شرح كتاب التوحيد - 53

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التوحيد - 53
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التوحيد
تاريخ النشر: 
سبت 08/ Jumada ath-Thaniya/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستعمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

 قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- :

"باب قول: ما شاء الله وشئت.

عن قُتَيلَة: أن يهوديًّا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء ثم شئت. رواه النسائي وصححه، وله أيضًا عن ابن عباس: أن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ما شاء الله وشئت. فقال: «أجعلتني لله ندًّا؟ بل ما شاء الله وحده»، ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها، قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عُزَير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.

 فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته فقال: «هل أخبرت بها أحدًا؟» قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد؛ فإن طفيلاً رأى رؤيًا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده».

 فيه مسائل:

الأولى: معرفة الشرك الأصغر.

 الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.

 الثالثة: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أجعلتني لله ندًا؟»، فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم؟ والبيتين بعده.

 الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر؛ لقوله: «يمنعني كذا وكذا».

 الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي.

 السادسة: أنها قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب قول: ما شاء الله وشئت، وهذا تقدَّم في باب مضى، وأن الواو تقتضي التشريك، لكن قد تقتضي المساواة، وقد تقتضي التشريك في أصل الشيء دون مساواته، دون مساواته المشرَّك بالمشرَّك به، فإن كان هذا التشريك مع المساواة فهو الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإن كان التشريك في أصل المسألة دون المساواة فهذا هو الشرك الأصغر.

قال -رحمه الله-: عن قُتيلة أن يهوديًّا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، الحديث الآخر: تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فإن كان المراد تقولون للرسول -صلى الله عليه وسلم-: ما شاء الله وشئت فالمعنى واحد، وإن كان تقولون: ما شاء الله وشئت أيها المُخاطَب مما يعم النبي -عليه الصلاة والسلام- وغيره، فيكون هذا أعم، وعلى كل حال كلاهما من الشرك، وعرفنا متى يكون الشرك أكبر، ومتى يكون أصغر، إذا اعتقد المساواة بهذا التشريك فهو شرك أكبر مخرجٌ من الملة، وإن اقتضى المشاركة لله- جل وعلا- في الأصل، مع التباين ومع الاختلاف، وأنه لا أحد يساوي الله -جل وعلا- من كل وجه فهذا يكون من النوع الأصغر.

وتقولون: والكعبة، يعني تحلفون بغير الله -جل وعلا-.

طالب:...

مشاركة في اللفظ، لكن لمَ شارك في اللفظ؟ لماذا شرَّك في اللفظ؟ إلا أن فيه نوعًا لكن دون المساواة، أقل من المساواة. وتقولون: والكعبة، أي تحلفون بالكعبة، والحلف بغير الله شرك، «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني أقرَّ اليهودي على قوله: إن هذا من الشرك، أقره النبي -عليه الصلاة والسلام-، فأمرهم النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت، رواه النسائي وصححه.

الإفادة من العدو والخصم إذا قال حقًّا، فالحكمة ضالة المؤمن تُقبل ممن جاء بها، وهذا اليهودي الذي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما قال، وسيأتي في حديث الطفيل أنه قال اليهودي والنصارى للطفيل في الرؤيا كذا وكذا، فأقره النبي -عليه الصلاة والسلام-، اليهود وقعوا من الشرك فيما هو أعظم من ذلك، وكذلك النصارى، مما يدل على أن انتقادهم للمسلمين هوى في نفوسهم وإلا لو كانوا صادقين ويتحرجون عن مثل هذه الألفاظ لما وقعوا فيما هو أعظم من الشرك الأكبر- كما سيأتي-، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله، ثم شئت، رواه النسائي، وصححه.

بعض المفتونين من الكتبة قالوا: إن شريعة الإسلام، إن شريعة الإسلام مأخوذة من الشرائع السابقة، وإن للمتقدمين من اليهود والنصارى أثرًا في هذه الشريعة وفي شرائعها وتشريعها؛ لأن اليهودي قال للنبي -عليه الصلاة والسلام-، فقَبِل.

