هدي النبي في رمضان (20)

عنوان الدرس: 
هدي النبي في رمضان (20)
عنوان السلسلة: 
هدي النبي في رمضان
تاريخ النشر: 
سبت 15/ شعبان/ 1435 4:15 م

سماع الدرس

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

أيها الإخوة المستمعون الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم إلى هذا اللقاء الجديد في هذا البرنامج الذي يسعدنا أن نستضيف فيه فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير حياكم الله يا شيخ عبد الكريم وأهلاً وسهلاً بكم.

حياكم الله وبارك فيكم.

أيها الإخوة المستمعون الكرام: كان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الاعتكاف في العشر الأواخر وفي هذه العشر التي نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا فيها للعمل الصالح، يحسن الحديث حول هذه السنة  وهذا الهدي النبوي فضيلة الشيخ لو تطرقتم لحكم الاعتكاف وكيف كان هديه -صلى الله عليه وسلم- وما يتعلق بهذه المسألة.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: فصل في هديه -صلى الله عليه وسلم- في الاعتكاف، لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفًا على جمعيته على الله ولمّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى فإن شعث القلب لا لا يلمه إلا  الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب وفضول مخالطة الأنام وفضول الكلام وفضول المنام مما يزيده شعثًا ويشتته في كل وادٍ ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده إن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوّقة له عن سيره إلى الله تعالى وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه والخلوة به والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولي عليه بدلها ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره والتفكر في تحصل مراضيه وما يقرب منه فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق فيعدّه بذلك لأنسه به يوم الوحشة يوم الوحشة في القبور حيث لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم، لكن إذا نظرنا في حال كثير ممن يعتكف الآن، الاعتكاف موجود سنة قائمة ولله الحمد لكن كثير من ممن يعتكف يلاحظ عليه الاسترسال في الكلام، يلاحظ عليه أيضًا كثرة النوم يلاحظ عليهم أيضًا كثرة الأكل، هؤلاء ما حققوا الهدف والمقصود من الاعتكاف وإن أتوا بالسنة هم على خير وعلى خير عظيم -إن شاء الله تعالى- وهم مقتدون مهتدون نسحبهم والله حسيبهم، لكن يبقى أن تحقيق الهدف الأكمل هذا هو المطلوب، على كل حال الاعتكاف عرفه أهل العلم في اللغة بلزوم الشيء والمداومة عليه ومنه قول إبراهيم -عليه السلام- لقومه            الأنبياء: ٥٢  أي ملازمون وقال تعالى: ﭛﭜ الأعراف: ١٣٨  أي يلازمونها ويداومون عليها في الاصطلاح الاعتكاف لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، الدليل عليه قوله تعالى ﮋﮌ البقرة: ١٨٧  فعيّن محل الاعتكاف وأنه المسجد يدخل في طاعة  الله الصلاة لزوم مسجد لطاعة الله الصلاة والذكر والتلاوة، وهل يدخل في ذلك الطاعات العامة كطلب العلم؟ ولا شك أن طلب العلم طاعة لكن الاعتكاف إنما يكون في الطاعات الخاصة العبادات الخاصة، لكن إن زاول شيئًا يسيرًا كحضور درس أو موعظة فإن ذلك لا يؤثر على اعتكافه فيما قرره أهل العلم.

قراءة كتاب يا شيخ ونحوه.

إن كان الكتاب مما يعين على العبادات الخاصة يعني كتاب مواعظ أو ترقيق أو ما أشبه ذلك فأرجو ألا بأس وإلا فالأصل أنه في العبادات الخاصة و(ال) في قوله تعالى البقرة: ١٨٧  للجنس فكل مساجد الدنيا يسن فيها الاعتكاف وليس خاصًا بالمساجد الثلاثة المسجد الحرام والمسجد النبوي والأقصى، وأما ما روي عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» هو حديث ضعيف يدل على ضعفه أن ابن مسعود -رضي الله عنه- ضعفه حين ذكر له حذيفة -رضي الله عنه- أن قومًا يعتكفون في مسجد بين بيت حذيفة وبيت ابن مسعود فجاء حذيفة إلى ابن مسعود زائرًا له وقال إن قوما كانوا معتكفين في المسجد الفلاني فقال له ابن مسعود -رضي الله عنه- لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا فنسيت أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وعلى فرض صحته أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، على فرض صحته يحمل على أنه لا اعتكاف أكمل من الاعتكاف في المساجد الثلاثة وحكمه سنة كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، أما أما الكتاب فقوله تعالى لإبراهيم وإسماعيل       البقرة: ١٢٥  وقد اعتكف النبي -عليه الصلاة والسلام- واعتكف أصحابه وأزواجه من بعده والأفضل أن يكون الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ لأنه هو الذي استقر عليه الاعتكاف من النبي -عليه الصلاة والسلام- قالت عائشة -رضي الله عنها- كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله -عزَّ وجل- ثم اعتكف أزواجه من بعده متفق عليه إن اعتكف في غير هذه العشر فلا بأس يجب الاعتكاف بالنذر لقوله -عليه الصلاة والسلام- «من نذر أن يطيع الله فليطعه» رواه البخاري، وما عدا ذلك فهو مسنون الاعتكاف مع الصيام أكمل لا شك أن الاعتكاف مع الصيام أكمل لكن الاعتكاف يصح بدون صوم يصح بدون صوم؛ لأن عمر -رضي الله عنه- سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- عن عن نذر نذره أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له «أوف بنذرك»، ولأن الاعتكاف والصيام عبادتان منفصلتان فلا يشترط لأحدهما وجود الأخرى لكن ابن القيم -رحمه الله تعالى- رجح أنه لا اعتكاف إلا بصوم، يقول ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم وهو العشر الأخير من رمضان ولم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه اعتكف مفطرًا قط، بل قد قالت عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم، ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم ولا فعله رسوله -صلى الله عليه وسلم- إلا مع الصوم يقول: فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في صحة الاعتكاف وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية. لكن عرفنا أن في حديث عمر -رضي الله عنه- دليل من يقول بأنه لا يلزم الصوم مع مع الاعتكاف لأنه لأن عمر -رضي الله عنه- نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له «أوف بنذرك» والليل ليس محلاً للصوم أيضًا الاعتكاف والصيام عبادتان منفصلتان متصور انفصال أحدهما عن الأخرى فلا يشترط لأحدهما وجود الأخرى.

