تعليق على تفسير سورة البقرة (91)

عنوان الدرس: 
تعليق على تفسير سورة البقرة (91)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير ابن كثير
تاريخ النشر: 
جمعة 23/ Dhu al-Qada/ 1440 8:00 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

قال الإمام ابن كثيرٍ –رحمه الله تعالى-: "وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلُّوا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ؛ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا، فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا لَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُونَهَا حَتَّى يَأْمَنُوا. وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ.

وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: حَضَرْتُ مُنَاهَضَةَ حِصْنِ تُسْتَر عِنْدَ إضَاءَةِ الْفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا. قَالَ أَنَسٌ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.

هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ تَأْخِيرِهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بِعُذْرِ الْمُحَارَبَةِ إِلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وَبِقَوْلِهِ –صلى الله عليه وسلم- بَعْدَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ لَمَّا جَهَّزَهُمْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي الطَّرِيقِ فَصَلَّوْا، وَقَالُوا: لَمْ يُرِدْ مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا تَعْجِيلَ السَّيْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَتْهُ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْقَوْلِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ وَيُعَوِّلُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَوَرَدَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَإِنَّمَا شُرِعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فَيُجِيبُونَ بِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُنَافِي جَوَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا حَالٌ نَادِرٌ خَاصٌّ فَيَجُوزُ فِيهِ مِثْلُ مَا قُلْنَا بِدَلِيلِ صَنِيعِ الصَّحَابَةِ زَمَنَ عُمَرَ فِي فَتْحِ تُسْتَرَ، وَقَدِ اشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فصلاة الخوف صحَّت عن النبي –عليه الصلاة والسلام- على أوجه ستة أو سبعة، والخلاف فيها هل تصلى إلى حد الإيماء أو لا بُد من صلاتها على صفتها بكمالها إذا كانت في الحضر أو بِقصرِها إذا كانت في السفر أو يصل الأمر إلى أن تُصلى ركعة واحدة كما ذُكِر عن ابن عباس وغيره؟ وكل هذا مبني على الخلاف في تقدم غزوة ذات الرقاع على الخندق أو تأخرها عنها.

منهم من يقول: إن غزوة ذات الرقاع متقدمة تُصلى على صفتها ولا يُنقص منها شيء.

ومنهم من يقول: إن غزوة الخندق في تأخير الصلاة هو المتقدم، وعلى هذا فتُصلى على أي حالةٍ أمكنت حسبًا أو تبعًا لظروف اللقاء.

وعلى كل حال سواءٌ قلنا بهذا أو هذا، والبخاري –رحمه الله- يُرجِّح تأخر غزوة ذات الرقاع عن الخندق، وأنها ناسخة لها مع أنه يرى في حالة الضرورة القصوى التي لا يُمكن فيها إلا التكبير أن تؤخَّر الصلاة.

في غزوة الخندق النبي –عليه الصلاة والسلام- أخَّر الصلوات صلاة العصر إلى غروب الشمس صلاها بعد المغرب؛ لأنها عند جمعٍ من أهل العلم مع جواز التصرف في صفتها أنها صلاة حضر لا يجوز قصرها، بل تُصلى كاملة بحسب ما يتيسر؛ لأنها في الحضر في المدينة، ومنهم من لم يلتفت إلى هذا الوصف ويقول: إن صلاة الخوف تُصلى على حسب ما جاء عن النبي –عليه الصلاة والسلام- سواءً كانت في حضرٍ أو في سفر.

وعلى كل حال الظروف تحكم فإن أمكنت الصلاة على هيئتها من غير إخلالٍ بها فهذا هو الأصل، وإن لم يُمكن فقد ثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- شيء من الإخلال بأصل الصلاة؛ لظروف الحرب، فصلى بقوم، ثم رجعوا، ثم تقدَّم غيرهم، ثم رجعوا وهكذا، صلوات على صفات متعددة معروفة لدى طلاب العلم ستة أوجه أو سبعة.

