كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 15

عنوان الدرس: 
كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 15
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 8:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.

قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:

وعن أبي موسى -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطبنا فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: ((إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)) رواه مسلم، وصححه الإمام أحمد، وتكلم في قوله: ((إذا قرأ فأنصتوا)) أبو داود والدارقطني وأبو علي النيسابوري وغيرهم.

وقد روي من حديث أبي هريرة، وصححه مسلم، وتكلم فيه غير واحد.

وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يجزيني منه، قال: ((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)) قال: يا رسول الله هذا لله فمالي؟ قال: ((قل: اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني)) فلما قام قال: هكذا بيده، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أما هذا فقد ملأ يده من الخير)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم، وقال: على شرط البخاري.

وقد قصر من عزاه إلى ابن الجارود فقط.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه.

وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحياناً، وكان يطول الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب" متفق عليه، واللفظ لمسلم.

وفي رواية البخاري: "وكان يطول الأولى من صلاة الفجر، ويقصر في الثانية".

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كنا نحرز قيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-...

نحزر، نحزر.

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كنا نحزر قيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة: آلم تنزيل السجدة، وحرزنا قيامه في الأخريين....

حزرنا، حزرنا.

فحزرنا قيامه في الآخرين.

في الأُخريين.

فحزرنا قيامه في الآخرين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الآخرين من الظهر، وفي الآخرين من العصر.

أُخريين.

وفي الأخريين من العصر على قدر النصف من ذلك.

وفي رواية: بدل آلم تنزيل السجدة قدر ثلاثين آية، وفي الآخرين...

أخريين، تثنية أخرى أخريين.

وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، وفي العصر في الركعتين الأوليين، وفي كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر النصف من ذلك" رواه مسلم.

وعن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من فلان.

قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل، رواه ابن ماجه والنسائي، وهذا لفظه، وهو أتم، وإسناده صحيح.

وعن ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة" رواه أبو داود.

وعن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ بالطور في المغرب" وفي بعض روايات حديث جبير: "فكاد قلبي أن يطير" متفق عليه.

بركة، يكفي.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن أبي موسى -رضي الله تعالى عنه-" وهو أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطبنا فبين لنا سنتنا".

النبي -عليه الصلاة والسلام- بلغ البلاغ المبين، وبين البيان التام الكافي الشافي، وسنته -عليه الصلاة والسلام- كلها بيان لما أجمل في القرآن، فلم يترك بياناً لمستبين، ولا بلاغاً لمستبلغ، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ولا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه.

"خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" كثيراً ما يخطب في المناسبات وغيرها، يبين ما ينبغي أن يفعل، وما ينبغي أن يترك، وبيان ما أجمل هي وظيفته -عليه الصلاة والسلام-.

قال: "خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبين لنا سنتنا" السنة هي ما يضاف إليه -عليه الصلاة والسلام-، وهي أعم من المندوب، فيدخل فيها كل ما يضاف إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-.

"وعلمنا صلاتنا" الذي في القرآن منها الأمر بها وبإقامتها، وإجمال ما فيها من ركوع وسجود، ونحو ذلك على سبيل الإجمال، وبيانها تفصيلاً إنما جاء في السنة من قوله -عليه الصلاة والسلام-، ومن فعله -صلى الله عليه وسلم-، وأيد ذلك بقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فلا اجتهاد لمجتهد من غير نص، بل الاجتهاد فيما يحتمله النص موجود بين أهل العلم، أما أن يجتهد عالم فيقرر مسألة من مسائل الصلاة ليس لها أصل من السنة من بيانه -عليه الصلاة والسلام- فلا.

وعلمنا صلاتنا بقوله وفعله "فقال: ((إذا صليتم فأقيموا صفوفكم))" يعني إذا صليتم في جماعة؛ لأن الصفوف إنما تكون في الجماعة، والواحد لا يقال له: صف.

((إذا صليتم)) يعني جماعة ((فأقيموا صفوفكم)) يعني وسووها، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يهتم لهذا الأمر، وهو تسوية الصف؛ لأنه من تمام الصلاة ((سووا صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم)) هذا وعيد مما يدل على أن تسوية الصفوف واجبة، وإلا كانت من تمام الصلاة كذلك.

وما جاء في حديث: ((إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج)) فإن هذا الحديث لا أصل له كما قرر ذلك أهل العلم، لكن الأمر بتسوية الصفوف، واهتمام النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكان يسويها كما تسوى القداح، ويلتفت يميناً وشمالاً حتى إذا عرف أنهم فقهوا عنه، فإذا رجل قد بدا صدره، فزجره النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقال: ((سووا صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم)) المقصود أن تسوية الصف أمر واجب، والمسئولية في الدرجة الأولى على المصلي والإمام، الإمام لا بد أن يهتم بهذا الأمر، وكثير من الأئمة مع الأسف كأن الأمر لا يعنيه، وإذا دخل إلى الصلاة كأنها مجرد إسقاط واجب أعني الإمامة، يؤدي هذه الصلاة ولا يهمه ما يتعلق بالمأموم، وبعضهم إذا دخل المسجد -وهذا موجود ولله الحمد وبكثرة بين طلبة العلم- كأنه لا شغل له ألبتة إلا هذه الصلاة، والناس يفرقون بين هذا وهذا، ويعرفون، والله المستعان.

تسوية الصفوف لا شك أن الأئمة يتفاوتون، النبي -عليه الصلاة والسلام- يأمر، وأمره ليس كأمر، غيره، وغيره يأمر بأمره -عليه الصلاة والسلام- فيلتزم قوله، وبحسب موقع الإمام بين هؤلاء المأمومين، وفي مجتمعه ينبغي أن يكون أسلوبه، فالشاب لا يزجر المأمومين زجراً شديداً بحيث يجعلهم ينفرون منه، ويخالفونه، ويتعمدون خلافه، وجد من بعض الأئمة وهو صغير في السن يأمر كبار السن بالزجر، مثل هذا ليس من الحكمة ولا من المصلحة، بل تجد حظوظ النفس تظهر في مثل هذا، في مثل هذه الحال، فتجده يخالف صراحة وعلانية، بل بعضهم سمع يدعو على الإمام، فلا بد من الأسلوب المناسب الذي يحقق المصلحة، ولا يترتب عليه مفسدة.

