شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1428 هـ) - 10

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1428 هـ) - 10
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 2:15 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى لقاء جديد في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الشيخ.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لا زلنا في حديث عائشة وابن عمر -رضي الله عنهم-، في باب صيام أيام التشريق، توقفنا عند الاستثناء في قوله: إلا لمن لم يجد الهدي، نستكمل -أحسن الله إليكم-.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، مضى الكلام في قوله: لم يُرخص، كلام ابن عمر، وأيضًا هو من حديث عائشة، لم يرخص، وهل له حكم الرفع أو هو موقوف؟ وذكر الحافظ ابن حجر الخلاف في قوله: أُمرنا ونُهينا، هل له حكم الرفع؟ وأنه على ثلاثة أقوال، ويلتحق به: رُخص لنا في كذا، الذي، الذي هو في نص الحديث؛ لأن لها حكم: أُمرنا ونُهينا؛ كما أن لهما حكم: من السنة أيضًا.

لفتة تقدم ذكرها من الطحاوي، وميله إلى أنها موقوفة، وليست..

المقدم: لها حكم الرفع.

ليست مرفوعة؛ لأنهما على حد قوله: يعني عائشة وابن عمر فهما الترخيص لمن لم يجد الهدي من قوله تعالى: { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ } [البقرة: 196]، فهما من الآية الترخيص؛ لأن قوله: { فِي الحَجِّ } [البقرة: 196] يعم ما قبل يوم النحر وما بعده، فيدخل أيام التشريق، فعلى هذا؛ فليس بمرفوع.

وقلنا: إن هذا مثل من قال: إن ابن عباس فهم من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».

المقدم: من السنة بالنسبة للمطالع لما سُئل.

نعم، اختلاف المطالع، «صوموا لرؤيته» حينما قال: هو السنة، هو السنة.

فمن قال باتحاد المطالع، قال: الخطاب لجميع الأمة «صوموا لرؤيته»، طيب كلام ابن عباس، وأن معاوية والناس صاموا يوم الجمعة مثلًا، وأهل المدينة صاموا يوم السبت، قال: هو السنة، وقول الصحابي: السنة، أو من السنة، مرفوع عند أهل العلم، لكن قوله: السنة، هل هو بنص مستقل خاص يدل على هذه المسألة التي هي اختلاف المطالع أو فهم من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».

المقدم: الظاهر أنه فهم هذا، من فهمه.

الله أعلم؛ لأنه ما ذُكر حديث غير هذا في هذه المسألة، ما ذُكر غير هذا الحديث في هذه المسألة، ولذا يرى أهل العلم أن المسألة فيها سعة، يعني من قال باتحاد المطالع له وجه، ومن قال باختلاف المطالع له وجه؛ لأن النص يحتمل الأمرين.

الطحاوي في حديث الباب يقول: إن قول ابن عمر وعائشة: لم يُرخص، أخذاه من عموم قوله تعالى: { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ } [البقرة: 196]؛ لأن قوله: { فِي الحَجِّ } [البقرة: 196] يعم ما قبل يوم النحر وما بعده، فيدخل أيام التشريق، يقول: فعلى هذا فليس بمرفوع بل هو بطريق الاستنباط منهما عما فهماه من عموم الآية.

يرد علينا أيضًا مسألة أخرى، وهي مسألة تفسير الصحابي، تفسير الصحابي هل هو مرفوع أو موقوف؟ الحاكم يرى أنه مرفوع، يرى أنه مرفوع، والجمهور يرون أنه..

المقدم: موقوف.

يحتمل إن كان مما لا يُدرك بالرأي، فهو مرفوع، وإن كان مما يُدرك بالرأي ويُفهم من لغة العرب، فهو موقوف، ولذا الحافظ العراقي -رحمه الله- يقول:

وعَد ما فسره الصحابي
 

 

رفعًا فمحمول على الأسباب

يعني: على أسباب النزول، يعني ما يتعلق بأسباب النزول له حكم الرفع، وما عدا ذلك من بيان لمعنى لآية أو استنباط حكم، فمثل هذا يُدرك بالاجتهاد، فهو موقوف.

وقد ثبت نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن صوم أيام التشريق -هذا كلام العيني-، وقد ثبت نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن صوم أيام التشريق وهو عام في حق المتمتع وغيره، فعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن، تعارض عموم الآية المشعر بالإذن، وعموم الحديث المشعر بالنهي.