أوّلًا هذا فيه دليل على الإنصاف في هذه الشريعة، وأنهم يقبلون الحق ممن جاء به، النبي- عليه الصلاة والسلام- في هذه المسألة لم يوحَ إليه بشيء، وهو مبلغ عن ربه، ولو أوحي إليه بشيء من هذا لما أقرهم على ذلك، ولم يمنعه الحياء من الرد عليهم كما سيأتي في الحديث اللاحق، فالمسألة خالية من الدليل، ما فيه وحي يدل على منعها، وإذا خلت المسألة من الدليل تبقى على الأصل وهو ماذا؟ الإباحة.

طالب:...

وقد ينزل الوحي بالموافقة، قد ينزل الوحي بالموافقة كما قالوا في حديث: قال العباس: إلا الإذخر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إلا الإذخر»، يعني نزل الوحي موافقًا لهذه القصة التي نُبِّه عليها النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولذا تجدونه في كثيرٍ من الأحوال يُسأل النبي -عليه الصلاة والسلام- فيسكت، ثم يقول: «أين السائل؟» فيجيبه بما أوحي إليه به، مما هو جواب لهذا السؤال، وبعض العلماء يأخذ من هذا أن المفتي لا يستعجل في الجواب، بل يتريث، لا يستعجل، وكم من عجلة قادت إلى الخطأ، فيتريث وفي هذا تربية للمفتين بعده- عليه الصلاة والسلام-، أنه يسكت، حتى يتأمل السؤال، ويرتب عليه الجواب الصحيح، وله أيضًا يعني النسائي، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رجلًا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ما شاء الله وشئت، فقال: «أجعلتني لله ندًّا؟ ما شاء الله وحده» «أجعلتني لله ندًّا؟ ما شاء الله وحده» دليل على جوابه -عليه الصلاة والسلام- وإنكاره على من قال له ما شاء الله وشئت يدل على أن هذا الخبر متأخِّر عن الخبر السابق، واللاحق.

ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها، قال: رأيت كأني أتيتُ، رأيتُ رؤيا منام، رأيت كأني أتيتُ، ولو كانت رؤية يقظة لقال: رأيت أني، قال: كأني أتيت على نفر من اليهود أتباع موسى -عليه السلام-، قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عُزَير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته فقال: «هل أخبرت بها أحدًا؟» قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد؛ فإن طفيلاً رأى رؤيًا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده».

إنكم لأنتم القوم، أنتم القوم تعريف جزئي الجملة يدل على الحصر، والحصر وإن لم يكن حقيقيًّا هو حصرٌ إضافي، لكنه يدل على مكانة هؤلاء القوم كما تقول: الشاعر حسان، الشاعر حسان، وما فيه شعراء غيره؟ لكن كأنك ماذا حصرت؟ المسند على المسند إليه، حصر المسند على المسند إليه، يعني كأنك حصرت الشعر كله في حسان، وهذا يسمونه حصرًا إضافيًّا وليس بحصر حقيقي، إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، عزير ابن الله، رجل صالح من أتباع موسى وولي من أولياء الله، اعتقدوا فيه هذا الاعتقاد الباطل، وأنه ابن لله، ولا حجة لهم ولا شبهة لهم في ذلك، بينما الشبهة عند النصارى سيأتي ذكرها.

 قالوا: وأنتم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، يعني لولا هذه الخصلة المتضمنة للشرك كنتم أنتم القوم لا غيركم، وفرقٌ بين الشرك الذي وقع فيه اليهود، والشرك الذي وقعت فيه هذه الأمة، الشرك الذي وقع فيه اليهود من النوع الأكبر المخرج عن الملة، وما وقعت فيه هذه الأمة من هذا اللفظ من النوع الأصغر. ثم مررت بنفر من النصارى وقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. هذه رؤيا، والرؤيا بمفردها لا يثبت بها حكم شرعي، واكتسبت الشرعية من إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم-، اكتسبت الشرعية من إقرار النبي -عليه الصلاة والسلام-.