ووجد شيخ كبير السن بالعصا يُقوّم الناس، يضربهم ضرب، ويقول: كان عمر بن الخطاب يضرب الناس بالدرة، هل هذا أسلوب؟ ليس هذا بأسلوب، هذا لا يجدي مع الناس، هذا يورث الشحناء والبغضاء، وكثرة الكلام والمصادمة والمعاندة والمخالفة، ووجد هذا في هذا المسجد، في مسجد الشيخ الكبير، الإشارة ليست لهذا المسجد، لا، هذا الذي يضرب الناس بالعصا ورأيته أنا، يقول: كان عمر بن الخطاب يضرب الناس بالدرة، كيف يضرب الناس بالدرة؟ عمر بن الخطاب غير، وبالمناسبة يعني هذه أمور لا بد أن ينتبه لها الإخوان وطلاب العلم، التربية تحتاج إلى أسلوب، شاب في العشرين وفي الخامسة والعشرين يلقي درساً، ثم إذا رأى شخص متشاغل أو ينعس قال له: قم، ولو كانت لحيته بيضاء، قم أعد ما قلت، بين الناس وبين..، هذا يمكنه جاء للبركة، ليس من طلاب العلم، شيخ كبير السن جاء ليحضر مجلس العلم، فيقال له بهذا الأسلوب، وقد حصل، فلما قيل للشاب قال: الشيخ ابن عثيمين يقيم الناعس والغافل، الناس منازل، يقبل من الشيخ ولا يقبل منك، ويقبل من عمر الدرة ولا تقبل من فلان أو علان، فالناس منازل، وينبغي بل يجب على الإنسان أن ينظر في منزلته بين الناس، وأمر فلان ليس كأمر فلان، وإن كان الكل شرع، لكن كيف يؤدى هذا الشرع، ويبلغ الناس؟ بأسلوب تترتب عليه مصالحه، بأسلوب يكون مقبولاً عند الناس، أما أن يقوم الصفوف بالعصا هذا ليس بمقبول إطلاقاً، مهما علت منزلة صاحبه.

((فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم)) هذا إجمال، أحدكم جاء بيانه في حديث أبي مسعود البدري: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة)) إلى آخر ما ذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- من المرجحات لإمامة الأولى والأحق.

((ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا)) فإذا كبر التكبيرة الأولى للإحرام كما تقدم، وهي ركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا بها ((فكبروا)) يعني فليقع تكبيركم بعد تكبيره، فإذا فرغ من تكبيره فكبروا، الصلاة لا تنعقد إلا بهذه التكبيرة، ثم بعد ذلك إذا كبر للركوع فكبروا، إذا كبر للسجود فكبروا، إلى آخر الصلاة، ولتكن أفعال المأموم بعد أفعال إمامه، وأقوله بعد أقواله، لكن هناك ما ينبغي أن يشترك فيه الإمام والمأموم، وإن كان فعل المأموم في بدايته بعد بداية الإمام لا أن فعله يقع بعد فراغ الإمام، كما تقدم مراراً أن الفعل الماضي يطلق ويراد به إرادة الشيء، يطلق ويراد به الفراغ منه، ويطلق ويراد به الشروع فيه، فإذا كبر فكبروا، يعني إذا فرغ من التكبير، إذا ركع فاركعوا، إذا شرع في الركوع لا أنه إذا فرغ من الركوع، لا.

((وإذا قرأ فأنصتوا)) وهذا هو الشاهد من الحديث في هذا الموضع "((وإذا قرأ فأنصتوا)) رواه مسلم، وصححه الإمام أحمد بن حنبل، وتكلم في قوله: ((إذا قرأ فأنصتوا)) أبو داود والدارقطني وأبو علي النيسابوري وغيرهم".

هذه اللفظة مخرجة في صحيح مسلم، وهي موافقة لقوله -جل علا-: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} [(204) سورة الأعراف] وعمومها يشمل مع عموم الآية يشمل جميع القراءة، وأن المأموم ينصت ولا يقرأ إذا قرأ الإمام لا الفاتحة ولا غير الفاتحة، وهذا الحديث مع الآية حجة من يقول: إن المأموم لا تلزمه قراءة الفاتحة، لا سيما في الصلاة الجهرية، وحديث عبادة الذي تقدم: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) عمومه يشمل قراءة الفاتحة بالنسبة لكل مصلٍ الإمام والمأموم والمنفرد خلا المسبوق، على ما تقرر في دروس مضت، عمومه يشمل كل مصلٍ في الجهرية وفي السرية.

هذه الجملة: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) اختلف في ثبوتها، وتكلم فيها جمع من الحفاظ، وحكموا عليها بالشذوذ؛ لأن عامة الرواة لم يذكروها، تفرد بها سليمان التيمي، وهو ثقة، فمن قبلها قال: زيادة ثقة غير مخالفة، ومن ردها حكم عليها بالشذوذ، قال: لو كانت محفوظة لجاءت من غير طريقه ((إذا قرأ فأنصتوا)) وعلى كل حال الإشكال في مثل هذه اللفظة من بعض لا أقول: جميع أهل العلم من بعض العلماء، لا سيما أتباع المذاهب ممن له يد في الحديث وعلومه، يتكلم على هذه الجملة منطلقاً من مذهبه الفرعي، فإذا كان ممن يرجح إمامه عدم القراءة خلف الإمام قال: محفوظة وصحيحة، وتجدون في التخريج من يقوي هذه اللفظة، كلهم تجدون أئمتهم ممن يقول بعدم القراءة خلف الإمام، والذي يقول بوجوب القراءة على كل مصلٍ لا سيما الفاتحة إماماً كان أو مأموماً جهرية كانت الصلاة أو سرية تجده يقول: هذه اللفظة غير محفوظة، مع أن الأصل أن العالم يستدل بالنص لا للنص، لا يستدل للنص، إنما يستدل بالنص، يعني مثلاً حديث السجود كان النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه" والحديث الآخر: "وليضع يديه قبل ركبتيه" تجد علماء الشافعية في الجملة يصححون حديث البروك، ويجعلونه أرجح من حديث أبي هريرة، في المذاهب الأخرى يرجحون حديث أبي هريرة لأن مذاهبهم هكذا.

المسألة مسألة يعني خفية ودقيقة، لا يتهم أهل العلم بمثل هذا، لكن قد يشم مثل هذا، ولا دليل يبرئ ولا دليل يوجب التهمة، لكن في الجملة أهل العلم أهل ورع وأهل دين، لكنهم هذه مذاهبهم، ووجدوا ما يستدلون له من أمر محتمل، لا يفهم من هذا أن جميع أهل العلم هذا ديدنهم، لا، أقول: قد يوجد من أتباع المذاهب من يستروح ويميل إلى ترجيح ما يؤيد مذهبه، وهذه الأحاديث الأمر فيها واضح، فعلى طالب العلم أن يتجرد، أن ينظر في حكم النص قبل أن ينظر في المذهب، نعم قد يكون كثير من طلاب العلم تفقهوا على كتب الفروع قبل أن يعرفوا كتب السنة، قبل أن يتمكنوا في السنة، ثم بعد ذلك يستصحبون ما عرفوه من أحكام في الصغر، ولا شك أن لهذا أثر، هذا له أثر كبير في توجه طالب العلم، فعليه أن يتوازن وأن يتجرد، ويجعل القائد والسائق والحادي هو النص، والأئمة كلهم تبع لهذه النصوص، فإذا قلنا: إن هذه الكلمة غير محفوظة لماذا؟ لأن سائر الرواة لم يذكروها، ولو كانت ثابتة لذكروها وتواطئوا عليها، ومن يقول: بأنها ثابتة ومحفوظة يقول: زيادة ثقة، والزيادة من الثقة لا سيما إذا لم تقتضِ مخالفة مقبولة، وهذا -أعني مبحث زيادة الثقة- في مثل هذا الموضع من مضايق الأنظار، ويحتاج في الترجيح في الحكم على اللفظة بكونها محفوظة أو غير محفوظة يحتاج إلى إمام عارف، يشم الحديث، يعرف الثابت من غيره، يعمل بالقرائن، متمكن، حافظ، يجمع أحاديث الباب وهكذا، ولا يتسنى لكل طالب علم أن يقول: إن هذه الكلمة غير محفوظة، تكلم فيها أبو داود والدارقطني وغيرهم، وهي موجودة في صحيح مسلم، كتاب تلقته الأمة بالقبول، ونص مسلم على تصحيحها، وهي أيضاً من حديث أبي هريرة، كما قال المؤلف، وقد روي من حديث أبي هريرة وصححه مسلم، وتكلم فيه غير واحد، صححه مسلم ولم يخرجه، وقيل له: حديث أبي هريرة صحيح؟ قال: نعم، قيل: لم لم تخرجه؟ قال: إنه لم يخرج كل حديث صحيح، وترك من الصحاح أكثر خشية الطول، وليس كل حديث صحيح وضعته هاهنا، وإنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه.

نعود إلى أصل المسألة وهي الأمر بالإنصات ((إذا قرأ فأنصتوا)) مع الآية، مع حديث عبادة: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) في هذه الآية وهذا الحديث عموم وفيه خصوص، وفي حديث عبادة عموم، وأيضاً فيه خصوص، عموم حديث عبادة: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وهذا يشمل كل مصلٍ، سواءً كان إمام أو مأموم أو منفرد أو مسبوق، وخرج المسبوق بحديث أبي بكرة، يشمل كل مصلٍ إلا أنه خاص بفاتحة الكتاب، والآية مع ما معنا من حديث أبي موسى: ((إذا قرأ فأنصتوا)) عمومه في القراءة، يعني في الفاتحة وغيرها، وخصوصه بالمأموم، فبينهما عموم وخصوص وجهي، ظاهر وإلا غير ظاهر؟ كيف نصنع؟ إذا خصصنا حديث عبادة بهذا الحديث قلنا: إن المأموم لا يقرأ، وإذا خصصنا هذا الحديث بحديث عبادة قلنا: فاتحة الكتاب لا تدخل في قوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) لأنها مستثناة من حديث عبادة، وهل تخصيص هذا أولى من تخصيص ذاك؟ نعم؟

طالب:.......

أيهما أولى بالتخصيص؟

طالب:.......

نعم؟

طالب: حديث عبادة.

أولاً: حديث عبادة محفوظ، ما تكلم فيه أحد من العلماء، متفق على صحته، وهذه الجملة من هذا الحديث مختلف فيها، وأما الآية يعني الحديث نص في الصلاة، وأما الآية فهي عامة في الصلاة وخارج الصلاة، فعمومها أوسع، وتخصيصها أولى وأقرب، يؤيد حديث عبادة، وأنه خاص بفاتحة الكتاب، والقراءة هنا المأمور بالإنصات فيها عامة ما جاء ما يدل على استثناء الفاتحة من القراءة خلف الإمام ((ما لي أنازع القرآن، لعلكم تقرؤون خلف إمامكم)) وفي رواية: ((لا تفعلوا إلا بأم الكتاب)) وعلى كل حال المتجه أن المأموم يقرأ فاتحة الكتاب، سواء قرأ الإمام أو لم يقرأ، في السرية والجهرية، هذا هو الأقرب، وإن كانت المسألة من عضل المسائل، والأئمة الكبار اختلفوا فيها اختلافاً كبيراً، وبالنسبة للكلام الذي قلنا في أول الأمر أن من أهل العلم من يجعل النصوص خادمة لمذهبه، والأولى أن يجعل المذهب خادم للنصوص، يعني يوجد في بعض كلام المتفقهة الذين لهم يد في هذا العلم في علم الحديث، يعني تجد مثلاً توجيه الحديث في التلخيص -تلخيص الحبير- غير توجيه الحديث في نصب الراية مثلاً، وإذا كان الإنسان ابن بيئته ولبيئته من التأثير في الأمور العامة والعادية فإن المذاهب لا بد أن تؤثر في أربابها، لكن يحرص طالب العلم أن يكون إمامه وقائده النص.

في مثل هذه الجملة التي اختلفوا فيها في حديث ما يقال بعد الوضوء: ((إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)) أو ما يقال بعد إجابة المؤذن: ((إنك لا تخلف الميعاد)) هذه اختلف فيها مثل ما اختلف في الجملتين، وبالنسبة لقوله: ((إنك لا تخلف الميعاد)) أثبتها الألباني، وأثبتها الشيخ ابن باز -رحمه الله-، والشيخ ابن عثيمين قلد، قلد فيها، قال: ما دام أثبتها الشيخ ابن باز وهو أعرف منا بالحديث نسلم.

كلام يعني يحمد عليه الشيخ بلا شك، لكن كيف وقد نفاه جمع من الأئمة الكبار، فالتقليد في مثل هذا الباب أيضاً فيه صعوبة، من تقلد؟ يعني إذا اقتنعت بمثل الشيخ الألباني أو مثل الشيخ ابن باز، فماذا عن صنيع الإمام يحيى بن معين، أو أبي حاتم الرازي وغيرهم من أئمة الإسلام، أو الدارقطني، الكبار الفحول، يعني لو افترضنا أن هذه خرجت في صحيح مسلم، وسئل عنها الإمام البخاري مثلاً فلم يثبتها؟ يعني طالب العلم يقع في حيرة، لكن عليه أن يتدرج في هذا العلم، ويجمع مثل هذه الألفاظ التي اختلف فيها مما لا يمكن لطالب العلم المتوسط أن يقطع فيها بشيء يجمعها ويدرسها بتأنٍ، ويجمع طرق هذه الأحاديث، وينظر أقوال أهل العلم فيها، وما رجحوه في هذه الألفاظ، وهذا الذي يدعو إليه بعض طلاب العلم في هذا الوقت، وهو التجديد في هذا العلم، ومضاهاة المتقدمين، والعمل بأحكام المتقدمين، لكن أقول: دون هذا بالنسبة لطالب العلم المتوسط دونه خرط القتاد، ليس الأمر بالسهل، يعني بحيث يلقى على آحاد الطلاب، إذا تمكن طالب العلم هذا فرضه، لكن يبقى أن مثل هذه الألفاظ يتكلم فيها أبو داود والدارقطني وجمع من أهل العلم، ويصححها مسلم وأحمد، وتجد من أهل العلم الكبار والصغار من يرجح هذا، ومنهم من يرجح هذا، والنتيجة القول الفصل فيها للأئمة الحفاظ الكبار، وليس لطالب العلم المتوسط إلا أن يقول: خرجه مسلم في صحيحه، وقد تلقته الأمة في القبول، ولا كلام لنا مع هذا.

يعني حديث في البخاري: ((ولا تنتقب)) يعني المحرمة، تكلم أبو داود في هذه اللفظة، تكلم أبو داود في لفظة "ولا تنتقب" يعني لا تلبس النقاب، فرجحها بعض المعاصرين؛ لماذا؟ لأن مفهوم لا تنتقب المحرمة أن غير المحرمة تنتقب، اللفظة في البخاري، أن غير المحرمة تنتقب، والنقاب يفتي أهل العلم بتحريمه، لكن هل بمثل هذا يحكم على مثل هذه الألفاظ؟

أولاً: إذا حررنا معنى النقاب خرجنا من الحرج، ولا نحتاج إلى أن نضعف لفظة في صحيح البخاري، يعني استروحنا إلى قول أبي داود من أجل ألا نعارض الفتوى برواية في البخاري، لا تنتقب مفهومه أن غير المحرمة تنتقب، والعلماء يقولون: النقاب حرام، النقاب ليس بحرام، لكن السفور حرام، لكن النقاب ليس بحرام، ويش معنى النقاب؟ نقب صغير يخرج منه سواد العين، هذا حرام وإلا ليس حرام؟ هذا ليس بحرام، لكن إن زاد عليه ولا مليم واحد، ولا مليمتر واحد، يعني عُشر السنتيمتر من البشرة سفور، فلا يدخل النقاب الموجود الآن الذي يظهر نصف الوجه، أو ثلث الوجه، أو ربع الوجه، أو أي شيء يسير من الوجه، فلا نحتاج إلى أن نضعف لفظة في صحيح البخاري من أجل هذا، فنحرر الكلمة قبل كل شيء في اللغة وفي الاصطلاح والاستعمال الشرعي في العهد النبوي ثم بعد ذلك نحكم، فلا تكون الغيرة التي ينطوي عليها كل مسلم، وهم متفاوتون في هذه الغيرة، الغيرة موجودة عند المسلمين وعند بعضهم هي أشد من بعض، لا يحملهم الغيرة على أن يضعفوا أحاديث، بل لا بد أن يتعاملوا مع الأحاديث الصادرة عمن لا ينطق عن الهوى، ومن هو أشد غيرة منهم أن يتعاملوا تعامل صحيح، يليق بهذه النصوص، فمثل هذه الأمور لا بد من الاهتمام بها، والعناية بشأنها.

ثم قال:

"وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً" معناه ولا فاتحة الكتاب، هذا الكلام صحيح؟ يمكن أن يوجد مسلم لا يستطيع أن يتعلم الفاتحة؟
"إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً فعلمني" نعم يوجد من كبار السن من المسلمين من يتعانى حفظ قصار السور ولا يستطيع؛ لأن الحافظة ضعيفة مع كبار السن كونه ما انتبه ولا التفت لهذا الأمر إلا بعد أن تقدمت به السن، يعني في عهده -عليه الصلاة والسلام- هذا مقبول؛ لأنه يسلم وهو كبير سن، ثم يحاول أن يحفظ من القرآن شيئاً لا يستطيع، ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف مراعاة لمثل هذا، إذا كان لا يستطيع هذه اللفظة يأتي بمرادفها، المقصود أنه لا يستطيع أن يأخذ من القرآن شيئاً، نكرة في سياق النفي تعم الفاتحة وغير الفاتحة.

"فعلمني ما يجزيني منه" (من) هذه تبعيضية؟ نعم؟ إذا قلنا: تبعيضية قلنا: يجزيك منه الفاتحة؛ لأنها من القرآن، إذا قلنا: ما يجزيني، يجزئني ويكفيني منه من القرآن لعلمه الفاتحة؛ لأن الذي علمه ليس من القرآن، هي أذكار، هي الباقيات الصالحات لكن ليست بقرآن بهذه الصيغة، فقوله: فعلمني ما يجزيني، يعني يغنيني ويجزئني عنه، فـ(من) هذه بمعنى (عن) لأنه أخبر أن القرآن لا يستطيع شيئاً منه، فعلمه ما يجزئه عن شيء، أو ما تيسر من القرآن.

"قال: ((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))" الباقيات الصالحات غراس الجنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة، يقول أهل العلم: إذا كان ترابها المسك الأذفر فما كنزها؟!

((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)) العجز المذكور وعدم الاستطاعة منه ما هو حقيقي، ومنه ما هو حكمي، حقيقي بأن لا يستطيع تعلم الفاتحة، أنفق عليها الأوقات، وكلما حفظ له آية نسي أخرى، وإذا راجعها ما في شيء، هذا حقيقي، لكن الذي يصلي خلف إمام لا يسكت في صلاته، وهو لا يستطيع أن يقرأ والإمام يقرأ، ألا يوجد من الناس من لا يستطيع القراءة إذا وجد من يشوش عليه؟ لا يستطيع أن يقرأ ولا الفاتحة خلف الإمام إذا كان يقرأ، فكيف يصنع مثل هذا؟

العجز الحقيقي وجدنا ما يجزئه: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذا يجزئه، عاجز حقيقي، لكن العاجز الحكمي الذي لا يستطيع أن يقرأ ولا آية خلف الإمام هل يوجه بمثل هذا؛ لأنه عاجز عن القراءة عجزاً حكمياً؟ أو نقول: إذا عجز عن الفاتحة عجز عن هذا؟ لأن الكلام المترابط الذي رتب بعضه على بعض قد لا يستطيع أن يأتي به، لكن جمل متناثرة كلما سنحت له فرصة قال: جملة، تغافل عن قراءة الإمام، ثم قال: سبحان الله، ثم بعد قليل قال: الحمد لله، يستطيع، لكن لا يستطيع أن يقول: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم...، المقصود هل يوجه العاجز عجزاً حكمياً عن قراءة الفاتحة؛ لأنه لا يستطيع أن يقرأ خلف إمام يجهر؟ وهذا المعروف على القول بأن المأموم تلزمه القراءة على كل حال، ولو جهر إمامه، وهو الذي رُجح سابقاً، إذا عجز عن قراءة الفاتحة عجزاً حكمياً يوجه إلى مثل هذا أو لا؟ نعم؟

أولاً: هل في هذا الحديث ما يدل على أنهم خلف الإمام؟ "إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يجزيني منه، قال: ((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله...)) إلى آخره، هذا ليس فيه ما يدل على أنه في حال كونه مأموماً، انتبهوا يا الإخوان، تروا المسألة تحتاج إلى شيء من الانتباه، أولاً: هذا ليس بمأموم، احتمل أن يكون مأموم، واحتمل أن يكون غير مأموم، والمأموم جاء في حقه: ((لا تفعلوا إلا بأم القرآن)) ((لا تفعلوا إلا بأم الكتاب)) فدل على أن المأموم حال كونه مأموماً لا يقرأ إلا الفاتحة، والنفي يشمل البدل الموجود في هذا الحديث، فإذا عجز المأموم عن قراءة الفاتحة سواء كان ممن لا يستطيع القراءة حال قراءة الإمام، أو لم يستطع إكمال الفاتحة لسرعة الإمام مثلاً، نقول: هذا حكمه حكم المسبوق، واضح وإلا ما هو بواضح؟ فالمأموم لا يقول مثل هذه الأذكار خلف الإمام، إن استطاع أن يقرأ الفاتحة وإلا فحكمه حكم المسبوق.

طالب:.......

إذا عجز يسقط، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، بعض الناس لا يستطيع ألبتة، تجده يقرأ في سورة من القرآن حفظها كما يحفظ الفاتحة، ثم يتحرك شيء ينسى، لا يدري أين وقف؟ ما هو موجود هذا بين الناس؟ موجود بكثرة، نعم يختلف من شخص إلى شخص، وعموم من حفظ سراً بينه وبين نفسه يكون هذا ديدنه وهذه عادته، إذا تحرك أدنى شيء نسي كل شيء؛ لماذا؟ لأنه ما عود الأذن سماع القرآن، وإذا تضافر على حفظ القرآن السمع والبصر والفؤاد ثبت ورسخ، لا يؤثر فيه مثل هذه الحركات، ولذلك تجدون الحفاظ ما يؤثر عليه من يقرأ عن يمينه أو عن شماله أو عن كذا، وبعض الناس من تعود الحفظ سراً تجده لأدنى شيء لو جهر من بجانبه في الصلاة بكلمة واحدة، أو تحرك باب، أو دخل إلى الصلاة شخص في حركة أو جلبة ضاع ما يدري من أين يبدأ؟ ولا من أين ينتهي؟ وهذا موجود.

قال: ((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) وهذه هي غراس الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح أن إبراهيم -عليه السلام- قال لمحمد -صلى الله عليه وسلم-: ((أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)).

((ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)) هذه كنز من كنوز الجنة، فليحرص طالب العلم على هذه الكلمات، وليكن لسانه رطباً بمثل هذه الكلمات، وليكن من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً، و((سبق المفردون)).

وعلى كل حال فوائد الذكر كثيرة، ذكر منها ابن القيم ما يقارب المائة في مقدمة الوابل الصيب.

"قال: يا رسول الله هذا لله فمالي؟" كيف لله -عز وجل-؟ من المستفيد إذا قال المسلم: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله))؟ من المستفيد؟ نفسه؛ لأنه يقول: هذا لله فما لي؟ يعني هذه الأمور ذكر لله، وتمجيد لله، وتنزيه لله، أنا أريد شيئاً وإن كنت أستفيد من هذا الذكر، ومن هذا التمجيد، ومن هذا التسبيح والتحميد، يستفيد منه المسلم، لكن يريد ما هو أخص من ذلك، وهو الدعاء المباشر، وهذا أعني الذكر من دعاء العبادة، وهو يريد دعاء المسألة، يعني مباشر له، يريد رحمة، يريد رزق، يريد عافية، يريد هداية، يريد ما يريد من أمور الدنيا، وجاء في خبر: ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)) فالاشتغال بهذه الأذكار وعلى رأسها قراءة القرآن يعطى القارئ، ويعطى الذاكر أعظم ما يعطى السائل، لكن الإنسان لا يستغني عن السؤال بحال، لا يستغني عن سؤال الله -جل وعلا- ((الدعاء هو العبادة)) وفي حديث: ((مخ العبادة)) لا يستغنى عنه بحال، وإن كان الذكر شأنه عظيم، فأيضاً الدعاء له شأن عند الله -جل وعلا-، وإذا دعا الإنسان فلا بد أن يجاب، ما لم يكن ثم مانع، ولا يلزم أن يجاب بنفس ما سأل، قد يجاب بنفس ما سأل، وقد يدفع عنه من الشر أعظم مما سأل، وقد يدخر له في القيامة أعظم مما سأل، إنما الإجابة لا بد منها إذا لم يكن ثم مانع، يكون السائل الداعي هو المتسبب في هذا المانع لا غيره، وذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب، هذه موانع، كيف يستجاب لمثل هذا؟ أما إذا تجرد عن الموانع فلا بد أن يجاب {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [(60) سورة غافر].

"قال: فمالي؟ قال: ((قل: اللهم ارحمني، وارزقني، وعافني، وأهدني))" متى يقول مثل هذه الدعوات؟ عرفنا أنه يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر بدلاً عن القراء، فهل يقول بعدها: اللهم ارحمني، وارزقني، وعافني، وأهدني في القيام؟ لأن السياق يدل على هذا، لكن ركن القيام القراءة فقط، وركن الركوع التعظيم، والسجود التنزيه مع الإكثار من الدعاء على ما سيأتي، فموضع الدعاء من الصلاة السجود وبين السجدتين، وبعد الفراغ من التشهد، هذه مواضع الدعاء في الصلاة، وأما بالنسبة للقيام فذكره القراءة، وما بعد الركوع من القيام ذكره معروف على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.

المقصود أن هذا الدعاء ظاهر الحديث يدل على أنه يقوله بعد الأذكار السابقة هذا الظاهر، والنصوص الأخرى تدل على أن القيام ذكره القرآن، أو ما يقوم مقامه من الأذكار، وأما الدعاء فمحله السجود، ((فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)) على ما سيأتي، وبين السجدتين محل دعاء، وبعد الفراغ من التشهد أيضاً ليتخير من المسألة ما شاء، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.

"فلما قام قال: هكذا بيده" من الذي قام وقال؟ هذا الرجل، ماذا قال بيده؟ وقبضها؟ يعني "فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أما هذا فقد ملأ يده من الخير))" يعني هل يمكن أن يصور ما قال بيده؟ نعم؟

طالب:.......

ملء اليد من الخير، هل له ارتباط من قوله: بيده؟ فلما قام قال بيده، قال هكذا بيده "فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أما هذا فقد ملأ يده من الخير))؟" وكيف تملأ اليد؟ ما وضع اليد إذا أريد ملؤها؟ نعم؟

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

هكذا نعم، أو باليدين كلتيهما إذا قلنا: إن المراد باليد ما يشمل اليدين على كل حال هو مبهم، وتعيينه لا يؤثر عدم معرفته، لا يؤثر عدم معرفة التعيين إلا أن في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((أما هذا فقد ملأ يده من الخير)) يدل على أنه بسطها كمن يريد ملأها.

