شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 22

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 22
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
جمعة 29/ شعبان/ 1438 3:00 م

سماع الدرس


المقدم:

بسم الله الرحمن الرحيم.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، لا زلنا وإياكم في شرح كتاب الصوم، وبالتحديد في باب قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: «لا نكتب ولا نحسب»، معنا صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً ومرحبًا بكم شيخ عبد الكريم.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: كنا في الحلقة الماضية توقفنا عند قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا نكتب ولا نحسب»، ثم سألنا هل هذا الوصف مستمر أو أنه -صلى الله عليه وسلم- أطلقه في وقته فقط، وبالتالي يرتفع كما انتشر العلم الآن، ولا نعتبر نحن أمة لا نكتب ولا نحسب؟

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الوصف له حقيقة وله حكم؛ فحقيقته خلو النفس من الوصفين الكتابة والحساب، وحكمه استمرار الحكم الشرعي المرتب على الأمية، بمعنى أن الوصف حقيقي في عهده -عليه الصلاة والسلام- لا يكتبون ولا يحسبون، ثم بعد ذلك تعلم الناس؛ لأن الدين الإسلامي دين العلم، وأول ما نزل منه قوله -جل وعلا-: {اقْرَأ} [سورة العلق 1] الأمر بالقراءة، ثم بعد ذلك جاءت الكتابة، فصارت الأمة تقرأ وتكتب، ثم توسعت في العلوم فحسبوا، فارتفع الوصف حقيقة، وبقي حكمه المرتب على الأمية، وهو أننا.

المقدم: لا نكتب.

لا، نعلق حكم دخول الهلال وخروجه بالرؤيا، وإن كتبنا، وإن ارتفع الوصف.

المقدم: يعني لا نعتمد على الحساب في قضية الرؤيا.

ألبتة ألبتة، فارتفاع الحكم الحقيقي لا يعني ارتفاع الوصف الحكمي، فعندنا نظائر في الشرع، تثبت أحكامًا لحكم وعلل، ثم ترتفع هذه العلل ويبقى الحكم؛ الرمل في الطواف سببه قول المشركين يأتي محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، استمر الحكم مع أنه لا يوجد من يقول هذا الكلام، القصر في الصلاة مشروط بالخوف {إِنْ خِفْتُمْ}[سورة النساء 101] ارتفع الخوف وبقي الحكم، المقصود أنه قد يرتفع الوصف ويبقى الحكم، فالحكم المعلق على الأمية وهو تعليق دخول الهلال وخروج الهلال ودخول الشهر وخروجه برؤية الهلال، والأصل فيها العين المجردة -كما مضى- التي يدركها كل مسلم مطالب بهذه العبادات؛ لأنه {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [سورة الطلاق 7]، ولا يلزم أن نتخذ ما يعيننا من آلات ليس بلازم على رؤية الهلال، لكن من استعمل هذه الآلات وقت وجودها من غير مشقة في طلبها لا مانع من أن يستعمل مكبرات درابيل أو غيرها؛ لأنه ما تغير من الحقيقة شيء، وإنما تعين على الإدراك، والذي لا يستطيع إيراد أو استعمال هذه الأشياء فالأصل عدمه.

الأخ الحاضر: أحسن الله إليك بالنسبة للأمة الأمية، هل هي مذمومة مطلقًا أم المسألة تحتاج إلى تفصيل، الأمية؟

الأمية إن كان المراد بها خلاف العلم، فالعلم مطلوب شرعًا، العلم ومن لازمه القراءة والكتابة، فهذا مطلوب شرعًا، فما يقابل المطلوب شرعًا يكون.

المقدم: مطلوبًا شرعًا.

ما يقابله ويخالفه.

المقدم: ما يخالفه مذموم.

مذموم، لكن ما الأمية المذمومة؟ وما العلم المحمود؟

المقدم: الشرعي.

