شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 20

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 20
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
جمعة 29/ شعبان/ 1438 3:00 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، نرحب بكم أجمل ترحيب من خلال برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، لا زلنا وإياكم في كتاب الصوم من هذا الكتاب، حيث أكملنا عددًا من الأحاديث وعددًا من الأبواب مع صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، الذي يتولى شرح أحاديث هذا الكتاب. فأهلاً ومرحبًا بكم شيخ عبد الكريم.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: قال المصنف -رحمه الله-: عن أبي بكرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ‹‹شهران لا ينقصان، شهرا عيد، رمضان وذو الحجة››.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فراوي الحديث الصحابي الجليل أبو بكرة نُفيع بن الحارث الثقفي تقدم ذكره في باب: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا } [الحجرات: 9] من كتاب الإيمان، وهذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب شهرا عيد لا ينقصان، والذي في النص «شهران لا ينقصان» شهرا عيد، ولفظ الترجمة مخرج عند الترمذي وغيره «شهرا عيد لا ينقصان» بهذا اللفظ.

 قال أبو عبد الله يعني مما أردف به الترجمة قال أبو عبد الله -المؤلف البخاري-: قال إسحاق: وإن كان ناقصًا فهو تمام، وقال محمد: لا يجتمعان، كلاهما ناقص، يعني في سنة واحدة. يقول ابن حجر: وقع في رواية النسفي وغيره عقب الترجمة قبل سياق الحديث قال إسحاق: وإن كان ناقصًا فهو تمام، وقال محمد: لا يجتمعان كلاهما ناقص، وإسحاق هذا هو ابن راهويه، ومحمد هو البخاري المصنف.

 في قوله: قال أبو عبد الله هذا البخاري بلا إشكال، هو يستعمل الكنية، وهنا قال: وقال محمد، قال ابن حجر: هو البخاري المصنف، ووقع عند الترمذي نقل القولين عن إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، وكأن البخاري اختار مقالة أحمد، فجزم بها، أو توارد عليها. إذا قلنا: إن محمدًا هذا هو البخاري، وهو مأثور عن الإمام أحمد فيما نقله الترمذي عنه، فلعله ما توارد عليه، مع أن المراد بمحمد هل هو المصنف أو ابن سيرين؟ فيه كلام؛ لأن عادة البخاري في الترجمة أولاً هو يكني نفسه، وينقل عن السلف، فنقل عن إسحاق، ثم نقل عن محمد. ابن حجر رجَّح أنه المصنف، قال الترمذي قال أحمد: معناه لا ينقصان معًا في سنة واحدة، وهو معنى ما نقله عن محمد: لا يجتمعان كلاهما ناقص.

 وفي عمدة القاري: قيل المراد من قوله قال: قَالَ مُحَمَّد، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه؛ لِأَن اسْمه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، وَهَذَا نَادِر، لماذا؟ لِأَن دأبه إِذا أَرَادَ أَن يذكر شَيْئا، وَأَرَادَ أَن ينْسبهُ إِلَى نَفسه يَقُول: قَالَ أَبُو عبد الله، بكنيته. يعني مر بنا مرارًا هذا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح)، من صاحب التلويح؟ مغلطاي: هَذَا التَّعْلِيق عَن ابْن سِيرِين. قال العيني: وَالْأَقْرَب- وَالله أعلم- أَنه مُحَمَّد بن سِيرِين.

يعني من طريقة الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- أنه بهذا الترتيب قال أبو عبد الله هو البخاري، قال: إسحاق وقال محمد، لا يكرر اسمه مرة ثانية، هذه الجادة عنده، لكن لا يعني أن الإنسان يجزم بشيء من غير حجة، لكن إذا كانت المسألة مجرد ميل واسترواح من غير اعتماد على أصل، ولذا تردد القسطلاني فقال: وقال محمد هو ابن سيرين أو المؤلف نفسه؛ لأنه ما عنده حجة ترجح، يبقى أن الأصل أن ما في الكتاب الأصل فيه أن ينسب إلى صاحب الكتاب، لكن لم تجرِ العادة بمثل هذا، إذا أراد أن ينسب كلامًا لنفسه كنى نفسه.

 في شرح ابن بطال: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على وجهين:

المقدم: قبل تأويله إذا أذنتم فضيلة الدكتور، ما دمنا انتهينا من شرح تصنيف المؤلف، وردني سؤال قبل أيام من بعض الإخوة يسألون عن منهجكم -حفظكم الله- في شرح الأحاديث، يقول: لاحظنا أن فضيلة الشيخ يبدأ بالحديث قال: راوي الحديث فلان بن فلان، ثم يتكلم عنه، ثم يقول: وقد بوب البخاري لهذا الحديث باب كذا، وهذا خلاف المعهود في كتب بعض الشراح، أنهم يبدؤون بالكتاب ثم يتحدثون عن الراوي.

الشيخ: كيف يبدؤون بالكتاب؟

المقدم: يعني يشرح الباب الذي عنون له المؤلف، مثل البخاري: باب كذا، ثم يتكلم عن هذا الباب، ثم يبدأ في شرح الكلام عن الراوي والحديث.

الشيخ: هو الكلام عن الراوي باعتباره غالبًا يكون مختصرًا جدًّا، والمختصر يُفرغ منه ويُنتهى منه، وكثيرًا ما نحتاج في الترجمة وشرح الترجمة وربط الحديث بالألفاظ، فيكون الكلام مترابطًا؛ لأن لو تكلمنا عن الترجمة في البداية، واحتجنا إلى توضيحها مما في النص، ثم أتينا إلى ترجمة الراوي، لو بدأنا بترجمة المؤلف الذي هو العنوان -عنوان الباب- لو بدأنا بها، واحتجنا إلى شيء من ألفاظ الحديث لبيانها، ثم ترجمنا للراوي، ثم بعد ترجمة الراوي عدنا إلى ألفاظ الحديث، صار فيه فاصل، فنبدأ بالترجمة، وعادة الذي ينتهي ولا ارتباط له بغيره يُبدأ به، نفرغ منه.

المقدم: وهذا منهج ابن حجر في الفتح يا شيخ؟

الشيخ: لا، ما يلزم، لا، ابن حجر يبين؛ لأنه لا يعتني بالتراجم كثيرًا إلا التراجم المشكلة، أو المختلف فيها، وإلا الشرح كلهم في موضعه يمشون على الترتيب كلمة كلمة، لكن أنا لا أريد الفصل بين المعلومات المترابطة، والترجمة لا ارتباط لها بالحديث، ترجمة الراوي يُفرغ منها ويُتفرغ للحديث.

المقدم: إذن؛ الخلاف في الحديث -كما تفضلتم- تقول.

نعم، في شرح ابن بطال، يقول: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على وجهين، فذكر أحمد بن عمرو البزار أن معناه: لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة، وهو معنى أيش؟ ما في الترجمة قال محمد: لا يجتمعان، كلاهما ناقص، وما نقله الترمذي عن الإمام أحمد، ومغلطاي في هذا الموضع أيضًا زعم أن أحمد في كلام الترمذي هو البزار، لما؟ الترمذي نقل عن أحمد.

المقدم: هذا يقول: إنه أحمد البزار، مغلطاي.

الشيخ: عندنا: لا يجتمعان كلاهما ناقص، في البخاري عندنا قال: محمد، وهل هو المؤلف أو ابن سيرين؟ احتمال. البزار أيضًا له هذا الاختيار، نُقل عنه بالإسناد، ثبت عنه هذا، والإمام الترمذي عزا هذا القول لأحمد، فزعم مغلطاي أن المراد بأحمد في كلام الترمذي هو البزار، نسبته للبزار موجودة عند قاسم في الدلائل، قاسم، عندنا ثابت بن قاسم، وابنه قاسم لهما كتاب الدلائل في غريب الحديث، وهو من أنفس ما كُتب في هذا الباب، من أنفس ما كُتب، طُبع قسم منه محقق، وبقيته لم يطبع، يعني من أجود كتب الغريب.

المقدم: لم يُطبع، موجود يا شيخ، أم لم يُعثر عليه؟

الشيخ: فيه قطع موجودة، لكن كماله ما أدري والله، هل يوجد نسخة كاملة للكتاب من أوله إلى آخره؟ ولذلك تجد أحيانًا الشراح: قال قاسم في الدلائل، وأحيانًا يقولون: قال ثابت في الدلائل، وهو للاثنين للابن والأب، فذكر قاسم هذا في الدلائل هذا القول عن أحمد بن عمرو البزار أن معناه لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة، وهذا أيضًا نقله ابن بطال.

