كتاب الرجعة من سبل السلام (8)

عنوان الدرس: 
كتاب الرجعة من سبل السلام (8)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 22/ صفر/ 1441 6:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم.

أحسن الله إليكم.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال في البلوغ وشرحه في الحديث الثاني من باب العِدَّة والإحداد:

"وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: أُمِرَتْ بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ.

(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: أُمِرَتْ) مُغَيَّرُ الصِّيغَةِ، وَالآمِرُ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ)، وَقَدْ وَرَدَ مَا يُؤَيِّدُهُ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تُعْتَبَرُ بِالْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ عِدَّةَ الْمَمْلُوكَةِ دُونَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، لَا بِالزَّوْجِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَظْهَرِ مِنْ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا".

نعم، العِدَّة بالنسبة للحرة ثلاث قروء، أو ثلاثة أشهر، إن كانت لا تحيض. والأمة عِدَّتُها نصف عِدَّة الحرة، عدتها: قُرءان، والعبد: تطليقتان. فالعدد مُعتبرة بالمرأة، والتطليق مُعتبر بالزوج. وبريرة لما عَتُقَت، صار حُكمُها حُكم الأحرار، فأُمِرَت أن تعتد بثلاث حِيَض.

"الحديثُ الثالثُ:

وَعَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا -: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وَعَنْ الشَّعْبِيِّ) هُوَ أَبُو عَمْرٍو عَامِرُ بْنُ شُرَحْبِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّعْبِيُّ الْهَمَذَانِيُّ الْكُوفِيُّ".

لا، إذا كان بالمُعجمة، فهو همذاني. وإن كان بالمُهملة، فهو همداني.

طالب: ما نقول: همداني يا شيخ؟

هو بالذال أم بالدال؟

طالب: بالدال.

طالب: لا، بالذال.

ماذا عندك؟

طالب: عندي بالدال، يا شيخ.

المُهملة؟

طالب: نعم.

إذًا، همداني، لكن ما عندكم؟

طلاب: همذاني.

إذًا همذاني، همذان بلد، وهمدان قبيلة.

طالب: أيهما صحيح يا شيخ؟

الهمذاني، ما أدري والله، ما أذكر الآن.

"تَابِعِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي زَمَانِهِ، وَالشَّعْبِيُّ فِي زَمَانِهِ".

يعني: كان ابن عباس رأسًا في زمانه، والشعبي كان رأسًا في زمانه.

"مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِالشَّعْبِيِّ، وَهُوَ يُحَدِّثُ بِالْمَغَازِي، فَقَالَ: شَهِدْت الْقَوْمَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا مِنِّي، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الْعُلَمَاءُ أَرْبَعَةٌ: ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِالْمَدِينَةِ، وَالشَّعْبِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَمَكْحُولٌ بِالشَّامِ. وُلِدَ الشَّعْبِيِّ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ كَمَا فِي الْكَاشِفِ لِلذَّهَبِيِّ، وَقِيلَ: لِسِتٍّ خَلَتْ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً.

(عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ»  رَوَاهُ مُسْلِمٌ)".

وأما المطلقة طلاقًا رجعّيًا، فلها النفقة ولها السُّكنى؛ لأنها زوجة. البائن لا نفقة لها ولا سُكنى، إلا إذا كانت حاملاً. وأهل العلم يقولون: النفقة للحمل نفسه، لا لها؛ من أجله. ومن أهل العلم من يرى أن النفقة لها؛ من أجل الحمل.

"الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ، وَلَا سُكْنَى. وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ.

ذَهَبَ إلَى مَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ وَالْقَاسِمُ وَالْإِمَامِيَّةُ وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابُهُ وَدَاوُد وَكَافَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُسْتَدِلِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.

وَذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَنَفِيَّة وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، مُسْتَدِلِّينَ عَلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]، وَهَذَا فِي الْحَامِلِ، وَبِالْإِجْمَاعِ فِي الرَّجْعِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ النَّفَقَةُ. وَعَلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} [الطلاق: 6].