 كما في حديث عبد الله بن زيد حينما رأى الأذان، حينما رأى الأذان في المنام وعرضه على النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: «إنها لرؤيا حق» فاكتسبت الشرعية من إقرار النبي- عليه الصلاة والسلام-، والرؤيا كما جاء في الحديث الصحيح جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وقد يكتسب الشخص من جزء من النبوة ولا يكون نبيًّا، سمعنا هذا أن من رأى رؤيا صالحة يكون فيه من النبوة هذا الجزء الذي يكسبه العصمة وما أشبه ذلك، لا، وإن كان فيه جزء من شيء بحسبه، كما أن من كان فيه خصلة من النفاق كانت فيه خصلة من النفاق ولا يقال: منافق، من كانت فيه خصلة من خصال الجاهلية فيه جاهلية ولا يكون جاهليًّا، هذا فيه جزء من النبوة، الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وخرّجوا هذه النسبة على أن النبي -عليه الصلاة والسلام- في أول أمره يرى الرؤيا الصالحة، لمدة ستة أشهر، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، مدة ستة أشهر، ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، وستة الأشهر بالنسبة إلى الثلاثة والعشرين نسبة النصف ستة أشهر نصف سَنة إلى الثلاثة والعشرين واحد على ستة وأربعين كما هو معروف.

ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. ما شبهة اليهود في قولهم: عزير ابن الله؟ ما فيه شبهة، لكن ما شبهة النصارى في قولهم: المسيح ابن الله؟ أنه جاء من غير أب، وهو روح روح منه، ونفخ فيه من روحه، على كل حال لهم هذه الشبهة، ولكنهم على باطل؛ لأن النصّ القطعي عندهم وعند غيرهم أن الله -جل وعلا- لم يلد ولم يولد، فهذه الشبهة باطلة، إنكم تقولون: المسيح ابن الله، المسيح هو عيسى ابن مريم، عيسى ابن مريم، وسُمي مسيحًا؛ لأنه يمسح الأبرص والأعمى والأكمه، ثم يعود بريئًا، وقيل لأنه هناك في المسيح الدجال قال: لأنه يمسح الأرض، يقطعها، وهو ممسوح القدم، هو ممسوح القدم، ممسوحة عينه.

طالب:...

يعني بارزة تكون ممسوحة؟ على كل حال المسيح ابن مريم مسيح هداية، والدجال مسيح غواية مسيح غواية. لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشئت، يقول، يقول الطفيل: فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، يعني قصَّ عليه الرؤيا، قال: «هل أخبرت بها أحدًا؟» قلت: نعم. هل يفترق الحال فيما لو لم يكن أخبر بها أحد عن كونه أخبر بها أحدًا؟

ولماذا يسأله النبي -عليه الصلاة والسلام- هل أخبرت بها أحدًا؟

طالب:...

لو ما أخبر بها أحد لقال النبي -عليه الصلاة والسلام- الطفيل رأى كذا، فيه فرق؟ لو لم يخبر لأتى بالجواب ابتداءً وأخبرهم بالحكم ابتداءً نعم، أخبر بالحكم ابتداءً، ولا قال: إن الطفيل رأى وقيل له كذا وكذا من يهودي ونصراني لما قد يقع فيه بعض من في قلبه من المرض من الشك.

طالب:...

ماذا يقول؟

طالب: ...........

اصبر إلى أن نصل، تواصل وتفهم بإذن الله.

 لو لم يخبر بها طفيل، وكانت بينه وبين الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وخطب النبي- عليه الصلاة والسلام- وبيَّن الحكم ابتداءً لأُمِن أن يتردد أو يشك من في قلبه مرض، من يسمع هذا الكلام مثل ما يثار الآن ممن في قلوبهم مرض، يقولون: الشريعة متلقاة من اليهود والنصارى.

 قال: «هل أخبرت بها أحدًا؟» قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه، يعني خطب بالناس، ثم قال: «أما بعد» هذه السُّنَّة في الخطبة أن يحمد الله ويثني عليه ثم يقول: أما بعدُ، مع بقية أركان وشرائط الخطبة، وجاءت هذه الكلمة أو الجملة الشرطية في أكثر من ثلاثين حديثًا عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، فالسُّنَّة أن يقال في الخطبة: أما بعد بهذا اللفظ، وفي المواضع كلها ما جاء عنه -عليه الصلاة والسلام-: وبعد التي هي مستعملة من القرن العاشر فما بعد، استبدلوا ب(أما) الواو، والسُّنة لا تتأدى إلا بهذا اللفظ، أما بعد كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-.

طالب:...