هل فضيلة الشيخ هناك يعني هل لا بد للمعتكف أن يعتكف العشر كلها أم له أن يعتكف بعضًا منه أو يعتكف في وقت غيرها؟

لو اعتكف في غير العشر لا بأس إن اعتكف يوم له أجره إن اعتكف يومين له أجرهما وهكذا..، لكن لا يرد على هذا ما يقوله كل داخل للمسجد ينوي الاعتكاف ولو لحظة لا يسمى اعتكاف لأن الاعتكاف اللزوم اللزوم يعني طول المكث الاعتكاف، الاعتكاف المراد به طول المكث من جلس ساعة أو ساعتين لا يسمى معتكف، فضلاً عمن جلس دون ذلك، المقصود أن طول المكث ولو قيل بأن أقله يوم أو ما أشبه ذلك كان له لأنه فيه طول مكث لكن لا دليل على أقله لا دليل على أقله.

ولا على أكثره.

ولا على أكثره إلا من أخذ من لفظه هو أن الاعتكاف لزوم لزوم ومداومة.

لو أراد أحد أن يعتكف الشهر كله يا شيخ.

لا بأس لا بأس له أجره. ولا يصح الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه أي تصلى فيه جماعة هذا بالنسبة للرجل الذي تلزمه الجماعة، وأما المرأة فيصح الاعتكاف منها في كل مسجد سوى مسجد بيتها، من نذر زمنا معينا دخل معتكفه مع غروب الشمس من ليلة أول يوم وخرج بعد آخر معتكف نذر أن يعتكف العشر يلزمه أن يدخل المعتكف مع غروب الشمس ليلة إحدى وعشرين، نذر أن يعتكف الخمس الأخيرة وهكذا يدخل مع غروب شمس ليلة الأول منها من الأيام المعينة وهكذا.

المعتكف يلازم المسجد ولا يخرج إلا لما لا بد منه ولا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة قالت عائشة -رضي الله عنها-: السنة على المعتكف ألا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه لا بد له منه، رواه أبو داود قال ابن حجر في البلوغ ولا بأس برجاله إلا أن الراجح وقف آخره ولا يخرج إلا لما لا بد منه، ما لا بد منه ما يحتاج إلى استثناء مثل قضاء الحاجة ومثل الوضوء ومثل الأكل والشرب إذا منع ذلك في المسجد إذا منع الأكل والشرب في المسجد لا بد منه، هذا مستثنى، أيضًا الوضوء مستثنى شرعًا، يستحب للمعتكف أن يشتغل بما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى وأن يجتنب ما لا يعنيه لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «من حسنه إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وهذا في جميع الأحوال فالمعتكف من باب أولى يترك فضول المباحات فضلاً عن المكروهات ناهيك عن المحرمات، يعني إذا كان المسلم مطلوب منه أن يجتنب المحرمات مطلوب منه أن يجتنب المحرمات في كل وقت وفي كل مكان فاجتنابه لها في هذه العبادة الخاصة في هذا المكان الذي هو المسجد من باب أولى، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ سؤال أخير وما تبقى لنا إلا نصف دقيقة فضيلة الشيخ هل يشرع للمرأة الاعتكاف؟

نعم يشرع للمرأة الاعتكاف.

وأين المحل؟

محله المسجد محله المسجد اعتكف النبي -عليه الصلاة والسلام- في مسجد وكثرت الأخبية ثم بعد ذلك قطع الاعتكاف سدًا لذريعة تتابع الناس على هذا الأمر؛ لأنه لو ترك المجال لكل الناس يعتكفون ما بقي مجال وحصل فيه اختلاط بين الرجال والنساء، لكن الأصل أنه مشروع الأصل أنه مشروع فقد اعتكف النبي -عليه الصلاة والسلام- واعتكف نساؤه معه.

 

أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، ونفع بما قلتم، أيها الإخوة المستمعون الكرام، بهذا نصل إلى ختام هذه الحلقة، نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما سمعنا وبما قلنا إنه سميع مجيد وشكر الله لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير الذي وضح لنا وعرض لنا ما له علاقة بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في الاعتكاف في هذه العشر وعن الاعتكاف عمومًا، نفعنا الله بما سمعنا، نستودعكم الله مستمعينا الكرام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.