فالذي ذكره هنا أنها لا تُصلى ولا تؤخَّر عن وقتها مهما بلغ الخلل ما بقي ركعة لا تؤخَّر عن وقتها إلا في حال في ضرورةٍ لا يُمكن فيها الإتيان بركعة.

ثم قال في آخر الكلام: "وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْقَوْلِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ وَيُعَوِّلُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَوَرَدَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ" إنما شُرِعت في غزوة ذات الرقاع وهي على قول الجمهور متأخرة عن غزوة الخندق.

البخاري -ويُرجِّحه ابن القيم- يرى أن غزوة ذات الرقاع بعد الخندق.

"لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَإِنَّمَا شُرِعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فَيُجِيبُونَ بِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُنَافِي جَوَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا حَالٌ نَادِرٌ" لا يُنافي تأخير الصلاة بالحالة النادرة جدًّا، وإلا فالأصل أن الصلاة لا تؤخَّر، بل تؤدى في وقتها على أي حالٍ تكون فيها مجزئة بركعة على الأقل.    

"لِأَنَّ هَذَا حَالٌ نَادِرٌ خَاصٌّ فَيَجُوزُ فِيهِ مِثْلُ مَا قُلْنَا بِدَلِيلِ صَنِيعِ الصَّحَابَةِ زَمَنَ عُمَرَ فِي فَتْحِ تُسْتَرَ، وَقَدِ اشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ" لأنه يقول في فتح تُستر: صلينا عند إضاءة الفجر "حَضَرْتُ مُنَاهَضَةَ حِصْنِ تُسْتَر عِنْدَ إضَاءَةِ الْفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ" يعني أخَّروها عن وقتها.

طالب: ...........

يُصلون على حسب حالهم.

طالب: ...........

حال الضرورة القصوى الذي لا يستطيع فيها الإنسان هو معذورٌ فيها على أي حال يعذرون في صلاة أهل الأعذار في أقل من هذا، لكن أنت لك أن تُورِد أن صلاة الخوف حتى الصور التي صلاها النبي –صلى الله عليه وسلم- فيها أوجه يُمكن أن تؤدى الصلاة فيها كاملة، ويُغتفر هذا كله من أجل الالتفاف حول إمامٍ واحد.

فعلى كل حال المسألة كما ترون، والخلاف معلوم عند أهل العلم سواءً تقدمت غزوة ذات الرقاع أو تأخَّرت، فتأخير الصلاة عن وقتها لا يجوز إلا في ضرورةٍ قصوى هذه الخلاصة.

طالب: ...........

قالوا: إن صلاة الحضر أربع ركعات، والسفر ركعتان، والخوف واحدة، ما روي عن ابن عباس وغيره.

طالب: ...........

لا، حتى على مستوى الجماعة إذا ما أمكن يُصلون أفرادًا، يُصلي لا يُفوِّت الوقت.

طالب: ...........

هو الحرص على الجماعة في الحروب من أجل إرهاب العدو، فمن أجل إرهاب العدو والحرص على هذه الجماعة اغتُفِر كثير من الأمور التي كانت مُبطلة خارج الخوف.

طالب: ...........

تصلي على حسب حالك.

طالب: ...........

يعني يُغتفَر عن الطهارة في هذا الأمر؟ في مسألة إذا خُشي خروج الوقت، والإنسان عليه طهارة، ولتكن كبرى جنابة الخلاف بين أهل العلم معروف فيمن استيقظ من نومه فإذا به جُنُب وما بقي إلا خمس دقائق أو عشر دقائق، يقولون: هذا لا بُد من تحصيل الطهارة؛ لأن وقته بدأ من الآن، وأما في صورٍ أخرى فلا يعذرونه، الطهارة عند جمهور أهل العلم أهم من الوقت، ومالك –رحمه الله تعالى- يرى أن الوقت أهم؛ ولذلك صدَّر كتابه بوقوت الصلاة، وعامة أهل العلم على تصدير الكتب بكتاب الطهارة.

"وَقَوْلُهُ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} [البقرة:239] أَيْ: أَقِيمُوا صَلَاتَكُمْ كَمَا أُمِرْتُمْ فَأَتِمُّوا رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَقِيَامَهَا وَقُعُودَهَا وَخُشُوعَهَا وَهُجُودَهَا".

ما الهجود؟ يقول: "وَهُجُودَهَا" ما المراد به؟

طالب: ...........

القيام هو الهجود؟ يُطلق على القيام القنوت {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] فمن معاني القيام القنوت، لكن الهجود؟

طالب: ...........

هو ذكر الخشوع.

طالب: الوقت.

لا، ما له علاقة، هو قريب من الخشوع فإن كان في الأطراف فهو الطمأنينة، وإن كان في القلب فهو الخشوع.

"{كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة:239] أَيْ: مِثْلَ مَا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ وَهَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ وَعَلَّمَكُمْ مَا يَنْفَعُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَابِلُوهُ بِالشُّكْرِ وَالذِّكْرِ، كَقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النِّسَاءِ:103]، وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَصِفَاتِهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} الآية [النساء:102].

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة:240-242].

قَالَ الْأَكْثَرُونَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِالَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234].

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع عَنْ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكة، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة:234] قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ.

وَمَعْنَى هَذَا الْإِشْكَالِ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِعُثْمَانَ: إِذَا كَانَ حُكْمُهَا قَدْ نُسِخَ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهَرِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِبْقَاءِ رَسْمِهَا مَعَ زَوَالِ حُكْمِهَا، وَبَقَاءِ رَسْمِهَا بَعْدَ الَّتِي نَسَخَتْهَا يُوهِمُ بَقَاءَ حُكْمِهَا؟ فَأَجَابَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ تَوْقِيفِيٌّ، وَأَنَا وَجَدْتُهَا مُثَبَّتَةً فِي الْمُصْحَفِ كَذَلِكَ بَعْدَهَا فَأُثْبِتُهَا حَيْثُ وَجَدْتُهَا".

يعني هو أورد الإشكال من وجهين:

الوجه الأول: أنه أبقاها، وهي منسوخة الحُكم.

والمنسوخ ينقسم إلى:

ما هو منسوخ الحُكم والتلاوة.

وما هو منسوخ الحُكم فقط وهو الأكثر.

وما هو منسوخ التلاوة دون الحكم وهذا قليل.

وهذا من النوع المنسوخ في الحكم دون التلاوة.

والإشكال الآخر: أنها وقعت بعد الآية التي نسختها، والأصل أن يكون المنسوخ قبل الناسخ، ولكن هكذا كُتِبت في المصاحف، والأمر توقيف ليس لأحدٍ أن يتصرف.

طالب: ...........

أزواجك لا يحل لك النساء من غيرهن.

"قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، قال: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة:240] فَكَانَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا نَفَقَتُهَا وَسُكْنَاهَا فِي الدَّارِ سَنَةً، فَنَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ، فَجُعِلَ لَهُنَّ الرُّبُعُ أَوِ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكَ الزَّوْجُ، ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ، وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالسُّدِّيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ.

وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ اعْتَدَّتْ سَنَةً".

إذا كان المقصود العِدة، وأنها تستمر الحول، وهذا ما يؤيده ما جاء في الصحيحين وغيرهما أن المرأة كانت تعتد، تمكث سنة في بيتها لا تخرج ولا تمس ماءً، ولا تفعل شيئًا، وهذا هو الإحداد قبل الإسلام، الإحداد الشرعي معروف أنها لا تتزين، وأما التطهر وما التطهر فلا دخل له في هذا.

فإن كان المقصود العدة وهي مدتها سنة على ما جاء في هذه الآية وفي الأحاديث الصحيحة إن كان المقصود العدة فقطعًا هي منسوخة، وإن كان المقصود الوصية للزوجة لمدة سنة، والسكنى لمدة سنة بغض النظر عن الإحداد، فقال به جمعٌ من أهل العلم، وهو مُحتمِل، فلا تكون حينئذٍ منسوخة.  

"وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ اعْتَدَّتْ سَنَةً فِي بَيْتِهِ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234].

فَهَذِهِ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا وَقَالَ: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} [النِّسَاءِ:12] فَبَيَّنَ مِيرَاثَ الْمَرْأَةِ وَتَرَكَ الْوَصِيَّةَ وَالنَّفَقَةَ.

قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالرَّبِيعِ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالُوا: نَسَخَتْهَا {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234].

قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: نَسْخَتْهَا الَّتِي فِي الْأَحْزَابِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [الْأَحْزَابِ:49] الآية.

قُلْتُ: وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِلٍ وَقتادة: أنها منسوخة بآية الميراث.

وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن رَاهْوَيْهِ، قال: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة:234] قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ للمعتدة، تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} [البقرة:240].

قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ".

يعني يبقى مدة الإحداد والعدة أربعة أشهر وعشرًا، والوصية ما زاد على ذلك إلى السَّنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، فلا تعارض حينئذٍ.

"إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة:240] فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا زَعَمَ ذَلِكَ مُجَاهِدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ-.

وَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة:240].

قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهَا وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ} [البقرة:240]، قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَا سُكْنَى لَهَا، ثُمَّ أَسْنَدَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ بهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى وُجُوبِ الِاعْتِدَادِ سَنَةً كَمَا زَعَمَهُ الْجُمْهُورُ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهَرِ وعشر، وَإِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ بَابِ الْوَصَاةِ بِالزَّوْجَاتِ بأَنْ يُمكَّنَّ مِنَ السُّكْنَى فِي بُيُوتِ أَزْوَاجِهِنَّ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ حَوْلًا كَامِلًا إِنِ اخْتَرْنَ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ} [البقرة:240] أَيْ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ بِهِنَّ وَصِيَّةً كَقَوْلِهِ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} الْآيَةَ [النِّسَاءِ:11]، وَقَوله: {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} [النِّسَاءِ:12].

وَقِيلَ: إِنَّمَا انْتَصَبَ عَلَى مَعْنَى: فَلْتُوصُوا بِهِنَّ وَصِيَّةً، وَقَرَأَ آخَرُونَ بِالرَّفْعِ (وَصِيَّةٌ) عَلَى مَعْنَى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ وَصِيَّةٌ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ جَرِيرٍ، وَلَا يُمْنَعْنَه مِنْ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة:240]، فَأَمَّا إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَاخْتَرْنَ الْخُرُوجَ وَالِانْتِقَالَ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ فَإِنَّهُنَّ لَا يُمْنَعْنَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ: {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} [البقرة:240]، وَهَذَا الْقَوْلُ لَهُ اتِّجَاهٌ، وَفِي اللَّفْظِ مُسَاعَدَةٌ لَهُ، وَقَدِ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ: الْإِمَامُ أبو العباس ابن تَيْمِيَّةَ، وَرَدَّهُ آخَرُونَ، مِنْهُمُ: الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ".

لو نظرنا في الآية هل هي نص في أن العدة كانت حولًا؟ فيها ما يدل على أن المرأة تمكث لمدة سنة تعتد على زوجها، ثم نُسِخ؟ لكن هناك توطئة لهذا القول، وأن العرب في جاهليتهم كانوا على هذا –لمدة سنة- فقبِلت النفوس قول الجمهور مباشرةً؛ لأن فيه توطئة وفي أحاديث في الصحيحين تدل على أن العِدة كانت سنة، وأن المرأة في الجاهلية كانت تمكث سنة لا تمس ماءً، ولا تُغيِّر ثيابها، ولا شيء، وإذا جاء رأس الحول أخذت بعرةً ورمتها، وكأن هذا المُكث من أجل زوجها، وحقه لا يُعادل هذه البعرة، وتأخذ طيرًا أو حيوانًا فتفتض به، فقلما أن تفتض بشيءٍ إلا مات من شدة الرائحة القبيحة، هذا الحديث في الصحيحين، النفس تهيَّأت لقبول هذا الرأي.

ولذلك عامة أهل العلم عليه بضميمة الآية إلى الحديث، فتهيئوا لهذا؛ ولذلك ما يقول به إلا شخص عنده من الجرأة في الاختيار ما عنده، يعني القرآن كله فيه ناسخ ومنسوخ، والأصل أن يكون الناسخ هو المتأخر، حتى في الرسم، حتى في الكتابة في المصحف إلا هذه الآية، لكن مع ذلك إذا صح هذا فما لأحدٍ كلام.

"وَهَذَا الْقَوْلُ لَهُ اتِّجَاهٌ، وَفِي اللَّفْظِ مُسَاعَدَةٌ لَهُ، وَقَدِ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ: الْإِمَامُ أبو العباس ابن تَيْمِيَّةَ، وَرَدَّهُ آخَرُونَ مِنْهُمُ: الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ" أئمة، لكن يبقى أن عامة أهل العلم على ما اختاره ابن عبد البر. 

"وَقَوْلُ عَطَاءٍ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ إِنْ أَرَادُوا مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَالْعَشْرِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ سُكْنَى الْأَرْبَعَةِ أَشْهَرِ وَعَشْرٍ لَا تَجِبُ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ فَهَذَا مَحَلُّ خِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ".

المنسوخ بآية الميراث ما يختص بالمال وصية، الوصية للمرأة يُوصى بها، ولها ألا تُخرَج لمدة سنة.

"وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة: أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَخْبَرَتْهَا: أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدرة، فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِطَرَفِ الْقُدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي فِي بَنِي خُدرة، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «نَعَمْ» قَالَتْ: فَانْصَرَفْتُ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحِجْر".

في الحجرةِ، في الحِجر أم حجرة؟

طالب: ...........

عندنا حجرة، انظر النسخة.

طالب: في الحجرة.

في الحجرة عندي.

"فَانْصَرَفْتُ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الحُجرةِ نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْ أَمَرَ بِي فَنُودِيْتُ لَهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ قُلْتِ؟» فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ لَهُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِي، فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»".

امكثي؟

طالب: في بيتك.

عندنا اسكني، ماذا عندك أنت؟

طالب: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ».

"فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ.

وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ بِهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.     

وَقَوْلُهُ: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:241] قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [الْبَقَرَةِ:236] قَالَ رَجُلٌ: إِنْ شئتُ أَحْسَنْتُ فَفَعَلْتُ، وَإِنْ شئتُ لَمْ أَفْعَلْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:241]".

يعني لا يستطيع أن يقول: إن شئت اتقيت، وإن شئت لم أتقِ، كما قال: إن شئت أحسنت، وإن شئت لم أُحسِن.

طالب: ...........

بقيت على التشريع الجديد أم ...

طالب: ...........

على الآية، الآية منسوخة بالاتفاق، وأنها لا تجلس إلا بقدر العدة.

طالب: ...........

لا، هذا قول مرجوح أنها تجلس سنة.

"وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ الْمُتْعَةِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُفَوَّضَةً أَوْ مَفْرُوضًا لَهَا أَوْ مُطَلَّقةً قَبْلَ الْمَسِيسِ أَوْ مَدْخُولًا بِهَا، وَهُوَ قَوْلٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا مُطْلَقًا يُخَصِّصُ مِنْ هَذَا الْعُمُومَ مَفْهُوم قَوْلِهِ: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:236]، وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ: بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ، فَلَا تَخْصِيصَ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَنْصُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

يعني هل هذا الكلام على إطلاقه بأن هذا من باب ذِكر بعض أفراد العموم فلا تخصيص؟ يعني إذا ذُكِر بعض أفراد العام بحكمٍ موافق لحكم العام فلا تخصيص حينئذٍ، إذا كان حُكم الخاص موافقًا لحُكم العام حينئذٍ لا تخصيص، يكون ذِكر الخاص من باب الاهتمام به والعناية بشأنه، ولا يقتضي الخصوص، بخلاف ما إذا كان حكم الخاص مخالفًا لحكم العام، وهنا يرد التخصيص.

"وَقَوْلُهُ: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} [البقرة:242] أَيْ: فِي إِحْلَالِهِ وَتَحْرِيمِهِ وَفُرُوضِهِ وَحُدُودِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، بيَّنه وَوَضَّحَهُ وَفَسَّرَهُ وَلَمْ يَتْرُكْهُ مُجْمَلًا فِي وَقْتِ احْتِيَاجِكُمْ إِلَيْهِ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة:242] أَيْ: تَفْهَمُونَ وَتَتَدَبَّرُونَ".

كما قال –جلَّ وعلا- عن كتابه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:38]، لكن الفهوم تتفاوت، والإدراك يختلف، وبلوغ النصوص من شخصٍ إلى آخر يختلف؛ ولذا وجِدت الأقوال بين أهل العلم والخلافات، وإلا فالأصل أنهم لو استووا في فهومهم ومداركهم واستيعابهم للنصوص ما حصل هذا الاختلاف.

طالب: ...........

نعم.

طالب: .........

لكن هل الجمع مقبول عند كل أحد في هذه الصورة التي ذكرها؟

طالب: ...........

عنده له وجه عند غيره ما له وجه، مثل ابن عبد البر يرى وجهًا لمثل هذا الكلام؟

طالب: ...........

هو إذا أمكن الجمع بوجهٍ مقبول عند الجميع، عندك ابن خزيمة يقول: لا أجد حديثين من أحاديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بينهما تعارض ألبتة، لا يوجد حديثان متعارضان صحيحان عن النبي –صلى الله عليه وسلم- ألبتة، من وُجِد عنده شيءٌ من ذلك فليأتني؛ لأؤلِّف بينهما.

ماذا صنع في حديث «ولا يَؤُمَّنَّ أحَدُكم قومًا فيَخُصَّ نَفْسَه بدعوةٍ دونَهم»؟ قال: موضوع، لماذا؟ ما أدرك الجمع مع حديث «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ» النبي –عليه الصلاة والسلام- خصَّ نفسه بدعوةٍ دونهم، أمكن الجمع عند عامة أهل العلم.

إما أن يُحمَل على الدعاء الذي يؤمَّن عليه، فلا يسوغ لإمامٍ أن يؤم الناس ويقول: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، والناس يقولون وراءه: آمين، يجوز مثل هذا؟ الدعاء الذي يؤمَّن عليه.

وحمله بعضهم على الدعاء الذي لا يشترك فيه الجميع، دعاء الاستفتاح يشترك فيه الجميع، دعاء كذا؛ ولذلك لو دعا لنفسه بالسجود بدعاءٍ لا يغلب على ظنه أن المأمومين يدعونه يلزمه أن يشركه فلا يخص نفسه بدعاء، هذا مسلك من المسالك، لكن قول شيخ الإسلام هو الأظهر –الأول- أنه: الذي يؤمَّن عليه هو الذي بين الإمام وبين ربه.

طالب: ...........

تلاحظون شيئًا ما تدري عنه؟

طالب: ...........

متقدم على أيش؟ على كتابة المصحف، عثمان يجد آية منسوخة حكمها ولفظها لا يجوز أن نُغيره هكذا وجدها في الصُّحف.

طالب: ...........

في مصاحفهم موجودة.

طالب: ...........

في آخر الكلام، طيب في آخر شيء "يُخَصِّصُ مِنْ هَذَا الْعُمُومَ مَفْهُومِ قَوْلِهِ: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة:236]" من هذا العموم ماذا عندك أنت؟

طالب: ...........

من هذا العموم، يُخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى أو يُخصص هذا العموم بمفهوم قوله تعالى ما فيه أشكال.

طالب: ...........

التي مات زوجها وهي... الذي جاءها خبر أو نبأ وفاة زوجها هي تقول: ما ترك لي بيتًا، قد يكون ما ترك بيتًا ملكًا، ولا أين كان يسكنها؟ تسكن شارعًا! لا بُد لها من بيت، فالنفي إما أن يكون نفيًا لبيت ملك تملكه ويملكه قبلها، ولا بُد أن يُحمل على هذا.

طالب: "لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ".

يملكه نعم.