قال المهلب: وقد روى زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يومًا»، هذه الرواية لو صحت.

المقدم: المراد: ما يجتمعان، ما يجتمعان.

الشيخ: نعم، ما يمكن لسنة ثمانية وخمسين يومًا.

والوجه الثاني: قال المهلب: معناه أنه لا ينقص عند الله -تعالى- أجر العاملين فيهما، وإن كانا ناقصين في العدد.

وفي المعتصر، المعتصر لأبي المحاسن يوسف بن موسى  الحنفي من المختصر للقاضي أبي الوليد الباجي من مشكل الآثار للطحاوي؛ لأن عندنا أصل، مشكل الآثار للطحاوي، هذا كتاب كبير يبين فيه مشكلات الأحاديث سواء كان المشكل في فهم معناه أو لما يوجد له من معارض مما يسمى مختلف الحديث، هذا المشكل الكتاب الكبير للطحاوي له مختصر للقاضي أبي الوليد الباجي، وهذا المختصر له معتصر مطبوع في مجلدين لأبي المحاسن يوسف بن موسى  الحنفي، يقول: يعني أن العبادة فيهما كاملة تامة في الصوم والحج وإن كانا ناقصين في العدد كما لهما فيهما لو كانا ثلاثين ثلاثين، يعني كاملة تامة مثل كمالها لو كانا ثلاثين ثلاثين، ولا يصح حمله على نقصان العدد؛ لوجود النقصان فيهما عددًا، وفي أحدهما دون الآخر، بمعنى أنهما يجتمعان ناقصان، ويكمل أحدهما وينقص الثاني، يعني يوجد في الواقع، ويحتمل أن يكونا "شهرا عيد لا ينقصان" كان في عام بعينه، يعني في العام الذي تحدث فيه النبي -عليه الصلاة والسلام- يعني نظير ما قيل: في الشهر تسع وعشرون قالوا: إن هذا يحتمل إنه في تلك السنة، ويحتمل أن يكون على الأعم الأغلب؛ لأنهما لا يجتمعان ناقصين في عام واحد إلا نادرًا، والله أعلم.

ويقول الخطابي: إنما كان سبب هذا القول من النبي -صلى الله عليه وسلم-، يعني ما سبب قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «شهرا عيد لا ينقصان»؟ إنما كان سبب هذا القول من النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الناس إنما يكثر كلامهم واختلافهم من السنة في هذين الشهرين وهما شهرا عيد، شهرا عيد فطرهم عند رمضان وحجهم في ذي الحجة، يعني يختلفون في صفر، في القعدة.

المقدم: يعني لتحري الناس لهذين الشهرين؟

الشيخ: نعم؛ لاهتمامهم بهما، لشدة اهتمامهم بهما، لوقوع هاتين العبادتين العظيمتين فيهما؛ لأن الناس إنما يكثر كلامهم واختلافهم من السنة في هذين الشهرين، وهما شهرا عيد فطرهم عند رمضان وحجهم في ذي الحجة، فأعلمهم -صلى الله عليه وسلم- أن هذين الشهرين وإن نقص أعدادهما في مبلغ الحساب فحكمهما على التمام والكمال في حكم العبادة؛ لئلا تحرج أمته، ولا يقدح في صدورهم شك إذا صاموا تسعة وعشرين يومًا. يعني إذا صمنا تسعة وعشرين يومًا، وأتبعناها بست من شوال يعني صمنا كم؟ خمسة وثلاثين يومًا، هل هذا يعادل اثنى عشر شهرًا؟ نعم، ولو نقص، مثل صيام الدهر ولو نقص الشهر، على أن السنة قد تكون ثلاثمائة وخمسين يومًا، قد يكمل شهران، قد يكمل أكثر، على حسب الهلال، وكذلك إن وقع الخطأ في يوم الحج لم يكن عليهم فيه حرج ولم يقع في نسك منه نقص، وقد قيل: معناه- على أن في الحج إشكال سيرد الآن-، وقد قيل معناه: أنه لا يكاد يتفق نقصانهما في سنة واحدة، فإن كان أحدهما ناقصًا كان الآخر تام العدد، قال الأثرم: وكان أحمد يذهب إلى هذا. قلت: وفي هذا نظر، والأول هو وجه الحديث، يعني الأجر كامل سواء كان تسعة وعشرين، تسعة وعشرين، أو ثلاثين، ثلاثين، والأول هو وجه الحديث، والله أعلم.

