كتاب الصداق من المحرر في الحديث - 01

عنوان الدرس: 
كتاب الصداق من المحرر في الحديث - 01
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 9:30 م

سماع الدرس

"بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين يا رب العالمين.

 قال الإمام ابن عبد الهادي في محرره:

كتاب الصداق

 عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سألت عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-: كم كان صداق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًّا، قالت: أتدري ما النش؟ قال: قلت: لا، قالت نصف أوقية، فتلك خُمسمَائة درهم.."

كم؟

"فتلك خُمسمَائة درهم.."

لا، خَمسُمِئة درهم.

أحسن الله إليك.

"فتلك خَمسمِئة درهم، فهذا.."

خُمس مئة يعني عشرين! خُمس المئة عشرين، لكنها خَمسمئة.

"فتلك خَمسمئة درهم، فهذا صداق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأزواجه، رواه مسلم. وعن أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، متفق عليه.

 وعن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما تزوج علي فاطمة- رضي الله عنها- قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أعطها شيئًا»، قال: ما عندي شيء، قال: «فأين درعك الحطمة؟».."

الحطمية.

أحسن الله إليك.

"«فأين درعك الحطمية؟» رواه أبو داود والنسائي وأبو يعلى الموصلي، وإسناده صحيح.

 وعن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه، وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته أو أخته»، رواه أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، والنسائي وابن ماجه.

 وعن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يُفرِض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بَرُوْع بنت واشق.."

بَرْوَع، في بَرْوَع، بَرْوَع..

أحسن الله إليك.

"في بَرْوَع بنت واشق مثل ما قضيت، ففرح بها ابن مسعود- رضي الله عنه- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وصححه، وهذا لفظه، وكذلك صححه غير واحد من الأئمة، وتوقف الشافعي في صحته، والله أعلم."

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "كتاب الصداق" الصداق هو ما يدفعه الخاطب مهرًا لزوجته، ما يدفعه الخاطِب مهرًا لزوجته، وسمي صداقًا؛ لأنه دليل على صدق الرغبة، لو لم توجد هذه الرغبة لما جادت النفس ببذل المال، فهو دليل على صدق الرغبة، كما أن الصدقة برهان على صدق الإيمان، إيمان المتصدق، صداق ومهر ونحلة، وغير ذلك من الأسماء الواردة، فله ثمانية أسماء، وهو أمر لازم وحتم كما تقدم في قصة الواهبة أنه ردده حتى قال له في الأخير: «زوجتكها بما معك من القرآن»، «التمس ولو خاتمًا من حديد»، قال: لم يجد ولا خاتمًا من حديد، المهم أنه لا بد أن يكون هناك صداق ، سواء كان مالًا، أو ما يؤول إلى المال من المنافع.

"عن أبي سلمة بن عبد الرحمن" أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أحد الفقهاء السبعة على قول.

 "أنه قال: سألتُ عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- كم كان صداق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًّا، قالت: أتدري ما النشُّ؟ قلتُ: لا، قالت: نصف أوقية، فتلك خَمسمائة درهم، فهذا صداق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأزواجه".

ومعلوم أن هذا هو الغالب هو الغالب، وإلا سيأتي في صفية وهي من أزواجه أنه أعتقها، وجعل عتقها صداقها، ما أصدقها خمسمئة، وخديجة ما أصدقها خمسمئة إلى غير ذلك، لكن الغالب من حاله -عليه الصلاة والسلام- أنه يدفع خمسمائة درهم مهرًا.

 "كم كان صداق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟" وهذا السؤال من هذا التابعي الجليل ليس من باب الفضول، أو حب الاستطلاع أو من الكلام فيما لا يعنيه، نعم لو أن شخصًا سأل كم دفعت على فلانة مما لا يترتب عليه حكم، ولا يترتب في معرفته فائدة، فهذا من الكلام فيما لا يعنيه، لكن هنا يترتب عليه حكم شرعي.