يقول: "رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم، وقال: على شرط البخاري، وقد قصر من عزاه إلى ابن الجارود فقط" من الذي اقتصر على عزوه إلى ابن الجارود؟ نعم؟ أحد معه المنتقى للمجد؟ أو الإلمام لابن دقيق؟ من الذي عزاه إلى ابن الجارود؟ على كل حال يراجع، إما المنتقى للمجد ابن تيمية، أو الإلمام لابن دقيق.

التقصير في العزو له صور، قد يكون الحديث في كتاب أعلى فيعزى إلى كتاب أنزل، هذا تقصير، لكن من التقصير ما هو مقبول، ومنه ما هو مردود، فإذا كان الحديث في موطأ الإمام مالك، ومن طريقه خرجه الإمام البخاري فقال المخرج: رواه البخاري، هذا نزول وتقصير، لكن هل هذا التقصير مخل أو غير مخل؟ نعم؟

طالب:.......

مخل وإلا غير مخل؟

طالب:.......

غير مخل؛ لأنه ما دام وجد في البخاري انتهى الإشكال، لكن لو كان الحديث في البخاري، ومن طريقه خرجه البيهقي أو البغوي في شرح السنة، فاقتصر إلى عزوه إلى البيهقي أو البغوي في شرح السنة، هذا تقصير لكنه مخل، هذا تقصير، والاقتصار على بعض المراجع إذا عزي الحديث إلى الصحيحين، ولو ترك ما عداهما، الأثر المترتب على مثل هذا يسير؛ لأنه إذا ثبت الخبر لا نحتاج إلى حشد من المخرجين، كما يفعل من يخرج الحديث من ثلاثين أو أربعين مصدراً، مع أنه في الصحيحين، لكن إذا كان الحديث في الكتب الستة، واقتصر على عزوه إلى أبي داود والترمذي مثلاً وترك البخاري ومسلم، لا شك أن هذا تقصير مخل.

أما إذا كان في السنن الأربعة مع المسند في الخمسة مثلاً، وذكر أنه مخرج عند أبي داود والترمذي، وترك مثلاً النسائي وابن ماجه هذا تقصير، لكنه ليس الخلل فيه كما لو ترك أحد الصحيحين، إذا كان الحديث في الكتب المشهورة في الكتب الستة في الموطأ في المسند، ثم بعد ذلك يعزى إلى فوائد تمام أو جزء فلان أو علان، وتترك هذه الكتب لا شك أن هذا إغراب غير مرضي من بعض طلاب العلم، وهو موجود، تجد بعض طلاب العلم لهم عناية بالأجزاء والفوائد والمعاجم، ويتركون الأهم في هذا الباب كالصحيحين وغيرهما، تجد بعض طلاب العلم لا عناية له بالبخاري، ثم بعد ذلك يعنى بالأحاديث الغرائب، ولا شك أن هذا ليست بعلامة توفيق، التوفيق أن يبدأ الإنسان بالمهم، بالأهم.

وبالمهم المهم ابدأ لتدركه
 
ج

 

وقدم النص والآراء فاتهمِ


لا بد أن تبدأ بالأهم، وإلا ماذا يعني أن يبدأ الإنسان بجزء الألف دينار، أو بجزء بيبي، أو ما أشبه ذلك، ويترك الأحاديث الصحيحة التي عليها مدار الإسلام في الكتب الخمسة، أو في الصحيحين، أو ما أشبه ذلك، لا شك أن هذا خلل في المنهجية عند طالب العلم.

"قصر من عزاه إلى ابن الجارود فقط".

ثم قال: "وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا أمن الإمام فأمنوا))" إذا أمن فأمنوا، يعني إذا قال: آمين، فقولوا: آمين، مقتضى التركيب والعطف بالفاء التي تقتضي التعقيب أن الإمام يقول: آمين، ثم بعد ذلك المأموم يقول: آمين، فهل هذا هو المقصود وهذا هو المطلوب؟ ((فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)) كيف تكون الموافقة وقد تخلف المأموم عن الإمام؟ أو المخاطب بهذا المأموم فقط دون الإمام؟ الموافقة لتأمين الملائكة ألا تطلب من الجميع؟ من الإمام والمأموم؟ كيف تكون موافقة الملائكة مع أن الإمام يقول: آمين قبل المأموم؟ هذا يبينه الحديث الآخر: ((فإذا قال: {وَلاَ الضَّالِّينَ} [(7) سورة الفاتحة] فقولوا: آمين)) وبمجموع الحديثين يدل على أن كلاً من الإمام والمأموم يقول: آمين، خلافاً لمن يقول: إن الإمام لا يقول: آمين، عملاً برواية أو بحديث: ((فإذا قال: {وَلاَ الضَّالِّينَ} [(7) سورة الفاتحة] فقولوا: آمين)) كما قالوا في: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد)).

((إذا أمن الإمام فأمنوا)) يدل على أن التأمين يشترك فيه الإمام والمأموم، لكن هذا الحديث يدل على أن تأمين المأموم متأخر عن تأمين الإمام، والحديث الآخر: ((إذا قال: {وَلاَ الضَّالِّينَ} [(7) سورة الفاتحة] فقولوا: آمين)) يدل على أن المأموم يقول: آمين بمجرد فراغ الإمام من قوله: {وَلاَ الضَّالِّينَ} [(7) سورة الفاتحة] مع أن آمين مشروعة لكل مصلٍ، يعني تأمين الإمام مأخوذ من هذا الحديث، وموافقة الإمام للمأموم في التأمين مأخوذ من الحديث الثاني، يعني إذا كان المأموم يقول: آمين متى؟ إذا قال الإمام: {وَلاَ الضَّالِّينَ} [(7) سورة الفاتحة] الإمام متى يقول: آمين؟ بعد ما يقول: {وَلاَ الضَّالِّينَ} [(7) سورة الفاتحة] يقول: آمين، إذاً هما يشتركان في الوقت، ومن وافق تأمينه تأمين الملائكة من الإمام أو المأمومين غفر له ما تقدم من ذنبه، والموافقة تكون في الوقت، وعلى هذا ينظر في عدد المدود في آمين، الموافقة لا بد أن تكون من جميع الوجوه المحتملة في الوقت بداية ونهاية، وفي الاستحضار؛ لأن آمين دعاء بمعنى: اللهم استجب، والدعاء لا يستجاب من قلب غافل، فلا بد من الاستحضار، والموافقة في الوقت لا يتأخر ولا يتقدم، وأيضاً الخشوع وحضور القلب، كل هذا له أثر في غفران ما تقدم من ذنبه.