واستشكل ابن بطال تمام الأجر في شهر ذي الحجة، يعني نقص رمضان متصوَّر، لكن نقص ذي الحجة ما الذي ترتب عليه؟

المقدم: يعني في البداية فيه عبادة ظاهرة وهي عشر ذي الحجة، هذا شيء.

الشيخ: العشر تنقص؟

المقدم: لا، لكن فيها أقول، فيها عبادة ظاهرة وهي عشر ذي الحجة.

الشيخ: نعم، لكن نقص رمضان ظاهر، نقص عشر ذي الحجة فيه نقص؟

المقدم: لا، أيام الحج نفسها.

الشيخ: تنقص؟

المقدم: نفس العبادة، يعني إذا تبقى للإنسان طواف عند أكثر أهل العلم أنه، يعني يوقعوه في أيام ذي الحجة.

الشيخ: «شهرا عيد لا ينقصان»، الشهر يصير تسعة وعشرين أو ثلاثين. ما أثر هذا على الحج؟

المقدم: أثره واضح، الحج يا شيخ، الذي يبقى له طواف، ألم يقل الفقهاء بأنه يوقعه في أيام ذي الحجة؟ الذبح له أن يؤخره خلال أيام ذي الحجة؟

الشيخ: الذبح؟ لكن هل هناك أمد لنهاية الطواف؟

المقدم: ما قال بعضهم؟

الشيخ: قال بعضهم، لكن ما أثر هذا على نقص الشهر وزيادته؟

المقدم: إذا كان عنده ثلاثون يومًا يا شيخ، زاد عنده، اتسع العمل فيه، إذا عنده تسعة وعشرون قل.

الشيخ: أليس الآن المرجح نقصان الأجر وزيادته؟ شهر رمضان واضح في هذا.

المقدم: نعم، واضح من خلاله.

الشيخ: لكن ذي الحجة، الأيام العشر عشر، يعني ما تزيد ولا تنقص، شف الإشكال الذي أورده ابن بطال.

استشكل ابن بطال تمام الأجر في شهر ذي الحجة مع نقص الشهر؛ لأن النقص لا أثر له في الحج كأثره في الصوم؛ لأنه يكون تارة تامًّا وتارة ناقصًا، وذو الحجة إنما يقع الحج في العشر الأول منه، فلا حرج على أحد في نقصانه ولا تمامه.

المقدم: هذا استشكله ابن حجر؟

الشيخ: لا، ابن بطال.

المقدم: ابن بطال.

الشيخ: قيل في الجواب عن الإشكال: قد يكون في أيام الحج من النقصان والإغماء مثل ما يكون في آخر رمضان، وذلك أنه قد يغمى هلال ذي القَعدة، ويقع فيه غلط بزيادة يوم أو نقصان يوم، فإذا كان ذلك وقع وقوف الناس بعرفة مرة اليوم الثامن من ذي الحجة، ومرة اليوم العاشر منه.

المقدم: إلى الآن لم يزل الإشكال.

الشيخ: ما زال الإشكال.

وقد اختلف العلماء في ذلك، فقَالَت طَائِفَة: من وقف بِعَرَفَة بخطأ شَامِل لجَمِيع أهل الْموقف في يَوْم قبل يَوْم عَرَفَة أَو بعده أَنه مجزئ عَنهُ، لِأَنَّهُمَا لَا ينقصان عِنْد الله من أجر المتعبدين بِالِاجْتِهَادِ، كَمَا لَا ينقص أجر رَمَضَان النَّاقِص، وَهذا قَول عَطاء وَالْحسن وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، واحْتج أَصْحَاب الشافعي على جَوَاز ذَلِك بصيام من التبست عَلَيْهِ الشُّهُور.

أسير، ولا يعرف متى يخرج الشهر، وقد يُسجن في محل مظلم.