 

ما فيه ثم، ما فيه ثم أما بعد؛ لأن ثم تعطف على شيء تقدَّم ولم يتقدم شيء، الثلاثون أو أكثر عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في قوله: أما بعد ليس فيها وبعد، وليس فيها ثم أما بعد، يعني لو انتقل من كلام إلى كلام فقال: أما بعد كما هنا، ثم أراد أن ينتقل إلى كلام آخر فلا مانع أن يقول: ثم أما بعد، عطفًا على الكلام الأول.

في تفسير الطبري تحقيق الشيخ محمود شاكر- وهو من أهل الاطلاع الواسع، ومن أهل الإدراك التام في اللغة، محمود شاكر، محمود محمد شاكر المصري، أخو الشيخ أحمد شاكر، لأنه يوجد محمود شاكر حرستاني هذا متخصص في الجغرافيا ومواطن الشعوب الإسلامية، وله فيه مؤلفات نافعة في هذا الباب، وأدركناه وهو شخص فيه خير. محمود شاكر متمكن في اللغة والأدب، وله مقدمة كتبها لشرح الأشموني، بطلبٍ من الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، كتبها في صغر سِنه، وما أظنه يكتب أفضل منها في نهاية حياته، يعني من صغره وهو متمكن، ولو قرأها طالب العلم لتعجب كيف في ذلك السن، الشيخ مولود سنة كم؟ خمسة وعشرين على تاريخهم؟

طالب:...

من العشرين، فيه عجب، في هذه المقدمة التي كتبها في صغر سنه من أعاجيب ما كُتب في هذا الشأن، وبإمكانكم الآن أن تستخرجوها من جوالتكم وتقرؤونها.

 الشيخ محمود شاكر حينما حقق تفسير الطبري، الطبعات كلها السابقة يقول فيها الطبري: أما بعد، الشيخ وقف على نسخة صحيحة عتيقة فيها: ثم أما بعد، وعلّق الشيخ محمود شاكر قال: ثم أما بعد كذا في الأصل كذا وما أدري إيش، وجرى الطابعون للكتاب في الطبعات السابقة على حذف ثم، جريًا على عادتهم وما ألفوه، هذا الكلام يقتضي أن يكون ثم أما بعد في جميع النسخ، كون طابع يرجح هذه النسخة وآخر يرجح، فما يُلام بمثل هذا الكلام.

 على كل حال أنا أقول: في الثلاثين موضعًا أو أكثر ما فيه ثم، وما فيه وبعد، فالسنة أن يقال: أما بعد كذا.

وأما حرف شرط، وبعد قائمة مقام الشرط، وما دخلت عليه الفاء هو جواب الشرط، واختلف في أول من قال: أما بعد، على ثمانية أقوال، على ثمانية أقوال

 جرى الخُلف أما بعد من كان بادئًا بها عُدَّ أقوال وداوود أقرب ويعقوب أيوب الصبور وآدم وقسٌ وسحبان وكعب ويعرب، كم هم؟

طالب: ...........

عددتهم أم لا؟ لأني قلت ثمان؟

طالب: ............

جزاك الله خيرًا.

«أما بعد، فإن طفيلاً رأى رؤيا» رؤيا مصدر رأى رؤية مصدر رأى، رأيًا مصدر رأى، فرأى يأتي للرؤية البصرية، والعلمية، والحُلمية، رأى رأيًا يعني برأيه وعقله وعلمه، رأى رؤية بالبصر، ورأى رؤيا في المنام.

 «أخبر بها من أخبر منكم» أخبر بها من أخبر منكم، «وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها»، في بعض الروايات: «كان يمنعني الحياء أن أنهاكم عنها» أوّلاً كونه لم يخبر لأنه لم ينزل عليه فيها وحي، وكونه يستحيي أن يمنعهم، وكان يود أن يمتنعوا، هذه طبيعة بشرية أن الإنسان إذا قدِّم له شيء من التعظيم، قدِّم له شيء من التعظيم، وهو لا يود مثل هذا التعظيم، لا يود مثل هذا التعيظم، ويود أن يحسم المادة، لكنه يستحيي أن يواجه هذا الشخص الذي أحسن إليه بهذا التقدير والتعظيم أن يواجهه بالمنع، وبعض الناس عنده شيء من المواجهة والغلظة، وقد يكون دافعه الخير والاحتياط فيمنع مباشرة، وبعضهم قد يغلظ القول على هذا المعظِّم المقدِّر، بعض الناس يصير سمحًا، ما فيه شيء، ما فيه تحريم، ولا كراهة، ولا شيء، ويقدَّر به نفسه تريد أن لا يصل إلى هذا الحد؛ لئلا يغتر، ولئلا كذا، لكن يستحيي من شخص يرده، وأراد أن يبذل له ما يستحقه من التقدير، فيستحي من ذلك، لا سيما وأن المسألة ما فيها دليل يمنع، كما هنا، ما فيه وحي يمنع منها، وإلا لو وُجِد الدليل لما ساغ الإقرار لا من حياء ولا من غيره.

