شرح كتاب الإيمان من صحيح مسلم (29)

عنوان الدرس: 
شرح كتاب الإيمان من صحيح مسلم (29)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح مسلم
تاريخ النشر: 
اثنين 11/ Shawwal/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فيقول الإمام مسلم في صحيحه في الحديث الثاني فيما ذكره من أحاديث عرض الفتن على القلوب.

قال: "وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ" وهو ابن حراش، "عَنْ حُذَيْفَةَ" وهو ابن اليمان، "قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ..." يعني عمر بن خطاب كنا عنده، يقوله حذيفة "فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَالَ قوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ" يعني نعم فتنة الرجل في أهله، وفي ماله، وفي جاره: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] يعني مشغلة عن طاعة الله، ومبخلة تحمل على البخل، ومجبنة، وكل هذه فتن، لكنها فتن يسيرة بالنسبة لما سيُذكر.

 "لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره، قالوا: أجل، قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ" يعني فتن أمرها يسير بالنسبة للفتن العظيمة التي تعصف بالدين وأهله، هذه مَشغلة يمكن أن تقاوَم، وإذا عجز الإنسان فإذا صلى صلاة: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]. في حديث الإمبجانية قال النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «كادت أن تفتنني في صلاتي» يعني تشغله وتلهيه، ومثله انشغال الرجل في أهله وماله وولده، تشغله عما يرضي الله -جَلَّ وعَلا- عن طاعته، وقد تحمله على شيء من معصيته، وهذه فتن بلا شك، لكنها فتن يسيرة بالنسبة للفتن العظمى التي يهتم بها ويعنى بها حذيفة؛ لأنه كان يسأل الرسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، الناس يسألونه عن الخير، وأنا أسأله عن الشر؛ خشية أن يقع فيه.

 قال: "لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره" قد ينشغل الإنسان بجاره عما يهمه، قد يفتتن وينشغل بأهله وولده، وقد يلهث وراء دنياه، وينشغل بها عن دينه. "قالوا: أجل" و"أجل" يعني نعم وزنًا ومعنى. "قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة" من باب {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114].

"وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَذْكُرُ الفتنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟" هناك فتن عظمى يُذهل الناس فيها، تدع الحليم حيران، ويكثر فيها الهرج الذي هو القتل، وجاء أن القاتل لا يدري فيما قَتل، والمقتول لا يدري فيما قُتل! هذه الفتن المهولة، وفي بعض بلاد المسلمين من ذلك شيء مهول.

"ولكن أيكم سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟"، نسأل الله السلامة والعافية. "قَالَ حُذَيْفَةُ: فسكت الْقَوْمُ" ما سمعوا فيها شيئًا، وهذه لا تخضع للرأي والاجتهاد، هذا سماع، نقل عن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-. "فسكت القوم، فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ"، "لِلَّهِ أَبُوكَ" وهذه كلمة مدح، يعني أبوك الذي أتى بك وبمثلك لله دره. "لِلَّهِ أَبُوكَ. فقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ»" الحصير مخصوف من أعواد يُضم بعضها إلى بعض حتى تصير حصيرًا. "«كالحصير عُودًا عُودًا»" الحصير يؤتى بالأعواد، ثم تُنظَم في خيوط يُضم بعضها إلى بعض، فتصير حصيرًا يُجلس عليه، ويستعمله الناس في جلوسهم ونومهم، والنبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أثَّر في جنبه الحصير -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وساده من أدم حشوها ليف، وفراشه الحصير، هذه الأعواد أثَّرت في جنب المصطفى -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أشرف الخلق وأكرم الخلق على الله، واليوم أقل الناس شأنًا ينام على الفرش الوثيرة الناعمة! كل شيء له ضريبة، الذي تعوَّد على النوم على الأرض والحصير والفرش الخشنة ينام على أي حال ما عنده مشكلة، لكن الذي تعود على النوم على الفرش الناعمة إذا فقدها ما ينام، كذلك الجلوس: بعض الناس يجلس على أي حال ولو على حصاة أو على التراب، مثل هذا يرتاح في جلوسه، لكن الذي تعود على الفرش الوثيرة والناعمة إذا لم يجد شيئًا لينًا ما استطاع أن يجلس. وأنا رأيت مجموعة من الناس فيهم طلاب علم كبار وصغار، لكن شف كبار السن جلسوا مرتاحين على الأسفنج الذي ضغطه ثمانون يقرب من الإسمنت من البلوك، ويجلسون ويتحدثون، ولا عندهم أدنى إشكال؛ بينما من دونهم ممن تعود على الشيء اللين عجز، ما استطاع أن يجلس حتى طلب أشياء لينة.

