شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 14

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 14
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 1:30 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المُرسلين نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة في شرح كتاب ((الصوم)) من كتاب ((التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح)).

مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نُرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المُستمعين.

المقدم: في باب التنكيل لمن أكثر الوصال، توقفنا عند أطراف حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- لعلنا نستكمل الحديث عن هذا الموضوع، يا شيخ.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فحديث أبي هريرة خرَّجه الإمام البخاري- رحمه الله تعالى- في خمسة مواضع:

الموضع الأول:

في كتاب (الصوم)، باب التنكيل لمن أكثر الوصال، رواه أنسٌ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة- رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن الوصال في الصوم، فذكر الحديث.

وتقدَّم ذكر المناسبة وما علقه البخاري- رحمه الله- عن أنسٍ- رضي الله تعالى عنه- وصله في كتاب (التمني) من طريق حُميد عن ثابت عنه. أنه علَّق عن أنس، رواه أنس عن النبي- عليه الصلاة والسلام- في الترجمة، وهو موصولٌ عنده في كتاب (التمني).

الموضع الثاني:

خرَّجه الإمام البخاري في كتاب (الصوم) أيضًا في الباب المذكور، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، أنه سمع أبا هريرة- رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «إياكم والوصال» مرتين قيل: إنك تواصل، قال: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فاكْلَفوا أو فاكلُفوا، كما ضبطه الحافظ- من العمل ما تطيقون».

«إياكم والوصال» مرتين، يعني قالها الأولى مُحذرًا والثانية مؤكدًا. وتقدَّم في حديثه في كتاب (العلم) أنه إذا تكلَّم، تكلَّم ثلاثًا، وكثيرًا ما يُقال: ثلاثًا، وهنا قال: مرتين. الأصل مرة يحصل بها التحذير، والمرتان الثانية للتأكيد، فليست مرة على الأصل وليست ثلاثًا على طريقته- عليه الصلاة والسلام- أنه إذا تكلَّم، تكلَّم ثلاثًا. فهذه مرتان؛ من أجل تأكيد الكلام، «إياكم والوصال، إياكم والوصال».

والمناسبة ظاهرة: التنكيل لمن أكثر الوصال.

الموضع الثالث:

في كتاب (الحدود) في باب كم التعزير والأدب، قال- رحمه الله-: حدثنا يحيى بن بُكير، قال: حدثنا الليث، عن عقيلٍ، عن ابن شهاب، قال: حدثنا أبو سلمة، أن أبا هريرة- رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، فذكره بنحوه وفي آخره: كالمُنكِّل بهم حين أبوا، وهو محل الشاهد؛ لأن التنكيل تعزير.

الترجمة في كتاب (الحدود) بابٌ كم التعزير والأدب.

سؤال من أحد الحضور: يعني التعزير مُلحق بالحدود؟

هو يتكلم عن التعازير عقب الحدود في العادة، يعني الفقهاء يتكلمون عن التعازير بعد إكمال الحدود؛ لما تشترك فيه مع الحدود من كونها تَمْنَع من معاودة الذنب.

التنكيل المذكور في الحديث: كالمُنكِّل بهم، هذا تعزير، لكن الكلام في الكمية.

المقدم: في ماذا؟

البخاري يقول- رحمه الله- بابٌ كم التعزير والأدب، يعني في الحديث ما يشهد للكمية؟

المقدم: ما فيه.

الذي في الحديث: كالمُنكِّل بهم، هذا تعزير؛ لأن التعزير يتفاوت.

المقدم: ولا في الباب إلا هذا الحديث؟

المقصود أن نربط حديثنا بالترجمة. هو واصل بهم يومين، واصل يومًا ثمَّ يومًا ثمَّ رؤي الهلال.

المقدم: يرى أن التنكيل هنا يومان؟

نعم، هذا الوجه. يعني ما يلزم أن يكون قد ورد ما هو أكثر منه أو ما دونه، لكن الكمية هنا في اليومين.

سؤال من أحد الحضور: وكان قد نوى النبي - صلى الله عليه وسلم- الوصال بهم لو تمَّ الشهر؟

لو تمَّ الشهر، نعم.

أورد البخاري- رحمه الله تعالى- الكمية بلفظ الاستفهام إشارةً إلى الاختلاف فيها، منهم من لا يرى للتعزير حدًّا، بل منهم من يرى أنه قد يُبلَغ بالتعزير ما هو فوق الحد، ومنهم من يرى ألا يُزاد في التعزير على حدٍّ مُعيَّن، ولا يُبلَغ به أدنى الحدود.

المقصود أن البخاري- رحمه الله تعالى- لحظ أن هذا تعزير بدني، يُشبِه التعزير بالكلام ويُشبِه التعزير.. هو أبلغ من التعزير بالكلام، إلا بالنسبة بعض الناس يؤثر فيه الكلام أكثر. ويُشبِه التعزير بالجلد، والتعزير بالحبس، كل هذا يحصل به تعزير. لكن الآن في الحديث الذي معنا: كالمُنكِّل بهم حين أبوا، فهم حين أبوا يستحقون مثل هذا التعزير.

الموضع الرابع:

في كتاب (التمني) باب ما يجوز من اللو وقوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} [سورة هود 80]، لو هنا {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} [سورة هود 80]

قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزهري ح وقال الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب أخبره أن أبا هريرة قال: نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، قالوا: فإنك تواصل، قال: «أيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقين»، فلما أبوا أن ينتهوا، واصل بهم يومًا، ثمَّ يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: «لو تأخر لزدتكم» كالمُنكِّل لهم.

والمناسبة ظاهرة؛ لأنه قال: «لو تأخر» لذكر (لو) في الحديث؛ لأنه قال: «لو تأخر لزدتكم».

يقول الحافظ، نحن بحاجة إلى الكلام عن (لو)؛ لأنه جاء فيها أحاديث تدلُّ على المنع وأحاديث تدلُّ على الجواز. وهذا الحديث لن يتكرر في آخر الكتاب، في باب (التمني)، والمسألة يحتاجها الناس.

على كل حال، يقول الحافظ: يقول القاضي عياض: يُريد ما يجوزُ- الترجمة: باب ما يجوز من اللو- القاضي عياض يقول: يريد ما يجوز من قول الراضي بقضاء الله تعالى: لو كان لكان كذا. لا يريد بذلك مُعارضة القدر، ولا يريد بذلك التسخُّط، ولا يريد بذلك أن يستدرك على القدر: أنه لو فعل كذا لما حصل. يريد ما يجوز من قول الراضي بقضاء الله لو كان كذا لكان كذا، فأدخل على لو الألف واللام التي للعهد وذلك غير جائزٍ عند أهل العربية.

سؤال من أحد الحضور: مثل غير؟

المقدم: أين الألف هنا؟

انظر الترجمة: باب ما يجوز من اللو.

المقدم: نعم في الترجمة.

فأدخل على لو الألف واللام التي للعهد، وذلك غير جائزٍ عن أهل العربية؛ لأن (لو) حرف وهما- يعني الألف واللام- لا يدخلان على الحروف. وكذا وقع عند بعض رواة مُسلم: «إياك واللو، فإن اللو من الشيطان» يعني لو صحت هذه الرواية، ما كان لكلام القاضي عياض وجه.

«إياك واللو، فإن اللو من الشيطان» والمحفوظ «إياك ولو، فإن لو» يعني بغير ألفٍ ولا لام.

قال: ووقع لبعض الشعراء تشديد واو (لو)، وذلك لضرورة الشِعر.

قال صاحب (المطالع)، مرَّ بنا مرارًا، يعني من أكثر ما يمر من كتب غريب الحديث (مطالع الأنوار) لابن قرقول.

وقال صاحب (المطالع): لمَّا أقامها مقام الاسم صرفها فصارت عنده كالندم والتمني، كأنه قال: باب ما جاء في الندم، وباب ما جاء في التمني، فعامل (لو) معاملة الندم والتمني، فأدخَل عليها الألف واللام.

سؤال من أحد الحضور: صرفها يا شيخ، يعني جعلها مُشتقةً؟

نعم؛ لأن الصرف قرين أل؛ لأن الممنوع يُصرف بأل، فإذا دخلت أل دلَّ على الصرف.

وقال صاحب (النهاية): الأصل لو ساكنة الواو وهي حرفٌ من حروف المعاني، يمتنع بها الشيء لامتناع غيره غالبًا. يعني (لو) من حروف المعاني، وحروف المعاني يقابلها حروف المباني.

يعني الحرف المُراد به في حديث «بكل حرف عشر حسنات» هل يُراد به حرف المعنى أو حرف المبنى؟

 

المقدم: لا، حرف المبنى. لو كان المعنى، «ألف حرف»، يعني ألف ولام وفاء، كان في الحرف الواحد ثلاث حسنات في المعنى. فالظاهر إنه حرف المبنى.

على كل حال، المسألة خلافية وكأن شيخ الإسلام يميل إلى حرف المعنى، وابن الجزري في (النشر) يميل لحرف المعنى، واللفظ مُحتمِل؛ لأن الحرف يُطلق على هذا وعلى هذا.

يعني هل قوله- جلَّ وعلا-: {ألم} مثل {ألم} {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ} [سورة الفجر 6]؟

سؤال من أحد الحضور: وهل هذا منهم، يا شيخ، ميل إلى أن الحروف هذه المُقطعة كل حرف يُفيد معنى؟

المقصود أن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، هل تُعامل {أَلَمْ} مثل {الم}؟ هل يأخذ ثلاثين حسنة على {أَلَمْ} كما يأخذها على {الم}؟ والفرق كبيــر يعني، يعني بدلاً من ثلاثة ملايين حسنة وزيادة، إذا قلنا المراد حروف المباني، يكون سبعمائة ألف، يعني الربع تقريبًا. الأجر الربع. وعلى كل حال، اللفظ مُحْتَمِل، وثقتنا بفضل الله- جلَّ وعلا- وكرمه أعظم من ثقتنا بعلم شيخ الإسلام- رحمه الله-.

يمتنع بها- يعني لو- الشيء لامتناع غيره غالبًا. يعني يقولون في إعرابها: حرف امتناع لامتناع، بخلاف (لولا) حرف امتناع لوجود.

فلما سُمِّيَ بها، زِيدَ فيها، فلما أراد إعرابها أتى فيها بالتعريف؛ ليكون علامةً لذلك، ومن ثم شُددت الواو، وقد سُمِعَ بالتشديد منونًا قول الشاعر:

أُلَامُ عَلَى لَوٍّ وَلَوْ كُنْتُ عَالِمًا                         بِأَدْبَارِ لَوٍّ لَمْ تَفُتْنِي أَوَائِلُه

يقول: لو كنت عالمًا بما يحصل بعد (لو)، ما فاتني ما حصل قبلها.

أحد الحضور: «لو استدبرت من أمري ما استقبلت ...»

نعم، وهذا يأتي الكلام فيه.

وقال آخر:

لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ مِنِّي لَيْتُ                            إِنَّ لَيْتًا وَإِنَّ لَوًّا عَنَاءُ

وقال آخر:

حَاوَلْتُ لَوًّا فَقُلْتُ لَهَا                                   إنَ لَوًّا ذَاك أعيانا

وهذه شواهد على تشديد الواو.

الآن (لو) حرف، هل يُمكن أن يوقع الحرف موقع الاسم؟ يُمكن أو ما يُمكن؟ فيُعامل مُعاملة الاسم؟

الأصل أن ال من علامات الاسم، فكيف دخلت على (لو) وهي حرف؟ إذا عومل الحرف معاملة الاسم، جاز دخول ال وجاز الابتداء به وجاز كونه فاعلًا. إذا قلت: مِنْ حرفُ جر، أعرب. مِنْ: مبتدأ، وحرف: الخبر، وجر: مضاف إليه.

ليتَ وهل ينفع شيئًا ليتُ، ليتُ: فاعل.

فإذا وضع، إذا تُحدِث عنها عوملت معاملة الأسماء.

ويقول ابن مالك: إذا نسب إلى حرفٍ أو غيره حكمٌ هو للفظه دون معناه، جاز أن يُحكى وجاز أن يُعرَب بما يقتضيه العامل. وإن كانت على حرفين ثانيهما حرف لين وجُعِلَت اسمًا، ضُعِّف ثانيهما، فمن ثَمَ قيل في لو: لَوٌّ- يعني مقول القول- وفي في- الذي هو الفم- فِيٌّ، بالتشديد، «حتى ما يضعه في فيِّ امرأته».

فيقول: إذا كان على حرفين ثانيهما حرف لين وجُعِلَت اسمًا، ضُعِّف ثانيهما، فمن ثَمَ قيل في لو: لَوٌّ- بالتشديد- وفي في فِيٌّ- بالتشديد أيضًا.

الآن حينما تُعرِب "ذهب زيدٌ إلى السوق"، تقول: ذهب فعل، وزيدٌ فاعل.

المقدم: إلى جار ومجرور، السوق..

 لا لا في إلى  إلى

المقدم: جار ومجرور

حرف جر حرف جر، والسوق مجرور بـ

المقدم: بـ إلى

(إلى). وإلى حرف، كيف دخلت عليها حرف جر؟

المقدم: لأنك وضعتها.. عاملتها هنا معاملة الاسم.

نعم.

وأما حديث «إياك ولو، فإن لو تفتح عمل الشيطان» فلا يلزم من جعلها اسم إن- «فإن لو» الآن «إياك ولو، فإن لو تفتح عمل الشيطان» لو: اسم إن في الحديث- فلا يلزم من جعلها اسم إن أن تكون خرجت عن الحرفيَّة، بل هو إخبارٌ لفظي يقع في الاسم والفعل والحرف. كقولهم: حرف (عن) ثنائي وحرف (إلى) ثلاثي، هو إخبارٌ عن اللفظ على سبيل الحكاية. أنت لست تتحدث عن المعنى، أنت لما تتحدث عن لفظه وأنه مُركَّب من حرفين بالنسبة ل(عن). وتتحدث عن لفظ (إلى) وأنه مُركَّب من ثلاثة حروف، على سبيل الحكاية.

وأما إذا أضيف إليها الألف واللام فإنها تصير اسمًا حينئذٍ أو تكون إخبارًا عن المُسمى بذلك اللفظ.

في (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الإمام المُجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قوله: باب ما جاء في اللو، أي: من الوعيد والنهي عنه عند الأمور المكروهة كالمصائب، إذا جرى بها القدر؛ لما فيه من الإشعار بعدم الصبر والأسى على ما فات مما لا يُمكن استدراكه. فالواجب التسليم للقدر والقيام بالعبودية الواجبة، وهو الصبر على ما أصاب العبد مما يكره. والإيمان بالقدر أصلٌ من أصول الإيمان الستة، وأدخل المُصنِّف- رحمه الله- أداة التعريف على (لو) وهذه في هذا المقام، لا تُفيد تعريفًا كنظائرها؛ لأن المراد هذا اللفظ، كما قال الشاعر:

رأيتُ الوليد بنَ اليزيد مُباركًا                          شديدًا بأعباء الخلافةِ كاهله

يعني دخل أل على المعرفة، هي أصلها حرف تعريف.

                   أل حرف تعريفٍ أو اللام فقط               فنمطًا عرَّفتَ قُل فيه النمط.

"رأيت الوليد" قال: هذه لا تُفيد تعريفًا، لكن إدخالها على مثل هذا ومثل: اليزيد، ومثل: الحسن، ومثل: العباس.

المقدم: مُعتاد.

مُعتاد ولكن ماذا يُفيد؟ له فائدة، يُفيد لمح الأصل الذي هو الصفة. إذا لمحت في حسن الحُسن، قلت: الحَسَن. إذا لمحت في عباس العبوس، قلت: العباس. إذا لمحت في الوليد واليزيد ما كان في أصله، أدخلت عليه ال وتُسمى ال التي هي للمح الصفة.

ذكر الإمام المُجدد- رحمة الله تعالى عليه- في كتاب (التوحيد) بعد الترجمة: وقول الله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [سورة آل عمران 154] وقوله: {الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [سورة آل عمران 168]. يعني هذا من السياق المذموم في (لو) أم لا؟ مذموم.

وفي الصحيح عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أنني فعلتُ لكان كذا، ولكن قُل: قدَّر اللهُ وما شاء فعل» وتُضبط بالتخفيف: «قَدرُ اللهِ وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان».

ونقل الحافظ ابن حجر عن عياض قوله: الذي يُفهَمُ من ترجمة البخاري ومما ذكره في الباب من الأحاديث أنه يجوز استعمال (لو) و(لولا) فيما يكون للاستقبال مما فعله لوجود غيره وهو من باب (لو)- يعني لولا، لولا فيما يكون للاستقبال. يجوز استعمال (لو) و(لولا) فيما يكون للاستقبال مما فِعله لوجود غيره؛ لأن (لولا) حرف امتناع لوجود. وهو من باب (لو)؛ لكونه لم يُدْخِل- يعني البخاري- في الباب إلا ما هو للاستقبال، وما هو حقٌ صحيحٌ مُتيَّقن، بخلاف الماضي والمُنقضي أو ما فيه اعتراضٌ على الغيب والقدر السابق، الذي هو محل حديث النهي.

قال: والنهي إنما هو حيث قاله مُعتقدًا ذلك حتمًا، يجزم بأنه لو فعل كذا لما كان كذا.

والنهي إنما هو حيث قاله مُعتقدًا ذلك حتمًا، وإنه لو فعل ذلك لم يصبه ما أصابه قطعًا. فأما من ردَّ ذلك إلى مشيئة الله تعالى وأنه لولا أن الله أراد ذلك، ما وقع فليس من هذا.

المقدم: أحسنَ الله إليكم، لعلنا نستكمل- إن شاء الله- الأطراف في حلقة قادمة؛ لانتهاء وقت هذه الحلقة.

أيها الإخوة والأخوات، بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب ((الصوم)) في كتاب ((التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح)).

لنا بكم لقاء– بإذن الله– في حلقة قادمة.

شكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.