 "كم كان صداق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟" والصداق لا يُحَد لا من أعلى ولا من أدنى، من جهة الحد الأعلى {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً} [سورة النساء:20]، ويذكر في القصة المنسوبة إلى عمر وهو على المنبر أنه أراد أن يحدد المهور، فقامت امرأة وقالت: هذا ليس إليك في القصة المشهورة، وذكرت الآية، فقال: كل الناس أفقه من عمر، لكن القصة لم تثبت، لكن القصة لم تثبت، وأما بالنسبة لأدناه فلا حد له، كما لا بد أن يكون شيئًا معتبرًا، ما يمكن أن يعطيها حبة قمح ويقول: هذا صداقك، أو حبة شعير ويقول: هذا، نعم لا حد لأقله مما يسمى مالًا، كما في حديث الواهبة، والتدخُّل في هذا الشأن من ولي الأمر إذا رأى أن المصلحة تقتضيه، وحصل الكساد للفتيان والفتيات؛ بسبب غلاء المهور فلا يوجد ما يمنع منه؛ درءًا للمفاسد المترتبة على الغلاء الفاحش.

 الشاب في عصرنا مثلاً من أين يجتمع له المال على طريقة بعض البلدان أو القبائل حتى يجمع مئات الألوف ليدفعها لامرأة؟ شاب قد لا يكون موظفًا أو موظفًا بمراتب صغيرة، أو حتى في مراتب متوسطة، من أين له؟ ويترتب على ذلك التعطيل لهؤلاء الشباب وهذه الطاقات، ولا بد أن يحصل بسبب ذلك مفسدة، وتنتشر بسبب ذلك الفواحش، ويتعطل النوع الإنساني؛ بسبب العجز عن هذه الأمور، ويلجأ النساء إلى أناس قد لا يحققون رغبتهم، ولا يوفون بحقوقهن من كبار السن؛ لأنهم يجدون ما يبذلون، والشاب ما يجد، لا شك أنه يترتب على هذا فساد ذريع، فلو تدخل ولي الأمر، وحدد بسبب ذلك فإن قواعد الشريعة وكلياتها لا تأبى مثل هذا التصرف؛ لأن درء المفاسد أمر مقرر في الشريعة، مثل ما قلنا هذا الشاب الذي قد يكون في بداية السلم الوظيفي، متى يجمع للمهر؟ متى يجمع للسيارة؟ متى يجمع للبيت والسكن والنفقة؟ كل هذه فيها صعوبة ووعورة في زماننا هذا، والناس فيهم العاقل، وفيهم الجشع، وفيهم الهلع.

 المقصود أنهم يتفاوتون، ونسمع في المهور شيئًا لا يطاق حتى بالنسبة لمتوسطي الحال، مئات الألوف، يعني إذا أردت أن تقوِّم هذه المرأة بحطام الدنيا لاسيما إذا كانت مناسبة وصالحة، وتعينه على أمر دينه ودنياه، ويقضي وطره، ويحصنها، وتحصنه، أموال الدنيا كلها ما تعادل هذه المرأة إذا أردنا أن ننظر إلى هذه المسألة بالمقاييس المادية.

 موسى -عليه السلام- عشر سنين راعي مهر، لو تجيء بأدنى عامل تقول له: أشغلك عشر سنين، كل شهر ألف، كل سنة اثنا عشر ألفًا، يعني مائة وعشرين ألفًا، يعني على أقل تقدير، ومن مثل موسى؟ الإنسان يجد قويًّا وأمينًا يعمل عنده أعطاه من الأموال ما يرضيه، ما يكفيه ألف ولا ألفان ولا ثلاثة ولا عشرة في الشهر إذا كان بهذه المثابة، فيكون المهر أكثر من ذلك بكثير، يعني إذا أردنا أن نحسب هذه المسألة بالحسابات المادية، لكن العلاقة بين الزوجين فوق ذلك، وكل منهما مستفيد، مصالح متبادلة بين الطرفين، وليست المسألة معاوَضة، وحسابًا دقيقًا، لو حسبت كل يوم بكذا، أو كل ساعة بكذا، بين الزوجين أو ما تقدمه من الخدمة، ووازنت بين طبخها والمطاعم، وبكم يطلع هذا وبكم..

ليست الحسبة بهذه الطريقة أبدًا، أهم شيء أن تكون المرأة سكنًا، وتوجَد المودة والرحمة، ثم بعد ذلك الدنيا كلها لا تقوم في مقام لهذه المصالح، الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، ومن الحمق أن يكلَّف الخاطب فوق ما يطيق، ويضطر إلى الدين، يُضطَر إلى الدين؛ لأن المردود السيئ العكسي على الزوجة وأهلها، تصور أن زوجًا مدينًا بعشرات الألوف، كيف ينبسط ويستأنس والديانة وراءه؟ يكون في الليل مهمومًا، وفي النهار ذليلًا، لكن لو يسر الأمر انبسط وانبسطت زوجته تبعًا له، ليس من العقل ولا من الحكمة غلاء المهور بالطريقة التي نسمعها، ثم بعد ذلك التوابع، توابع النكاح؛ قصور أفراح، وقاعات، وصالات، مئتي ألف، ثلاثمئة ألف، أربعمئة ألف، يعني أين العقول؟  ألا نخشى العقوبة والشخص يدفع هذه المبالغ الطائلة، وله إخوان يموتون من الجوع؟