عموم الحديث مشعر بالنهي؟ النهي جاء فيه أحاديث من غير استثناء، من غير استثناء، وإذا قُرر أن الاستثناء موقوف..

المقدم: فلا يُقدم.

فلا عبرة به إذا قلنا: موقوف لا سيما عند من يقول: إن قول الصحابي ليس بحجة، فيسلم لنا المرفوع في النهي.

المقدم: لكن المرفوع في النهي في الصحيحين؟

المقصود أنه من طرق كثيرة، يعني من حوالي...

المقدم: ثبت يعني؟

نعم، ثابت من طرق كثيرة جدًّا، فيسلم لنا المرفوع المتضمن للنهي من غير استثناء؛ لأن الاستثناء إذا قرر العيني تبعًا للطحاوي أنه موقوف، فلا يؤثر في المسألة، فعندنا عموم الآية مشعر بالإذن { فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ } [البقرة: 196]، وعمومها يشمل ما قبل يوم النحر وما بعد يوم النحر، فيدخل فيه أيام التشريق، وعموم الأحاديث المشعرة بالنهي، فعندنا تعارض عموم وعموم.

وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد -المسألة مهمة جدًّا- في تخصيص عموم المتواتر -عموم الآية
{ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ } [البقرة: 196]- بعموم الآحاد -التي هي الأحاديث الواردة في النهي- نظر، لو كان الحديث مرفوعًا، فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر؟!

هو يريد أن يقول: إن هذا التخصيص إلا لمن لم يجد الهدي.

المقدم: هذا من الآحاد.

هذا من الآحاد.

المقدم: يعارض المتواتر المقطوع.

يعارض المتواتر الذي هو الآية، وإن كانت عموم لكن عندنا الآن: إلا لمن لم يجد الهدي، إن قلنا: هذا عموم حديث أو خصوص؟ الاستثناء مخصص، العموم: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن، هذا العموم، يخصصه الاستثناء: إلا لمن لم يجد الهدي، فكيف يقول: وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر، لو كان الحديث مرفوعًا، فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر؟!

العيني مثلًا يرى المنع من الصيام مطلقًا، فهذا يشكل عليه الاستثناء، هو يريد أن يتخلص من هذا الاستثناء، فتبع الطحاوي في كونه موقوف، وفهم من الآية.

بقي تعارض عموم الأحاديث التي تنهى، وعموم الآية التي فيها الإذن، عندنا تعارض عموم بعموم، يقول: لو كان الحديث مرفوعًا.

هذا إشكال، هو الحديث المرفوع يقره العيني وغيره، أنه جاء النهي المتضمن للعموم، جاء النهي في صحيح ومن طرق كثيرة جدًّا، حتى عند العيني وعند الطحاوي وغيرهم، لكن الذي لا يراه ولا يرتضيه الاستثناء، لا يراه مرفوعًا، ولذلك يقول: وفي كونه مرفوعًا نظر.

قال ابن حجر، يقول: فعلى هذا يترجح القول بالجواز.

بينما عند العيني الذي ترجح المنع.

فعلى هذا يترجح القول بالجواز، وإلى هذا جنح البخاري، والله أعلم.

يعني على ضوء ما قرره؛ لأن عندنا ابن حجر قرر أن: لم يُرخص، لها حكم الرفع، وبما في ذلك الاستثناء، وما دام له حكم الرفع، والاستثناء موجودًا، إذًا المترجح الجواز، وإلى هذا جنح البخاري، واضح؟

المقدم: واضح.

طيب، العيني يقول متعقبًا ابن حجر: كيف يترجح الجواز مع رواية جماعة من الصحابة ما يناهز ثلاثين صحابيًّا النهي عن النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الصوم في أيام التشريق، ومع هذا؛ فالبخاري ما روى في هذا الباب إلا ثلاثة من الآثار موقوفة.

يعني الآن الخلاف بين العيني وابن حجر في: لم يرخص، هل هو مرفوع أم غير مرفوع؟ ابن حجر يقول: مرفوع؛ لأن قول الصحابي: رخص لنا، مثل: أمرنا ونهينا، حكمه الرفع، والعيني تبعًا للطحاوي، يقول: لا، هذا موقوف؛ لأنه فهم من الآية، فإذا ثبت أنه مرفوع، فالاستثناء ظاهر، وإذا لم يثبت أنه مرفوع، فيبقى النهي عن صيام أيام التشريق محفوظًا، عمومه محفوظ لكنه معارض بعموم الآية التي تشمل ما قبل يوم النحر وما بعده.

يبقى أن مسألة: "لم يرخص"، في مسألة شرعية كهذا، كيف يقول ابن عمر وعائشة: لم يرخص بناءً على فهمها للآية، إلا أن الترخيص لمن له حق الترخيص، وهو المشرع، قد يقال: إن الله -جل وعلا- يرخص لكن في مثل هذه الصور الدقيقة ما يمكن أن يعتمد الصحابي على فهمه، ويسوقه بهذه الصيغة: لم يرخص لنا، فالذي يترجح أن الصيام لا سيما لمن لم يجد الهدي حكمه الجواز.

إلا لمن لم يجد الهدي، في رواية أبي عوانة عن عبد الله بن عيسى عند الطحاوي: إلا لمتمتع أو محصر، إلا لمتمتع أو محصر.

قال ابن حجر: استدل بهذا الحديث على أن أيام التشريق ثلاثة، استدل بهذا الحديث على أن أيام التشريق ثلاثة.

فيه ذكر للثلاثة؟ ما فيه.

المقدم: لكن فُهمت من الآية.

نعم، { فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ } [البقرة: 196].

على أن أيام التشريق ثلاثة غير يوم عيد الأضحى؛ لأن يوم عيد الأضحى لا يُصام بالاتفاق، وصيام أيام التشريق هي المختلف في جوازها، والمستدل بالجواز أخذه من عموم الآية؛ كما تقدم، فاقتضى ذلك أنها ثلاثة.

يعني: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، أيام التشريق اثنان...

المقدم: ثلاثة.

أو ثلاثة؟

المقدم: ثلاثة حسب.

كيف يصمن اثنين والمطلوب ثلاثة في الآية؟ إذًا؛ هي ثلاثة.

وأيضًا قوله: { فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ } [البقرة: 203]، يعني لثلاثة، فهي ثلاثة.

فاقتضى ذلك أنها ثلاثة؛ لأنه القدر الذي تضمنته الآية، والله أعلم.

في شرح ابن بطال، نقل عن ابن المنذر قوله: واختلف العلماء في صيامها -يعني أيام التشريق-، فروي عن ابن الزبير أنه كان يصومها، وعن الأسود بن يزيد مثله، قال أنس: كان أبو طلحة قلما رأيته يفطر إلا يوم فطر أو أضحى، وكذلك كان ابن سيرين يصوم الدهر غير هذين اليومين، وكان مالك والشافعي يكرهان صوم أيام التشريق إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، فيصوم هذه الثلاثة أيام؛ لأنها في الحج إذا لم يصمها في العشر على ما جاء عن عائشة وابن عمر؛ لأنها في الحج، إذا لم يصمها في العشر -يعني إذا صامها في السادس والسابع والثامن على أن يحرم قبل السادس أو يؤخر الإحرام على ما سيأتي في القاعدة التي نذكرها عن ابن رجب- رحمه الله-؛ لأن سبب الصيام الذي هو بدل عن الهدي، وسبب الهدي أيضًا الإحرام بالعمرة في أشهر الحج- لأنها في الحج إذا لم يصمها في العشر على ما جاء عن عائشة وابن عمر، ورُوي ذلك عن عبيد بن عمير وعروة، وهو قول الأوزاعي وإٍسحاق، ذكره ابن المنذر، وذكر الطحاوي أن هؤلاء أباحوا صيام أيام التشريق للمتمتع والقارن والمحصر إذا لم يجدوا هديًا، ولم يكونوا صاموا قبل ذلك، ومنعوا منها من سواهم، وخالفهم آخرون، فقالوا: ليس لهؤلاء ولا لغيرهم من الناس أن يصوموا هذه الأيام عن شيء من ذلك، لا متمتع ولا قارن ولا محصر ولا عن كفارة ولا في تطوع لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، ولكن على المتمتع والقارن الهدي لتمتعهما وقرانهما، وهدي آخر؛ لأنهما حلا بغير صوم، وهذا قول الكوفيين، وهو أحد قولي الشافعي.

وذكر ابن المنذر عن علي بن أبي طالب أن المتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم الثلاثة الأيام في العشر يصومها بعد أيام التشريق، يصومها بعد أيام التشريق، وهو قول الحسن وعطاء.

احتج الكوفيون -يعني على المنع- بما روى إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده قال: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أنادي أيام منًى: «أنها أيام أكل وشرب، ولا صوم فيها» يعني أيام التشريق، وروته عائشة وعمرو بن العاص وعبد الله بن حذافة وأبو هريرة كلهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما تواترت هذه الآثار بالنهي عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنًى، والحاج مقيمون بها، وفيهم المتمتعون والقارنون، ولم يستثن منهم أحدًا، دخل في ذلك المتمتعون والقارنون وغيرهم.

قال قال ابن القصار: ومن حجة مالك قوله تعالى: { فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ } [البقرة: 196]، ولا خلاف بين العلماء أن هذه نزلت -يعني هذه الآية- نزلت يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، { فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ } [البقرة: 196] نزلت يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، فعُلم أنه، أنه أباح لهم صومها -صوم أيام التشريق-، وأنهم صاموا فيها.

لماذا؟ لأنه إذا كان يوم التروية، يوم التروية مفطرين ما صاموا؛ لأنه قبل نزول الآية، فماذا بقي؟

المقدم: العيد.

بقي يوم عرفة ويوم العيد، يوم عرفة جاء النهي عن صيامه وأفطر النبي -عليه الصلاة والسلام-، وبقي يوم العيد بالإجماع محرم، إذًا ما بقي إلا الثلاثة.

فعُلم أنه أباح لهم صومها، وأنهم صاموا فيها؛ لأن الذي بقي من العشر الثامن والتاسع، والثامن الذي نزلت فيه الآية لا يصح صومه؛ لأنه يحتاج إلى تبييت من الليل -لأنه صوم واجب يحتاج إلى نية وتبييت، ليس بنفل يصح من النهار-، والعاشر يوم النحر، والإجماع على أنه لا يصام، فعلم أنهم صاموا بعد ذلك، وقول ابن عمر وعائشة: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، يرفع الإشكال في ذلك.

قال المهلب: ومن حجة مالك في ذلك أيضًا: قول عمر بن الخطاب في يوم الفطر والنحر: هذان يومان نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيامهما، يوم فطركم من صيامكم، والآخر الذي تأكلون فيه من نسككم، فخص اليومين بالنهي، وبقيت أيام التشريق مباحة، فأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإنها أيام أكل وشرب»، فإنما يختص بذلك من لم يكن عليه صوم واجب، فعلى هذا تتفق الأحاديث.

في مختصر الخرقي -ذكرنا مرارًا أنه من أشهر المختصرات عند الحنابلة، وأن عليه شروحًا كثيرة، مختصر أبي القاسم الخرقي من أشهرها ومن أقدمها، وعليه شروح بالغوا في عددها حتى قيل: إنها ثلاثمائة شرح، لكن من أشهرها المغني- في المختصر يقول: ولا يصام يوما العيدين ولا أيام التشريق لا عن فرض ولا عن تطوع، فإن قصد لصيامها كان عاصيًا، ولم يجزئه عن الفرض، وفي أيام التشريق عن أبي عبد الله.. من؟

المقدم: الإمام أحمد.

الإمام أحمد.

رواية أخرى أنه يصومها عن الفرض، قال الموفق في شرحه المسمى بالمغنى: جملة ذلك أن أيام التشريق منهي عنها، منهي عن صيامها أيضًا؛ لما روى نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله -عز وجل-» متفق عليه، ورُوي عن عبد الله بن حذافة قال: بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أيام منى أنادي: «أيها الناس! إنها أيام أكل وشرب» وبعده، إلا أنه من رواية الواقدي، وهو ضعيف، أيام منى، قال عبد الله بن حذافة: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيام منى أنادي: «أيها الناس! إنها أيام أكل وشرب وبعال» إلا أنه من رواية الواقدي، وهو ضعيف، وعن عمرو بن العاص أنه قال: هذه الأيام التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر بإفطارها، وينهى عن صيامها، قال مالك: وهي أيام التشريق، رواه أبو داود، ولا يحل صيامها تطوعًا في قول أكثر أهل العلم، وعن ابن الزبير أنه كان يصومها، ورُوي نحو ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، والأسود بن يزيد، وعن أبي طلحة أنه كان لا يفطر إلا يومي العيدين، والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيامها، ولو بلغهم لم يعدوه إلى غيره، وقد روى أبو مرة مولى أم هانئ أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص، فقرب إليهما طعامًا، فقال: كل، فقال: إني صائم، فقال عمرو: كل، فهذه الأيام التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر بإفطارها، وينهى عن صيامها، والظاهر أن عبد الله بن عمرو أفطر لما بلغه نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وأما صومها للفرض -يقول ابن قدامة- وأما صومها للفرض، ففيه روايتان، إحداهما: لا يجوز؛ لأنه منهي عن صومها فأشبهت يومي العيدين، والثانية: يصح صومها للفرض لما روي عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، أي: المتمتع إذا عدم الهدي، وهو حديث صحيح رواه البخاري، ويقاس عليه كل مفروض، يقاس عليه كل مفروض.

يعني عليه نذر، نذر صيام ثلاثة أيام.

المقدم: له أن يصوم في التشريق.

نعم، هذا كلام ابن قدامة، يعني يقاس على الصيام بدل الهدي؛ لأنه واجب، والنذر واجب.

قال: يقاس عليه كل مفروض.

لكن بدل الهدي الصيام ثلاثة أيام في الحج، هذه وقتها مضيق، بينما النذر وقته موسع، نعم، إن نذر أن يصوم أيام التشريق ضاق الأمر في حقه، لكن هل نقول: إنه ينعقد النذر في صيام الأيام المحرمة أو لا؟ صيام يوم العيدين لا ينعقد بلا شك، لكن أيام التشريق باعتبار أنها نهيها أقل من يومي العيدين والخلاف فيها موجود بخلاف يومي العيدين، هذا الذي جعل ابن قدامة قال: يقاس عليه كل مفروض.

الشيخ محمد رشيد رضا في تعليقه على المغني قال: القياس هنا مصادم لنص الحديث القطعي بصفة الحصر بالإثبات بعد النفي.

في قواعد ابن رجب قاعدة مهمة، في قواعد ابن رجب -رحمه الله-، القاعدة الرابعة، يقول ابن رجب -رحمه الله-: العبادات كلها سواء كانت بدنية أو مالية أو مركبة منهما، سواء كانت، العبادات كلها سواء كانت بدنية أو مالية أو مركبة منهما لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، ويجوز تقديمها بعد سبب وجوبها، وقبل الوجوب، أو قبل شرط الوجوب يتفرع على ذلك مسائل كثيرة.

الآن؛ كفارة اليمين سببها الحلف، الحلف، سببها اليمين، ووقت الوجوب الحنث، وما بين الحلف -الذي هو سبب الوجوب-، والحنث، هذا محل الكلام في القاعدة، يعني لا يجوز أن يكفر عن يمينه قبل أن يحلف، لا يجوز تقديمها على سبب الوجوب، ويجوز.

المقدم: قبل أن يحلف ولا قبل أن يحنث؟

لا، قبل أن يحلف، قبل سبب الوجوب، أما كونه يكفر قبل أن يحنث، هذا فيه النص في الصحيحين، وهنا القاعدة، يقول: العبادات كلها سواء كانت بدنية أو مالية أو مركبة منهما لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب، وقبل الوجوب، يعني قبل أن يحنث يكفر «إلا كفرت عن يميني ثم أتيت الذي هو خير»، ولو انتظر في التكفير إلى بعد الحنث، هذا وقت الوجوب.

طيب؛ ما الذي يهمنا من هذه القاعدة؟ ذكر الحافظ ابن رجب مسائل تتفرع على هذه القاعدة، قال: ومنها صيام المتمتع، أو صيام التمتع والقران، فإن سببه العمرة السابقة للحج في أشهره، فبالشروع في إحرام العمرة قد وُجد السبب، فيجوز الصيام بعده، وإن كان وجوده متأخرًا عن ذلك، وأما الهدي، فقد التزمه ابن الخطاب في انتصاره، ولنا رواية أنه يجوز ذبحه لمن دخل يعني في النسك قبل العشر لمشقة حفظه إلى يوم النحر، وعلى هذا المشهور لا يجوز، وعلى المشهور لا يجوز في غير أيام النحر؛ لأن الشرع خصها بالذبح.

هذه القاعدة مهمة جدًّا، ويحتاجها كل أحد، والأفرع كثيرة، لعلنا نبسطها في أول الحلقة القادمة -إن شاء الله تعالى-.

المقدم: حلقة  قادمة -بإذن الله تعالى- شكر الله لكم، وجزاكم خيرًا ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل إلى ختام هذه الحلقة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، لقاؤنا بكم -بإذن الله- في الحلقة القادمة، وأنتم على خير، شكرًا لطيب المتابعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.