تعليق على تفسير سورة آل عمران من أضواء البيان (04)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

"بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي-رحمه الله تعالى-:

قوله تعالى: {مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } [سورة  آل عمران :113] ذكر هنا من صفات هذه الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب أنها قائمة أي مستقيمة على الحق وأنها تتلو آيات الله آناء الليل وتصلي وتؤمن بالله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وذكر في موضع آخر آنها تتلو الكتاب حق تلاوته وتؤمن بالله وهو قوله {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [سورة البقرة:121] وذكر في موضع آخر أنهم يؤمنون بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليهم وأنهم خاشعون لله لا يشترون بآياته ثمنًا قليلاً وهو قوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [سورة  آل عمران :199] وذكر في موضع آخر أنهم يفرحون بإنزال القرآن وهو قوله تعالى {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} [سورة الرعد:36] وذكر في موضع آخر أنهم يعلمون أن إنزال القرآن من الله حق وهو قوله {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} [سورة الأنعام:114] الآية، وذَكر في موضع آخر أنهم إذا تلي عليهم القرآن خروا لأذقانهم سجدًا وسبحوا بحمد ربهم وبكوا وهو قوله: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً } [سورة الإسراء:107-109] وقال في بكائهم عند سماعه أيضًا: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ} [سورة المائدة:83] وذكر في موضع آخر أن هذه الطائفة من أهل الكتاب تؤتى أجرها مرتين وهو قوله: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} [سورة القصص:51]."

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سمعنا ما ورد من الآيات وجاء أيضًا في أحاديث صحيحة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في مدح هذه الصفوة ممن آمن من أهل الكتاب ومع الأسف أنهم إذا سمعوا آيات الله يخرون للأذقان يبكون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع، ومما يؤسف أن كثيرًا ممن أنزل عليهم الكتاب وأنزل إليهم وهم المسلمون قست قلوبهم فكما أنهم يسمعون الكتاب ويسمعون أقوال الناس ولا يؤثر فيهم هذا ولا هذا، والمسلم مع الأسف الشديد يقرأ في القرآن أو يقرأ في جريدة صحيفة لا فرق لا يؤثر فيه، وكان التأثير في سلف هذه الأمة وأئمتها وعلمائها كبيرا حتى وصل ببعضهم الأمر إلى أنه يصل إلى حد الإغماء والغشي بل بعضهم يموت ويصعق عند سماع بعض القرآن وخلفت هذه القلوب وطال العهد ثم وصل الأمر إلى ما وصل إليه والأمة فيها خير ولايزال الخير في أمة محمد إلى قيام الساعة، لكن نشكوا إلى الله وضعنا وحالنا وقسوة القلوب وهذا وصف أهل الكتاب اليهود والنصارى والله المستعان، القرآن لا شك أنه عظيم وثقيل ومؤثر وسمعه الكافر فكاد يطير قلبه، جبير بن مطعم لما سمع النبي -عليه الصلاة والسلام- يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور يقول: هذا أول ما وقر الإيمان في قلبي، وكان يقول: كاد قلبه أن يطير، والمسلمون منهم من يقرأ القرآن خمسين سنة، ستين سنة ولا يؤثر فيه شيء، زرارة بن أوفى سمع الإمام يقرأ في صلاة الصبح {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [سورة المدثر:8] يذكر أهل العلم في ترجمته أنه مات عند سماعها فعلينا أن نراجع أنفسنا ونسعى في إصلاح قلوبنا والله المستعان.

"وذكر في موضع آخر أن هذه الطائفة من أهل الكتاب تؤتى أجرها مرتين وهو قوله {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } [سورة القصص:51-53]."

سبق في وصفهم أنهم يؤمنون بالله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مع أن هذه الصفة سبب خيرية هذه الأمة، ومادامت هذه الصفة موجودة في أهل الكتاب لماذا صارت سببًا في خيرية هذه الأمة {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [سورة آل عمران:110] وهذا الوصف موجود فيمن قبلنا الأكثر منهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه وهذا موجود وكثير في الأمة وباقي ولله الحمد والمنة.

طالب: ........

الذي لا يسلم لا ينفعه ذلك «والله لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا دخل النار» لا بد أن يسلم فإذا أسلم أعطي أجره مرتين، لكن هذا وصف كاشف لواقعهم حتى إذا لم يسلموا هذا وضعهم، لكن إذا لم يؤمنوا بمحمد -عليه الصلاة والسلام-بعد بعثته لا ينفعهم ذلك.