النعم لا تدوم، فعلينا أن نعود أنفسنا على مختلف الأجواء والأحوال. شف الناس لما تعودوا على الكهرباء والمكيفات، مجرد ما ينطفئ المكيف يصحون من النوم، ما كانوا يعرفون هذه الأمور وينامون بدونها. الرسول أشرف الخلق وأكرمهم على الله أثَّر في جنبه الحصير، ووساده من أدم من جلد، وحشوها ليف، يتصور الواحد منكم هذا فراشك يستطيع أن ينام؟ ما يستطيع أن ينام، والله المستعان.

 "«كالحصير عودًا عودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا»" يعني قبلها "«نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ»" قَبِل هذه الفتن، هذا العود قَبِله وأعجبه، يعني هذا النوع من الفتن قَبِله، "«نُكت فيه»" يعني وُضع فيه "«نكتة سوداء، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ»"، وأنت اختبر نفسك، إذا عُرض عليك من خلال هذه الأجهزة شيء مما يغضب الله -جَلَّ وعَلا-، أو يغضب رسوله، أو يخالف الدليل أو شيء فارتحت إليه؛ اعرف أنك قبلت هذه الفتنة، وإذا أنكرته ورفضته وانزعجت منه فاعرف أنك رفضت هذه الفتنة ونكت في قلبك نكتة بيضاء. شف القلب تُعرض عليه الفتن، فإما أن يُنكت بنكت سوداء، وتكثر عليه، وتغلب عليه، أو نكت بيضاء، فتكثر فيه، وتغلب عليه.

جاء عن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنه سيأتي قُراء ليسوا على طريقته ولا على هديه، يستعملون القراءة كما يُستعمل الغناء والألحان، وسمعنا منهم ناسًا، يقول: «مفتونون مفتون من أُعجب بهم»، القراءة إذا لم تكن على هديه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- مؤثرة في القلب، لا على طريقة التمطيط والأغاني ولا... والله تسمع قراء ما تفرق بينهم وبين الذي يغنون، ويتصرفون تصرفات المغنين، وهم يزعمون أنهم يقرءون، هؤلاء مفتونون ومفتون من يعجب بهم. هذه الفتن التي تُعرض على القلوب كالحصير يُضم بعضها إلى بعض حتى تصير حصيرًا، وهذه الفتن ينضم بعضها إلى بعض إما نكت سوداء وإما نكت بيضاء.

"«وأي قلب أنكرها نُكت فيه نكتة بيضاء، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ»" يعني قلوب العباد تصير على قلبين: "«عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا»" «على أبيض» وهذا النوع الذي أنكر هذه الفتن، "«على أبيض مثل الصفا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ» لأنه مثل الصفا، طبيعة الصفا أنه أملس، لا يعلق به شيء، تجيئه الفتن وتزر تروح ما يبقى منها شيء، "«على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا»" «أسود»، اللون الأربد هو الأسود، وإن لم يكن داكن السواد، لكنه أسود ما فيه مجال للبياض. "«على أسود مربادًّا»" بعضهم يرويهم: مُربَئِدًّا، وبعضهم يقول: مُربَدًّا، لكن الرواية في الصحيح: «مربادًّا»، "«كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا»" يعني مقلوبًا، الكوز والإناء إذا كان مقلوبًا، وأردت أن تضع فيه شيئًا مما ينفعك، ومر الخير الذي ينفع العبد وقلبه مجخيًا منكوسًا، ماذا يحفظ له من هذا الخير؟ ما ينتفع بشيء.