يقول: احْتج أَصْحَاب الشافعي على جَوَاز ذَلِك بصيام من التبست عَلَيْهِ الشُّهُور أَنه جَائِز أَن يَقع صِيَامه قبل رَمَضَان أَو بعده، قالوا: كما يجزئ حج من وقف بعرفة قبل يوم عرفة أو بعده.

وروى يحيى بن يحيى عَن ابْن الْقَاسِم: أَنهم إِن أخطؤوا أو وقفوا بعد يَوْم عَرَفَة يَوْم النَّحْر أنه يجزئهم، لماذا؟ لأنه لا يمكن تداركه، إذا وقفوا في اليوم العاشر خطأً يجزئ، لكن إن وقفوا في الثامن؟ وَإِن قدمُوا الْوُقُوف يَوْم التَّرويَة لم يجزئهم، وأعادوا الْوُقُوف من الْغَد، هذا عند المالكية، وأما من عداهم أنه يجزئ في الثامن والعاشر على حد سواء؛ لأنه إذا وقفوا في الثامن، وتبين لهم الخطأ، يعيدون الوقوف على رأي المالكية، وأما على رأي غيرهم -الجمهور- يقول: خلاص، يجزئ ولا يُعاد، وَهَذَا يخرج على أصل مالك فِيمَن التبست عَلَيْهِ الشُّهُور فصَام رَمَضَان، ثمَّ تبين لَهُ أَنه أوقعه بعد رَمَضَان أنه يجزئه، ولا يجزئه إذا أوقعه قبل رمضان.

يعني التبست عليه الشهور، أسير صام شعبان.

المقدم: ثم تبين له بعد ذلك.

الشيخ: ثم تبين له بعد ذلك.

المقدم: هل يقضي أم ما يقضي؟

الشيخ: يعيد أو ما يعيد؟

يقول: وَهَذَا يخرج على أصل مالك فِيمَن التبست عَلَيْهِ الشُّهُور فصَام رَمَضَان، ثمَّ تبين لَهُ أَنه أوقعه بعد رَمَضَان أنه يجزئه، ولا يجزئه إذا أوقعه قبل رمضان.

كمن اجتهد وَصلى قبل الْوَقْت أَنه لَا يجْزِئه، يعيد الصلاة، وَقد قَالَ بعض الْعلمَاء: إِنَّه لَا يَقع وقُوف النَّاس الْيَوْم الثَّامِن أصلًا، ما يمكن أن يقف الناس في اليوم الثامن، لماذا؟ لأن دخول شهر ذي الحجة إما برؤية الهلال، وحينئذ لا يمكن أن يقف في الثامن إذا رأوا الهلال، أو بإكمال القعدة ثلاثين، فيمكن أن يقفوا في الثامن؟

المقدم: أبدًا.

الشيخ: هم يمكن أن يقفوا في العاشر، لكن ما يمكن، وهذا ملحظ جيد.

وقد قال بعض العلماء: إنه لا يقع وقوف الناس اليوم الثامن أصلًا؛ لأنه لَا يَخْلُو من أَن يكون الْوُقُوف بِرُؤْيَة أَو بإغماء، فَإِن كَانَ بِرُؤْيَة وقفُوا الْيَوْم التَّاسِع.

المقدم: وإن كان بإغماء وقفوا العاشر.

الشيخ: وَإن كَانَ بإغماء وقفُوا الْيَوْم الْعَاشِر. انتهى.

الآن المتجه في «شهرا عيد لا ينقصان» المراد به الأجر أو حقيقة العدد في الأيام؟

المقدم: يظهر -والله أعلم- الأجر يا شيخ.

الشيخ: الأجر، وإن كان العدد ناقص.

أثر هذا في شهر رمضان ظاهر، لكن ما أثره في شهر ذي الحجة؟

المقدم: ما ساقه ابن بطال ليس واضحًا الحقيقة.

الشيخ: نعم، ما هو واضح، ليس بواضح، ولم يصب...، في شهر ذي الحجة، افترض أننا أكملنا شهر القعدة ثلاثين، والحقيقة أن الهلال؟

المقدم: كان قبله.

الشيخ: قبله، قبله.

ذهب يوم من أيام العشر التي هي؟

المقدم: أفضل أيام الدهر.

أفضل أيام الدهر، ذهب منها يوم وعُوضت بيوم الحادي عشر وهو أقل منها في الأجر.

المقدم: إذن؛ إجابتي الأولى صحيحة يا شيخ.

الشيخ: كيف إجابتك الأولى؟

المقدم: لما قلت: إنه العشر، واستمرار القضاء.

الشيخ: لا، أنت ربطتها بالحج، أنت ربطتها بالحج، هذا لعموم المسلمين، أجر اليوم العاشر على الحساب كأجر اليوم العاشر على الحقيقة، لا ينقص أجرهم.

المقدم: هذا ملحظ جيد.

في إرشاد الساري يقول: فائدة الحديث رفع ما يقع في القلوب من شك لمن صام تسعًا وعشرين أو وقف في غير يوم عرفة، وكثر كلام الشراح حول الحديث، وكل واحد يبدي رأي ثم يرد عليه وهكذا، لكن ابن العربي يرى أن المسألة قريبة، يعني الإطالة حول هذا الحديث ليس وراءها أرب.

يقول، يري ابن العربي، يرى أن المسألة قريبة فإنه لا يتعلق بها علم ولا عمل. لا يتعلق بها علم ولا عمل، يعني هل إذا اختلف فهمنا للحديث سواء قلنا بالعدد أو بالثواب والأجر، يتغير عندنا العمل؟ هل يتقدم شيء أو يتأخر؟ لا أثر له عملي، لكن لا بد من فهم النصوص، لا يمكن أن يبقى نص ثابت عن النبي، عن الله وعن رسوله يبقى مشكلًا؟ فلا بد من محاولة الفهم، لا يمكن للإنسان أن يحيط الإنسان بفهم جميع ما جاء عن الله وعن رسوله، ولذا في النصوص ما هو أيش؟ متشابه، لكن يسعى الإنسان جاهدًا أن يفهم عن الله مراده، وأن يفهم عن النبي -عليه الصلاة والسلام- مراده ليعبد الله على بصيرة.

يقول: المسألة قريبة فإنه لا يتعلق بها علم ولا عمل، فإن الأجر كامل بالاتفاق، وما وراء ذلك تعب غير مثمر.

في فتح الباري: في الحديث حجة لمن قال: إن الثواب ليس مرتبًا على وجود المشقة، في الحديث حجة لمن قال: إن الثواب ليس مرتبًا على وجود المشقة؛ لأن مشقة الثلاثين أكثر من مشقة التسعة والعشرين، والأجر واحد، دائمًا، بل لله أن يتفضل بإلحاق الناقص بالتام في الثواب. واستدل بعضهم لمالك في اكتفائه لرمضان بنية واحدة، استدل بعضهم لمالك في اكتفائه لرمضان بنية واحدة، قال: لأنه جعل الشهر بجملته عبادة واحدة، فاكتفى له بالنية.

هو شهر سواء كان كاملاً أو ناقصًا، يعني أنت نويت تصوم الشهر سواء كان تسعًا وعشرين أو ثلاثين.

الآن المأخذ ظاهر أم ليس بظاهر؟

المسألة خلافية، هل الشهر عبادة واحدة أو كل يوم عبادة مستقلة؟ هذا المقصود أن ملحظ أخذ رأي مالك من هذا الحديث أنك تصوم الشهر، تنوي صيام الشهر سواء كان ناقصًا أم كاملًا.

وهذا الحديث يقتضي أن التسوية في الثواب بين الشهر الذي يكون تسعًا وعشرين وبين الشهر الذي يكون ثلاثين إنما هو بالنظر إلى جعل الثواب متعلقًا بالشهر من حيث الجملة لا من حيث تفصيل الأيام.

يعني إذا أخذنا فضل صيام كل يوم بعينه، ما ورد عليه رأي مالك، قلنا: كل يوم عبادة مستقلة، لكن الحديث يتحدث عن الشهر بجملته، ففيه مأخذ لقول مالك -رحمه الله-.

المقدم: أحسن الله إليكم فضيلة الدكتور، لعلنا نستكمل -بإذن الله- ما تبقى في حلقة قادمة لإكمال أحكام هذا الحديث -بإذن الله-، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، لقاؤنا بكم في حلقة قادمة، وأنتم على خير، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.