طالب: ........

المسألة مسألة عاقبة إذا كانوا أسلموا يؤتون أجرهم مرتين إذا لم يسلموا فمأواهم النار.

"{أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [سورة القصص:54] قوله تعالى {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} [سورة آل عمران:119] الآية يعني وتؤمنون بالكتب كلها كما يدل له قوله تعالى {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ} [سورة الشورى:15] وقوله {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ} [سورة البقرة:285] الآية قوله تعالى."

فالمراد بالكتاب الجنس، جنس الكتب المنزَّلة.

"قوله تعالى {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ} [سورة آل عمران:133] يعني عرضها كعرض السموات والأرض كما بينه قوله تعالى في سورة الحديد {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [سورة الحديد:21] وآية آل عمران هذه تبين أن المراد بالسماء في آية الحديد جنسها الصادق بجميع السموات كما هو ظاهر والعلم عند الله تعالى."

يطلق المفرد المقترن بـ(ال) ويراد به الجنس.

"قوله تعالى {إِن يَمْسَسْكُمْ} [سورة آل عمران:140].."

قال رجل لابن عباس إذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون عرضها السموات والأرض؟ المظروف أوسع من الظرف قال ابن عباس: إذا جاء النهار أين يذهب الليل؟ وإذا جاء الليل أين يذهب النهار؟ على كل حال ليس لأحد أن يعترض والأرض تبدل غير الأرض والسموات كل شيء يتغير في القيامة وليس لأحد أن يسترسل في مثل هذه الأمور ويسأل لأنه لو سأل ولم يجد جوابا واحتار في ذلك واستدرج لا بد أن يقع في حيرة وضلال- نسأل الله العافية- فلا بد أن يقول سمعنا وأطعنا.

"قوله تعالى {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [سورة آل عمران:140] المراد بالقرح الذي مس المسلمين هو ما أصابهم يوم أحد من القتل والجِراح كما أشار له تعالى في هذه السورة الكريمة في مواضع متعددة كقوله {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [سورة آل عمران:143] وقوله: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} [سورة آل عمران:140] الآية، وقوله: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} [سورة آل عمران:152] وقوله."

إذا كان هذا في حال الصحابة وهم أفضل الأمة فكيف بمن بعدهم التفتوا إلى الدنيا قليلاً فعوتبوا بهذا الأسلوب القوي فكيف بمن كان همه الدنيا ولا هم له في الآخرة ممن ينتسب إلى الإسلام بحيث يشتري أو يبيع دينه بعرض من الدنيا-نسأل الله العافية-.

"وقوله: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} [سورة آل عمران:153] ونحو ذلك من الآيات، وأما المراد بالقرح الذي مس القوم المشركين فيحتمل أنه هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر وعليه فإليه الإشارة بقوله {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة الأنفال:12-13] ويحتمل أيضًا أنه هزيمة المشركين أولا يوم أحد كما سيأتي قريبًا- إن شاء الله تعالى- وقد أشار إلى القرحين معًا بقوله {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا} [سورة آل عمران:165].."

والمثلان إنما حصل في بدر يعني إذا كان القتلى من المسلمين في أحد سبعين فالقتلى من المشركين في بدر مثلهم والأسر سبعون أيضًا.

"فالمراد بمصيبة المسلمين القرح الذي مسهم يوم أحد والمراد بمصيبة الكفار بمثليها قبل القرح الذي مسهم يوم بدر؛ لأن المسلمين يوم أحد قتل منهم سبعون والكفار يومئذ قتل منهم."

الكفار يوم بدرٍ.

"والكفار يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون وهذا قول الجمهور، وذكر بعض العلماء أن المصيبة التي أصابت المشركين هي ما أصابهم يوم أحد من قتل وهزيمة حيث قُتل حملة اللواء من بني عبد الدار وانهزم المشركون في أول الأمر هزيمة منكرة وبقي لواؤهم ساقطًا حتى رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية وفي ذلك يقول حسان:

فلولا لواء الحارثية أصبحوا

 

 

 

يباعون في الأسواق بيع الجلائب

 

وعلى هذا الوجه فالقرح الذي أصاب القوم المشركين يشير إليه قوله تعالى."

ثم ماذا حدث بعد أن غيروا وبدلوا وتركوا ما كانوا عليه في الأندلس بِيْعُوا واسترقوا واستُخدمت نساؤهم وبناتهم في بيوت النصارى وحكامهم وملوكهم يباعون في الأسواق كما يباع العبيد.

بالأمس كانوا ملوكًا في أسرتهم

 

 

 

واليوم هم في بلاد الكفر عبدان

 

نسأل الله العافية.

"وعلى هذا الوجه فالقرح الذي أصاب القوم المشركين يشير إليه قوله تعالى {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ} [سورة آل عمران:152] الآية، ومعنى تحسونهم تقتلونهم وتستأصلونهم وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة فمعنى حسه أذهب حسه بالقتل ومنه قول جرير:

نحسهم بالسيوف كما تسامى

 

 

 

حريق النار في أجب الحصيد"

 

عندنا بدون تحسهم السيوف كما تسامى.

 

"تحسهم السيوف كما تسامى

 

 

 

حريق النار في أجم الحصيد

 

وقوله الآخر:

حسسناهم بالسيف حسًا فأصبحت

 

 

 

بقيتهم قد شردوا وتبددوا

 

وقول رؤبة:

إذا شكونا سنة حسوسا

 

 

 

تأكل بعد الأخضر اليبيبا"

 

اليبيسا.

"

"..............................

 

 

 

تأكل بعد الأخضر اليبيسا

 

يعني بالسنة الحسوس السنة المجدبة التي تأكل كل شيء، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن الآية قد يكون فيها احتمالان وكل منهما يشهد له قرآن وكلاهما حق فنذكرهما معا وما يشهد لكل واحد منهما، قال بعض العلماء وقرينة السياق تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم أحد؛ لأن الكلام في وقعة أحد ولكن التثنية في قوله مثليها تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم بدر لأنه لم ينقل أحد أن الكفار يوم أحد أصيبوا بمثلي ما أصيب المسلمون ولا حجة في قوله {تَحُسُّونَهُم} [سورة آل عمران:152] لأن ذلك الحس والاستئصال في خصوص الذين قتلوا من المشركين وهم أقل ممن قتل من المسلمين يوم أحد كما هو معلوم، فإن قيل ما وجه الجمع بين الإفراد في قوله {قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [سورة آل عمران:140]."

لا شك أن التثنية في مثليها يؤكد ويرجح أن المراد ما أصيبوا به يوم بدر قد يقول قائل: أن القتل في الفريقين في أحد بالنسبة للمسلمين وفي بدر بالنسبة للمشركين متساوي سبعون سبعون، لكن الأسر بمثابة القتل لأنه أحد الخيارات في المأسور فكأنه حاصل وعلى هذا يكون ما أصاب المشركين ضعف ما أصاب المسلمين يوم أحد.

"فإن قيل: فما وجه الجمع بين الإفراد في قوله {قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [سورة آل عمران:140] وبين التثنية في قوله {قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا} [سورة آل عمران:165] فالجواب والله تعالى أعلم أن المراد بالتثنية قتل سبعين وأسر سبعين يوم بدر في مقابلة سبعين يوم أحد كما عليه جمهور العلماء والمراد بإفراد المثل."

المثْل.

"بإفراد المثْل تشبيه القرح بالقرح في مطلق النكاية والألم."

وإن لم يتساوى القرحان.

والقراءتان السبعيتان في قوله {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [سورة آل عمران:140] بفتح القاف وضمها في الحرفين معناهما واحد فهما لغتان.

قَرح وقُرح.

"فهما لغتان كالضَّعف والضُّعف وقال الفراء."

وإن أوجد أهل اللغة الفرق بين الفتح والضم فالضَّعف في البدن والضُّعف في الرأي وبعضهم عكس، وعلى كل حال الضُّعف كما في سنن أبي داود قراءة النبي -عليه الصلاة والسلام-.

"وقال الفرّاء القَرح بالفتح الجرح وبالضم ألمه انتهى، ومن إطلاق العرب القرح على الجرح قول متمم بن نويرة التميمي:

قعيدك ألا تسمعيني ملامة

 

 

 

ولا تنكأي قرح الفؤاد فييجعا

 

قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [سورة آل عمران:142] أنكر الله في هذه الآية على من ظن أنه يدخل دون أن يبتلى بشدائد التكاليف التي يحصل بها الفرق بين الصابر المخلص في دينه وبين غيره وأوضح."

نعم الجنة حفت بالمكاره {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [سورة العنكبوت:1-2].

"وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة كقوله {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [سورة البقرة:214] وقوله {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [سورة التوبة:16] وقوله {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [سورة العنكبوت:1-3] وفي هذه الآيات سر لطيف وعبرة وحكمة وذلك أن أبانا آدم كان في الجنة يأكل منها رغدًا حيث شاء في أتم نعمة وأكمل سرور وأرغد عيش كما قال له ربه {{إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} [سورة طـه:118-119] ولو تناسلنا فيها لكنا في أرغد عيش وأتم نعمة ولكن إبليس عليه لعائن الله احتال بمكره وخداعه على أبوينا حتى أخرجهما من الجنة إلى دار الشقاء والنصب وحينئذ حكم الله تعالى أن جنته لا يدخلها أحد إلا بعد الابتلاء بالشدائد وصعوبة التكاليف، فعلى العاقل منا معاشر بني آدم أن يتصور الواقع ويعلم أننا في الحقيقة سبي سباه إبليس بمكره وخداعه من وطنه الكريم إلى دار الشقاء والبلاء فيجاهد عدوه إبليس ونفسه الأمارة بالسوء حتى يرجع إلى الوطن الأول الكريم كما العلامة ابن القيم تغمده الله برحمته.

ولكننا سبي العدو فهل ترى

 

 

 

نرد إلى أوطاننا ونسلّمُ

 

ولهذه الحكمة أكثر الله تعالى في كتابه من ذكر قصة إبليس مع آدم لتكون نصب أعيننا دائمًا."

ابن القيم-رحمه الله-في مفتاح دار السعادة في أول الكتاب ذكر حِكما كثيرة جدًا من إنزال آدم من الجنة إلى الأرض حكم لله- جل وعلا- فجدير بنا أن نراجع ما كتبه ابن القيم- رحمه الله- والبيت المذكور من ميميته المشهورة.

ولكننا سبي العدو فهل ترى

 

 

 

نرد إلى أوطاننا ونسلم

 

وفيها.

وأي اغتراب فوق غربتنا التي

 

 

 

لها أضحت الأعداء فيها تحكم

 

هذا كم؟ ابن القيم سبعمائة وواحد وخمسون كيف لو رأى زماننا هذا الذي تولى فيه العدو طرفي العِقد هو الذي نرجوه ونأمله أن يدافع عنا وهو الذي يتربص بنا الدوائر غربة مستحكمة، ابن القيم في عصره ليس للكافر سلطان على المسلمين ولا يوجد من الكفار تصريف مباشر لأمور المسلمين والرايتان متمايزتان ويقول:

وأي اغتراب فوق غربتنا التي

 

 

 

لها أضحت الأعداء فيها تحكم

 

والله المستعان لكن ممن يدعي الإسلام في ذلك الوقت من يضع يده بيد الكافر ويكيد للمسلمين كما فعل ابن العلقمي مع التتار مع هولاكو وأتباعه مما لا يخفى في قضية من أشد القضايا التي مرت بالأمة سنة ستمائة وستة وخمسين والتي قتل في بغداد وحدها مليون وثمانمائة ألف في ثلاثة أيام حتى اختفى الناس في المقابر، ولو راجعنا التاريخ وما حصل للمسلمين في الأندلس وما حصل للمسلمين بعد ذلك في أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع في الشام وغيرها من قبل تيمور فنراجع مثل هذه الأشياء لنعرف أن الليلة شبيهة جدا بالبارحة، يعني ما حصل من تيمور في دمشق سنة ثمانمائة وثلاثة شيء لا يخطر على البال، يعني لو قارناه بما يحصل الآن في بلاد المسلمين ليس ببعيد وليس عندهم إعلام لكن المؤرخين أثبتوا ذلك لو كان عندهم إعلام لكان يصلنا أشد من ذلك من الأهوال، لكن ما حصل في دمشق سنة ثمانمائة وثلاثة على أيدي تيمور شيء يشيب منه الطفل والأسباب تتكرر السنن الإلهية واحدة لا تتغير ولا تتبدل.

اللهم صل على نبينا محمد

طالب: ...........

ادعى الإسلام لكن من رأى صنيعه بالمسلمين يعرف واقعه قد تكون دعواه بعد ذلك.

نقف على هذا لأن الكلام طويل جدا.

طالب: ...........

وأي اغتراب؟ أنت ما تحفظ ميمية ابن القيم قليلة ليست كثيرة.

طالب: ...........

نعم كل علق عليها قصيدة عظيمة.

وأي اغتراب فوق غربتنا التي

 

 

 

لها أضحت الأعداء فيها تحكم

 

 

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد اللهم صل وسلم على البشير النذير.