على كل حال المهر وعلاقته بصحة العقد، وأنه لا حد لأعلاه كما في الآية، ولا لأدناه، لكن المصلحة والعقل والحكمة تقتضي أن يتوسط في الأمور، يعني ليست المرأة مبتذلة، ولذلك فرض الصداق، وفي بعض البلدان لاسيما في الشرق المهر على الزوجة، المهر على الزوجة، وهذا سببه كساد النساء، يعني إذا رفعنا المهور على الشباب ترتبت هذه النتيجة على ذلك، ثم صرنا نبحث عن الأزواج؛ لإعفاف البنات، وندفع من جيوبنا، فبدلاً من ذلك نقطع الطريق قبل أن نصل إلى هذا الحد، نأخذ المتيسر لاسيما إذا كان الخاطب كفؤًا ما يرد، لا يجوز رده إذا كان كفؤًا، فنقبل ما تيسر، وليس المال هدفًا، ليس المال هدفًا.

 "كم كان صداق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًّا، قالت: أتدري ما النش؟" قال: قلت.. قال: قلت: لا، ما يدري ما النش، "قالت: نصف أوقية" النش والنصف يعني متقاربة في اللفظ، وكأن المصدر الأول فيما يبدو لي ويظهر لي أن الذي نطق به أثرم، أنت لو تشوف لك واحدًا أثرم وتقول له: قل نصف أو نص مثل ما نقول، سينطقها نش صح أم لا؟ إذا صار أثرم.

 قالت: أتدري ما النش؟ قال: قلت: لا.

 أذكر فيه صاحب مكتبة يبيع كتبًا ودفاتر، وهذا من هذا النوع أثرم، ويأتي البزران يسألونه والأطفال: كم هذا الدفتر؟ هذا وقيمته نصف، يأتون يسمع هذا النطق بهذه الطريقة، سبحان الله! يضحكون ويمشون ما هم بمشترين، هم يسمعون فقط كيف ينطق النصف.

طالب: ........

يعني يتكررون كثيرًا، ويضحكون كثيرًا، ويفهم، لكن يجيء الواحد ويسأل ويمشي.

 "قالت: نصف أوقية"، الأوقية أربعون درهمًا، الأوقية أربعون درهمًا، فإذا ضربنا الأربعين في اثني عشر ونصف يكون الناتج خمسمئة، ما تحتاج إلى حساب، هذي ما تحتاج إلى مزيد تفكير، "فتلك خمسمائة درهم"، ومثل ما سمعنا تنطق هكذا خَمسمِئة، ما هو بعضهم ينطقها مَائة ينظر إلى المكتوبة كذا مَائة، هذا خطأ، هي مِئة، وتكتب بالألف؛ للتفريق بين المئة والمِنَّة؛ لئلا تقرأ مِنَّة، فيكتبونها بالألف.

 "فهذا صداق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأزواجه" وقلنا: إن هذا هو الغالب، وإلا سيأتي في الحديث الذي يليه أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها.

 "رواه مسلم.

 وعن أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها"، صفية بنت حيي بن أخطب كانت يهودية، وتحت شخص يهودي، اسمه سلاَّم بن مشكم، فأسرت وأعطاها النبي -عليه الصلاة والسلام- لدحية الكلبي، فقيل له -عليه الصلاة والسلام-: إنها بنت سيد القوم، لا تصلح إلا لك، فعوَّض دحية غيرها، وأخذها، واصطفاها لنفسه على سبيل الاسترقاق؛ لأنها سبي، وهذا شأن السبي، إما أن يُمَنّ عليه ويُترَك، أو يقتل، أو يسترق، استرقَّها النبي -عليه الصلاة والسلام-، فأعتقها في مقابل نكاحها، أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها.

 "متفق عليه".