العلم المراد به في النصوص العلم الشرعي المورث للخشية، أما مجرد كون فلان يقرأ ويكتب هو كمال بالنسبة له، لكن يبقى أنه ليس بممدوح قد يكون مباحًا إذا كان يستعين به على أموره المباحة، وإذا كان يستعين به على أمور العلم المطلوبة شرعًا صار مطلوبًا، العكس إذا كان يستعين به على علوم محرمة صار محرمًا، كما قال الحافظ الذهبي -رحمه الله- يقول: والله إن العيش خلف أذناب البقر خير من علم ابن عربي وأمثاله، يعني كون الإنسان يعيش أميًّا لا يقرأ ولا يكتب .

المقدم: أفضل من هذا العلم السيئ.

بلا شك.

المقدم: نعم لا زلنا في أحكام الحديث، أحسن الله إليك يا شيخ.

ما زلنا فيه نقول...........

في تفسير النيسابوري نظام الدين القمي المتوفَّى سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة، وهي السنة التي توفي فيها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وهذا التفسير في جملته مختصر من تفسير الرازي، وفيه إضافات من كتب التفسير الأخرى لاسيما الكشاف، وله عناية أيضًا بالأحكام الوقوف وبعض الأحكام المتعلقة بعلوم القرآن، وهو أيضًا من التفاسير بالرأي، وجملته مأخوذ من الرازي، والكتاب في الجملة جيد.

المقدم: القمي هكذا.

نعم القمي نسبة إلى قم.

المقدم: ما اتهم هذا بناء على اسمه؟

هو اتهم بالتشيع أخذًا من هذه النسبة؛ لأن قم سكانها من هذه الطائفة، أيضًا أخذوا من آخر كلامه في الكتاب شموا منه رائحة التشيع، يعني قال في آخره.

المقدم: في آخر الكتاب وإلا فبقية الكتاب سليم.

سليم إلى حد ما هو يشبه التفاسير بالرأي إلى حد ما، وبحوثه الكلامية تقرب من بحوث الرازي، والرازي في باب الصحابة دعنا من باب القدر جبري، في باب الأسماء والصفات أشعري، هو أشعري يعني هو منظر الأشعرية، وهو جبري في باب القدر، وهذا يقرب منه ويرد عليه في هذه المسائل.

المقدم: لكن قلت: الرازي في كتاب الصحابة ماذا؟

يعني محسوب على أهل السنة باعتبار مقابلة الشيعة في هذا الباب، في آخره يقول: وإني أرجو من فضل الله العظيم وأتوسل إليه بوجهه الكريم ثم بنبيه القرشي الأبطحي- مسألة التوسل المحرم هذا منه، ووليه المعظم العلي، وجاء فيه في مواضع كثيرة صلى الله عليه وآله.

المقدم: دون الصحب.

دون الصحب، لكن الصيغة صلى الله عليه وآله.

المقدم: معروفة عندهم أكثر.

وقوله: ووليه المعظم العلي، شم منها بعضهم أنه من تلك الطائفة، لكن لا ننكر أن البيئة لها أثر على الشخص وإن كان لا يتمذهب بالمذهب نفسه؛ لأنه يسمع، يطرق سمعه في كل وقت هذا اللفظ، يعني كما تأثر الشوكاني، كما تأثر الصنعاني في البيئة الزيدية، وهم في الجملة محسوبون على أهل السنة، فلا شك أن البيئة لها تأثيرها، ولذا نجده في آخره يقول: وإني لم أمل في هذا الإملاء يعني تفسيره إلا إلى مذهب أهل السنة والجماعة، فبينت أصولهم ووجوه استدلالاتهم بها وما ورد عليها من الاعتراضات والأجوبة عنها، ومما يشم منه أيضًا رائحة التأثر بالبيئة، ولقد وفقت لإتمام هذا الكتاب في مدة خلافة علي -رضي الله عنه-، لكن قوله: وكنا نقدر إتمامه في مدة الخلفاء الراشدين وهي ثلاثون سنة يبعد هذه التهمة.

المقدم: لأنه يعظم أبا بكر.

يعظم الأربعة كلهم، المقصود في الكلام في الرجل من هذا النوع كلها من استرواحات وميل من مثل هذا الكلام، وهو في نظير تفسير الرازي والتفاسير الأخرى البيضاوي.

الأخ الحاضر: أحسن الله إليك، لو يقال هذا من التشيع الخفيف.... وليس المذموم.

أنا أقول إن هذا من تأثير البيئة، في هذا التفسير في ذكر أوصاف النبي -صلى الله عليه وسلم- في آية الأعراف {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ } [سورة الأعراف 157].

الأخ الحاضر: النبي الأمي.

نعم تسع صفات؛ يقول الأولى الرسالة، والثانية النبوة، والثالثة كونه أميًّا، قال الزجاج: معناه أنه على صفة أمة العرب، قال صلى الله عليه وآله، كذا قال، ولا يمنع أن النساخ يتصرفون، يعني لا يلقى بالتبعة في مثل هذا .

المقدم: على المؤلف فحسب.

على المؤلفين؛ لأن هذا مما يجعله أهل العلم من الدعاء لا من الرواية، يعني افترض ما يوجد صلى الله عليه وآله وسلم أصلاً، فللقارئ أن يقول: صلى الله عليه وسلم، للكاتب يضيف صلى الله عليه وسلم، ومثلها عز وجل وسبحانه والترضي عن الصحابة والترحم على غيرهم؛ لأن هذا من باب الدعاء عند أهل العلم، فلا يتقيد به، فلا يمنع أن من النساخ أن يكون كتب على هذه الصيغة، المقصود أن الكتاب لا يُمدح بإطلاق، فهو يحذو حذو الرازي، والرازي فيه من الشبه ما يوصى طالب العلم المتوسط بعدم النظر فيه؛ لأنه يثير الشبه، ويضعف عن الإجابة عنها، فطالب العلم لا ينبغي أن يقرأ في مثل هذه الكتب عن المتوسط، أما المنتهي الذي يدرك الأخطاء وأعظم الأخطاء في الاعتقاد وما يتعلق بالله -جل وعلا- فهذا الذي يدرك ليبين الحق، ويرد على المخالفين، هذا من أفضل الأعمال، هذا نوع من الجهاد، يقول: الثالثة كونه أميًّا قال الزجاج: معناه أنه على صفة أمة العرب قال -صلى الله عليه وسلم-: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وقيل: إنه منسوب إلى الأم أي أنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطًّا ودراسة، وكان هذا من جملة معجزات نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وبيان ذلك من وجوه:

 الأول: أنه كان يقرأ عليهم كتاب الله منظومًا مرة بعد أخرى من غير تبديل، يعني يقرؤه كما هو، أمي لا يقرأ ولا يكتب، يعني يقرأ السورة كاملة ثم يعيدها من غير زيادة ولا نقصان على نفس الترتيب، هذه لا شك أنها لابد من التأييد الإلهي، يقول: والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لابد أن يزيد فيها وينقص، فهذا المعنى من مدد سماوي كقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ} [سورة الأعلى 6]، يعني ما أمامه صحف يقرأ فيها، هو يقرأ من حفظه، فالدلالة القطعية من خلال كونه -عليه الصلاة والسلام- يردد السورة مرارًا على من يستمع من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم ولا تأخير مع أنه لا يقرأ ولا يكتب، دل على أنه من الله -جل وعلا-، والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها لابد أن يزيد وينقص، ولذا يسلك بعض الأذكياء من القضاة شيء من هذا، فيجعل المدعي يأتي بكل ما عنده والشيخ يتظاهر بأنه ينعس، ثم يقول له: نعم يا فلان أعد ما قلت، فإني نعست، ثم يعيده إذا وجد خلل في كلامه، هذه تحصل للأذكياء من القضاة.

المقدم: يدل على التناقض.

 لأنه في الأول الشيخ وهو يتظاهر أنه ينعس يسجل ثم إذا اختلف كلامه، يقول: لا أنت قلت كذا ثم قلت كذا طالت القضية أو قصرت، وهذه وقائع حاصلة، وهذا معنى والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لابد أن يزيد فيها وينقص، قد يكون الزيادة والنقص مؤثرًا، قد يكون نقضًا لما قاله أولاً، وهذا خلل في الكلام، وقد يكون مجرد إعادته على صيغة أخرى بحيث يقبله السامع ويفهمه، ولا يمل؛ لأن تكرار الكلام بحروفه من غير كلام الله -جل وعلا- وكلام النبي -عليه الصلاة والسلام- ممل، لكن كلام الله -جل وعلا- الذي لا يخلق مع كثرة الرد لا ينطبق عليه هذا، فالخطيب الماهر والمعلم الماهر إذا رأى أن السامع ما فهم من أول مرة لا مانع أن يعيد، لكن لو أعاده بأسلوب آخر للتوضيح ليكون مقبولاً لا بأس.

الوجه الثاني: يقول: لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهمًا أنه طالع كتب الأولين، ولما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عُرف أنه من السماء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [سورة العنكبوت48] .

الثالث: أن تعلم الخط لا يفتقر إلا إلى فطنة قليلة، ومع ذلك كان الخط مشكلاً عليه، ثم إن الله تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين، الشيء اليسير مشكل على النبي –عليه الصلاة والسلام- ما تعلمه، وهو يحتاج إلى الفطنة القليلة، والله -جل وعلا- آتاه علوم الأولين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من العالمين، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة للعادة كالجمع بين الضدين، يعني الأمر يسير جدًّا، يدركه الأطفال ولا يتيسر له- عليه الصلاة والسلام-، ومع ذلك آتاه الله -جل وعلا- علوم الأولين والآخرين لا شك أن هذا خارق للعادة، الآن لو يتصور عالم من بحور العلم لا يقرأ ولا يكتب، ممكن؟

المقدم: ممكن جدًّا.

يمكن يتصور لا يقرأ ولا يكتب.

المقدم: نعم ممكن.

كيف....؟

المقدم: الضرير.

يقرأ.

المقدم: ما يقرأ يا شيخ ضرير كيف يقرأ؟

الأخ الحاضر: بالتلقي.

نعم، يتلقى لكن لا بد له من مصادر.

المقدم: له مصادر، لكن لا يقرأ ولا يكتب.

مصادر ممن يقرأ ويكتب.

المقدم: له بالسمع لكن هو نفسه لا يقرأ ولا يكتب.

لكن الآن الضرير يقرأ ويكتب.

المقدم: الآن صحيح، لكن في علماء المسلمين في القديم والحديث من لم يقرأ ولا يكتب ولا يعرف يكتب اسمه.

دعنا من كون الإنسان ممتنعًا أو ممنوعًا من الشيء غير كونه مبصرًا ويعجز عن القراءة والكتابة، ثم يكون من بحور العلم.

المقدم: نعم هذا شيء آخر.

هذا غير ممكن، لا نقرأ ولا نحسب تفسير وبيان لكونهم كذلك، يقول الكرماني: فإن قلت العرب فيهم الكاتب.

المقدم: عفوًا يا شيخ ألم يوجد في الصحابة من هذا وصفه هذا أيضًا؛ لأن وصف هذا إطلاقًا قد يكون صعبًا؟

كيف؟

المقدم: ألم يوجد في الصحابة من هو مبصر ولا يقرأ ولا يكتب وهو من بحور العلم؟

حفظ يعني تلقى.

المقدم: نعم من كبار علماء الأمة ومن كبار الصحابة، ألم يوجد؟

لا ما يوجد، مثل من؟

المقدم: يعني كلهم قرأوا وكتبوا؟

كلهم يكتبون.

الأخ الحاضر: سيدنا أبو هريرة لما قال.

 لعبد الله بن عمرو بن العاص.

المقدم: أنه يكتب ولا أكتب.

نعم، هذا حفظ، هذه موهبة الحفظ، لكن الآن ما فيه وسيلة للتعلم إلا عن طريق القراءة والكتابة، فإن قلت: العرب فيهم الكاتب وأكثرهم يعرفون الحساب، يعني عوام المسلمين الحساب البديهي لو تقول له: مائة ومائة وخمسين كم؟ مائتان وخمسون، عادي يقولها، وما هو أدق من ذلك يدركونه، وأكثرهم يعرفون الحساب إن كان المراد الحساب بهذا، قلت: المراد أن أكثرهم أميون أكثر العرب أميون، والحساب هو حساب النجوم وهم لا يعرفونه، قال ابن بطال: أي لا يحسبون بالقوانين الغائبة، وإنما يحسبون الموجودات عيانًا، وقال ابن حجر: ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النذر اليسير، فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤيا؛ لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤيا؛ لرفع الحرج عنهم، يعني لو علق الحكم بالحساب، وتفترض كثير من الأمة في البوادي ليس عندهم من يخبرهم بدخول الشهر، يعني المسألة قبل هذه الاتصالات أو احتمال تنقطع هذه الاتصالات، ولا يوجد من يخبرهم، وليست عندهم مقدمات العلوم ما يحسبون بها كيف يتعبدون؟

الله -جل وعلا- رفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، لماذا؟ لأن الوصف غير مؤثر في الحكم وصف كاشف غير مؤثر في الحكم، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويوضحه قوله في الحديث الماضي: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»، ولم يقل فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، أكملوا العدة ثلاثين يعني ما تُرِك مجال للاجتهادات، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض، ونُقِل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، هذه المسألة سبق بحثها.

 وقال ابن بُذيذة: وهو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنها حدث وتخمين ليس فيها قاطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق؛ إذ لا يعرفها إلا القليل، لو ارتبط الأمر بالحساب ضاق.

لضاق؛ إذ لا يعرفها إلا القليل، ولا نحسب: بضم السين قال ثعلب: حسبت الحساب أحسبه حسبًا وحسبانًا، وفي المحكم حسابة وحسبة، يقول القسطلاني: لم نكلف في تعريف مواقيت ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، إنما رُبِطت عباداتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة لائحة، يستوي في معرفتها الحُسَّاب وغيرهم، ثم تمم -عليه الصلاة والسلام- هذا المعنى بإشارته بيده من غير لفظ، عرفنا أنه أشار بالإشارة التي يفهمها كل أحد بالأصابع المفرودة؛ لأن عندهم حساب بالأصابع لكن غامض، قد لا يعرفه بعض الناس وإن كان معروفًا عندهم، وعدل النبي -عليه الصلاة والسلام- عن هذا بالحساب الواضح بالأصابع المفرودة من أجل ماذا؟

المقدم: إفهام الجميع.

نعم؛ لكي يفهمها الكل حتى الأخرس والأعجمي.

 الشهر هكذا وهكذا قال الراوي: يعني -عليه الصلاة والسلام- مرة تسعة وعشرون ومرة ثلاثون، قال الحافظ: هكذا ذكره آدم شيخ البخاري مختصرًا، وفيه اختصار عما رواه غندر عن شعبة فيما أخرجه مسلم عن ابن المثنى وغيره عنه، بلفظ: الشهر هكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين، أي أشار أولاً بأصابع يديه العشر جميعًا مرتين وقبض الإبهام في المرة الثالثة وهذا المعبر عنه بقوله تسع وعشرون، وأشار مرة أخرى بهما ثلاث مرات من غير قبض وهو المعبر عنه بقوله: ثلاثون، وسبق أنه في المرة الثالثة خنس، في رواية: حبس إبهامه.

المقدم: أحسن الله إليكم، سأعرض عليكم مجموعة من المسائل ربما بقيت في هذا الحديث والحديث عن بعض أحكامها، لكننا نرجئها بإذن الله في الحلقة القادمة؛ حتى نتمكن من ربط أطراف الموضوع، بإذن الله، يعني بهذا نكون أنهينا جل ألفاظ الحديث أو ما يتعلق بألفاظه، بقي شيء في الأحكام يا شيخ في الحلقة القادمة إن شاء الله؟

بقي شيء وهي مسألة واحدة وهي مسألة الإشارة، ودخولها في الطلاق واللعان وإدخال البخاري لهذا الحديث في تلك الأبواب.

 المقدم: إذًا نتحدث في هذه القضية، وهي الحديث عن الإشارة، وهي مسألة مهمة في هذا الحديث، بإذن الله نجعلها في الحلقة القادمة وأنتم على خير، كان معنا صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور بن عبد الله الخضير شكر الله لفضيلتكم، شكرًا لكم أنتم على طيب متابعتكم، لقاؤنا يتجدد بكم بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.