بعض الناس يستحيي من أن ينكر شيئًا فيه دليلٌ على المنع، هذا من النوع المعروف من الخجل وليس من الحياء الذي جاءت به الشريعة، كما يستحيي أن ينكر على مرتكب المنكر أو يستحيي أن....

 على كل حال تفصيل المسألة معروف. كون الإنسان يخجل ولا ينكر المنكر هذا ذم وليس بمدح، بل عليه أن ينكر.

 «وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها» هل يجوز لشخص مهما عظمت منزلته أنه يقابله شخص وينحني له ويقول: أستحي أن أنكر عليه؟ لا، هذا خضوع، والخضوع لله -جل وعلا- فضلاً عن كونه يسجد أو شيء من هذا.

طالب:...

 

هذه مسائل الشرك مسائل توقيفية، وليس لأحد أن يمنع ما لم يدل عليه دليل، الرسول -عليه الصلاة والسلام- ما منع، لم يمنع، حتى عرف الحكم -عليه الصلاة والسلام-، الرسول -عليه الصلاة والسلام- هنا يقول السائل: لو كان المانع للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرد على خطأ قولهم: ما شاء الله وشاء محمد هو الحياء، جاء بها النص، جاء الحياء أنه كان يمنعني كذا وكذا، في رواية: «الحياء» ما هو باستنباط، هذا بالنصّ، فلما لم يكن يمنعه من قول فلما.. كانت فلماذا لم يكن يمنع من قول أحدهم يا خير البرية، ما هو بواضح.. وقوله: لا تقولوا أنا خير من يونس بن متى، جاء النهي عن التفضيل بين الأنبياء، جاء «لا تفضلوا بين الأنبياء» والسؤال هل الأنبياء بمنزلة واحدة؟ {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}[سورة البقرة: 253]، هذا هو المقرر الشرعي، لكن متى يأتي قول: لا تفضلوا بين بين الأنبياء؟ «ولا تقولوا: أنا خير من يونس بن متى» عند ماذا؟

طالب:...

نعم عند احتمال ازدراء المفضل عليه؛ لأن يونس بن متى بالذات الذي جاء فيه الخبر من قرأ في سيرته أو من قرأ في تعامله مع قومه احتمال أن يتطاول عليه ويزدريه ويذمه، وجاء قوله- جل وعلا-: {وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ}[سورة القلم: 48] نعم معروف هذا، من يقرأ سيرة يونس يعني يُخشى عليه أن يتطاول عليه ويزدريه ويقول من باب الازدراء: محمد خير من يونس، ولذلك حُسِم الباب؛ لئلا يسترسل الإنسان في هذا الباب، وإلا فالنصّ القطعي {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}[سورة البقرة: 253]، ومحمد -عليه الصلاة والسلام- خير البرية وأفضل البرية وأشرف الأنبياء والمرسلين لا يشك في هذا.

طالب:...

أين؟ هذا حديث ثانٍ.

طالب:...

حديث ثانٍ. أين؟

طالب:...

عن قتيلة أن يهوديًّا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، والثاني رؤيا رآها الطفيل بن سخبرلة على وزن حرملة.

طالب:...

هذا حديث ابن عباس بين الخبرين، وكلاهما له علاقة باليهود وأهل الكتاب، والحكم واحد، أما حديث ابن عباس أنكر النبي -عليه الصلاة والسلام- ابتداءً، ما الإشكال؟ ما سببه؟

طالب:...

يقولون: ما شاء الله ثم شئت، إذا أرادوا، ذكرت هذا، أنا ذكرت هذا، تقولون: ما شاء الله وشئت، هل المقصود محمد لأنه أتى النبي -عليه الصلاة والسلام-؟

طالب:...