آمين: هكذا بالمد، هذه هي اللغة الفصحى، وهي الأشهر من بين اللغات، فقد قيل: بالقصر: أمين، وقيل: بتشديد الميم: آمّين، يعني قاصدين بذلك وجه الله تعالى، لكن القراء كلهم على المد مع التخفيف.

((غفر له ما تقدم من ذنبه)).

طالب:.......

في إيش؟

طالب:.......

في إيش؟

طالب:.......

لا لا مع الإمام، إذا قال: {وَلاَ الضَّالِّينَ} [(7) سورة الفاتحة] ثم قال: آمين، قل معه، مجرد ما يقال: {وَلاَ الضَّالِّينَ} [(7) سورة الفاتحة] قل: آمين، مثل ما يفعل الناس اليوم، واضح.

طالب:.......

لا لا، وشو لون أمن معه؟ نفس الشيء.

طالب:.......

أيوه.

طالب:.......

وأنت معه.

طالب:.......

إيه خلاص، هذا الصحيح، يعني لا تنتظر إلى أن يفرغ الإمام من قوله: آمين، كما هو مقتضى الحديث -حديث الباب- ((إذا أمن فأمنوا)) مقتضاه مثل ((إذا كبر فكبروا)) إذا فرغ فكبروا، لكن يحمل على المعنى الثاني، وهو أنه إذا شرع فأمنوا معه.

((غفر له ما تقدم)) (ما) نكرة، أو من ألفاظ العموم، تشمل جمع ما تقدم من ذنبه، وعلى هذا يكون الذنب المغفور شامل للكبائر والصغائر، هذا مقتضى العموم غفر له ما تقدم من ذنبه، وهذا سياق امتنان، يزيد في العموم والشمول.

((غفر له ما تقدم من ذنبه)) فليحرص الإنسان، ولا يغفل عن التأمين، ولا يتراخى بحيث يفوته التأمين، وجاء عن بلال أنه قال: "لا تسبقني بآمين" فلا شك أن هذا فضل عظيم من الله -جل وعلا-، وإن قال جمع من أهل العلم: إن المراد ما تقدم من ذنبه يعني من الصغائر، وأما الكبائر فلا بد لها من توبة، وجاء القيد في بعض النصوص في غير هذا الموضع، ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن من الذنوب ما لم تغش كبيرة)) أو ((ما ارتكبت كبيرة)) فعلى كل حال الكبائر في قول جمهور أهل العلم لا بد من التوبة، والتخلص منها بالتوبة، وأما بالنسبة للصغائر فتكفر بمثل هذا، وفضل الله واسع لا يحجر فضل الله، ولا يجزم بأن الكبائر لا تكفر بمثل هذا، لكن مع ذلك على من ارتكب الكبيرة أن يتوب إلى الله -جل وعلا.

"متفق عليه".

"وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين" في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر يقرأ بفاتحة الكتاب وسورتين، سورتين في كل ركعة أو في الركعتين؟ في الركعتين، لو أراد في كل ركعة ماذا يقول؟ يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، يعني أولاً: اقتران السورتين بفاتحة الكتاب يدل على إيش؟ على أنهما في الركعتين؛ لأن فاتحة الكتاب تقرأ في الركعتين، ولو أراد ركعة واحدة لقال: وسورتين سورتين، نعم؟ يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين سورتين، كما يقول: توضأ مرة مرة، مرتين مرتين، وهذا لتعدد الأعضاء، ولو كان المراد لعضو واحد لقال: توضأ مرتين، المقصود أن هذا أمر ظاهر، وهو أن في كل ركعة سورة، ولا يمنع من أن تجمع السور، فيقرأ في كل ركعة أكثر من سورة، فقد أقر النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي يقرأ بسورة الإخلاص مع السورة، فلا يوجد ما يمنع من قراءة سورتين في ركعة واحدة، وقد صلى النبي -عليه الصلاة والسلام- في ركعة واحدة بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، فجمع السور في ركعة واحدة ما فيه إشكال جائز، دلت عليه هذه النصوص، لكن هنا يقرأ بفاتحة الكتاب وسورتين في كل ركعة سورة، وهذا ظاهر السياق.

"ويسمعنا الآية أحياناً" يعني في الصلاة السرية يسمعهم الآية أحياناً، فدل على أن الإسرار والجهر لا على سبيل الوجوب، بل العلماء يطلقون الكراهة، إذا جهر بالسرية، أو أسر بالجهرية، والصلاة صحيحة، وينبغي أن يعلم أنه ما لم يكن ذلك ديدناً للمصلي.

حينما يطلقون الكراهة من جهر في سرية، أو عكس كره، الكراهة هذه ليست مطلقة، فإذا فعل ذلك أحياناً كره، لكن إذا كان ديدنه هذا لا يصلي صلاة ظهر إلا ويجهر، ولا يصلي صلاة صبح إلا ويسر، نقول: هذا مبتدع، وليس حكم فعل الشيء أحياناً مثل فعله باستمرار، يعني الوتر عند الإمام أحمد سنة، لكن من داوم على تركه فهو رجل سوء، ينبغي أن ترد شهادته، ففعل الشيء أحياناً لا سيما إذا كان لبيان الجواز غير فعله باستمرار، فالأصل الاقتداء، فكان يجهر بالصبح والمغرب والعشاء، ويسر بالظهر والعصر، لكنه يسمعهم الآية أحياناً.

"وكان يطول الركعة الأولى من الظهر" بحيث يذهب الإنسان بعد الإقامة ويتوضأ ويرجع فيدرك الركعة، يطول الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية، يعني تقصيراً نسبياً بالنسبة للأولى، ولا يعني أنه ينقرها، لا، "ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب فقط" ويأتي ما يدل على أنه قد يقرأ في الركعتين الأخريين على النصف مما كان يقرأه في الركعتين الأوليين.

يقول: "متفق عليه، واللفظ لمسلم، وفي رواية البخاري: "وكان يطول الأولى من صلاة الفجر، ويقصر في الثانية" وهذا أيضاً تقصير نسبي، وأيضاً تطويل نسبي، لا يمل المأموم ولا يفتن المأموم عن صلاته، بل لا بد من مراعاة المأموم وملاحظته، كما أن التقصير نسبي لا يصل إلى حد يخل بالصلاة أو بالقراءة.

قراءة السورة بعد الفاتحة سنة عند جماهير أهل العلم، والواجب إنما هو الفاتحة، أو ما تيسر عند الحنفية على ما تقدم، والمرجح قول الجمهور، وأن الفاتحة متعينة، لا بد منها، وما زاد وما تيسر فهو قدر زائد على الفاتحة الجمهور على أنه سنة، ومن أهل العلم من أوجب مع الفاتحة سورة ولو قصيرة، أو ما تيسر من القرآن؛ لأن المسيء أمر بذلك، وعلى كل حال قول عامة أهل العلم هو المعتمد.