 وفي الحديث لا أقصد ثبوته، ثبوته متفق عليه، لكن في تخريجه وفهمه كلام طويل لأهل العلم، أنت إذا ما دققت النظر في ألفاظه وفي معناها الحديث ماشٍ، ما فيه شيء، أعتقها وجعل عتقها صداقها، لكن أحيانًا التدقيق في بعض الألفاظ وفي بعض الجمل يتولَّد عنه إشكالات، قد تؤثر في الاستجابة للنص، ولذلكم بعض النصوص إمرارها أفضل من التدقيق فيها، ناقش أهل العلم هذا النص مع أنه في الصحيحين، ووضوحه مثل الشمس، ما يحتاج، قال: أعتقها، وجعل عتقها صداقها، تزوجها بعد أن أعتقها، أو قبل أن يعتقها؟ يعني عقد عليها قبل أم بعد؟ بعد صارت حرة تملك نفسها، تحتاج إلى صداق مثل غيرها.

طالب: ........

أنا أقول: هذه من آثار تدقيق النظر في الألفاظ وإلا الحديث واضح ما يحتاج إلى شيء من هذا، يعني بعض أهل العلم تردد في مفاد الحديث؛ بسبب هذا التدقيق، يعني أنت لو دققت النظر في حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه»، «بل ومن نفسك» إذا مشى معناه واضح وما فيه أدنى إشكال، قال بعض الشراح: هذا مستحيل، لماذا؟!

لأنك أصلاً ما أحببته إلا من أجل نفسك، أنك تدخل الجنة، أقول: التدقيق في بعض الأمور الواضحة والمكشوفة قد يعكِّر على الامتثال، فمثل هذا قال بعضهم: الآن عقد عليها بعد العتق أم قبله؟ قبل العتق، ما تحتاج إلى عقد؛ لأنها أمة توطأ بملك اليمين، وبعد العتق هي حرة، تملك نفسها، لا بد لها من صداق كغيرها، فيحصل التشغيب في المدلول؛ بسبب هذا التدقيق، والتدقيق أحيانًا هو الأصل النظر في النصوص بدقة، ودقة نظر، وبأصول وقواعد يتعامل بها على ضوئها؛ لفهم النص، هذا شيء، لكن يبقى أن مثل هذا التشغيب على النص.

 يعني حديث «البيعان بالخيار، البيعان بالخيار»، شف كلام أهل العلم الطويل العريض، وهو واضح، ما يحتاج إلى شيء، بالخيار ما لم يتفرقا، كلام طويل لأهل العلم، يرتب بعضه على بعض، إلى أن عطل العمل به من قبل أئمة كبار كالحنفية والمالكية حتى قيل في مالك، وهو مالك إمام نجم السنن كما يقال: ينبغي أن يستتاب مالك؛ لأنه روى حديث «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، ولم يعمل به، وهو ما تركه معاندة وعنادًا، إنما من هذا الباب، دقق النظر في معناه، ووجد أنه يخالف أشياء، ويحتمل أمورًا.

 قل مثل هذا في مسائل الاعتقاد، وهي أكثر غموضًا من مسائل الفقه، يعني إذا دققت النظر في بعض المسائل، ما يصل إلى مسألة شك ولا شيء، لا، مثل ما معنا قال: إن كان النكاح قبل العتق فهي أمة، لا تحتاج إلى نكاح، ولا يصح نكاحها بمعنى الزواج إلا لمن لا يجد طول الحرة، وإن كان بعد العتق فهي حرة تتصرف في نفسها كغيرها من الحرائر، بعض المتكلمين من كثرة نظرهم في النصوص وتدقيقهم فيها حصل له ما حصل، لاسيما في العقائد؛ لأن العقائد غيبيات، لا يمكن أن يصل العقل البشري بمفرده إليها، وصل الحد به مع كثرة بحثه وتدقيقه وتشقيقه، وترتيب اللوازم، وكذا وكذا إلى أن تمنى أن يموت على دين أو على عقيدة العجائز أو عجائز نيسابور اللاتي ما يعرفن هذه الأمور.

 نعود إلى حديثنا، أنه أعتق صفية، وليس هذا كلامنا، هذا فيه تقليل لشأن النظر في النصوص والتعامل معها على القواعد المعروفة المعتبرة عند أهل العلم، هذا أمر لا بد منه، ما فيه فقه إلا بهذه الطريقة.

 "أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" والعتق لا شك أنه منفعة، بل منافع، والمنفعة يصح أن تكون صداقًا، "متفق عليه.

