التعليق على تفسير القرطبي - سورة النور (09)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:

"السابعة: روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنَّهُ نَهَى عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهِ، وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ. قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ وجابر وأنس حديث عبد الله بن عمر وحديث حَسَنٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: رَأَيْتُ مُحَمَّدًا وَإِسْحَاقَ وَذَكَرَ غَيْرَهُمَا يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ."

الصواب أحمد، الذي في الترمذي أحمد وإسحاق.

رأيت محمدًا، صوابه أحمد، ما علق عليه في الحاشية عندك؟

الطالب: الذي في الترمذي أحمد؟

نعم.

"رأيت أحمد وَإِسْحَاقَ وَذَكَرَ غَيْرَهُمَا يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي الْمَسْجِدِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- أَتَى عَلَى قَوْمٍ يَتَبَايَعُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَجَعَلَ رِدَاءَهُ مِخْرَاقًا، ثُمَّ جَعَلَ يَسْعَى عَلَيْهِمْ ضَرْبًا وَيَقُولُ: يَا أَبْنَاءَ الْأَفَاعِي، اتَّخَذْتُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَسْوَاقًا هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ."

هذا الحديث يصل إلى درجة الحسن كما قال الترمذي، من حديث عمرو بن شعيب، والخلاف فيه معروف، الخلاف في عمرو بن شعيب معروف، لكن القول الوسط فيه أن حديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وتناشد الأشعار، وقد أنشد بين يديه -عليه الصلاة والسلام- الشعر في المسجد من قبل حسان وابن رواحة وغيرهما، والنشيد غير التناشد، كون شخص واحد ينشد بين يدي الخليفة، أو ما أشبهه، بكلامٍ ينصر فيه الإسلام، ويعز فيه الإسلام، ويذم فيه الشرك والمشركين، وقل مثل هذا في العلوم الشرعية، ولو جاءت على طريقة وعلى هيئة الشعر والمنظومات العلمية لا بأس بذلك، لكن التناشد والمراد يعني كل واحد ينشد ويرد عليه الآخر مما يحصل معه التفاخر والتباهي هذا هو محل المنع.

وأما البيع والشراء فمعروف النهي عنه، والنهي هنا للتحريم، والعقد غير صحيح عند الحنابلة، وصححه الجمهور، لكن يبقى أن الحديث يدل على النهي عن البيع والشراء، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة، ولو كان للعلم؛ لأنهم حينئذٍ يضيقون على المصلين، الشراح يذكرون هذه العلة، وأيضًا من جاء إلى الجمعة وهو بصدد التأهب لها، وسماع الخطبة والصلاة قبل ذلك حتى يقوم الإمام كما هو فعل السلف، وأما إلقاء الدروس وحلق العلم فلا ينبغي أن تكون يوم الجمعة قبل الصلاة، وأما بعد الصلاة أو بعد العصر فلا بأس به- إن شاء الله تعالى- وهو معلوم عند أهل العلم يصنعونه، كان شيخ الإسلام له درس في التفسير بعد صلاة الجمعة في الجامع، وغيره كثير.

طالب: السفر قبل الجمعة إذا غلب على ظنه أن يدرك الجمعة؟

السفر قبل الزوال ما فيه إشكال، لكن بعد الزوال يحرم عند أهل العلم، قبل الزوال إذا غلب على ظنه أنه يدرك جماعة يصلون جمعة في أي بلد من البلدان له ذلك.

"قلت: وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد."

لأنه مظنة للعبث بالمسجد، والعبث بالجملة مكروه، ومظنة أيضًا إلى تلويثه، فالصبيان لا يتحفظون عما يتحفظ منه الكبار، لكن هذه طريقة أيضًا مأثورة عند أهل العلم، علموا وتعلموا في المسجد، وأما ما جاء عن تجنيب الصبيان المساجد والمجانين، فخبر ضعيف «جنبوا صبيانكم ومجانينكم المسجد» معروف ضعفه عند أهل العلم، وقد كانوا يحضرون الحسن والحسين ويدخلون المسجد، ويحتفي بهم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقد صلى -عليه الصلاة والسلام- وهو حامل أمامة، كان ينوي أن يطيل الصلاة -عليه الصلاة والسلام- ثم يوجز فيها لما يسمع من بكاء الصبيان، كل هذا يدل على جواز إدخالهم المساجد، لكن لا يتركون يعبثون ويلوثون المسجد.

عندما يأتي الصبي غير المميز أكثر ما يعبث بالمصاحف، ويتركه أبوه على هذا العبث، لا يجوز بحال؛ لأن المصاحف محترمة، تشتمل على كلام الله -جل وعلا-، فينتبه لهذا.

" قُلْتُ: وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَعْلِيمَ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَأَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ. وَهَذَا إِذَا كَانَ بِأُجْرَةٍ، فَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ لَمُنِعَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ".               

على كل حال إن كان يرى أنه من باب البيع؛ لأنه بأجرة فيدخل فيه أيضًا تعليم الكبار، إذا كان بأجرة يدخل فيه تعليم الكبار.

"وَهُوَ أَنَّ الصِّبْيَانَ لَا يَتَحَرَّزُونَ عَنِ الْأَقْذَارِ وَالْوَسَخِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى عَدَمِ تَنْظِيفِ الْمَسَاجِدِ، وَقَدْ أمر -صلى الله عليه وسلم- بتنظيفها وتطييبها فقال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وسل سيوفكم، وإقامة حدودكم، ورفع أصواتكم وخصوماتكم، وأجمروها في الجمع، واجعلوا على أبوابها المطاهر» في إسناده العلاء بن كثير الدمشقي مولى بني أمية، وهو ضعيف عندهم."