طالب:.......

لا ما تسقط.

طالب:.......

العاجز له حكمه.

"يطول الأولى من صلاة الفجر" صلاة الفجر سمتها الطول، ولذا جاء في حديث: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في الحضر إلا المغرب فإنها وتر النهار، وإلا الفجر فإنها تطول فيها القراءة" ولذا سميت قرآن {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [(78) سورة الإسراء] المراد به صلاة الفجر الذي يجتمع فيها الملائكة، واقتصر على القراءة منها لأنها أطول أركانها وأجزائها.

ثم قال: "وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كنا نحزر" يعني نقدر "قيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الظهر والعصر" لأنهم لا يسمعون القراءة، والذي لا يسمع يقدر، لكن لو كانوا يسمعونها لقالوا: كان يقرأ آلم تنزيل، في حديث صلاة الكسوف مما يستدل به من يقول: إن صلاة الكسوف سرية في حديث صلاة الكسوف في حديث ابن عباس يقول: "فقام قياماً طويلاً قرأ نحواً من سورة البقرة" هذه يستدل بها من يقول: إن قراءة صلاة الكسوف سرية، لكن لا يمنع أن يكون عدم سماعه للقراءة البعد من مكان الإمام، وأما الإمام فقد جهر وسمعه من سمعه، وجاء الجهر بصلاة الكسوف عن عدد من الصحابة، الذي لا يسمع يقدر، وهكذا في صلاة الظهر والعصر تقدر.

"كنا نحزر قيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر: آلم تنزيل السجدة" في الركعتين الأوليين قدر آلم تنزيل السجدة، يعني هل يقرأ قدر آلم تنزيل في الركعتين أو في الركعة الواحدة؟

"وحرزنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على قدر النصف من ذلك، وفي رواية: بدل آلم تنزيل السجدة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين: قدر خمس عشرة آية" هل قراءة هذا المقدار في كل ركعة أو في الركعتين؟ في كل ركعة ثلاثين آية من الركعتين الأوليين، ومن الأخريين خمس عشرة آية في كل ركعة، أو نقول: إنه في الركعتين الأوليين يقرأ ثلاثين آية، وفي الركعتين الأخريين يقرأ خمس عشرة آية؟ نعم؟

طالب:.......

هذا الظاهر، هذا هو الظاهر أنه يطيل القراءة في صلاة الظهر أطول من القراءة في صلاة العصر، ويطيل القراءة في الركعتين الأوليين أكثر من إطالة القراءة في الركعتين الأخريين.

"قدر آلم تنزيل السجدة" يعني تقرأ آلم تنزيل السجدة في ركعة في صلاة الظهر، ثم يقرأ في الركعة الثانية قريباً منها، ثم في الأخريين قدر النصف من ذلك، كما جاء تفسيره في الرواية الأخرى قدر خمس عشرة آية.

"وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر" يعني خمس عشرة آية في كل ركعة "وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك" يعني سبع آيات، ثمان آيات، والقاعدة في صلاته -عليه الصلاة والسلام- أن كل ركن أو كل ركعة تكون أطول من التي بعدها، كما في قوله: كان يطول الأولى من صلاة الفجر، ويطول الأولى من الظهر، ويقصر الثانية وهكذا، وجاء في صلاة الكسوف التدرج، قام قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام قياماً طويلاً دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً دون الركوع الأول، وهكذا بقية الصلاة، فصلاته -عليه الصلاة والسلام- متدرجة أولها أطولها، ثم بعد ذلك يخفف تدريجياً.

هذا مقتضى ما جاء في وصف صلاته -عليه الصلاة والسلام-، لكنه ليس بمطرد، إنما هذا هو الغالب، وقد يطول الثانية شيئاً يسيراً أطول من الأولى، يعني سبح والغاشية أيهما أطول؟ الغاشية أطول بسطر واحد، ما في فرق يسوى، نعم، الجمعة والمنافقون متقاربتان إلا أن الثانية أطول من الأولى بسطر، يعني ليست هذه قاعدة مطردة لا يحاد عنها، بل قد تقتضي القراءة الزيادة في الركعة الثانية؛ لأنه ركع في الأولى في عشرين آية مثلاً، لما أراد أن يركع في خمس عشرة آية وجد القصة مترابطة ويمكن يختل المعنى إذا ركع فأطالها، وزاد فيها، فالمقاطع هي التي تحكم الإمام، لكن ينبغي أن يدخل الإمام على بينة، وأن الأولى أطول من الثانية هذا الأصل.

طالب:.......

إيه، لكن ما يضر هذا، ما يضر، عكس هذا.

طالب:.......

إذا فعله أحياناً ما يخالف السنة؛ لأنه فعله النبي -عليه الصلاة والسلام-، لكنه في أحوال نادرة، وإن كان الأصل أن يكون التدرج في الركعات، وكذلك السجدات، بعض الأئمة يلاحظ عليه أنه يطيل آخر سجدة من الصلاة، وهذا لاحظناه من أئمة حتى من شيوخ كبار تجده يطيل آخر سجدة، ومقتضى التدرج في التخفيف من صلاته -عليه الصلاة والسلام- يقتضي أن آخر سجدة هي أخف السجدات، أليس ملاحظ أن بعض الأئمة يطيل السجدة الأخيرة؟ وكأنه بذلك يصلي صلاة مودع، يعني يودع الصلاة، وكأنه غفل في سجداته الأولى فأراد أن يعوض، ويكثر من الدعاء في سجدته الأخيرة؛ لأن بعض الناس يغفل في أثناء صلاته، ثم إذا انتبه أراد أن يعوض، وعلى كل حال هذا لا يؤثر، لكن لا يكون عادة ولا ديدناً.

الركعتين الأخريين من صلاة الظهر والعصر معروف أنه في الركعتين الأوليين يقرأ الفاتحة، ويقرأ معها سورة أو أكثر.

في الركعتين الأخريين في هذا الحديث ما يدل على أنه يقرأ مع الفاتحة سورة، أو شيء من القرآن بقدر نصف ما يقرأ في الركعتين الأوليين، بقدر ما يقرأ في الركعتين الأوليين، وجاء ما يدل على عدم القراءة فيهما وهو الأصل، لكن هذا يفعل أحياناً.

"آلم تنزيل السجدة" قلنا: إن السياق يحتمل أن تكون في الركعتين، ويحتمل أن تكون في الركعة الواحدة، وليس المقصود السورة بذاتها، وإنما المقصود قدرها، ولذا قال في الرواية الأخرى: قدر ثلاثين آية، فماذا عن قراءة السورة في الركعتين في فجر الجمعة وفي غيره من الأوقات؟

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.