 وعن أيوب، وهو السَّختياني، عن عكرمة عن ابن عباس- رضي الله عنهما-، عن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما-" هذا الحديث مختلف في وصله وإرساله، والمرجَّح عند أهل العلم أنه مرسَل، أنه مرسَل، وهو محكوم عليه بالضعف، "قال: لما تزوج علي فاطمة، لما تزوج علي فاطمة قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أعطها شيئًا، أعطها شيئًا»" يعني من باب الصداق، "قال: ما عندي شيء" مثل ما جاء في حديث الواهبة، ولا خاتمًا من حديد، مفهومه أنه ما وجد شيئًا ولا خاتمًا من حديد.

 "قال: ما عندي شيء" يقول علي -رضي الله عنه- "قال: «فأين درعك الحطمية؟»والحديث كما هو معلوم عند أهل العلم أنه إذا ضعف لا يُتَكلَّف اعتباره، ولا الاستنباط منه، ولا التوفيق بينه وبين غيره، كل هذه الأمور مرتَّبة على الثبوت. «فأين درعك الحطمية؟» نسبة إلى قوم يدعون الحطمة، يصنعون الدروع.

 "رواه أبو داود والنسائي وأبو يعلى الموصلي وإسناده صحيح" يعني بناءً على ترجيح الوصل، وأما على ترجيح الإرسال فهو ضعيف، وهو أرجح عند أهل العلم، المقصود أن سيدة نساء أهل الجنة أو نساء العالمين فاطمة بنت محمد -عليه الصلاة والسلام- تُزَوَّج لشخص لا يملك شيئًا عبرة ودرس ليست معاوَضة وإلا فالدنيا ما تكفي أن تكون مهرًا لفاطمة، الدنيا كلها بحذافيرها لا تفي أن تكون لمن هي بضعة من النبي -عليه الصلاة والسلام-، لو كانت المسألة معاوَضة، ودفع مصعب بن الزبير على عائشة بنت طلحة ألف ألف، مليونًا دفع، وفاطمة بنت محمد يعني معروف وضع علي ما عنده شيء، ما عنده شيء، هذا واقعه، صحيح سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة بضعة من النبي -عليه الصلاة والسلام- تُزَوَّج لشخص لا يملك شيئًا؟! نعم، الدين رأس المال، الدين رأس المال.

 ذكرنا في مناسبات كثيرة سعيد بن المسيب وبنته الفقيهة العالمة العابدة الصالحة تُزوَّج لشخص لا يملك شيئًا بعد أن خطبها ابن الخليفة، هذه طريقة من يعرف قدر الدنيا، وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء.

 جاءه السفير من قِبَل الخليفة يخطب ابنته لابنه وقال له: جاءتك الدنيا بحذافيرها، ابن الخليفة يخطب بنتك، لكن الميزان عنده يختلف، عند سعيد يختلف عن ميزان الخليفة ومن حول الخليفة، حتى في موازيننا نحن اختلفت الموازين، وتغيرت، كان الرد من سعيد بن المسيب قال: إذا كانت الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، فما ترى يقص لي من هذا الجناح؟ كل الدنيا بحذافيرها ماذا يعطيني الخليفة من هذا الجناح؟ هذا النظر في حقائق الأمور ومآلاتها، يأتي شخص من الأثرياء يدفع الملايين على البنت الخيرة الصينة الدينة ثم يسومها سوء العذاب، هذا زوج؟! يشرب الخمر، ويضربها ليلاً ونهارًا، ويؤذيها، وقد يمنعها من عبادتها، ومن علمها، ويغير حياتها، وقد تنتكس بسببه، هذا ميزان شرعي؟!

لا والله، فاطمة تزوج إلى شخص وتزف إلى شخص ليس عنده شيء، لكنه في الميزان الشرعي عنده كل شيء مادام رأس المال موجودًا. "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أعطها شيئًا»، قال: ما عندي شيء، قال: «فأين درعك الحطمية؟»" قد لا يكون الحديث بهذا اللفظ ثابتًا، لكن معروف من حاله- رضي الله عنه وأرضاه- أنه ما عنده شيء.

 "رواه أبو داود والنسائي وأبو يعلى الموصلي، وإسناده صحيح"، هذا في نقد المؤلف وما رجحه غيره من الإرسال لعله أقوى، والمرجَّح تضعيف هذا الحديث.

كم الساعة؟

طالب: ........

نكتفي بهذا.

اللهم صل على محمد...

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك...