

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا)) متفق عليه، ولفظه لمسلم.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان" متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه)) متفق عليه، واللفظ للبخاري، ولأبي داود: ((غير رمضان)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب: ما جاء في صيام التطوع

انتهى المؤلف من الكلام على الصوم الواجب، وأردفه بصوم التطوع، ومن نعم الله -جل وعلا- على المسلمين أن شرع لهم هذا الصيام التطوع ليكمل منه النقص في الصيام الواجب كالنوافل بعد الفرائض، فإذا حوسب الإنسان ووجد في فرائضه شيء من النقص قيل: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل به ذلك الخلل.

"عن أبي قتادة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل عن الصيام يوم عرفة؟" يعني في يوم عرفة "فقال: ((يكفر السنة الماضية والباقية))" ((يكفر السنة الماضية)) هذا لا إشكال فيه ذنوب وقعت وحصلت من المسلم تكفر بالصيام، وهذا كما تقدم المراد بالذنوب المكفرة هي الصغائر، وأما الكبائر فإنها لا تكفرها إلا التوبة عند الجمهور، وإن كان الصغائر قليلة مع أنها...، أو لا توجد، وهذا لا يتصور، فإنه يخفف من الكبائر بقدر ما فعله من نوافل.

((يكفر السنة الماضية والباقية)) يعني اللاحقة، يكفر سنتين، فإما أن يوفق لعدم الوقوع في الذنوب، أو إذا وقع منه شيء من ذلك كفر عنه، كما حصل في السنة الماضية، وإذا صام يوم عرفة اللاحق فإنه وقد كفرت ذنوبه في السنة الماضية بسبب صيامه الماضي، لا شك أنه يخفف عنه من الذنوب الأخرى، أو ترفع درجاته، يعني الله -جل وعلا- لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

قد يقول قائل: أنا أصوم عرفة في كل سنة، فما معنى يكفر سنة ماضية وسنة لاحقة؟ أنا لا أحتاج إلا لسنة واحدة؛ لأن السنة الثانية مكفرة بعرفة، نقول: لا، الله -جل وعلا- لا يضيع عملك، إذا أحسنت العمل فالله -جل وعلا- يدخر لك ذلك، فإن صادف ما ينبغي تكفيره كفر، وإلا رفعت بذلك الدرجات.

"فقال: ((يكفر السنة الماضية والباقية)) وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: ((يكفر السنة الماضية))" يعني يكفر سنة واحدة، ولذا فصيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وما طلعت الشمس على يوم خير من يوم عرفة، وهو أفضل أيام العام على الإطلاق، وصوم يوم عاشوراء يكفر السنة الماضية، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يصومه، ويأمر بصيامه، وكان صيامه واجباً قبل فرض رمضان، فلما فرض رمضان صار صيامه نفلاً، ثم في آخر سنة قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)) وقال: ((صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده)) وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يحب موافقة أهل الكتاب، فلما أيس منهم أمر بمخالفتهم، لا يقول قائل: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- صام سنوات كثيرة موافقاً لأهل الكتاب، ثم في آخر سنة قال: خالفوهم، صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، نقول: كان يحب موافقتهم تأليفاً لهم، فلما أيس منهم قال: ((صوموا يوماً قبله)) وخالفوا أهل الكتاب، خالفوا اليهود والنصارى، إلى آخره، خالفوا المشركين، ومثله ما جاء عنه في فرق الشعر.

"وسئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: ((ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه -أو أنزل علي– فيه))" نعم هذا يوم فاضل، وجاء في بعض النصوص الصحيحة أنه ترفع فيه الأعمال كالخميس ((وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)) فهناك علل متعددة لصيام الاثنين، منها:

كونه -عليه الصلاة والسلام- ولد فيه، وولادته نعمة تستحق الشكر من الله -جل وعلا-، وشكره بفعل ما شرعه لا بالابتداع في دينه، الشكر المستحق في مقابل ولادة خير البشرية، خير البرية، وهادي البشرية أن يشكر الله -جل وعلا- بما شرع، لا أن يتعبد بما لم يشرعه من البدع، يعني كما أحدث بعض المبتدعة في عاشوراء أحدث بعض المبتدعة في مثل هذا اليوم فلا هذا ولا هذا، نحن أمة اقتداء، أمة نص، فلا نتعبد لله -جل وعلا- إلا بما شرعه لنا، فلا نجعل عاشوراء مأتم، ولا نجعل يوم المولد يوم احتفال، كما يحتفل الناس بمناسباتهم، ونتعبد بذلك، وهذا شيء لم يفعله أهل القرون المفضلة، إنما نعبد الله -جل وعلا- بما شرع لنا، نصوم؛ لأن هذا يوم حصلت فيه هذه النعمة من الله -جل وعلا-، فنشكر الله -جل وعلا- بفعل ما شرعه لنا. ((ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه)) والعلة مركبة من هذه الأمور كلها، هل يستطيع من يقيم المولد أن يقول: هذا يوم ترفع فيه الأعمال، سوي مولد يوم الخميس؛ لأنه ترفع فيه الأعمال، ما يمكن أن يقول هذا؟ العلة مركبة من كونه ولد فيه -عليه الصلاة والسلام-، ويوم بعث فيه، وأنزل عليه القرآن، وترفع فيه الأعمال، كل هذه الأمور مجتمعة يصام من أجله، يشكر الله -جل وعلا- على هذه النعمة، ولا ننتظر حتى يحول الحول على ذلك، هذا في كل أسبوع نفعله، شكراً لله -جل وعلا- "رواه مسلم".

"وعن أم الفضل بنت الحارث أن ناساً تماروا"...

يعني جاء الحث على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وجاء الحث على صيام البيض الثلاثة، فالثلاثة الأيام يمكن أن تتداخل مع أمور أخرى، يمكن أن يصومها الإنسان في يوم الاثنين من كل أسبوع، أو يصوم اثنين وخميس واثنين من الأسبوع الثاني، أو يصوم الثلاث البيض ويحصل له الأجور المرتبة على هذا كله.

"وعن أم الفضل بنت الحارث أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة" والرسول -عليه الصلاة والسلام- واقف بعرفة، سمعنا أن صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية، يكفر سنتين، فهل يحرم منه الحاج؟ حاج يقول: أنا أقف في هذا الموقف العظيم، وأتعرض لنفحات الله، وأصوم، أتقرب إلى الله بالصيام، رجاء أن يكفر عني الذنوب الماضية واللاحقة، تماروا اختلفوا، فبعض الناس قالوا: الرسول -عليه الصلاة والسلام- صائم؛ لأنه ما يمكن أن يفوت هذه الفرصة يكفر سنتين ولا يصوم، وبعضهم قال: لا، الرسول -عليه الصلاة والسلام- ما صام.

"تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه -أم الفضل- بقدح لبن، وهو واقف على بعيره فشربه" متفق عليه، واللفظ لمسلم".

وهكذا يجب أن يكون القدوة حاضر في مواضع الحاجة إليه، أما أن يترك الناس يدوكون ويبحثون ويسألون ولا يجدون من يكشف لهم الأمر، وآخر من يتكلم في كثير من المجالات هو القدوة، هذا ليس بمنهج شرعي ولا نبوي، هذا تقصير، النبي -عليه الصلاة والسلام- لما حصل هذا شرب القدح وهو واقف على بعيره، يراه الناس كلهم، وهناك في كراع الغميم شرب والناس ينظرون كلهم، ينبغي أن يكون القدوة أول من يحضر في مثل هذه المناسبات؛ لئلا يترك الناس حيص بيص؛ لأنه في بعض المناسبات تفوت هذه المناسبة والناس ما يدرون ما يفعلون، والقدوة غائب، هذا صنيعه -عليه الصلاة والسلام-، في كل مناسبة يجب أن يحضر، وعلى أتباعه من ورّاث نبوته العلماء أن يكونوا حاضرين في كل مناسبة، يحتاج إليهم فيها، أما أن تلوك ألسنة الناس من جميع الفئات ما يحتاج إليه المسلمون في دينهم، ثم نجد آخر من يتكلم من يجب عليه البيان هذا تقصير، وهو مسئول عن هذا أمام الله -جل وعلا-.

الرسول -عليه الصلاة والسلام- أتي بقدح فشرب على البعير، يراه الناس كلهم؛ لأن الناس يحتاجوه في هذا الموضع، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا هو واجب ورّاث علمه ونبوته من أهل العلم.

"متفق عليه، واللفظ لمسلم".

"وعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)) رواه مسلم، وقد روي موقوفاً".

لكن العبرة بما خرجه مسلم من رواية الحديث مرفوعاً، ولا إشكال فيه، وعامة أهل العلم على استحباب صيام الست من شوال، ولا يعرف مخالف إلا الإمام مالك -رحمه الله-، فإنه قال في موطئه: إنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، وعلته في ذلك أن الخبر لم يثبت عنده، والأمر الثاني: ألا يظن وجوبها، يعني لزوم الناس لها قد يظنه بعض الجهال أنها واجبة، ولكن هذا الكلام لا يمكن أن يستقيم مع قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)) لأن رمضان عن عشرة أشهر، والستة الأيام عن ستين يوماً، الحسنة بعشر أمثالها، فصيام رمضان وست شوال كأن الإنسان صام الدهر كله.

طيب صيام رمضان مع الست من شوال ممدوح وإلا مذموم؟ ممدوح، صيام الدهر ممدوح وإلا مذموم؟ ((لا صام من صام الأبد)) نعم، فهو مذموم، كيف يشبه الممدوح بالمذموم؟ نقول: لا يلزم من التشبيه أن يكون مطابقاً المشبه للمشبه به من كل وجه، لا تلزم المطابقة من كل وجه، فقد يكون وجه الشبه من وجه دون وجه، فكأنه استوعب الأيام كلها بالصيام، لكن لو صام الدهر على الخلاف في ذلك من أهل العلم من يقول: حرام، ومنهم من يخص التحريم بما إذا صام الأيام المحرمة، المقصود أن التشبيه لا يلزم مطابقة المشبه بالمشبه به من كل وجه "رواه مسلم".

((من صام رمضان ثم أتبعه)) والتابع لا بد أن يكون بعد نهاية المتبوع، وإلا ما يسمى تابع، إلا إذا انتهى المتبوع يأتي التابع، فعلى هذا من بقي عليه شيء من رمضان فإنه لا يصح منه صيام الست إلا إذا أكمل رمضان ليصح أنه أتبع رمضان الست من شوال، ولذا من عليه قضاء من امرأة عذرت فأفطرت في رمضان يلزمها أن تقضي قبل الست، من سافر في رمضان وأفطر في رمضان يلزمه القضاء قبل الست؛ ليصح أنه أتبعه ستاً من شوال، أما من صام الست وفي ذمته شيء من رمضان لا يصح أنه أتبعه ستاً من شوال.

((من صام رمضان)) شرط، وستاً نكرة في سياق الشرط تعم، أي ست من أوله، من أثنائه، من آخره، مجتمعة، مفرقة، لكن الإتباع يوحي بأن الأفضل أن تكون تبعاً له مباشرة، تتبعه مباشرة، لكن لو صام من أثنائه، أو من آخره مجتمعة أو متفرقة صح أنه صام ستاً من شوال، وست مؤنث، والأيام مذكر، لما لم يذكر التمييز جاز التذكير والتأنيث، ولو ذكر التمييز للزم التذكير ستة أيام من شوال.

عائشة -رضي الله عنه- تقول: "كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان النبي -عليه الصلاة والسلام- مني" هل يقال: إنها تترك الست؟ تترك يوم عرفة؟ تترك...؟ أو نقول: إن هذا يجوز أن تقدم هذه المواسم المؤقتة التي تفوت والقضاء لا يفوت؟ خلاف بين أهل العلم، لكن مقتضى الحديث أن الست لا تصح ممن في ذمته شيء من رمضان، وهذا هو المرجح أن الإنسان لا يصوم الست إلا إذا فرغ من صيام رمضان.

"وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا)) يعني سبعين سنة، بسبب صوم يوم ((في سبيل الله)) وفي سبيل الله إذا أطلق كما أطلق في آية الصدقة ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله، وعلى هذا حمله الإمام البخاري، فترجم في كتاب الجهاد: باب الصيام في الجهاد، فحمله على الصوم في الجهاد، وأن من جمع بين الجهاد، جهاد العدو بالسنان، وجهاد النفس بالصيام يحصل له هذا الأجر بخلاف من صام مبتغياً بذلك وجه الله في غير الجهاد، ومن أهل العلم من حمله على الصيام في سبيل الله، يعني مبتغياً بذلك وجه الله -جل وعلا-، مخلصاً في ذلك لله -جل وعلا-، فإن الله يباعد وجهه عن النار سبعين خريفاً، ولو لم يكن في الجهاد، وفضل الله واسع "متفق عليه، ولفظه لمسلم".

"وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم" الرسول -عليه الصلاة والسلام- حياته كلها جهاد، وتبليغ لدعوة الله -جل وعلا-، فقد تتابع عليه الأيام منهمكاً في جهاد مثلاً، أو في دعوة، أو في استقبال وفود، وما أشبه ذلك فيؤخر الصيام يفطر أيام متتابعة، حتى يقول الناظر له: الرسول -عليه الصلاة والسلام- ما هو بيصوم، ثم يسنح له فرص وشيء من الفراغ يستغلها بالصيام حتى نقول: إنه لا يفطر، وهكذا يفعل أتباعه ممن ينوء بأحمال الأمة، يعني الأمة لا بد لمن يقوم لله بالحجة فيحمل هم الدعوة والتعليم والقضاء وغير ذلك ممن هو بمثابة عالم الأمة، مثل هذا لو صام في بعض الأيام والأمة بحاجته إلى أمر عام، هل يكون الصيام في حقه أفضل؟ لا، نقول: هذا يفطر حتى تسنح الفرصة بحيث تمر عليه الأيام والأسابيع ما يصوم.

"يفطر حتى نقول: لا يصوم" ثم تسنح له فرص؛ لأن الدنيا فرص يجب على المسلم أن يستغلها يحصل عنده شيء من الفراغ فيستغل هذا الفراغ بالصيام، وهذا شأنه وهذا ديدنه، وهذه طريقته -عليه الصلاة والسلام-.

" كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان" متفق عليه، وهذا لفظ مسلم".

"ما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان" هل يلزم من هذا أنه يصوم في النصف الثاني من شعبان، وقد جاء فيه: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا))؟ لا يلزم، يعني إذا صام نصفه الأول نعم، المقارنة ليست بالنسبة للشهر، يعني لا يعني أنه يصوم أكثر الشهر، إنما يصوم في هذا الشهر أكثر من الأشهر السابقة، في غيره من الأشهر، مع أنه جاء: ((أفضل الصيام صيام شهر الله المحرم)).

على كل حال جاء الحث على الصيام في شهر المحرم باعتباره شهر حرام، من الأشهر الحرم، وجاء أيضاً النبي -عليه الصلاة والسلام- يغتنم غفلة الناس في شعبان؛ لأن الناس يغفلون عن شعبان؛ لأنه واقع بين رجب وهو شهر حرام، وواقع بين رمضان وهو شهر الله المعظم، فينبغي استغلال الغفلات، غفلات الناس بالعبادة.

"وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان" متفق عليه، وهذا لفظ مسلم" وأما حديث: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)) فقد ضعفه كثير من أهل العلم بحديث: ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين)) متفق عليه، فمفاده ومفهومه جواز الصيام من شعبان قبل الشهر بثلاثة أيام، وجواز من كان يصوم صوماً فليصمه ولو تقدم الشهر بيوم أو يومين على ما تقدم، وهذا لا شك أنه أرجح من حديث: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)).

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه))" يعني الزوج له حق عظيم على الزوجة، يقدم على جميع النوافل، وعرفنا أن عائشة -رضي الله عنها- يكون عليها القضاء من رمضان فتؤخر هذا القضاء حتى يضيق الوقت، حتى شعبان، حتى يضيق الوقت، ويتعين الصيام في هذه المدة، وحينئذٍ لا يكون للزوج سلطان على المرأة، فما أوجبه الله -جل وعلا- مقدم على حق الزوج، لكن يبقى أنه إذا كان الوقت متسع يؤخر، ولا تصوم المرأة نفلاً وزوجها شاهد إلا بإذنه، وهذا إذا كان يتعارض مع حقوقه، لكن إذا كان لا يحتاجها، امرأة كبيرة في السن لا يحتاجها زوجها، وزوجها حاضر، وهي تعرف أنه لا يحتاجها، ولا يتأثر بذلك هذا في حكم الإذن، ولو أخذت منه الإذن المطلق، وعليه أن يأذن لها في هذه الحالة، لا يحرمها الأجر وهو لا يحتاجها، ويكون هذا من باب التعاون على البر والتقوى، فإنه عليه أن يأذن لها، أما إذا كان بحاجتها لا يستطيع الصبر عنها، وليس عنده ما يغنيه عنها، فإنه لا يجوز لها ولا يحل لها أن تصوم صوم نفل إلا بإذنه.

"متفق عليه، واللفظ للبخاري، ولأبي داود: ((غير رمضان))" أما رمضان ما فيه إذن لأحد، هذا واجب والفطر فيه معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وما أوجبه الله -جل وعلا- مقدم على كل واجب يوجبه غيره، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

وغداً نكمل كتاب الصيام؛ ليكون آخر الدروس درس الغد -إن شاء الله تعالى-.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

"