 ماذا يمنع؟ لعل الصحابة لا يقولون لأحد كائنًا من كان: ما شاء الله وشئت، لكن يقولون للنبي- عليه الصلاة والسلام-، احتمال.

طالب:...

الندية، المثلية، والمماثلة ولو بصرف جزء يسير مما يختص بالله -جل وعلا- إلى المخلوق، فيه مماثلة من هذه الحيثية، ولا يلزم المماثلة من كل وجه، والمساواة من كل وجه.

طالب:...

ماذا؟ ارفع صوتك يا أبا روان.

طالب:...

الآن أم في عهده -عليه الصلاة والسلام-؟

طالب:...

الصحابة قالوا: الله ورسوله أعلم، لكن هل أنت تقوله؟ ما تقوله؛ لأنه قد تكون المسألة التي سُئلت عنها مما لا يعلمه الرسول -عليه الصلاة والسلام-.

طالب:...

هذه مسألة شرعية في عهده لا شك أنه أعلم. لكن لو سُئلت عن نوع من أنواع النباتات ولا تعرف حقيقته وكنهه فهل تقول: الله ورسوله أعلم؟ حتى في عهده -عليه الصلاة والسلام-؟ لأنه يقول: «أنتم أعرف بأمور دنياكم».

طالب:...

ولا تقولون في عهده، ما يجوز، شرك، إي.

طالب:...

ما فيه شيء إذا كانت المسألة شرعية وفي عهده -عليه الصلاة والسلام- الصحابة قالوها ولم يُنكَر عليهم؛ لأنه لا يشك أحد أنه -عليه الصلاة والسلام- أعلم من غيره بمسائل الشرع، لكن لو سُئلت عن تفسير آية الآن تقول: الله ورسوله أعلم؟ عن تفسير آية؟ الله ورسوله، هل فيه أحد أعلم من الرسول -عليه الصلاة والسلام- بتفسير القرآن؟

 قال -رحمه الله-: فيه مسائل:

الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر؛ لأن هذه أصل من الأصول التي تتحد فيها الشرائع، «نحن معاشر الأنبياء أولات علات، ديننا واحد» في الأصول تتحد الشرائع.

 الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى، هذا اليهودي فهم وألقى بسمعه لما يقال؛ لأنه صاحب هوى، ويعرف ويميز الشرك من غيره، ولما كان له هوى استنكر هذا، مع أنه يقع فيما هو أعظم منه، لكن صاحب الهوى يدقق على ما يفعله خصمه وإن كان واقعًا فيما هو أعظم منه، مثل لو تأتي إلى شخص لا يواظب على الصلاة مع الجماعة أو يصلي إن كان يصلي، ثم يتحين فرصة وهو في هذه الحالة مدرك للصلاة كلها فيراك فاتتك الصلاة، يتحين هذه الفرصة، وينكر عليك، أنت ما تقدر أن تقول ما معك حق، هو معه حق، لكن أين أنت الأيام الثانية، عندك ما هو أعظم من هذه المسألة.

طالب:...

نعم. إذا قالوا حقًّا، إذا قالوا حقًّا وإن كانوا من أهل الأهواء نقبل، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال في شأن الشيطان: «صدقك وهو كذوب»، وأقره، وشُرعت قراءة آية الكرسي قبل النوم.

الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى؛ لأنه إذا كان محتاجًا لهذه المسألة وتهمه ويعتني بها ليترصد فلانًا من الناس عله أن يقع في خطأ، تجده يهتم بما يتعلق بفلان من الناس، وينبه على ما أخطأ فيه، ويوجد في الكتبة شيء كثير من هذا النوع، واحد ذاهب للجوازات، يبحث عن الشيخ فلان، يبحث عن الشيخ فلان في سجله هل عنده سائق وخدامة؟ يقول: أنت تقر الاختلاط في بيتك؟ سبحان الله! الهوى، وإلا فعندك عظائم الأمور، تذهب لتبحث عن هذه الأشياء، ولا تدري عن ظرفه؟ فلعله مضطر لهذا الأمر، وما تدري عن كيفية وضع هؤلاء عنده.

 الثالثة: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أجعلتني لله ندًّا؟» وقد قال: ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني لله ندًا؟» شرك، لكنه أصغر، يقول الشيخ: فكيف بمن قال:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به              سواك عند حلول الحادث العمم

 البوصيري في بردته، وهي قصيدة مشهورة، متداولة معروفة، في كثير من الأقطار الإسلامية، وتُردَّد يوميًّا عندهم، وتُطبع طباعات مثل طباعة المصحف. مثل طباعة المصحف تُطبَع.

يقول البوصيري: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك، أين الله؟ وهل يستطيع أن ينجيك الرسول -عليه الصلاة والسلام- وهو أكرم الخلق، وأتقى الخلق لله، وأعلمهم بالله، وأكرمهم على الله، هل يستطيع أن ينجيك من الحادث الذي وقعت به؟

والبيتان بعده، يقول في البيت الثاني من البيتين:

فإن من جودك الدنيا وضرتها          ومن علومك علم اللوح والقلم

 يعني الدنيا كلها وضرتها الآخرة كلها من جود النبي -عليه الصلاة والسلام-، على كلامه، ومن علومك علم....... وماذا أبقى لله؟ هل بقي لله شيء؟ إذا كانت الدنيا والآخرة كلها من جود النبي -عليه الصلاة والسلام-، وعلوم اللوح والقلم الذي ما فيه شيء لم يُذكر فيه، من علومه، وهذا من جوده، وليس جوده، من هذه التبعيضية، هذه الأمور كلها يعني ما بقي شيء لله -جل وعلا-. هاه؟ عنده أضعاف. هاه؟ شو؟

طالب:...

لا لا لا لا ما حد، لا لا، غيره، نسبة لأبي صير بلد عندكم ما تعرفها؟ خلاص، بلد يُنسب إليها الصالح والطالح مثل غيرها من البلدان.

الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر، أن هذا ليس من الشرك الأكبر؛ لقوله: «يمنعني كذا وكذا»، هل التعليل مقبول أم غير مقبول؟ الذي يمنعه من بيان الشرك الأصغر الأكبر ألا يمنعه من بيان الشرك الأصغر؟ شف التعليل، أن هذا ليس من أنواع، بغض النظر عن خفائه ووضوحه، أمام قول عندنا، لا ينكره -عليه الصلاة والسلام- لم ينكره النبي -عليه الصلاة والسلام- لأنه شرك أصغر ولو كان شركًا أكبر لبيَّنه؟

طالب:...

إشكال، الإنكار واجب للأصغر والأكبر، وللذنوب والمعاصي، لكن ما هو منكر عنده أصلاً؛ لأنه لم يرد عليه دليل، لم يدخل في حيز المنكر ولم يدخل في حيز الشرك الذي يجب إنكاره لا أصغر ولا أكبر، ولو كان متقررًا عنده أنه أصغر لوجب إنكاره. فهمت قصدي؟

طالب:...

يجب إنكاره، يعني لو كان قوله: ما شاء الله وشئت لأنكره النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ ما الخفاء والوضوح في جملة واحدة، ما يتأتى.

طالب:...

والله الكلام متجه، لكن يبقى أن الإشكال قائم؛ لأن الشرك يجب إنكاره سواء كان أصغر أو أكبر، يجب إنكاره سواء كان أكبر أو أصغر، وكونه لم ينكره لأنه من الشرك الأصغر؟

طالب:...

ماذا؟ يعني هذا النوع يحتمل إقراره؟ في حالة من الحالات يحتمل الإقرار؟

طالب:...

نعم؟ نحن أمام لفظ واحد هل هو خفي أم بيّن، بغض النظر عن كونه أكبر أو أصغر، يعني يتضح لو كان أكبر؟ يكون أوضح؟ أليس من الشرك الأكبر ما يكون خفيًّا؟ كله واضح الشرك الأكبر؟

طالب:...

الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي، وجاء فيها النصّ، «جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» والنبي -عليه الصلاة والسلام- في أول الأمر لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

 المسألة السادسة: أنها قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام أنها قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام كما جاء في هذا الحديث، وفي رؤيا الأذان، عبد الله بن زيد، وجاءت في مواطن لكنها بذاتها ليست من مصادر التشريع، إنما اكتسبت الشرعية بإقرار النبي- عليه الصلاة والسلام-.

 والله أعلم.

 وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.