 "«كالكوز مجخيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ»"، "«إلا ما أشرب من هواه»" هو عابد لهواه، فما وافق هواه عرفه، وما خالف هواه أنكره.

"قَالَ حُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ «أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا»" بينك يا عمر وبين هذه الفتن باب مغلق، والباب المغلق يعرف عمر من هو، الباب المغلق عمر، السد المنيع دون هذه الفتن. "«أن بينك وبينها بابًا مغلقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ»" يكسر هذا الباب. "قَالَ عُمَرُ: أَكَسْرًا لَا أَبَا لَكَ؟" هناك يقول: "لله أبوك"، وهنا يقول: "أكسرًا لا أبا لك"، كلام يرد على الألسنة إذا جاءت مناسبته من غير قصد لمعناه، لكن هذه مناسبة الكسر يُكسر أم يُغلق؟ إذا أُغلق يوشك أن يُفتح، لكن إذا كُسر انتهى.

"قال عمر: أكسرًا لا أبا لك؟ فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ، قُلْتُ: «لَا بَلْ يُكْسَرُ»، وَحَدَّثْتُهُ: «أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ»"، «ليس بالأغاليط» ليس بألغاز ولا بأحاجي ولا، حديث يقين. "قَالَ أَبُو خَالِدٍ: فَقُلْتُ لِسَعْدٍ: يَا أَبَا مَالِكٍ، مَا أَسْوَدُ مُرْبَادٌّ؟ قَالَ: «شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ»"، "قال: «شدة»" والرواية الأخرى: شبه البياض في سواد، يعني أمغر ليس بأبيض ولا أسود. "قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا؟ قَالَ: «مَنْكُوسًا»".

ثم قال -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ" وهو العدني "قال: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ رِبْعِيٍّ" وهو ابن حِراش، "قالَ: لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَةُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ جَلَسَ، فَحَدَّثَنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْسِ"، "إن أمير المؤمنين أمس" جاء من عند عمر من المدينة، وهم بالمدائن أو بعض جهات العراق، ما معنى "أمس"؟ الذي بعده اليوم؟ في يوم مضى، لا يلزم أن يكون أمس الذي يليه اليوم، وهو مبني على الكسر: أمسِ، وإذا اقترن بأل أو أضيف فإنه يُعرب، وسُمع من يفتحه على الظرفية وهو بدون أل ولا مضاف: أمسَ.

 ولقد رأيت عجبًا مذ أمسَ عجائزًا مثل السعالي خمسة، ما هي السعالي؟

طالب: .......

لا لا، عجائزًا مثل السعالي خمسة. السعالي هو ما يزال مستعملًا، الواحدة سعلوة يسمونه.

طالب: .......

الغيلان التي تتراءى للناس في أسفارهم، وجاء فيها: «إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان».

"فقال: إن أمير المؤمنين أمس لَمَّا جَلَسْتُ إِلَيْهِ سَأَلَ أَصْحَابَهُ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْفِتَنِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ أَبِي مَالِكٍ لِقَوْلِهِ: «مُرْبَادًّا مُجَخِّيًا».

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ" وهو الفَلَّاس "وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْد، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ" حراش بالحاء، وإن كان المنذري في تهذيب السنن قال بالمعجمة، لكنه لم يوافَق على ذلك. "عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ يُحَدِّثُنَا أَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحَدِّثُنَا - وَفِيهِمْ حُذَيْفَةُ - مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْفِتْنَةِ؟ فقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ" الذي تقدم.

"وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ" يعني المسألة ما هي بحكايات، المسألة كلام مضبوط ومتقن، أنقله عن النبي المعصوم -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، "حديثًا ليس بالأغاليط، وَقَالَ: يَعْنِي أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-".

ثم ذكر الإمام مسلم حديث الغربة، ترجم عليه النووي: "باب بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا وأنه يأرز بين المسجدين"، وللإمام الحافظ ابن رجب -رَحِمَهُ اللهُ- شرح مطول على الحديث في جزء سماه: كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة، ينبغي لطالب العلم أن يقرأ هذا الكتاب.

قال: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ -يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ-، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ" أبو حازم الذي يروي عن أبي هريرة اسمه سلمان مولى عَزة الأشجعية، وهناك أبو حازم يروي عن من؟

طالب: .......

لا.

طالب: .......

اسمه سلمة بن دينار.

"عن أبي حازم عن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»" كل شيء ينشأ من ضعف ثم يتقوى ويزيد ثم يزيد ثم يزيد، ثم بعد ذلك السنن الإلهية أنه يعود إلى ما كان عليه.

"«بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»"، «فطوبى للغرباء»، الله -جَلَّ وعَلا- يقول: {طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 29]، طوبى كثير من المفسرين على أنها شجرة في الجنة يسير الراكب فيها مائة عام، وهذا التفسير صحيح، ولكن بحسب السياقات إذا قيل: طوبى لك، قال بعضهم: فرح وقرة عين، وقيل: طوبى نِعمة، إلى غير ذلك من الأقوال التي يحتملها السياق، لكن الكثير على أنها شجرة في الجنة كما قلنا.

«فطوبى للغرباء»، جاء تفسير الغرباء بأنهم نُزاع من القبائل يَصلحون إذا فسد الناس أو يُصلحون ما أفسد الناس. إذا فسد الزمان بفساد أهله، وإلا فالزمان ظرف ساعات وأيام وليالٍ ما يُنسب إليه شيء، قلنا: إذا فسد الزمان يعني بفساد أهله. في الحديث في السنن حسنه الإمام أحمد وغيره: «أن للعامل عند فساد الزمان أجر خمسين»، قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: «منكم»، وهذا لا يدخل فيه شرف الصحبة وأجر الصحبة، إنما هو مجرد الأعمال غير الصحبة وشرف الصحبة؛ لأن الصحابة لا يلحقهم أحد في هذه المزية.

«فطوبى للغرباء» يَصلحون إذا فسد الناس، أو يُصلحون ما أفسد الناس. ولا شك أن النفع المتعدي أفضل من اللازم؛ لأنه في النفع المتعدي له أجر نفسه، وأجر من عمل بالهدى الذي كان هو بسببه: «من دل على هدى فله مثل أجر صاحبه».

"وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ" محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر العمري، منسوب إلى عمر بن الخطاب، "عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ" يعني جده، "عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ»" «يأرز» يجتمع وينضم «بين المسجدين»؛ المسجد الحرام بمكة، وهذا المسجد، مسجد النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، "«كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا»" تنضم وتنطوي على نفسها.

ثم قال: "حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبِي، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا»" يعني يرجع ويأوي إلى هذه المدينة الشريفة التي جاء الحث على سكناها، وفضل من يسكنها، ومن يصبر على لأوائها وشدتها، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.

قد يقول قائل: النصوص صحيحة في مكة والمدينة، والصلاة بمكة بمائة ألف صلاة، وبالمدينة بألف صلاة.

لماذا تركهما الصحابة وذهبوا إلى الأمصار، منهم من ذهب إلى العراق، ومنهم من ذهب إلى الشام، ومنهم من ذهب إلى مصر، وذهبوا إلى المغرب، وتعدوا العراق إلى المشرق، والنصوص صحيحة، صلاة فرض في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، خمس وخمسون سنة فرض واحد، ونحن نسمع ونقرأ في سير خيار الأمة، وأنهم انتقلوا إلى الأنصار، انتقلوا لدعوة الناس وتعليمهم، وبهم حفظ الله الدين، وبسببهم انتشر وبلغ الآفاق، ولا شك أن مثل هذه الأعمال أفضل وأعظم أجرًا من الأعمال التي يعملها الشخص في نفسه، أما شخص ليس له نفع، ووجوده مثل عدمه فيحرص على مثل هذه الأمور، وأما الذي ينفع الناس، ونفعه في أي بلد من البلدان أكثر فمثل هذا أفضل له أن ينتقل إلى البلد حيث ينفع.

ثم ذكر الإمام مسلم ما يدل على ذهاب الإيمان في آخر الزمان، فقال: "حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قال: أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ، اللهُ»" جاء في الحديث الصحيح أنه «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة»، وهنا: "«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ، اللهُ»".

ثم قال: "حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ" معمر بن راشد، "عَنْ ثَابِتٍ" ابن أسلم البناني، "عَنْ أَنَسٍ" ابن مالك، "قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللهُ، اللهُ»"، وتقدم الحديث أنه «لا تزال طائفة على الحق منصورة من هذه الأمة حتى تقوم الساعة»، وقيام الساعة قُرب قيامها، قيام الساعة في حديث الطائفة المنصورة قُرب قيامها، والحديث هذا باقٍ على أصله: لا تقوم إلا على شرار الخلق، فتأتي ريح من اليمن تقبض أرواح المؤمنين حتى لا يبقى إلا الأشرار، ومن هؤلاء المؤمنين الذين تُقبض أرواحهم هذه الطائفة المنصورة؛ فلا تعارض.

ثم قال -رَحِمَهُ اللهُ- فيما يكون في آخر الزمان أن المسلم يَسْتَسِر ويختفي بدينه، قال: "حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ" وهو الضرير محمد بن خازم، "عَنِ الْأَعْمَشِ" سليمان بن مِهران، "عَنْ شَقِيقٍ" شقيق بن سلمة، "عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: «أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الْإِسْلَامَ»" يعني كم الناس الذين يتلفظون بالإسلام؟ يعني كم المسلمون؟ كم عددهم؟ «أحصوا لي»، "قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائةٍ؟" عدد كبير: "ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة" ما يدرون أن العدد سيصل إلى المليار ونصف أو يزيدون، عندهم من قوة الدين وقوة الإيمان ما يحملهم على هذا الكلام، ثقة بالله -جَلَّ وعَلا-: "أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟" قد يُقتل في مثل هذه الأيام وفي أيام الفتن أعداد هائلة، في بغداد يوم فتنة التتار مليون وثمانمائة ألف قُتلوا في ثلاثة أيام، "أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟".

 جاء في روايات أنهم وصلوا إلى الألف والخمسمائة، ومنهم من قال: الستمائة والسبعمائة الرجال المقاتلون والألف والخمسمائة يشمل النساء والأطفال، ما يُخاف على هذا العدد، العدد كبير. "قَالَ: «إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا»، قَالَ: فَابْتُلِيَنَا حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا"، جاء في آخل الزمان أنه مع كثرتهم الهائلة أنه يصابون بالوهن، وأن الأمم تداعى عليهم كما هو الحاصل، قالوا: أمن قلة يا رسول الله؟ قال: «لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل»، شف الستمائة إلى السبعمائة ما أثرهم في الأرض، وفي الناس، وانظر إلا المليار والنصف انظر أثره وموقعهم من الناس.

"حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرًّا": في الأندلس لما تسلَّط النصارى على المسلمين حتى أمروهم بخلع أبوابهم أبواب البيت؛ من أجل أن يتمكنوا في أي وقت يريدون الدخول عليهم، فصاروا يباغتونهم، فمن وجدوه يصلي قتلواه، فاضطر المسلمون أن يستفتوا من علماء المغرب كيف يتوضأون وكيف يصلون؟ فأُفتوا بأنه لا مانع في مثل هذه الحالة أن يجعل الرجل يديه خلف ظهره كأنه يحك ظهره، وهو يمسح الجدار يتيمم، ثم يصلي بالإشارة وهو جالس بحيث لا يحس من يراه أنه يصلي.

"فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرًّا"، أهوال مرت بالأمة في الأندلس، وفي بغداد أيام فتنة التتار، وفي دمشق أيام فتنة تيمور، والتاريخ يعيد نفسه، شف ماذا يحصل للمسلمين في هذه الأيام، والله المستعان.

"«لعلكم أن تُبتلوا»، قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرًّا"، في بعض البلاد التي تنتسب إلى الإسلام إذا رأوا النور في آخر الليل يوقد يُستدعى صاحب البيت، كل هذا سببه البعد عن دين الله -جَلَّ وعَلا- وارتكاب معاصيه، وارتكاب ما يغضبه، الله -جَلَّ وعَلا- يغار.

يقول الشارح: («أحصوا» معناه: عدوا، وقد جاء في رواية البخاري: «اكتبوا»، وقوله- صلى الله عليه وسلم-: «كم يَلفظ الإسلامَ» هو بفتح الياء المثناة، و«الإسلامَ» منصوب مفعول «يلفظ» بإسقاط حرف الجر) يعني منصوب بنزع الخافض، أصله: بالإسلام، فلما حُذف الخافض الباء نُصب. (أي يلفظ بالإسلام، ومعناه: كم عدد من يتلفظ بكلمة الإسلام، و«كم» هنا استفهامية، ومفسَّرها محذوف وتقديره: كم شخصًا يلفظ بالإسلام، وفي بعض الأصول «تلفظ» بفتح مثناة من فوق وفتح اللام والفاء المشددة، وفي بعض الروايات للبخاري وغيره: «اكتبوا من يلفظ بالإسلام، فكتبنا»، وفي رواية النسائي وغيره: «أحصوا لي من كان يلفظ بالإسلام»، وفي رواية أبي يعلى الموصلي: «أحصوا كل من تلفظ بالإسلام».

وأما قوله: «ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة»، فكذا وقع في مسلم وهو مُشكِل من جهة العربية، وله وجه وهو أن يكون مائة في الموضعين منصوبًا على التمييز على قول بعض أهل العربية، وقيل: إن مائة في الموضعين مجرورة على أن تكون الألف واللام زائدتين) فيكون ست مضافًا، ومائة مضافًا إليه.  

(على أن تكون الألف واللام زائدتين، فلا اعتداد بدخولهما، ووقع في رواية غير مسلم: «ستمائة إلى سبعمائة» وهذا ظاهر، ولا إشكال فيه من جهة العربية، ووقع في رواية البخاري: «فكتبنا له ألفًا وخمسمائة، فقلنا: أتخاف ونحن ألف وخمسمائة»، وفي رواية للبخاري أيضًا: «فوجدناهم خمسمائة»" يعني بدون ألف، "وقد يقال: وجه الجمع بين هذه الألفاظ أن يكون قولهم: «ألف وخمسمائة» المراد به النساء والصبيان والرجال، ويكون قولهم: «ستمائة إلى سبعمائة» الرجال خاصةً، ويكون «خمسمائة» المراد به المقاتلون)، يقول النووي: (وهذا الجواب باطل برواية البخاري في أواخر كتاب السير في باب كتابة الإمام الناس قال فيها: «فكتبنا له ألفًا وخمسمائة رجل»، والجواب الصحيح إن شاء الله تعالى أن يقال: لعلهم أرادوا بقولهم «ما بين الستمائة إلى السبعمائة» رجال المدينة خاصةً، وبقولهم: «فكتبنا له ألفًا وخمسمائة» هم مع المسلمين حولهم.

 وأما قوله: «ابتلينا فجعل الرجل لا يصلي إلا سرًّا»، فلعله كان في بعض الفتن التى جرت بعد النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فكان بعضهم يُخفي نفسه ويصلي سرًّا؛ مخافة من الظهور والمشاركة في الدخول في الفتنة والحروب)، يعني يختفي في بيته، ولا يخرج؛ لئلا يُجبر على المشاركة في حروب لا تجوز أو لا يُدرى ما الحامل عليها، فالدخول فيها حينئذٍ الاعتزال عنها واجب، وحينئذٍ يلزم الإنسان بيته فلا يخرج؛ لئلا يُلزم ويجبر على المشاركة في هذه الحروب.

ثم قال -رَحِمَهُ اللهُ- في باب من تألف قلب من يُخاف على إيمانه لضفعه، والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع.

قال -رَحِمَهُ اللهُ-: "حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ" سفيان هنا؟ "ابن أبي عمر" العدني، و"سفيان" هنا ابن عيينة، لماذا؟ لأنه ليس بينه وبين الإمام مسلم إلا واحد، والضابط عند الحافظ الذهبي إذا كان السفيان ما نُسب ولا يُدرى أهو ابن عيينة أو الثوري، إذا كان بينه وبين الإمام من المؤلفين واحد يكون سفيان بن عيينة؛ لأنه متأخر، وإذا كان بينه وبين الأئمة اثنان فهو الثوري؛ لتقدمه على ابن عيينة.

"عن الزهري، عن عامر بن سعد" يعني ابن أبي وقاص "عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَسْمًا" يعني وزَّع على الناس ما يأتيهم من الغنائم، "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِ فُلَانًا" وفي رواية البخاري: ما لك عن فلان؟ "فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ" وفي رواية البخاري: وإني لأُراه مؤمنًا، "فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَوْ مُسْلِمٌ» أَقُولُهَا ثَلَاثًا، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلَاثًا «أَوْ مُسْلِمٌ»" لماذا؟ لأن الإيمان خفي، والإسلام ظاهر، فأنت اجعل حكمك على الظاهر، "فإنه مؤمن، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أو مسلم» أقولها ثلاثًا، ويرددها علي ثلاثًا"، وفي رواية البخاري: أعطى رهطًا وسعد جالس، عن سعد بن أبي وقاص قال: أعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- رهطًا وسعد جالس، فقلت له: ما لك عن فلان؟ وسعد جالس، ما قال: أنا جالس، هو الراوي، قالوا: هذا يسمى تجريدًا، كأن سعدًا جرَّد من نفسه شخصًا تحدث عنه، يسمونه تجريدًا.

"فقلت: يا رسول الله: أعط فلانًا"، وفي البخاري: ما لك عن فلان، فإني لأُراه مؤمنًا، وهنا يقول: "فإنه مؤمن، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أو مسلم» أقولها ثلاثًا ويرددها علي ثلاثًا: «أو مسلم»، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ»" النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- حينما يعطي ينظر في مصلحة الرجل من جهة دينه، فإن كان إذا لم يُعط يخشى عليه من أن يرتد، أو يقول كلامًا يُخرجه من الدين، كما يفعل بعض الناس، إن أُعطي من حطام الدنيا وفَّى للإمام، وإن لم يُعط لم يفِ. الأنصار في غزوة حنين لما قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- الغنائم وأعطى الناس كلهم، أعطى القبائل عطاء من لا يخشى الفقر، أعطاهم وأكثر. ترك الأنصار ما أعطاهم شيئًا، فكأنهم وجدوا في أنفسهم وبلغه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، قال: «يا معشر الأنصار، ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟»، الناس يرجعون بالمال، بالحطام وأنتم ترجعون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتجدون في أنفسكم -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-؟ فقالوا: رضينا، فرضوا بالأثرة في أمر الدنيا، واكتفوا بالرسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- ونعم الغنيمة، غنيمة لا تضاهيها الدنيا بحذافيرها.

هذا وكله النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- إلى إيمانه؛ لأنه ما يخشى عليه، وأعطى أناسًا أقل منه؛ لأنه يخاف على إيمانه؛ لضعفه، فأعطاهم؛ تقوية لإيمانهم، وترك هذا؛ لأنه ما يخشى عليه.

ثم قال: "حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ" الزهري "عَنْ عَمِّهِ" محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الإمام المشهور، "قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ" هذه موافقة لرواية البخاري: "أعطى رهطًا وسعد جالس فيهم"، قلنا: مثل هذا يسمى تجريدًا، سعد جرد من نفسه شخصًا آخر تحدث عنه.

"قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ" يعني أفضلهم وأولاهم بالعطاء والبر؛ لما يتمتع به من دين وإيمان، "وهو أعجبهم إلي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا" هذه مطابقة لرواية صحيح البخاري، "فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَوْ مُسْلِمًا»، قَالَ: فَسَكَتُّ" يقول سعد.