وَذَهَبَ الْهَادِي وَآخَرُونَ إلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ دُونَ السُّكْنَى، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} [البقرة: 241]، وَلِأَنَّهَا حُبِسَتْ بِسَبَبِهِ كَالرَّجْعِيَّةِ، وَلَا يَجِبُ لَهَا السُّكْنَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} [الطلاق: 6] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ الزَّوْجُ، وَهُوَ يَقْتَضِي الِاخْتِلَاطَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا فِي حَقِّ الرَّجْعِيَّةِ.

قَالُوا: وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَدْ طُعِنَ فِيهِ بِمَطَاعِنَ يَضْعُفُ مَعَهَا الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَحَاصِلُهَا أَرْبَعَةُ مَطَاعِنَ: الْأَوَّلُ: كَوْنُ الرَّاوِي امْرَأَةً، وَلَمْ تَقْتَرِنْ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ يُتَابِعَانِهَا عَلَى حَدِيثِهَا".

لكن هذا من باب الرواية، وباب الرواية تُقبَلُ فيه المرأة، تُقبَل فيه الأمة أيضًا. باب الرواية يختلف عن باب الشهادة. وعلى كل حال، الحديث مُخرجٌ في صحيح مسلم، فلا عبرة بهذه الاعتراضات.

"الثَّانِي: أَنَّ الرِّوَايَةَ تُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ".

ولا مخالفة؛ لأن الذي في القرآن: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} [الطلاق:6]، هذا بالنسبة للرجعية؛ لأنها زوجة.

"الثَّالِثُ: أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ الْمَنْزِلِ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي السُّكْنَى، بَلْ لِإِيذَائِهَا أَهْلَ زَوْجِهَا بِلِسَانِهَا".

هي أجنبية عن الزوج، ما دام بانت منه، فلا يجوز أن تسكن معه، هي أجنبيةٌ عنه. أما بالنسبة للرجعية، فهي زوجة، في حكم الزوجات، {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} [الطلاق:1]، فلا يجوز إخراجها.

"الرَّابِعُ: مُعَارَضَةُ رِوَايَتِهَا بِرِوَايَةِ عُمَرَ.

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ كَوْنَ الرَّاوِي امْرَأَةً غَيْرُ قَادِحٍ، فَكَمْ مِنْ سُنَنٍ ثَبَتَتْ عَن النِّسَاءِ، يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ عَرَفَ السِّيَرَ وَأَسَانِيدَ الصَّحَابَةِ.

وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ: لَا نَتْرُكُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ، فَهَذَا تَرَدُّدٌ مِنْهُ فِي حِفْظِهَا وَإِلَّا فَإِنَّهُ قَدْ قَبِلَ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ عِدَّة أَخْبَارٍ، وَتَرَدُّدُهُ فِي حِفْظِهَا عُذْرٌ لَهُ فِي عَدَمِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ، وَلَا يَكُونُ شَكُّهُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق:1]، فَإِنَّ الْجَمْعَ مُمْكِنٌ بِحَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى التَّخْصِيصِ لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ.

وَأَمَّا رِوَايَةُ عُمَرَ فَأَرَادُوا بِهَا قَوْلَهُ: وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: مِنْ السُّنَّةِ كَذَا يَكُونُ مَرْفُوعًا.

فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ قَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الزِّيَادَةَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ، وَجَعَلَ يُقْسِمُ وَيَقُولُ: وَأَيْنَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إيجَابُ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا؟ وَقَالَ: هَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ عُمَرَ، قَالَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ.

وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ: سَمِعْت - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: «لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ»، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عُمَرَ، وَإِبْرَاهِيمُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُمَرَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بِسِنِينَ.

وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ خُرُوجَ فَاطِمَةَ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا كَانَ لِإِيذَائِهَا لِأَهْلِ بَيْتِهِ بِلِسَانِهَا، فَكَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ عَمَّا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَتْ، وَلَوْ كَانَتْ تَسْتَحِقُّ السُّكْنَى لَمَا أَسْقَطَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِبَذَاءَةِ لِسَانِهَا، وَلَوَعَظَهَا وَكَفَّهَا عَنْ إذَايَةِ أَهْلِ زَوْجِهَا، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذِهِ الْمَطَاعِنِ فِي رَدِّ الْحَدِيثِ، فَالْحَقُّ مَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رحمه الله- فِي ذَلِكَ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ نَاصِرًا لِلْعَمَلِ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ".

الحديث التالي طويل.

"أحسن الله إليك، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد".