التعليق على تفسير القرطبي - سورة محمد (02)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 قال الإمام القرطبي -رحمه لله تعالى –:

  قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ}.

 قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ} تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ} فِي الدُّنْيَا كَأَنَّهُمْ أَنْعَامٌ، لَيْسَ لَهُمْ هِمَّةٌ إِلَّا بُطُونَهُمْ وَفُرُوجَهُمْ، سَاهُونَ عَمَّا فِي غَدِهِمْ. وَقِيلَ: الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا يَتَزَوَّدُ، وَالْمُنَافِقُ يَتَزَيَّنُ، وَالْكَافِرُ يَتَمَتَّعُ، {وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ} أَيْ مَقَامٌ ومنزل".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أم بعد،

 فيقول الله -جل وعلا-: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} آمنوا بالله ورسوله وكتبه وملائكته وبجميع ما أمروا أن يؤمنوا به من أركان وواجبات، وأيدوا ذلك، وصدقوا هذا الإيمان الذي وقر في قلوبهم بأعمالهم الصالحة مما أوجب الله عليهم، وتركوا ما حرم الله عليهم، وأما الذين كفروا بشقيهم الكفار والمنافقين فهم في هذه الدنيا على خلاف ما كان عليه المؤمنون الذين يعملون لما خلقوا له وهو العبادة أولئك يتمتعون كأنهم أنعام، كأنهم بهائم، يأكلون ويشربون ويلبسون...أمور دنياهم معرضين عما خلقوا من أجله، وهنا يقول: قيل: المؤمن في الدنيا يتزود يعني لآخرته، والمنافق يتزين يعني يتظاهر في ظاهره، ويظهر خلاف ما يبطنه، فهو يتزين في الظاهر وإن كان باطنه سيئًا، وأما الكافر فهو يتمتع كالبهيمة – نسأل الله العافية-، والنار مثوىً لهم، يعني مأواهم ومرجعهم ومآلهم ومبوأهم النار –نسأل الله السلامة والعافية-.

 وهذا في مقابل أن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات، يعني ومن عداهم، فإن لهم دار الجزاء الثاني، وهي النار، نسأل الله العافية.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ} تَقَدَّمَ الْكَلَامُ في " كأين" في (آل عمران)، وهي ها هنا بِمَعْنَى كَمْ."

وهي للتكثير هنا، كثير من القرى كم من قرية، وكأين من قرية كثير من القرى هي أشد قوة من قريتك، يعني بالنظر في الأمم السالفة وجدهم أقوى وأشد بأسًا من الأمم اللاحقة بما في ذلك هذه الأمة، ومع ذلك أهلكهم الله جل وعلا- قوم لوط قرى بلحظة أبيدوا وأهلكوا بطرف جناح من أجنحة جبريل الستمائة، رفعهم إلى عنان السماء، ثم نكسوا على رؤوسهم -نسأل الله السلامة والعافية-، وعاد أهلكوا بالريح، وهكذا من الأمم من أهلكت بصيحة صيحة واحدة، صعقة واحدة، صوت مرتفع جدًّا، أهلكوا بها.

طالب: المقصود هنا يا شيخ القرية المكان ولا الأمة ولا...

تطلق القرية ويراد بها المكان والبيوت، ويطلق ويراد بها أهلها إطلاقًا حقيقيًّا.

" أَيْ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ. وَأَنْشَدَ الْأَخْفَشُ قَوْلَ لَبِيدٍ:

وَكَائِنْ رَأَيْنَا مِنْ مُلُوكٍ وَسُوقَةٍ ... وَمِفْتَاحِ قَيْدٍ لِلْأَسِيرِ الْمُكَبَّلِ

فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: وَكَمْ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ."

هذا على اعتبار إضمار المضاف كما يدعون وفي مجاز الحذف مثل واسأل القرية فيضمرون أهل القرية، وأهل القرية لا يحتاجون إضمارًا؛ لأن القرية كما تطلق على المكان والبيوت تطلق على السكان أيضًا.

 "{هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} أَيْ أَخْرَجَكَ أَهْلُهَا. {فَلا ناصِرَ لَهُمْ} قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْغَارِ الْتَفَتَ إِلَى مَكَّةَ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتِ أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ وَأَنْتِ أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَيَّ وَلَوْلَا الْمُشْرِكُونَ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي لَمَا خَرَجْتُ مِنْكِ» فَنَزَلَتِ الْآيَةُ ذَكَرَهُ الثعلبي، وهو حديث صحيح."

الحديث والتفات النبي -عليه الصلاة والسلام- صحيح، لكن كونه سبب نزول هذه الآية هو الذي ذكره الثعلبي.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} الْأَلِفُ أَلِفُ تَقْرِيرٍ."

يعني الهمزة همزة الاستفهام للتقرير، الاستفهام تقريري.

" وَمَعْنَى " عَلى بَيِّنَةٍ" أَيْ عَلَى ثَبَاتٍ وَيَقِينٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. أَبُو الْعَالِيَةِ: وَهُوَ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَالْبَيِّنَةُ: الْوَحْيُ."

طالب: شيخ، يعني الحديث صحيح لكن الذي ذكره الثعلبي..

كونه سبب النزول.

طالب: يعني ضعيف الحديث.

يعني تفرد به الثعلبي، والثعلبي عادة يتفرد بالضعاف.

"{كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} أَيْ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ، وَهُوَ أَبُو جَهْلٍ وَالْكُفَّارُ. {وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ} أَيْ مَا اشْتَهَوْا. وَهَذَا التَّزْيِينُ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ خَلْقًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الشَّيْطَانِ دُعَاءٌ وَوَسْوَسَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكَافِرِ، أَيْ زَيَّنَ لِنَفْسِهِ سُوءَ عَمَلِهِ وَأَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ".

زين لنفسه أو زينت له نفسه الأمارة بالسوء سوء عمله، وأصر على ذلك، فالفعل ينسب إلى فاعله حقيقة، وهو الله جل وعلا-، وقد ينسب إلى المتسبب، السبب المؤثر بجعل الله -جل وعلا- له فيه التأثير لا استقلالاً، وقد ينسب للشيء لأدنى مناسبة، فهنا وهذا توين من جهة الله خلقًا هذا ليس، تزين هذا ليس مما يمدح وإنما يذم ولذلك بني فيجه الفعل الم جهول {أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم}، فالعمل الممدوح يضاف إلى الله جل وعلا- صراحة، والعمل قسيمه هو الشر لا يضاف إليه أدبًا، وإن كان الكل من الله جل وعلا-.

" وَقَالَ: " سُوءُ" عَلَى لَفْظِ " من" " وَاتَّبَعُوا" على معناه."

لأن لفظها مفرد، وعاد إليه السوء، مفرد، ومعناها الجمع قالوا: وأتبعوا.

 "قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} لَمَّا قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ} [الحج: 14] وَصَفَ تِلْكَ الْجَنَّاتِ، أَيْ صِفَةُ الْجَنَّةِ الْمُعَدَّةِ لِلْمُتَّقِينَ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي" الرَّعْدِ". وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ {مِثَالُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ}."

المثل والمثال معناهما واحد.

"{فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِن} أَيْ غَيْرَ مُتَغَيِّرِ الرَّائِحَةِ. وَالْآسِنُ مِنَ الْمَاءِ مِثْلُ الْآجِنِ. وَقَدْ أَسَنَ الماء ييأسن ويأسن أسنا وأسونا إِذَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ."

وقد يتغير لونه، الماء الآجن يتغير رائحته، وهو الآسن يتغير رائحته، وقد يتغير لونه، وهو باقٍ على اسمه الماء، والوضوء به صحيح بالاتفاق إلا ما يذكر عن محمد بن سيرين بكراهته، وعلى كل حال هو لم يتغير بنجاسة، وإنما تغير من طول المكث.

" وَكَذَلِكَ أَجَنَ الْمَاءُ يَأْجُنُ وَيَأْجِنُ أَجْنًا وَأُجُونًا. وَيُقَالُ بِالْكَسْرِ فِيهِمَا: أَجِنَ وَأَسِنَ يَأْسَنُ وَيَأْجَنُ أَسْنًا وَأَجْنًا، قَالَهُ الْيَزِيدِيُّ. وَأَسِنَ الرَّجُلُ أَيْضًا يَأْسَنُ بِالْكَسْرِ لَا غَيْر إِذَا دَخَلَ الْبِئْرَ فَأَصَابَتْهُ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ مِنْ رِيحِ الْبِئْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَغُشِيَ عَلَيْهِ أَوْ دَارَ رَأْسُهُ، قَالَ زُهَيْرٌ:

قَدْ أَتْرُكُ الْقَرْنَ مُصْفَرًّا أَنَامِلُهُ ... يَمِيدُ فِي الرُّمْحِ مَيْدَ الْمَائِحِ الْأَسِنْ"

نعم المائح هو الذي ينزل في البئر هذا المائح هو الذي في الأعلى ينزع بالدلو ويقال له: ماتح بالتاء، هذا كل النسق في مائح.

طالب:....

نعم.

طالب: مائح...

يعني فيه مايح، وفيه ماتح، بالتاء والياء، فهم يقولون: الأعلى للأعلى ماتح، الأعلى الذي يقف على شفير البئر منها بالسبب بالدلو وما أشبهه، والمائح هو الذي ينزل في الأسفل، وإذا كانت البئر أسنة أو أجنة تغيرت الرائحة قد يصاب هذا المائح الذي ينزل في أسفلها قد يصاب بدوخة، قد يصاب بدوار، وقد يغمى عليه بحسب قوة ودرجة هذا التغير.

"وَيُرْوَى" الْوَسِنِ". وَتَأَسَّنَ الْمَاءُ تَغَيَّرَ. أَبُو زَيْدٍ: تَأَسَّنَ عَلَيَّ تَأَسُّنًا اعْتَلَّ وَأَبْطَأَ. أَبُو عَمْرٍو: تَأَسَّنَ الرَّجُلُ أَبَاهُ أَخَذَ أَخْلَاقَهُ."

يعني ائتسى به، وأخذ سنت وطبعه وتخلق بأخلاقه.

" وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: إِذَا نَزَعَ إِلَيْهِ فِي الشَّبَهِ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: " آسِنٍ" بِالْمَدِّ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحُمَيْدٌ: " أَسِنَ" بِالْقَصْرِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، مِثْلُ حَاذِرٍ وَحَذِرِ."

نعم اسم الفاعل حاذر، والمبالغة حذر حاذر وحذر يعني الصون في مثل هذا أن الزيادة في المبنى لم ترد زيادة في المعنى، وهذا من القليل النادر الغالب أنه إذا زيد في الحروف زيد في المعنى، وهنا حذر أبلغ من حاذر وأسن أبلغ من آسن.

طالب: الأسن نسبة إلى إسنا؟

لا، لا هذه بلدة بمصر اسمها أسن ما اسمها عندكم؟ الإسناوي نسبة إلى إيش؟

طالب: إسنا..

إسنا نعم.

" وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَسِنَ لِلْحَالِ، وَآسِنٌ (مِثْلُ فاعل) يراد به الاستقبال".

أسنٌ للحال وآسن مثل فاعل يراد به الاستقبال، يعني التفريق بين صيغة المبالغة بأنها للحال حذر، يعني في الوقت الحاضر وحاذر لما يستقبل حذر يعني وفي ظرفه الآن حذر، وأما حاذر فهو لما يستقبل.

"{وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} أَيْ لَمْ يَحْمُضْ بِطُولِ الْمَقَامِ، كَمَا تَتَغَيَّرُ أَلْبَانُ الدُّنْيَا إِلَى الْحُمُوضَةِ."

قد يقول قائل: غير آسن، وهو ماء نهر جارٍ، والذي يأسن هو الماء الراكد الثابت، وأما الجاري فإنه لا يأسن؛ لأن يتخلله الهواء؟ قالوا: فائدة قوله -جل وعلا- غير آسن أنه لو أخذ منه بإناء أخذ منه من هذا النهر ماء ووضع في إناء وطال مكثه فإنه لا يأسن بخلاف ماء الدنيا.

"{وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ}".

وأنهار من لبن لم يتغير طعمه أي لم يصر حامضًا مع الوقت كشأن ألبان الدنيا؛ لأنها إذا مكثت يومًا أو يومين قلب طعمها وصارت حامضة هذا مشاهد.

 أَيْ لَمْ تُدَنِّسْهَا الْأَرْجُلُ، وَلَمْ تُرَنِّقْهَا الْأَيْدِي كَخَمْرِ الدُّنْيَا."

لأنها تداس بالأرجل حين خلطها سواء كانت من التمر أو العنب كانوا يدوسونها بالأرجل، وعثر على بعض المطاعم، هذا يجعل الإنسان يحتاط ويختار لنفسه أن ما يريدون عجنه شوهد من يجعل الطماطم في وعاء كبير أو غيره ويطؤونه ويدوسونه بأرجلهم؛ لأن مسألة التقطيع تحتاج إلى وقت، فيكون الإنسان على حذر من هذه المطاعم، لا يرتادها إلا في حال ضرورة أو في حال حاجة ماسة لم يتمكن من تجهيز الطعام؛ لأنهم في الغالب يصنعون لغيرهم، والغش موجود بكثرة، ولا يهتمون، والجهات المختصة تراقبهم وتشدد عليهم، وتجعلهم لا يباشرون هذه المواد، ولا بأيديهم فضلاً عن أرجلهم، ومع ذلك إذا خلوا بأنفسهم صنعوا ما شاءوا، والله المستعان.

 لم تدنسه الأرجل ولم ترنقها الأيدي، تكدرها يعني، كخمر الدنيا، لذة ليس فيها ما يكره، خمر الدنيا رائحتها قبيحة، ومنظرها قبيح، وطعمها قبيح، وتغتال أغلى ما يملكه الإنسان وهو عقله، وكل هذه الصفات لا توجد في خمر الآخرة، فليحذر الذي تسول له نفسه أن يشرب من هذه الخمر التي تغتال العقول بكونه إذا شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة جزاءً وفاقًا، الجزاء من جنس العمل.

طالب :.....الآخرة....

كما قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.

طالب :....

يعني هي وإن كانت لا تخمر عقلًا ولا تغطيه فقد تخمر عقولًا أخرى، والله أعلم.

طالب :....

 التسمية شرعية جاءت في الكتاب والسنة.

" فَهِيَ لَذِيذَةُ الطَّعْمِ طَيِّبَةُ الشُّرْبِ، لَا يَتَكَرَّهُهَا الشَّارِبُونَ. يُقَالُ: شَرَابٌ لَذَّ وَلَذِيذٌ بِمَعْنًى. وَاسْتَلَذَّهُ عَدَّهُ لَذِيذًا. {وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} الْعَسَلُ مَا يَسِيلُ مِنْ لُعَابِ النَّحْلِ."

كما تقدم في سورة النحل، ونذكر القصة التي مرت بنا في ذلك الموضع في تفسير سورة النحل {يخرج من بطونها شراب}.

طالب:.... مختلف ألوانه..

نعم، كان في مجلس أبي جعفر المنصور، ومعروف أن العباسيين من آل البيت فقال شخص من الحاضرين من المرتزقة: المراد يخرج من بطونها: من بطون أهل البيت، مر بنا في التفسير ذكرها القرطبي، القصة ذكرها القرطبي لكن ما حضرها إلا القليل، صار لها مدة، قال: يخرج من بطون أهل البيت، فقال شخص من الحاضرين: جعل الله شفاؤك فيما يخرج من بطون أهل البيت، الارتزاق والتكسب بمثل هذا الكلام موجود من القدم من الصدر الأول حاشا عصر الصحابة وخيار الأمة، لكن مثل هذا موجود، مثل هذا الكلام من القدم.

طالب: .....

نعم.

طالب: ذكر الله عز وجل في ذكر ... ما يميزها عن الدنيا لكل واحد، فلما جاء ذكر الخمر قال: لذة للشاربين، الاستفادة منها أن خمر الدنيا ليس له لذة؟

ما يتلذذ به يكرهونه، يعني ما لا يتلذذ به إلا في المآل، ليس في الحال أثناء الشرب، ليس فيه لذة، لكن إذا غطى عقولهم وأعطاهم وخيّل لهم من أنفسهم خلاف واقعهم، يعني الصعلوك المدين الفقير المدقع المريض يخيل له أنه ملك الدنيا بأسرها، هم يشربون من أجل هذا، تنسيهم هموم الدنيا وإلا فليست في مذاقها ولا طعمها ما يشجع عليها.

"" مُصَفًّى" أَيْ مِنَ الشَّمْعِ وَالْقَذَى، خَلَقَهُ اللَّهُ كَذَلِكَ لَمْ يُطْبَخْ عَلَى نَارٍ وَلَا دَنَّسَهُ النَّحْلُ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرُ الْمَاءِ وَبَحْرُ الْعَسَلِ وَبَحْرُ اللَّبَنِ وَبَحْرُ الْخَمْرِ ثُمَّ تُشَقَّقُ الْأَنْهَارُ بَعْدُ»، قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ»، وَقَالَ كَعْبٌ: نَهْرُ دِجْلَةَ نَهْرُ مَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَنَهْرُ الْفُرَاتِ نَهْرُ لَبَنِهِمْ، وَنَهْرُ مِصْرَ نَهْرُ خَمْرِهِمْ، وَنَهْرُ سَيْحَانَ نَهْرُ عَسَلِهِمْ. وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ تَخْرُجُ مِنْ نَهْرِ الْكَوْثَرِ. وَالْعَسَلُ: يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} أَيْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ."

هذه الأنهار الأربعة في الدنيا جاء الخبر أنها من أنهار الجنة، وعلى هذا فما هي الميزة والخصيصة التي تختص بها هذه الأنهار دون أنهار الدنيا؟ فهل يقال: إنها ما دامت أنهار الجنة يشرع الوضوء منها، أو يشرع الاغتسال فيها، أو يشرع الشرب منها، والاغتسال، وما أشبه ذلك، طالما أنها من أنهار الجنة؟

طالب :....

ما جاء شيء يدل على هذا، لم يرد شيء يدل على هذا، إنما هي صفة مدح، لكن ما جاء بالنسبة لنا ما نفعله تجاه هذه الأنهار الأربعة، والله أعلم بكيفية ارتباطها بأنهار الجنة، لكن مع ذلك نصدق مثل هذا الخبر، والله أعلم بما وراءه.

 جاء أيضًا « ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة »، هل نقول: إنه مثل هذا، مثل أنهار الجنة، ما جاءنا ما يبين ما نفعل، نقول: ما جاءنا ما يدل على أننا نفعل في هذه الروضة من العبادات ما يُرجح على غيرها لأن النبي عليه الصلاة و السلام- قال: « إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، فعلينا إذا مررنا بهذه الروضة، وهي من رياض الجنة أن نرتع بالصلاة، بالذكر، بالتلاوة، وغير ذلك لأنه جاء ما يدلنا على ما نفعله في هذه الروضة، وأما هذه الأنهار فلم يجئ في شرعنا ما يدلنا على ما نفعله فيها، سمعنا هذا، أنها من أنهار الجنة، نروح نغتسل فيها، أو نشرب منها، أو نتبرك بها؟

لا.

طالب: هل ...فضيلة .... لهذه الأنهار؟

نعم، فيه فضيلة وميزة، لكن الله أعلم بكيفية هذه الفضيلة.

طالب: ....ذلك من البركة..

ما يلزم، ما جاءنا شيء يدل بالتفصيل، وما دام الأمر مجملاً نقف عند حد الإجمال.

طالب: هل فيه نص على تسميات الأنهار؟

منصوص عليها سيحان وجيحان في بلاد الترك، والنيل والفرات.

طالب: لا، نص نبوي...؟

هذا مرفوع، هذا بصحيح مسلم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ».

طالب: مجلس الذكر المقصود به المقصود بمجلس الذكر الذي كان الصحابة يذكرون....النبي صلى الله عليه وسلم-.

أين؟

طالب:....

على كل حال هذه الروضة لها خصيصة وميزة، وهي روضة من رياض الجنة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا».

طالب: المقصود به المكان نفسه.

 هذه فرد من أفراد رياض الجنة، أماكن الذكر كلها رياض الجنة، لكن هذه الروضة التي جاء التنصيص عليها فرد من أفراد هذه الرياض.

طالب:....يطلق عليه..

ماذا؟

طالب: الإطلاق ليس بشرعي، الإطلاق ما فيه نص، لكن عامة الناس يسمون المسجد روضة المسجد باعتبار أنها أقرب ما يكون إلى الإمام مثل ما كانت الروضة في المسجد النبوي، وكانت تحت ... في المسجد الحرام الفرش أبيض، الفرش أبيض، ليس بفرش الروضة، في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام- فكان الناس يقصدونه ويقولون: هذه هي الروضة، قلنا: ما فيه روضة هنا، فغير الفرش، الناس يتبعون أدنى سبب..

طالب: ..........ليس من الجمع في الدنيا... الرسول ..

يعني بعينه الثابتة التي لا تتغير، وهذه الأنهار تروح وتجيء بالماء. 

طالب:.....

الأنهار موجودة، صحيح مسلم، النص في مسلم، انظر لعل التنصيص والحصر قبل أن يخبر أن هذه من أنهار الجنة، مثل: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، ثم زيد عليهم إلى سبع أرسلوا.

طالب: ......

إلى بدايته، إلى بدايته من البيت إلى جدار البيت من جهة المنبر نعم.

طالب :... يقول مثلاً: أنكر ومنع من مسألة رمي الفضلات وقضاء الحاجة في هذه الأنهار باعتبار أن هذه من أنهار الجنة..

لم يؤكد عليها أكثر من غيرها وإلا فالأصل كلهم ممنوع فيها وفي غيرها، اللهم إلا بقايا الطعام الذي تأكله الحيوانات، حيوانات البحر وما عدا ذلك فلا، الذي يقذره على الناس لا يجوز.

طالب: في ...أن هذه الأنهار ما تنبع ..

والله ما أدري، احتمال.

"{وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ}" مِنْ" زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ."

زائدة بمعنى أن المعنى يستقيم بدونها، ولا يعني أنها لا فائدة فيها أو أنها زيدت من قبل أحد.

طالب :....

 لا، هي من كلام الله جل وعلا- لا يجوز الاستغناء عنها بحال، لكن لو جاء في كلام البشر بدونها استقام الكلام.

" {وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} أَيْ لِذُنُوبِهِمْ {كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ} قَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى أَفَمَنْ يَخْلُدُ فِي هَذَا النَّعِيمِ كَمَنْ يَخْلُدُ فِي النَّارِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَأُعْطِيَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَهُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ. فَقَوْلُهُ: " كَمَنْ" بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} [فاطر: 8]."

بدل منه، وليس مشبهًا به، فيكون غيره، وإنما هو هو بدل منه، بدل كل من كل.

" وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: مَثَلُ هَذِهِ الْجَنَّةِ الَّتِي فِيهَا الثِّمَارُ وَالْأَنْهَارُ كَمَثَلِ النَّارِ الَّتِي فِيهَا الْحَمِيمُ وَالزَّقُّومُ. وَمَثَلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي النَّعِيمِ المقيم كميل أَهْلِ النَّارِ فِي الْعَذَابِ الْمُقِيمِ."

 وليسوا مثلهم، وليسوا مثلهم، وإنما هؤلاء مثال، وهؤلاء مثال، هؤلاء مثال للسعداء، وهؤلاء مثال للأشقياء، وهذه مثال لدار السعداء، وهذه مثال لدار الأشقياء، كما ضرب الله -جل وعلا مثلاً للذين آمنوا والذين كفروا في سورة التحريم.

"{وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً} أي حارًّا شديد الغليان، إذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم، فَإِذَا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ وَأَخْرَجَهَا مِنْ دُبُورِهِمْ. وَالْأَمْعَاءُ: جَمْعُ مِعًى، وَالتَّثْنِيَةُ مِعَيَانِ، وَهُوَ جَمِيعُ ما في البطن من الحوايا."

يقول: {سقوا ماءً حميمًا} أي حار شديد الغليان، إذا أدني منهم شوى وجوههم ووقعت فروة رؤوسهم، وجاء بالأخبار أنه لو مر بها من كان يعرفهم في الدنيا لعرفهم. وجوههم وفروة رؤوسهم وقعت في الأرض من شدة الحر، نسأل الله السلامة والعافية.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} أَيْ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ، وَزُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ عَمَلِهِمْ قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بن أبي ابن سَلُولٍ وَرِفَاعَةُ بْنُ التَّابُوتِ وَزَيْدُ بْنُ الصَّلِيتِ  وَالْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو وَمَالِكُ بْنُ دَخْشَمٍ، كَانُوا يَحْضُرُونَ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِذَا سَمِعُوا ذِكْرَ الْمُنَافِقِينَ فِيهَا أَعْرَضُوا عَنْهُ، فَإِذَا خَرَجُوا سَأَلُوا عَنْهُ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ. وَقِيلَ: كَانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَسْتَمِعُونَ مِنْهُ مَا يَقُولُ، فَيَعِيَهُ الْمُؤْمِنُ وَلَا يَعِيَهُ الْكَافِر."

في ذكر مالك بن الدخشم مع هؤلاء كأنه الذي جاء في قصة عتبان، عتبان بن مالك، وكأنهم قالوا: إن فلانًا، يعنون ابن أبي الدخشم هذا وجهه للمنافقين، اتهم بالنفاق، فأنكر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام-، أنكر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام-، هؤلاء المنافقون يحضرون مع النبي عليه الصلاة والسلام- المجالس، فيستفيد المؤمن، ولا يثبت شيء في قلب المنافق، وبهذا يرد على من يقول ويورد من الشبه على السنة أنه قد يكون في الرواة من هو منافق في هذه الأحاديث؛ لأنه يسمعها من النبي عليه الصلاة والسلام- المؤمن والمنافق، لكن المنافق إذا انصرف من عنده عليه الصلاة والسلام- سأل المؤمن ماذا قال ءانفًا؟ كأنه لم يحضر نسأل الله العافية ، فالمنافق لا يمكن أن يثبت الخير في قلبه وهو يبطن الكفر- نسأل الله السلامة والعافية-.

 قد يقول قائل: إنه قد يوجد منافق عليم اللسان، وهذا أكثر ما يخشى على الأمة، الذين ينظرون في النصوص، ويتبعون المتشابه، ويجادلون ويناظرون من لم يرسخ قدمه في العلم، وقد يغلبونهم في الحجة، لكن في وقت الراوية وفي عصر الراية لا يمكن أن يثبت الخبر النبوي في قلب منافق، وهذا من تمام حفظ الله جل وعلا- لدينه، {حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ءانفا} يعني كأنهم ما حضروه، وهذا من حفظ الله جل وعلا لهذا الدين.

طالب:....حديث عتبان ..

نعم.

طالب :....

والله يحتاج إلى نظر، هذا بيان الكلام؛ لأن هذا ما رفع، قال: وهم المنافقون عَبْدُ اللَّهِ بن أبي ابن سَلُولٍ وَرِفَاعَةُ بْنُ التَّابُوتِ وَزَيْدُ بْنُ الصَّلِيتِ أو اللصيت كما جاء في بعض التواريخ وَالْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو وَمَالِكُ بْنُ دَخْشَمٍ.

طالب: ..نسبة من النفاق، لكن...

لا، لا، وظاهره، يقول: وجهه مع المنافقين، فأنكر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام-.

طالب: هذه المسألة بعضهم قد يخشى أماكن وجد فيه من النفاق وهكذا...نصيحتهم...هل يقال: إن هؤلاء ربما .... من الخير شيء انطلاقًا من هذه الآية؟

لا، في وقت الراوية وحفظ الدين ما يحفظون شيئًا، لكن الآن قد يوجد منافق عليم اللسان، قد يوجد منافق ينظر في النصوص، ويهتم بها، ومع ذلك يفهم منها ما يريد على ما يريد، قد يكون هذا، وأما عمل المستشرقين فمعروف، ومن يعمل بآرائهم وتوجيهاتهم ممن يتتبع المتشابه.

طالب: كمنهج سلوكي ....أندية هؤلاء المنافقين..... مناصحتهم أو الاستماع لما يقولون والرد عليه؟

والله على حسب ما يغلب على الظن من المصلحة الراجحة، وعدم وجود أدنى مفسدة؛ لأنه إذا كان يخشى أن يتأثر بهم، أو يخشى أن يقتدى به فيحضرهم من ليس كذلك، نقول له فيه شيء ما حضر فلان ولا فلان، ينظر إلى ذلك بعناية.

" {حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ} أَيْ إِذَا فَارَقُوا مَجْلِسَكَ، {قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} قَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ مِمَّنْ يُسْأَلُ، أَيْ كُنْتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ."

نعم من علماء الصحابة، علماء الصحابة وأجلتهم ابن مسعود وكذلك ابن عباس.

" وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هُوَ أَبُو الدَّرْدَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهُمُ الصَّحَابَةُ {مَاذَا قالَ آنِفاً} أَيِ الْآنَ، عَلَى جِهَةِ الِاسْتِهْزَاءِ. أَيْ أَنَا لَمْ أَلْتَفِتْ إِلَى قوله. و" آنِفاً" يُرَادُ بِهِ السَّاعَةَ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ الْأَوْقَاتِ إِلَيْكَ، مِنْ قَوْلِكَ: اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ إِذَا ابْتَدَأْتَ بِهِ. وَمِنْهُ أَمْرٌ أُنُفٌ، وَرَوْضَةٌ أُنُفٌ، أَيْ لَمْ يَرْعَهَا أَحَدٌ. وَكَأْسٌ أُنُفٌ: إِذَا لَمْ يشرب منها شيء، كَأَنَّهُ اسْتُؤْنِفَ شُرْبُهَا مِثْلُ رَوْضَةٍ أُنُفٍ. قَالَ الشاعر:

وَيَحْرُمُ سِرُّ جَارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ... وَيَأْكُلُ جَارُهُمْ أَنْفَ القصاع"

يعني لا يعطونهم ما يبقى من الطعام، وإنما يعطونهم من أوله الذي لم يؤكل منه.

"قال آخر:

إِنَّ الشِّوَاءَ وَالنَّشِيلَ وَالرُّغُفَ ... وَالْقَيْنَةَ الْحَسْنَاءَ وَالْكَأْسَ الْأُنُفَ

لِلطَّاعِنِينَ الْخَيْلَ وَالْخَيْلُ قُطُفٌ

وَقَالَ امْرُؤُ القيس:

قد غدا يحملني في أنفه أَيْ فِي أَوَّلِهِ. وَأَنْفُ كُلِّ شَيْءٍ أَوَّلُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ: النَّاسُ رَجُلَانِ".

كما أن أنف الإنسان يقع في مقدمته، وأنف كل إنسان يقع في مقدمته، ومن العرب قوم يقال لهم أنف الناقة، وكانوا يعيرون بهذا اللقب، بنو أنف الناقة، امتدحهم بعد ذلك شاعر فصاروا يمدحون به،

 قومٌ هم الأنف والأذناب غيرهم، يعني هذا في المقدمة، وهذا في الآخر، صاروا يمدحون بهذا اللقب، نعم.

طالب: .... أن الأمر هنا، والكلام عن القبلية....

هم يقولون ذلك، هم يقولون.

طالب: هم يقولون..

هم يقولون: إن الأمر مستأنف، يعني كل شيء في وقته.

طالب: ...ابن عمر..

نعم، ما فيه شيء مكتوب.

طالب: نفس المعنى ...

يعني مبتدأ جديد، توبة، هذا هو.

". وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ: النَّاسُ رَجُلَانِ: رَجُلٌ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَ بِمَا سَمِعَ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْقِلْ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا سَمِعَ. وَكَانَ يُقَالُ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَسَامِعٌ عَامِلٌ، وَسَامِعٌ عَاقِلٌ، وَسَامِعٌ غَافِلٌ تَارِكٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ} فَلَمْ يُؤْمِنُوا، {وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ} فِي الْكُفْرِ {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا} أَيْ لِلْإِيمَانِ زَادَهُمُ اللَّهُ هُدًى. وَقِيلَ: زَادَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-هُدًى. وَقِيلَ: مَا يَسْتَمِعُونَهُ مِنَ الْقُرْآنِ هُدًى. أَيْ يَتَضَاعَفُ يَقِينُهُمْ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: زَادَهُمْ إِعْرَاضُ الْمُنَافِقِينَ وَاسْتِهْزَاؤُهُمْ هُدًى."

يعني تمسك بدينهم ما ضرهم ولا خذلهم، ولا أثر فيه إعراض المنافقين، بل زادهم ذلك من التمسك بالدين ولزوم دين الاستقامة، ولزوم ذكر الله وشكره على هذه النعمة التي خصوا بها، وحرم منها هؤلاء الكفار والمنافقون، وهذه من الآيات التي يستدل بها أهل العلم من الآيات الثمان التي يستدل بها أهل العلم على زيادة الإيمان، وذكرها البخاري في صحيحه.

"وَقِيلَ: زَادَهُمْ نُزُولُ النَّاسِخِ هُدًى. وَفِي الْهُدَى الَّذِي زَادَهُمْ أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: زَادَهُمْ عِلْمًا.

زادهم نزول الناس هدى؛ لأنه عند نزول الناس يوجد من تزل قدمه، ويوجد من يشك ويُشكك؛ لأنه لو كان من عند غير الله ما كان بهذه الطريقة يومًا افعل ويومًا لا تفعل، وأما المؤمن الراسخ الذي رسخ الإيمان في قلبه وثبت ووقر الإيمان في قلبه فما يزيد عليه إلا هدى.

" قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ عَلِمُوا مَا سَمِعُوا وَعَمِلُوا بِمَا عَلِمُوا، قَالَهُ الضَّحَّاكُ. الثَّالِثُ: زَادَهُمْ بَصِيرَةً فِي دِينِهِمْ وَتَصْدِيقًا لِنَبِيِّهِمْ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ. الرَّابِعُ: شَرَحَ صُدُورَهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ {وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ} أَيْ أَلْهَمَهُمْ إِيَّاهَا.

وَقِيلَ: فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: آتَاهُمُ الْخَشْيَةَ، قَالَهُ الرَّبِيعُ. الثَّانِي: ثَوَابُ تَقْوَاهُمْ فِي الْآخِرَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. الثَّالِثُ: وَفَّقَهُمْ لِلْعَمَلِ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْهِمْ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. الرَّابِعُ: بَيَّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ، قَالَهُ ابْنُ زِيَادٍ وَالسُّدِّيُّ أَيْضًا. الْخَامِسُ: أَنَّهُ تَرْكُ الْمَنْسُوخِ وَالْعَمَلُ بِالنَّاسِخِ."

يعني هذا فرد من أفراد ما طلب منهم، التقوى أعم، تتمثل في فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات.

". الْخَامِسُ: أَنَّهُ تَرْكُ الْمَنْسُوخِ وَالْعَمَلُ بِالنَّاسِخِ، قَالَهُ عطية. وقال الماوردي: ويحتمل سادسًا: أنه ترك الرخص والأخذ بالعزائم. وقرئ" وَأَعْطَاهُمْ" بَدَلَ" وَآتاهُمْ". وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هَذِهِ نَزَلَتْ فيمن آمن من أهل الكتاب."

طالب: شيخ أحسن الله إليك...

نعم.

طالب: مالك بن دخشم من .......

الأصل أنه يخرج ما دام زكّاه النبي عليه الصلاة والسلام ونهى عن التعرض له.

طالب :....

القصة في الصحيح، قصة عتبان في أوائل كتاب التوحيد، إن كانت قريبة.

طالب :....

 أين يا أبا عبد الله، فتح المجيد قريب؟

طالب :....

 بعيد اليوم؟

طالب: وأخط كتاب...

ماذا؟

طالب: وأخذ كتاب...

 انظر في كتاب فتح المجيد؛ لأنه أقرب من كتب السنة.

طالب :....

 أنت قلت: الأول من صحيح مسلم موجود أم غير موجود؟

طالب: موجود.

ولهما من حديث عتبان...

طالب:.....

ماذا؟

طالب:.....

الشاهد منه: فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، ما ذكر الحديث كاملاً. ما ذُكر الحديث هنا، في الصحيح مائة وثمان وعشرين، انظر فتح الباري الثاني.

طالب: ...........

فتح الباري الثاني، هنا، هنا، ترجع لأسفل فتح الباري رقم اثنين.

 قال: قال عتبان فغدا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر حينا ارتفع النهار فاستأذن رسول الله صلى اله عليه وسلم- فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت فقال: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟» قال: فأشرت إلى ناحية من البيت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم- فكبر، فقمنا فاصطففنا، فصلى ركعتين ثم سلم، قال: وحبسناه على خريزة صنعناها له، قال: فثاب في البيت رجالٌ من أهل الدار ذوو عدل فاجتمعوا فقال قائل منهم: أين مالك بن الدخيشن، أو بن الدخشن، فقال بعضهم: ذاك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقل ذلك، لا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله»، فقال: الله ورسوله أعلم، قال: فإن نور وجهه ونصيحته إلى المنافقين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله».

 انظر هذا ابن الدخشم أو ابن الدخشن؟

طالب:......الدخيشن.

الدخيشن منصوص عليه، الذي قرأناه هذا الدخيشن أو ابن الدخشن، والمنافق المشار إليه هو مالك بن الدخشم، يقوله ابن حجر. يعني الخلاف في الميم والنون هذا أمر يسير، يرد كثيرًا في الأسماء، وهؤلاء الذين ذكروهم من ضمن المنافقين لعلهم اغتروا بما قيل فيه من أن وجهه للمنافقين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} أَيْ فَجْأَةً. وَهَذَا وَعِيدٌ لِلْكُفَّارِ. {فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها} أَيْ أَمَارَاتِهَا وَعَلَامَاتِهَا."

تأتي بغتة بحيث لا يعرف وقتها، وإنما لها أمارات وعلامات وأشراط، لكن وقتها بالتحديد لا يعلمه إلا الله، قال بعض أهل العلم في قوله: { أكاد أخفيها} يعني من نفسي، وأما غير الله جل وعلا فلا يعلمها أحد لا نبي مرسل ولا محمد ولا جبريل ولا غيرهما، بخلاف من يقول على طريقة حساب أهل الجمل: بغتة ألف وأربعمائة وسبعة، أن تأتيهم بغتة يعني ألف وأربعمائة وسبعة، ألف وأربعمائة وسبعة،  في حساب الجمل الباء والغين والتاء والهاء التي هي تاء مربوطة، على أنها تاء، يكون مجموعها ألف وأربعمائة وسبعة، مع النصوص القطعية التي تدل على خفائها على كل أحد إلا الله- جل وعلا-، لا يعلمها إلا الله، لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، ومع ذلك مرت ألف وأربعمائة وسبعة، ومر بعدها عشرون عامًا وثلاثة أعوام، ومع ذلك ما قامت.

 ومنهم من قال: تقوم سنة ألف وأربعمائة، أخذ من حديث: إنما مثلكم ومثل من قبلكم كمثل من استأجر أجيرًا إلى منتصف النهار، ثم إلى العصر، ثم إلى الليل، ووقت هذه الأمة هو وقت العصر، مما يصير ظل  الشيء مثله إلى غروب الشمس، وهو خمس النهار، وعمر الدنيا سبعة آلاف، وخمس السبعة آلاف ألف وأربعمائة، يعني تترك النصوص القطعية من الكتاب والسنة لمثل لهذه الاستدلالات الضعيفة؟ بل العمل بمثل هذا بالحساب على طريقتهم هذا هو صنيع اليهود لما نزل الحروف المقطعة في سورة البقرة ألم قال اليهود: كيف نتبع نبيًّا مدته سبعون عامًا، الألف واللام والميم سبعون، كيف نتبع نبيًّا مدة بقائه سبعون عامًا؟ هذه طريقة اليهود.

طالب:...كل حرف سنة...؟

لا، لا، كل حرف له مقدار من السنين، إذا قطعت الحروف أبجد هوز كلمن إلى آخره، ثم وضعت أمام كل حرف رقمًا، يعني إلى عشرة آحاد، ثم بعد العشرين عشرين، ثلاثين، أربعين، إلى مائة، ثم بعد ذلك مائتين، ثلاثمائة، أربعمائة إلى آخره، تطلع النتائج التي ذكروا، لكن مع ذلك هذا غير معتمد في الشرع.

طالب: ....

هو يعتمدها أهل العلم في تواريخ وفي تسطير بعض الحوادث يؤرخون به، ويقول: مات فلان كذا، ومضى البخاري في نور يعني نور في حساب الجمل مائتين وست وخمسين سنة وفاة البخاري، لكن يقضى به على نصوص قطعية، هذا كلام لا يقوله متدين.

طالب:....

لا، لا.

"وكانوا قد قرأوا في كتبهم أن محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، فَبَعْثُهُ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَأَدِلَّتِهَا، قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-«بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ»، وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى، لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَيُرْوَى: «بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَفَرَسَيْ رِهَانٍ»".

لا بد من الإتيان بضمير الفصل كما في رواية الشيخين: «بعثت أنا والساعة».

"وَقِيلَ: أَشْرَاطُ السَّاعَةِ أَسْبَابُهَا الَّتِي هِيَ دُونَ مُعْظَمِهَا. وَمِنْهُ يُقَالُ لِلدُّونِ مِنَ النَّاسِ: الشَّرَطُ".

يعني غالبًا أن الشُّرط والشَّرط في المجتمعات ومجتمعاتهم يحصل فيها شيء من التكاسل والتراخي؛ لأنهم يكلفون بأعمال، وفي أوقات قد يتركون من أجلها الصلاة مع الجماعة، وقد يتساهلون في بعض الأمور يتجوزون، ويتأولون، فلذا صاروا في المجتمعات من حيث التدين في الغالب أقل فينص الفقه، ومر بكم في الزاد: تصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما، الغالب أن المجتمع الشرطي من هذا النوع؛ لأنهم يكلفون بأعمال يتركون بسببها بعض الواجبات وهم على ثغر وعلى خير، إن شاء الله تعالى، لكن عليهم ما على غيرهم من التزام الوجبات وترك المحرمات، ولذا يقول: وَمِنْهُ يُقَالُ لِلدُّونِ مِنَ النَّاسِ: الشَّرَطُ".

" وَقِيلَ: يَعْنِي عَلَامَاتِ السَّاعَةِ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ وَالدُّخَان، قَالَهُ الْحَسَنُ أَيْضًا. وَعَنِ الْكَلْبِيِّ: كَثْرَةُ الْمَالِ وَالتِّجَارَةُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَقَطْعُ الْأَرْحَامِ، وَقِلَّةُ الْكِرَامِ وَكَثْرَةُ اللِّئَامِ."

نعم تكثر هذه الأوصاف في آخر الزمان.

" وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابٍ " التَّذْكِرَةِ" مُسْتَوْفًى، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَوَاحِدُ الْأَشْرَاطِ شَرَطٌ."

كواحد الأسباب سبب.

" وَأَصْلُهُ الْأَعْلَامُ. وَمِنْهُ قِيلَ: الشُّرَطُ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ عَلَامَةً يُعْرَفُونَ بِهَا. وَمِنْهُ الشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ:

فَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ بِالصُّرْمِ بَيْنَنَا ... فَقَدْ جَعَلْتِ أَشْرَاطَ أَوَّلِهِ تَبْدُو

وَيُقَالُ: أَشْرَطَ فُلَانٌ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ كَذَا أَيْ أَعْلَمَهَا، وَجَعَلَهَا لَهُ. قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ يَصِفُ رَجُلًا تَدَلَّى بِحَبْلٍ مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ إِلَى نَبْعَةٍ يَقْطَعُهَا لِيَتَّخِذَ مِنْهَا قَوْسًا:

فَأَشْرَطَ نَفْسَهُ فِيهَا وَهُوَ مُعْصِمٌ ... وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وتوكلا

{أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} أَنْ" بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ " السَّاعَةَ" نحو قوله: {أَنْ تَطَؤُهُمْ} من قوله: {رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ}. وقرئ " بَغَتَّةً" بِوَزْنِ جَرَبَّةً، وَهِيَ غَرِيبَةٌ لَمْ تَرِدْ فِي الْمَصَادِر أُخْتُهَا، وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَا أَخْوَفَنِي أَنْ تَكُونَ غَلْطَةً مِنَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَأَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ " بَغَتَةً" بِفَتْحِ الْغَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَشْدِيدٍ، كقراءة الحسن. وروى عن أبو جعفر الرؤاس، وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: " إِنْ تَأْتِهِمْ بَغْتَةً". قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ قَرَأَ: " إِنْ تَأْتِهِمْ بَغْتَةً" كَانَ الْوَقْفُ عَلَى " السَّاعَةَ" ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الشَّرْطَ. وَمَا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ مِنَ الشَّكِّ مَرْدُودٌ إِلَى الْخَلْقِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَكُّوا فِي مَجِيئِهَا "فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها".

الشك من أين يُأخذ من قراءة: إن تأتهم؛ لأن "إن" وإن كانت جازمة إلا أنها غير جازمة، أنا إن شككت وجدتموني جازمًا، الإتيان بإن من حيث المعنى يدل على التردد بخلاف إذا التي فيها الجزم مع عدم الجزم، يعني من حيث المعنى إن ما تجزم، لكن من حيث اللفظ تجزم، وإذا لم تجزم من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى تجزم؛

 أنا إن شككت وجدتموني جازمًا             وإذا جزمت فإنني لم أجزم

" قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ} ذِكْراهُمْ" ابتداء، و"فَأَنَّى لَهُمْ" الْخَبَرُ. وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ فِي " جاءَتْهُمْ" لِلسَّاعَةِ، التَّقْدِيرُ: فَمِنْ أَيْنَ لَهُمُ التَّذَكُّرُ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ، قَالَ مَعْنَاهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: فَكَيْفَ لَهُمْ بِالنَّجَاةِ إِذَا جَاءَتْهُمُ الذِّكْرَى عِنْدَ مَجِيءِ السَّاعَةِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَفِي الذِّكْرَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَذْكِيرُهُمْ بِمَا عَمِلُوهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. الثَّانِي: هُوَ دُعَاؤُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ تَبْشِيرًا وَتَخْوِيفًا، رَوَى أَبَانٌ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «أَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ، فَإِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا فُلَانُ قُمْ إِلَى نُورِكَ، يَا فُلَانُ قُمْ لَا نُورَ لك»، ذكره الماوردي."

من خرجه؟

طالب:... قال: ذكره الماوردي في تفسيره عن أمامة، وعن أنس مرفوعًا، وإسناده ضعيف جدًّا .. أبي عياش قال أحمد ......

يعني ما ذكره إلا الماوردي؟ تخريج غيره؟

طالب: ............. والحديث..... عن أبي داود........

نعم يعني فيه انقطاع، لكن يشهد له حديث أنس. على كل حال "أنَّا لهم" استبعاد الذكرى أن لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة، يعني يستبعد أن يتذكروا، وفي مقدمات الساعة ما يمنع ويحول دون التوبة والرجوع، {لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا}، إذا طلعت الشمس من مغربها فلا إيمان وتوبة.

طالب: أخرجه أبو داود من حديث أبي الدرداء...

""قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ} قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَفِيهِ:وَإِنْ كَانَ الرَّسُولُ عَالِمًا بِاللَّهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: يَعْنِي اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَكَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ."

الأمر بالموجود يأيها الذين آمنوا آمنوا الرسول عليه الصلاة والسلام- يعلم أنه لا إله إلا الله، ويستغفر هذا أمر بالثبات والدوام والاستمرار على هذا العلم وعلى هذا الاستغفار.

" الثَّانِي: مَا عَلِمْتَهُ اسْتِدْلَالًا فَاعْلَمْهُ خَبَرًا يَقِينًا. الثَّالِثُ: يَعْنِي فَاذْكُرْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فعبر عن الذكر بالعلم لِحُدُوثِهِ عَنْهُ. وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عينة أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فَضْلِ الْعِلْمِ فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ حِينَ بَدَأَ بِهِ {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} فَأُمِرَ بِالْعَمَلِ بَعْدَ الْعِلْمِ وَقَالَ: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْو} ٌ إِلَى قَوْلِهِ: {سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد: 21 -20] وقال" {وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 28]. ثم قال بعد: {فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14]. وَقَالَ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41]. ثُمَّ أَمَرَ بِالْعَمَلِ بَعْدُ".

 الصحيح ترجم الإمام البخاري باب العلم قبل القول والعمل، واستدل بالآية :{فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك}، فبدأ بالعلم قبل العمل؛ لأن العلم هو المصحح للقول والعمل، فالقول بالجهل أو العمل على جهل هذا لا ينفع، لا بد أن يعلم ما يريد عمله وما يريد قوله؛ ليعبد الله على بصيرة.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَعْنِي اسْتَغْفِرِ اللَّهَ أَنْ يَقَعَ مِنْكَ ذَنْبٌ. الثَّانِي: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِيَعْصِمَكَ مِنَ الذُّنُوبِ. وَقِيلَ: لَمَّا ذَكَرَ لَهُ حَالَ الْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَمَرَهُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ، أَيِ اثْبُتْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْحَذَرِ عَمَّا تَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تُوجِبُ الْآيَةُ اسْتِغْفَارَ الْإِنْسَانِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ".

لأنه هو الأصل في الأمر، الأمر الأصل فيه الوجوب.

"وَقِيلَ: كَانَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَضِيقُ صَدْرُهُ مِنْ كُفْرِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. أَيْ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا كَاشِفَ يَكْشِفُ مَا بِكَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَا تُعَلِّقْ قَلْبَكَ بِأَحَدٍ سِوَاهُ. وَقِيلَ: أُمِرَ بِالِاسْتِغْفَارِ لِتَقْتَدِيَ بِهِ الْأُمَّةُ. "وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ" أَيْ وَلِذُنُوبِهِمْ. وَهَذَا أَمْرٌ بِالشَّفَاعَةِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سريس الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَكَلْتُ مِنْ طَعَامِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، غَفَرَ اللَّهُ لَكَ! فَقَالَ لَهُ صَاحِبِي: هَلِ اسْتَغْفَرَ لَكَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: نِعْمَ، وَلَكَ. ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ}، ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَنَّهُ الثَّآلِيلُ."

الجُمع هو الكف إذا ضمت أصابعها.

طالب: .....الاستغفار...

ماذا؟

طالب:.......النبي صلى الله عليه وسلم- ....

هذا كله؛ لأن الأصل في طلب للمغفرة لما كان له ذنب والنبي صلى الله عليه وسلم غُفر له دون أن يستغفر ما لزم أن يستغفر، لكن استغفاره من باب الشكر كما أن قيامه حتى تورمت قدماه من باب الشكر عليه الصلاة والسلام-.

"{وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ}".

والناس منازل ومقامات، وبعض الناس يستغفر من أجل ما يرتكبه من كبائر، وبعضهم من أجل ما يرتكبه من صغائر، وبعض الناس لما يرتكبه مما هو خلاف الأولى، أو يستغفر من المكروهات والشبهات، ومجرد خلاف الأولى يستغفر منه بعض الخلص، ومنهم من يستغفر من أجل ضياع أوقاته سدى ما استغله فيما يرضي الله، فيستغفر الله من هذا الضياع، فالناس مقامات.

طالب:...صح الحديث واستغفر للمؤمنين والمؤمنات .........

ما بحثته أنت؟

طالب:........

ماذا؟

طالب :.....

أنت بحثته؟

طالب:....

لا، لا، ماذا عندك؟ ماذا يقول؟

طالب:...الحسن..

ماذا تسأل عنه؟

طالب: نريد رأيك..

نعم، زد تذكر قديمًا أنت، جدد العهد به، وأفدنا، جزاك الله خيرًا.

"فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ فِي تَصَرُّفِكُمْ وَإِقَامَتِكُمْ. الثَّانِي: {مُتَقَلَّبَكُمْ} فِي أَعْمَالِكُمْ نَهَارًا، "وَمَثْواكُمْ" فِي لَيْلِكُمْ نيامًا. وقيل: " مُتَقَلَّبَكُمْ" فِي الدُّنْيَا. " وَمَثْواكُمْ" فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: " مُتَقَلَّبَكُمْ" فِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ إِلَى أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ. " وَمَثْواكُمْ" مَقَامُكُمْ فِي الْأَرْضِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: " مُتَقَلَّبَكُمْ" من ظهر إلى بطن إلى الدُّنْيَا".

ما فيه: إلى الدنيا..؟

طالب: إلى بطن إلى الدنيا..

"مُتَقَلَّبَكُمْ" من ظهر إلى بطن إلى الدُّنْيَا. " وَمَثْواكُمْ" فِي الْقُبُورِ.

قُلْتُ: وَالْعُمُومُ يَأْتِي عَلَى هَذَا كُلِّهِ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ مِنْ حَرَكَاتِ بَنِي آدَمَ وَسَكَنَاتِهِمْ، وَكَذَا جَمِيعُ خَلْقِهِ. فَهُوَ عَالِمٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ قَبْلَ كَوْنِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا أُولَى وَأُخْرَى. سُبْحَانَهُ! لَا إله إلا هو".

الذي يعلم السر وما هو أخفى من السر كيف يخفى عليه شيء من العلانية؟

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} أَيِ الْمُؤْمِنُونَ المخلصون. "لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ" اشْتِيَاقًا لِلْوَحْيِ وَحِرْصًا عَلَى الْجِهَادِ وثوابه. ومعنى " لَوْلا" هَلَّا، {فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ} لَا نَسْخَ فِيهَا. قَالَ قَتَادَةُ: كُلُّ سُورَةٍ ذُكِرَ فِيهَا الْجِهَادُ فَهِيَ مُحْكَمَةٌ، وَهِيَ أَشَدُّ الْقُرْآنِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: " فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ" أَيْ مُحْدَثَةُ النُّزُولِ، {وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ} أي فرض فيها الجهاد. وقرئ {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ وَذَكَرَ فِيهَا الْقِتَالَ} عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْقِتَالِ، {رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أَيْ شَكٌّ وَنِفَاقٌ. {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} أَيْ نَظَرُ مغموسين مُغْتَاظِينَ بِتَحْدِيدٍ وَتَحْدِيقٍ، كَمَنْ يَشْخَصُ بَصَرُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ وَذَلِكَ لِجُبْنِهِمْ عَنِ الْقِتَالِ جَزَعًا وَهَلَعًا، وَلِمَيْلِهِمْ فِي السِّرِّ إِلَى الْكُفَّارِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَوْلى لَهُمْ. طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} "فَأَوْلَى لهم" قال الجوهري: وقولهم: أولى لك، تهدد وَوَعِيدٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:

فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى ... وَهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَبُ مِنْ مَرَدِّ"

اللبن لا يعود في الضرع، اللبن لا يعود.

قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَعْنَاهُ قَارَبَهُ مَا يُهْلِكُهُ، أَيْ نَزَلَ بِهِ. وَأَنْشَدَ:

فَعَادَى بَيْنَ هَادِيَتَيْنِ مِنْهَا ... وَأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ

أَيْ قَارَبَ أَنْ يَزِيدَ. قَالَ ثَعْلَبٌ: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ في" فَأَوْلى" أَحْسَنَ مِمَّا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: يُقَالُ لِمَنْ هَمَّ بِالْعَطَبِ ثُمَّ أَفْلَتَ: أَوْلَى لَكَ، أَيْ قَارَبْتَ الْعَطَبَ. كَمَا رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا كان يوالي رمي الصيد فيفلت منه فيقول: أَوْلَى لَكَ. ثُمَّ رَمَى صَيْدًا فَقَارَبَهُ ثُمَّ أَفْلَتَ مِنْهُ فَقَالَ:

فَلَوْ كَانَ أَوْلَى يُطْعِمُ الْقَوْمَ صِدْتُهُمْ ... وَلَكِنَّ أَوْلَى يَتْرُكُ الْقَوْمَ جُوَّعَا"

يعني أولى ولو كان قريبًا من الفعل، قريبًا من الصيد، لكن ما يشبع القوم أولى. يستفيدون من أولى، يعني كون الصيد أمامه، ثم يحيد عنه شيئًا يسيرًا، هل يفرق هذا بينه وبين أن يكون رميه في جهة بعيدة عن الصيد بالنسبة لإشباع الجائع؟ ما يفرق، يقول: فلو كان أولى يطعم القوم صدتهم، قريب من الصيد، قريب جدًّا من إهلاكه، لكن أولى لا يطعم جائعًا.

"وَقِيلَ: هُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: يَا مَحْرُومُ، أَيُّ شَيْءٍ فَاتَكَ! وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَيْلِ، فَهُوَ أَفْعَلُ، وَلَكِنْ فِيهِ قَلْبٌ، وَهُوَ أَنَّ عَيْنَ الْفِعْلِ وَقَعَ مَوْقِعَ اللَّامِ. وَقَدْ تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: {فَأَوْلى لَهُمْ} قَالَ قَتَادَةُ: كَأَنَّهُ قَالَ الْعِقَابَ أَوْلَى لَهُمْ. وَقِيلَ: أَيْ وَلِيَهُمُ الْمَكْرُوهُ. ثُمَّ قَالَ: {طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} أَيْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أَمْثَلُ وَأَحْسَنُ، وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلِ. وَقِيلَ: إِنَّ التَّقْدِيرَ أَمْرُنَا طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، فَحَذَفَ الْمُبْتَدَأَ فَيُوقَفُ عَلَى: {فَأَوْلى لَهُمْ} وَكَذَا مَنْ قَدَّرَ يَقُولُونَ مِنَّا طَاعَةً. وَقِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِالْأُولَى. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: " لَهُمْ" بِمَعْنَى الْبَاءِ، أَيِ الطَّاعَةُ أَوْلَى وَأَلْيَقُ بِهِمْ، وَأَحَقُّ لَهُمْ مِنْ تَرْكِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ. وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ" يَقُولُونَ: طاعَةٌ". وَقِيلَ: إِنَّ " طَاعَةٌ" نعت ل سورة"، عَلَى تَقْدِيرِ: فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ذَاتُ طَاعَةٍ، فَلَا يُوقَفُ عَلَى هَذَا عَلَى " فَأَوْلى لَهُمْ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ قَوْلَهُمْ: "طَاعَةٌ" إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- عَنِ الْمُنَافِقِينَ. وَالْمَعْنَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، قِيلَ: وُجُوبُ الْفَرَائِضِ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أُنْزِلَتِ الْفَرَائِضُ شَقَّ عَلَيْهِمْ نُزُولُهَا. فَيُوقَفُ عَلَى هَذَا عَلَى "فَأَوْلى".

مبتدأ من لهم طاعة.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ} أَيْ جَدَّ الْقِتَالُ، أَوْ وجب فرض القتال، كرهوه. فكرهوه جواب " فَإِذا" وَهُوَ مَحْذُوفٌ."

لأنه إذا صار القتال عزيمة لا خيار فيه وإلزامًا لا تردد فيه حصل منهم ما حصل.

" وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَإِذَا عَزَمَ أَصْحَابُ الأمر {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ} أَيْ فِي الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ، {لَكانَ خَيْراً لَهُمْ} من المعصية والمخالفة."

اللهم صل على محمد.

"