الخبر ضعيف جدًّا.

"ذَكَرَهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ الْحَافِظُ. وَذَكَرَ أَبُو أَحْمَدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ الله عنه- قال: صليت صَلَّيْتُ الْعَصْرَ مَعَ عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَرَأَى خَيَّاطًا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ يَكْنُسُ الْمَسْجِدَ وَيُغْلِقُ الْأَبْوَابَ وَيَرُشُّ أَحْيَانًا. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: «جنبوا صناعكم من مساجدكم»  هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُجِيبٍ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ.

قُلْتُ: مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ طَرِيقُهُ لَيِّنًا فَهُوَ صَحِيحٌ مَعْنًى، يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بعض أهل العالم من التابعين رخصة في البيع وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي غَيْرِ حَدِيثٍ رُخْصَةٌ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ.

قُلْتُ: أَمَّا تَنَاشُدُ الْأَشْعَارِ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَمِنْ مَانِعٍ مُطْلَقًا، وَمِنْ مُجِيزٍ مُطْلَقًا، وَالْأَوْلَى التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى الشِّعْرِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَقْتَضِي الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ -عز وجل- أو على رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو الذب عنهما كما كان شعر حسان، أو يتضمن الحض على الخير والوعظ والزهد في الدنيا، والتقلل منها فهو حسن في المساجد وغيرها، كقول القائل:

طوفي يا نفس كي أقصد فردًا صمدا

فهو أنسي وجليسي ودعي الناس

 

وذريني لست أبغي غير ربي أحدًا

فما إن تجدي من دونه ملتحدًا

وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الشِّعْرَ فِي الْغَالِبِ لَا يَخْلُو عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْكَذِبِ وَالتَّزَيُّنِ بِالْبَاطِلِ، وَلَوْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ اللَّغْوُ وَالْهَذَرُ، وَالْمَسَاجِدُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ} [(36) سورة النــور]، وقد يجوز إنشاده في المسجد، كقول القائل:

كفحل العدا بالفرد يضربه الندى

 

تعلى الندى في متنه وتحدرا

وقول الآخر:

إذا سقط السماء بأرض قوم

 

رعيناه وإن كانوا غضابا

فَهَذَا النَّوْعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَمْدٌ وَلَا ثَنَاءٌ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ خَالٍ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْكَذِبِ."

لكنه فخر، لا سيما البيت الأخير (إذا سقط السماء) هذا فخر ممنوع، على كل حال الشعر أنشد بين يدي النبي- عليه الصلاة والسلام- في المسجد، أنشده حسان وعبد الله بن رواحة، فما كان بنصر الإسلام والذب عن الدين، وذم الكفار والكفر وما أشبه ذلك، وفي حكمه العلوم التي تنظم هذا كله لا بأس به، بل مطلوب.

" وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْأَشْعَارِ الْجَائِزَةِ وَغَيْرِهَا بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي الشعراء -إن شاء الله تعالى-، وقد روى الدارقطني من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنه- قالت: ذكر الشعر عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «هو كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح»."

هذا ما يثبت، ماذا يقول؟

طالب: أخرجه الدارقطني من حديث عائشة، وفيه عبد العظيم بن حبيب متروك، ومن حديث عبد الله بن عمرو أخرجه البخاري.... والدارقطني، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم واهٍ، ومن حديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني في إسناده ابن عياش وهو غير قوي، لكن حديث محسن بهذه الشواهد. والله أعلم.

والألباني قال -في الأدب المفرد-: صحيح لغيره، وهو في الصحيحة.

لفظه فيه إشكال، هو بكلام أهل العلم أشبه، معناه صحيح، المعنى ما فيه إشكال، لكن رفعه محل نظر.

"وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ  -صلى الله عليه وسلم-  ذَكَرَهُ فِي السُّنَنِ. قُلْتُ: وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَأْثُرُونَ هَذَا الْكَلَامَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ غَيْرُهُ، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى الْأَحَادِيثِ فِي ذلك. والله أعلم.

الثَّامِنَةُ: وَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَقْتَضِي مَصْلَحَةً لِلرَّافِعِ صَوْتِهِ دُعِيَ عَلَيْهِ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ؛ لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا» وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ، حَتَّى كَرِهُوا رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ. وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْخُصُومَةِ وَالْعِلْمِ، قَالُوا: لِأَنَّهُمْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُمْ:" لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ" مَمْنُوعٌ، بَلْ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: بِمُلَازَمَةِ الْوَقَارِ وَالْحُرْمَةِ، وَبِإِحْضَارِ ذَلِكَ بِالْبَالِ وَالتَّحَرُّزِ مِنْ نَقِيضِهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَتَّخِذْ لِذَلِكَ مَوْضِعًا يَخُصُّهُ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ حَيْثُ بَنَى رَحْبَةً تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ، وَقَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا- يَعْنِي فِي مَسْجِدِ -صلى الله عليه وسلم- فليخرج إلى هذه الرحبة، وهذا يدل على أن عمر كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، ولذلك بنى البطيحاء خارجه."

مسألة الجواز -جواز الشيء- جواز حصوله في المسجد لا يعني أنه ينبغي أن يقع، احترام المساجد حتى عن بعض المباحات، الأمور المباحة لا مانع من أن تنزه المساجد عنها، يعني إذا قلنا: أن رفع الصوت جائز في المسجد، وأنه حصل التقاضي بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام- وحصلت الخصومة، وتلاحى رجلان من أجلهما رفع العلم بليلة القدر كل هذا حصل، لكن هذا يدل على الإباحة بمعنى أنه لو فعله أحد لم يعزر، لكن ينبغي أن تصان المساجد عن مثل هذا اللغو، والله المستعان.

طالب: إنشاد الضالة بعضهم يكتب لها إعلان في المسجد؟

لا، يكتب الإعلان برع، الإعلان له حكم الكلام، لكن الكلام فيما لو أنشدها غير صاحبها، الواجد، وجدها وقال: وجدت كذا، هذا لا يطلب شيئًا لنفسه، لو قال: أنه وجد هذه الضالة في المسجد، أما كون صاحبها هو الذي ينشدها هذا يقال: لا ردها الله عليك، وإذا كان غيرهم ممن وجدها ويبحث عن صاحبها هذا لا يبحث عن ضالة، وإنما يصنع معروفًا.

"التَّاسِعَةُ: وَأَمَّا النَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ مِنَ الْغُرَبَاءِ وَمَنْ لَا بَيْتَ لَهُ فَجَائِز؛ لِأَنَّ فِي الْبُخَارِيِّ- وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَكَانُوا فِي الصُّفَّةِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ فُقَرَاءَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-."

وبحث النبي -عليه الصلاة والسلام- عن علي -رضي الله تعالى عنه- فوجده في المسجد، ومقتضى شرعية الاعتكاف جواز النوم في المسجد، بل إذا صاحب الاعتكاف يكون هو المطلوب؛ لأنه لا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد بغير حاجة أصلية لا تقضى في المسجد، فالنوم في المسجد لا بأس به -إن شاء الله-.

"لَفْظُ الْبُخَارِيِّ: وَتَرْجَمَ (بَابَ نَوْمِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَسْجِدِ) وَأَدْخَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ السَّوْدَاءِ، الَّتِي اتَّهَمَهَا أَهْلُهَا بِالْوِشَاحِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي المسجد أو حفش  ... الْحَدِيثَ. وَيُقَالُ: كَانَ مَبِيتُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رباح في المسجد أربعين سنة.

 

العاشرة: روى مسلم عن أبي حميد أو عن أبي أسيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك>>. خرجه أبو داود كذلك إلا أنه زاد بعد قوله: <<إذا دخل أحدكم المسجد: فليسلم، وليصل على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم ليقل: اللهم افتح لي» الحديث، وروى ابن ماجه عن فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل المسجد قال: «باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك»، وإذا خرج قال: «باسم الله، والصلاة على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك»، وروي عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي -صلى الله عليه وسلم- وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم»."

ابن ماجه هذا؟

طالب: أخرجه ابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي كلهم من حديث أبي هريرة، وقال البصيري في الزوائد إسناده صحيح ورجاله ثقات، وهو كما قال: إلا أنه معلول وأخرجه البزار وابن أبي شيبة عن أبي هريرة عن كعب بن عجرة موقوف، ورواه النسائي في اليوم والليلة عن أبي هريرة عن كعب الأحبار قال فذكره، وتكلم الحافظ ابن  كثير في الأذكار على هذا الحديث، وختم كلامه بقوله: هو في الجملة حسن في ظاهره نقله عنه ابن عجلان وهو صحيحه.

لا التعليل عليل، يعني كونه يعل بالموقوف ما يعل بالموقوف، حتى الموقوف ما يمكن أن يقال بالرأي هذا.

طالب: التسمية عند الخروج من المسجد؟

هذا ذكره هنا، وستأتي أيضًا لا نقول: بسم الله.

طالب: التسمية؟

جاءت بها الأحاديث التي جاءت بالدعاء، فأمرها واحد -إن شاء الله تعالى-.

طالب: ..... بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.

على كل حال، والدخول كذلك؟ مثلما يدخل بيته، ما فيها إشكال.

طالب:...

ما يمنع مثل دخول البيت ومثل دخول غيره، التسمية ملازمة.

"وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: لَقِيتُ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ حَدَّثْتَ عَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» قال: نعم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: «حفظ مني سائر اليوم».

الحادية عشرة: روى مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس». وعنه قال: دخلت المسجد ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ، قَالَ: فَجَلَسْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟» فقلت: يا رسول الله رأيتك جالسًا والناس جلوس، قال: «فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين» قَالَ الْعُلَمَاءُ: فَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَسْجِدِ مَزِيَّةً يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْبُيُوتِ، وَهُوَ أَلَّا يَجْلِسَ حَتَّى يَرْكَعَ. وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالرُّكُوعِ عَلَى النَّدْبِ والترغيب."

يعني لا على سبيل الوجوب، هذا قول جماهير أهل العلم خلافًا للظاهرية؛ لأن الأمر ظاهره الوجوب، لكن الصوارف كثيرة، فالمعتمد أنه سنة، ولا يجزئ أقل من ركعتين، لو أوتر بواحدة ما يكفي، فلا بد من ركعتين، كما أنه لا يجزئ تسبيح ولا تحميد ولا تهليل، كما قال النووي وغيره، ما يكفي عن الركعتين.

"وَقَدْ ذَهَبَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ لَحَرُمَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ عَلَى الْمُحْدِثِ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، وَلَا قَائِلَ بِهِ فِيمَا أَعْلَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين، وإذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله جاعل من ركعتيه في بيته خيرًا»، وهذا يقتضى التسوية بين المسجد والبيت، قيل له: هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي الرُّكُوعِ عِنْدَ دُخُولِ الْبَيْتِ لَا أَصْلَ لَهَا، قَالَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ. وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي هَذَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ لِمُسْلِمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ هَذَا لَا أَعْلَمُ رَوَى عنه إلا سعد بن عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ، قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ."

الأمر بالركعتين لدخول المسجد هذا ما فيه إشكال، صحيح ثابت، وأما الأمر بهما لدخول البيت فلا.

طالب: أقوى الصوارف؟

أقواها، من دخل على النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو جالس ما أمره بالصلاة، سلم وجلس عنده -عليه الصلاة والسلام-، وأيضًا: حديث الأعرابي قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع» وغير ذلك كثير، كثيرة الصوارف، ذكروا جملةً منها.

طالب: عبد الحق من هو؟

عبد الحق الأشبيلي في أحكامه.

طالب: سماع الخطبة واجب والركعتان سنة، فكيف يترك واجبًا لأجل سنة؟

نعم، يترك الواجب ويأتي بسنة؛ لأن هذا الواجب ما يبدأ إلا عند السماع، بدليل أنك لو تأخرت في بيتك حتى انتهت الخطبة ما أثمت.

طالب: وإذا دخلت المسجد؟

دخلت المسجد، لكنك الآن ما شرعت بعد في الاستماع، أنت تصلي ركعتين للأمر بهما.

"الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: رَوَى سَعِيدُ بْنُ زَبَّانَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هِنْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: حَمَلَ تَمِيمٌ- يَعْنِي الدَّارِيَّ- مِنَ الشَّأْمِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَنَادِيلَ وَزَيْتًا وَمُقُطًا، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمَدِينَةِ وَافَقَ ذَلِكَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَأَمَرَ غُلَامًا يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْبَزَادِ فَقَامَ فَنَشَطَ الْمُقُطَ وَعَلَّقَ الْقَنَادِيلَ وَصَبَّ فِيهَا الْمَاءَ وَالزَّيْتَ وَجَعَلَ فِيهَا الْفَتِيلَ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ أَبَا الْبَزَادِ فَأَسْرَجَهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- فإذا هو بها تزهر فقال: «من فعل هذا؟» قالوا: تميم الداري يا رسول الله، فقال: «نورت الإسلام، نور الله عليك في الدنيا والآخرة، أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها» قالَ نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ: لِي ابْنَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُسَمَّى الْمُغِيرَةَ بِنْتَ نَوْفَلٍ فَافْعَلْ بِهَا مَا أَرَدْتَ، فَأَنْكَحَهُ إِيَّاهَا. زَبَّانُ (بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْبَاءِ وَتَشْدِيدِهَا بِنُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ تَحْتِهَا) يَنْفَرِدُ بِالتَّسَمِّي بِهِ سَعِيدٌ وَحْدَهُ، فهو أبو عثمان سعيد بن زبان بن قَائِدِ بْنِ زَبَّانَ بْنِ أبي هند."

قائد أو فائد؟

طالب: عندنا قائد.

فائد هو، الصواب فائد، وجاءت تسميته بالأمرين، لكن ابن حجر يرجح أنه فائد بالفاء.

"وأبو هند هذا مولى بني بياضة حجام النبي -صلى الله عليه وسلم- والمُقُط: جمع المقاط، وهو الحبل، فكأنه مقلوب القماط، والله أعلم."

ما زال الاستعمال قائمًا للحبل يسمونه مقاطًا، امقطوه، يعني اربطوه بالحبل، امقطوه، إذا قيل: امقطوه يعني اربطوه بالحبل، مستعمل، لكن القماط، لف القماط!

طالب:.....

يعني لفافة، كل ما يلف يسمى قماطًا.

"وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري".

ماذا قال عن حديث تميم قبله؟

طالب: إسناده ضعيف جدًّا لزبّان .... ضعيف الحديث،..... قول ابن سعيد متروك ... مجاهيل.

ضعفه، زبّان مشهور بالضعف.

"وروي عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أسرج في مسجد سراجًا لم تزل الملائكة وحملة العرش يصلون عليه، ويستغفرون له ما دام ذلك الضوء فيه، وإن كنس غبار المسجد نقد الحور العين»."

يعني مهر، ماذا قال عن الحديث؟

طالب: باطل لا أصل له، ذكره الذهبي في ميزانه بترجمة الحاكم بن.... بقوله: قال الأزدي: كذاب، وقال البخاري: عنده عجائب، ثم ذكره له حديثًا موضوعًا، لكن فيه إسحاق بن بشر.. ثم ذكره من حديث أنس... قال الألباني: ضعيف موضوع، وقال الألباني فائدة: تنبيه: لم يقف شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا الإسناد، وقد ذكر الحديث في الفتاوى وقال: لا أعرف له إسنادًا، وقد عرفنا إسناده وبيّنا حاله ومنه علمنا أنه بلا إسناد.

نعم، وجوده مثل عدمه، قد يكون نفي شيخ الإسلام صحيحًا، يعني لا يعرف له إسنادًا يثبت به، أما الإسناد الذي لا يثبت به، فقد يكون موجودًا كهذا.

طالب: هل ثبت في مهر الحور العين شيء؟

لا، من هذا الحديث.

طالب: هل ورد شيء عن مهر الحور لمن غض البصر؟

لا، هو ما ثبت إلا هنا، ما عرف إلا هنا، تنظيف المسجد مهر الحور العين.

طالب: ولا حتى رواية ضعيفة؟

في ماذا؟

طالب: في غض البصر أنه مهر الحور؟

لا لا، مسألة أن كونه يورث حلاوة يورثه حلاوة، أما كونه المهر فلا.

" قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُنَوَّرَ الْبَيْتُ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ بِتَعْلِيقِ الْقَنَادِيلِ وَنَصْبِ الشُّمُوعِ فِيهِ، وَيُزَادَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَنْوَارِ الْمَسَاجِدِ."

للحاجة إليها، للحاجة إلى هذه الأنوار الحاجة قائمة لتسهل القراءة على الناس.

"الثالثة عشرة: قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ} [(36-37) سورة النــور].

 اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسَبِّحِينَ، فَقِيلَ: هُمُ الْمُرَاقِبُونَ أَمْرَ اللَّهِ، الطَّالِبُونَ رِضَاءَهُ، الَّذِينَ لَا يَشْغَلُهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْأَسْوَاقِ الَّذِينَ إِذَا سَمِعُوا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ تَرَكُوا كُلَّ شغل وبادروا. ورأى سالم بن عَبْدِ اللَّهِ أَهْلَ الْأَسْوَاقِ وَهُمْ مُقْبِلُونَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} وروي ذلك عن ابن مسعود.

 وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ وَالْحَسَنُ" يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا" بِفَتْحِ الْبَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَكَانَ نَافِعٌ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ يَقْرَءؤونَ" يُسَبِّحُ" بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو عَمْرٍو عَنْ عَاصِمٍ. فَمَنْ قَرَأَ" يُسَبَّحُ" بِفَتْحِ الْبَاءِ كَانَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْتَفِعَ" رِجالٌ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، بِمَعْنَى يُسَبِّحُهُ رِجَالٌ."

كأن فيه تقدير سؤال، يسبّح له فيها بالغدو والآصال، كأنه قيل: من يسبحه؟ الجواب معاد في السؤال، يعني إعادة السؤال في الجواب معروفة، كأنه قال: يسبحه رجال، جوابًا عن هذا السؤال.

"فيوقف على هذا على {الْآصَالِ} [(36) سورة النــور] وقد ذكر سيبويه مثل هذا وأنشد:

ليبك يزيد ضارع لخصومة

 

ومختبط مما تطيح الطوائح"

كأنه قال: من يبكيه؟ قال: يبكيه ضارع.

"الْمَعْنَى: يُبْكِيهِ ضَارِعٌ. وَعَلَى هَذَا تَقُولُ: ضُرِبَ زَيْدٌ عَمْرٌو، عَلَى مَعْنَى ضَرَبَهُ عَمْرٌو. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَرْتَفِعَ"{رِجَالٌ} بالابتداء والخبر، {فِي بُيُوتٍ} أي في بيوت أذن الله أن ترفع رجال، و{يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} حال من الضمير في {تُرْفَعَ} كأنه قال: أن ترفع مسبحًا له فيها، ولا يوقف على {الْآصَالِ} على هذا التقدير، ومن قرأ {يسبح} بكسر الباء لم يقف على {الْآصَالِ}؛ لأن {يسبح} فعل للرجال، والفعل مضطر إلى فاعله، ولا إضمار فيه، وقد تقدم القول في {الْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [(205) سورة الأعراف] في آخر الأعراف، والحمد لله وحده."

يعني: الغداة أول النهار والأصيل آخره، يسبحونه في أوائل النهار وفي آخره، ومن آناء الليل أيضًا.

"الرابعة عشرة: قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} قِيلَ: مَعْنَاهُ يُصَلِّي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ تَسْبِيحٍ فِي الْقُرْآنِ صَلَاةٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: {بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} أَيْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: أَرَادَ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، فَالْغُدُوُّ صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَالْآصَالُ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ والعشاءين؛ لِأَنَّ اسْمَ الْآصَالِ يَجْمَعُهَا. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين».

وخرج عن بريدة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»."

الحديث الأول حديث أبي أمامة؟

طالب: قال: ضعيف، أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة وإسناده ضعيف؛ لضعف القاسم بن عبد الرحمن جرحه أحمد وغيره، وهو صاحب مناكير كثيرة، والحديث حسنه الألباني.

طالب: والثاني يا شيخ؟

بشر المشائين، لا بأس به.

ماذا يقول؟

طالب: قال: صحيح أخرجه أبو داود والترمذي من حديث بريدة وابن ماجه والحاكم من حديث أنس، وابن ماجه وابن خزيمة من حديث سهل بن سعد وابن حبان من حديث أبي الدرداء وأسانيدها حسان، والحديث صحيح بشواهده -إن شاء الله-.

"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلًا في الجنة كلما غدا أو راح»  فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ مِنَ الزِّيَادَةِ: كَمَا أَنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ زَارَ مَنْ يُحِبُّ زِيَارَتَهُ لَاجْتَهَدَ فِي كَرَامَتِهِ ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ، وخرج مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضةً من فرائض الله كانت خطوتاه أحدهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة»."

إحداهما؛ لأنه يعود إلى مؤنث، ما دام يعود إلى مؤنث (إحداهما).

«كانت خطوتاه أحدهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة».

"وعنه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد، لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذِ فيه، ما لم يحدث فيه».

في رواية: ما يحدث؟ قال: «يفسو أو يضرط». وَقَالَ حَكِيمُ بْنُ زُرَيْقٍ: قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَحُضُورُ الْجِنَازَةِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ أَحَبُّ إِلَيَّ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ. وروي عن الحكم بن عمير صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كونوا في الدنيا أضيافًا، واتخذوا المساجد بيوتًا، وعودوا قلوبكم الرقة، وأكثروا التفكر والبكاء ولا تختلف بكم الأهواء تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتؤملون ما لا تدركون».

وقال أبو الدرداء لابنه: ليكن المسجد بيتك؛ فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن المساجد بيوت المتقين، ومن كانت المساجد بيته ضمن الله تعالى له الروح والراحة، والجواز على الصراط»."

ماذا قالوا عن الأحاديث؟

طالب: قال: أخرجه ابن الجوزي في العلل، والقضاعي من حديث أبي الدرداء، وأعله ابن الجوزي بأن فيه عمرو بن جرير متروك، ذكره القضاعي والطبراني في الكبير من طريق آخر وخصهما البزار، وقال: الهيثمي في المجمع رجاله رجال الصحيح، وله شواهد، انظر الصحيح، والألباني حسَّن «المسجد بيت كل تقي» وضعف شطره الباقي.

المساجد بيوت المتقين؟

طالب: ..........

"وَكَتَبَ أَبُو صَادِقٍ الْأَزْدِيُّ إِلَى شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ: أَنْ عَلَيْكَ بِالْمَسَاجِدِ فَالْزَمْهَا، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهَا كَانَتْ مَجَالِسَ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ: الْمَسَاجِدُ مَجَالِسُ الْكِرَامِ مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: (إِنِّي أَهُمُّ بِعَذَابِ عِبَادِي فَأَنْظُرُ إِلَى عُمَّارِ الْمَسَاجِدِ وَجُلَسَاءِ الْقُرْآنِ وَوِلْدَانِ الْإِسْلَامِ فَيَسْكُنُ غَضَبِي). وَرُوِيَ عَنْهُ -عليه السلام- أنه قال: «سيكون في آخر الزمان رجال يأتون المساجد، فيقعدون فيها حلقًا حلقًا ذكرهم الدنيا وحبها، فلا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة» وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: مَنْ جَلَسَ فِي مَسْجِدٍ فَإِنَّمَا يُجَالِسُ رَبَّهُ، فَمَا حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ إِلَّا خَيْرًا. وَقَدْ مَضَى مِنْ تَعْظِيمِ الْمَسَاجِدِ وَحُرْمَتِهَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً، فَقَالَ: مِنْ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ أَنْ يُسَلِّمَ وَقْتَ الدُّخُولِ إِنْ كَانَ الْقَوْمُ جُلُوسًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ."

يعني كما يدخل بيته، أو بيتًا ليس فيها أحد يسلم على نفسه.

" وَأَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، وَأَلَّا يَشْتَرِيَ فِيهِ وَلَا يَبِيعَ، وَلَا يَسُلَّ فِيهِ سَهْمًا وَلَا سَيْفًا، وَلَا يَطْلُبَ فِيهِ ضالة، ولا يرفع فيه صوت بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَتَكَلَّمَ فِيهِ بِأَحَادِيثِ الدُّنْيَا، وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَلَا يُنَازِعَ فِي الْمَكَانِ، وَلَا يُضَيِّقَ عَلَى أَحَدٍ فِي الصَّفِّ، وَلَا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ مُصَلٍّ، وَلَا يَبْصُقَ، وَلَا يَتَنَخَّمَ، وَلَا يَتَمَخَّطَ فِيهِ، وَلَا يُفَرْقِعَ أَصَابِعَهُ، وَلَا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ، وَأَنْ يُنَزَّهَ عَنِ النَّجَاسَاتِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَأَنْ يُكْثِرَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَغْفُلَ عَنْهُ. فَإِذَا فَعَلَ هَذِهِ الْخِصَالَ فَقَدْ أَدَّى حَقَّ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ حِرْزًا لَهُ وَحِصْنًا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.

وفي الخبر: أن مسجدًا ارتفع بأهله إلى السماء يشكوهم إلى الله لما يتحدثون فيه من أحاديث الدنيا، وروى الدارقطني عن عامر الشعبي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من اقتراب الساعة أن يُرى الهلال قبلًا فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقًا، وأن يظهر موت الفجأة»، هَذَا يَرْوِيهِ عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ الْمُعَافَى عَنْ شَرِيكٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ ذَرِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَنَسٍ. وَغَيْرُهُ يَرْوِيهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ مُعَافَى ثِقَةٌ كَانَ يُعَدُّ مِنَ الْأَبْدَالِ.

وفي البخاري عن أبي موسى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفه مسلمًا».

وخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها>> وعن أبي ذر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن»."

وجاء أن النخاعة والبصاق في المسجد خطيئة، وحك النبي -عليه الصلاة والسلام- بصاقًا وجده في القبلة– قبلة المسجد –حكه بنفسه -عليه الصلاة والسلام- ويبقى أن هذا إذا كان في المسجد يعني في أرضه أو في جداره كان خطيئة، ولا شك أن مثل هذا لا يجوز؛ لأنه تلويث للمسجد، لكن إن كان في منديل أو في شيءٍ خارج عن المسجد، يعني ممكن مع الحاجة إليه فلا مانع، مثل هذا كما قالوا في إرسال الريح عند الحاجة إليها بحيث لا يتأذى بها أحد أجازوه للحاجة، ويبقى أن الأصل احترام المساجد وتنظيفها وتطييبها، وإذا منع من أكل ما له رائحة قبيحة فلأن يُمنع مثل هذا من باب أولى.

لكن المسجد الذي رفع بأهله أو ارتفع بأهله يشكوهم، فماذا قال عنه؟

طالب: لم أجده مسندًا، والأشبه كونه من الإسرائيليات.

يعني: ليس بعيدًا.

والحديث المرسل، حديث الشعبي؟

طالب: عزاه المصنف للدارقطني مرسلًا وموصولًا، والموصول إسناده حسن....، وذكره الألباني شاهدًا لحديث صححه في الصحيحة من طرقه، وهو من اقتراب الساعة أن يُرى الهلال قبلًا فيقال: لليلتين،... وعزاه الطبراني في الصغير والضياء في المختارة وزيادة: «اتخذوا المساجد طرقًا» حسنها بشاهد عن ابن مسعود، وظهور الموت فجأة، حسنه بشاهد آخر....

طالب:....

إذا مات؟ ماذا فيه؟

طالب....

والله إذا كان له حق، أو يخشى أن لا يحضره أحد فلا مانع، ما يظهر عندي أي مانع من الإعلان عنه بالمسجد، من أجل كثرة الجمع؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نعى النجاشي من أجل أن يصلي عليه الناس، وأما الإعلان الذي يحصل على طريق أهل الجاهلية بالسكك وأبواب البيوت، وما أشبه ذلك من أجل أن يكثر الجمع ليفتخر به أهله، فهذا ممنوع، إذا كان القصد منه نفع الميت لا بأس به -إن شاء الله-.

طالب: وضع سلات المهملات في المسجد؟

والله إذا كانت في الخلف فما يظهر مانع، لكن إن كانت في القبلة في جهة المصليين، فلا.

طالب: إذا وضع فيها نجاسة؟

لا، يجب إخراجها من المسجد، لا يجوز بقاؤها.

طالب:....

لا، خارج، يخرج عن المسجد.

" وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْفَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ بَصَقَ عَلَى الْحَصِيرِ ثُمَّ مَسَحَهُ بِرِجْلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يفعله، فرج بن فضالة ضعيف، وأيضًا فلم يكن في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حصر، والصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إِنَّمَا بَصَقَ عَلَى الْأَرْضِ وَدَلَكَهُ بِنَعْلِهِ الْيُسْرَى، وَلَعَلَّ وَاثِلَةَ إِنَّمَا أَرَادَ هَذَا فَحَمَلَ الْحَصِيرَ عَلَيْهِ."

يعني: قاسوا على التراب، قاسوا على ما كان مغطىً به مسجد النبي -عليه الصلاة والسلام-، لكن لو طلب ماءً فجيء له بماء فوجد الماء باردًا شديد البرودة فبصقه في الأرض؟ هذا ليس بصاقًا ولا نخاعًا، ماء بصقه في أرض المسجد، ما الحكم؟ لأنه لو شربه تضرر به، كراهة متجهة أو لا؟ هو ماء، يعني غاية ما فيه أنه اختلط بالريق، ولم يصاحبه شيء من البصاق؟ فيه ما يمنع يا إخوان؟ جيء له بماء يشرب فوجده باردًا يضره لو شربه؟

طالب: الماء ليس بنجس.

والبصاق ليس بنجس، البصاق أيضًا والنخاعة ليست بنجسة.

طالب: إذًا نفسه.

لكن رؤيتها مقززة وشنيعة، البصاق وغيره والنخاع، لكن الماء إذا اختلط بالريق طاهر ما فيه إشكال، لا سيما وإنه إنما مجه للحاجة؛ لئلا يتضرر به، وقد رأينا من يفعل هذا من الشيوخ الكبار.

طالب: ما يقال: أن المساجد تصان عن مثل هذا؟

أنا رأيت الشيخ ابن باز فعله –رحمه الله-.

"السادسة عشرة: لما قال تعالى: {رِجَالٌ} وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ دَلَّ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا حَظَّ لَهُنَّ فِي الْمَسَاجِدِ؛ إِذْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِنَّ وَلَا جَمَاعَةَ، وَأَنَّ صَلَاتَهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ. رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها»."

يعني كلما زاد الاختفاء بالنسبة للمرأة، وكذلك الرجل في النافلة كان الأجر أعظم.

"السابعة عشرة: قوله تعالى: {لَّا تُلْهِيهِمْ} [(37) سورة النــور] أي لا تشغلهم {تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} خَصَّ التِّجَارَةَ بِالذِّكْرِ؛ لأنها أعظم ما يشتغل به الْإِنْسَانُ عَنِ الصَّلَاةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ كُرِّرَ ذِكْرُ الْبَيْعِ وَالتِّجَارَةُ تَشْمَلُهُ؟"

لأنه فرد من أفرادها، والتجارة شاملة للبيع وغيره، لكن تخصيصه للاهتمام به، والعناية بشأنه؛ لأنه هو الذي يكثر بين الناس من أنواع التجارات.

قيل له: أراد بالتجارة الشراء؛ لقوله: {وَلَا بَيْعٌ} نظيره قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا} [(11) سورة الجمعة] قاله الواقدي، وقال الكلبي: التجار هم الجلاب المسافرون، والباعة هم المقيمون. {عَن ذِكْرِ اللَّهِ} اختلف في تأويله."

لا يمنع أن يكون عطف البيع على التجارة من باب عطف الخاص على العام للاهتمام بشأن الخاص، والعناية به، وإلا فالبيع داخل في التجارة، وأما قوله: {لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ} رأينا وسمعنا من ألهتهم التجارة عن أنفسهم فضلًا عن غيرهم.

"قَالَ عَطَاءٌ: يَعْنِي حُضُورَ الصلاة، وقال ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: الْمَكْتُوبَةُ. وَقِيلَ: عَنِ الْأَذَانِ، ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ. وَقِيلَ: عَنْ ذِكْرِهِ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، أَيْ يُوَحِّدُونَهُ وَيُمَجِّدُونَهُ. وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْأَسْوَاقِ، قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ. قَالَ سَالِمٌ: جَازَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِالسُّوقِ."

يعني مرّ به.

"وقد أغلقوا حوانيتهم، وقاموا ليصلوا في جماعة، فقال: فيهم نزلت {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ}الآية..، وقال أبو هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله» وَقِيلَ: إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَحَدُهُمَا بَيَّاعًا فَإِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ الْمِيزَانُ بِيَدِهِ طَرَحَهُ وَلَا يَضَعُهُ وَضْعًا، وَإِنْ كَانَ بِالْأَرْضِ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَكَانَ الْآخَرُ قَيْنًا يَعْمَلُ السُّيُوفَ لِلتِّجَارَةِ، فَكَانَ إِذَا كَانَتْ مِطْرَقَتُهُ عَلَى السِّنْدَانِ أَبْقَاهَا مَوْضُوعَةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَفَعَهَا أَلْقَاهَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ."

نعم، إذا رفع المسحاة إن كان فلاحًا مثلًا –مزارعًا– أو عاملًا رفع المسحاة ليضرب بها الأرض لتلين للزرع فإذا سمع النداء ألقاها من وراء ظهره، ولا يعيدها إلى مكانها، وهذا من تمام الامتثال، الله المستعان.

"فأنزل الله تعالى هذا ثناءً عليهما، وعلى كل من اقتدى بهما.

الثامنة عشرة: قوله تعالى: {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} هذا يدل على أن المراد."

قد يقول طالب العلم: أنا لا تلهيني التجارة ولا البيع عن الصلاة، ولا عن ذكر الله ولا شيء، لكن يلهيني طلب العلم، أنا جالس في المكتبة أحفظ وأراجع الكتب وأسمع النداء ولا أجيب، وإنما أخرج قبيل الإقامة؛ لأني مشغول بالعلم لا مشغول بالتجارة ولا بيع، أشتغل بالعلم، والعلم عند أهل العلم مقرر أنه أفضل من نوافل العبادة، وعلى كل حال كل وقت له عمله الشرعي، فإذا أذن فالصلاة، والله المستعان.

قوله تعالى: {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} هذا يدل على أن المراد بقوله: {عَن ذِكْرِ اللَّهِ} غير الصلاة؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَكْرَارًا. يُقَالُ: أَقَامَ الصَّلَاةَ إِقَامَةً، وَالْأَصْلُ إِقْوَامًا فَقُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ عَلَى الْقَافِ، فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا وَبَعْدَهَا أَلِفٌ سَاكِنَةٌ، فَحُذِفَتْ إِحْدَاهُمَا، وَأُثْبِتَتِ الْهَاءُ؛ لِئَلَّا تَحْذِفَهَا فَتُجْحِفَ."

فتجحِف، يعني إذا حذفتها أجحفت.

فَلَمَّا أُضِيفَتْ قَامَ الْمُضَافُ مَقَامَ الْهَاءِ فَجَازَ حَذْفُهَا، وَإِنْ لَمْ تُضَفْ لَمْ يَجُزْ حَذْفُهَا، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: وَعَدَ عِدَةً، وَوَزَنَ زِنَةً، فَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْهَاءِ؛ لِأَنَّكَ قَدْ حَذَفْتَ وَاوًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَعَدَ وِعْدَةً، وَوَزَنَ وِزْنَةً، فَإِنْ أَضَفْتَ حُذِفَتِ الْهَاءُ، وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

إِنَّ الْخَلِيطَ أَجَدُّوا الْبَيْنَ فَانْجَرَدُوا ... وَأَخْلَفُوكَ عِدَ الْأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا

يُرِيدُ عِدَةَ، فَحَذَفَ الْهَاءَ لَمَّا أَضَافَ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجب بيض، قوائمها من العنبر، وأعناقها من الزعفران، ورؤوسها من المسك، وأزمتها من الزبرجد الأخضر، وقوّامها والمؤذنون فيها يقودونها، وأئمتها يسوقونها، وعمارها متعلقون بها، فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف، فيقول أهل الموقف: هؤلاء ملائكة مقربون، أو أنبياء مرسلون، فينادى: ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء، ولكنهم أهل المساجد، والمحافظون على الصلوات من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-»."

ضعيف؟

طالب: قال: تقدم، وقال عزاه المصنف للدارمي ولم أقف عليه، وأمارة الوضع لائحة عليه....

تقدم ذكره في الدرس الماضي.

" وَعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ، وَلَا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، يُعَمِّرُونَ مَسَاجِدَهُمْ وَهِيَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ خَرَابٌ، شَرُّ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَنِ عُلَمَاؤُهُمْ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ وَإِلَيْهِمْ تَعُودُ، يَعْنِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِوَاجِبَاتِ مَا عَلِمُوا.

التاسعة عشرة: قوله تعالى: {وَإِيتَاء الزَّكَاةِ} قِيلَ: الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّكَاةُ هُنَا طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِخْلَاصُ، إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مَالٌ، {يَخَافُونَ يَوْمًا} يعني يوم القيامة.

{تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} يَعْنِي مِنْ هَوْلِهِ وَحَذَرِ الْهَلَاكِ. وَالتَّقَلُّبُ التَّحَوُّلُ، وَالْمُرَادُ قُلُوبُ الْكُفَّارِ وَأَبْصَارُهُمْ. فَتَقَلُّبُ الْقُلُوبِ انْتِزَاعُهَا مِنْ أَمَاكِنِهَا إِلَى الْحَنَاجِرِ، فَلَا هِيَ تَرْجِعُ إلى أماكنها ولاهي تَخْرُجُ. وَأَمَّا تَقَلُّبُ الْأَبْصَارِ فَالزَّرَقُ بَعْدَ الْكَحَلِ، وَالْعَمَى بَعْدَ الْبَصَرِ. وَقِيلَ: تَتَقَلَّبُ الْقُلُوبُ بَيْنَ الطَّمَعِ فِي النَّجَاةِ وَالْخَوْفِ مِنَ الهلاك، والأبصار تنظر من أي ناحية يعطون كتبهم، وإلى أي ناحية يؤخذ بهم.

وَقِيلَ: إِنَّ قُلُوبَ الشَّاكِّينَ تَتَحَوَّلُ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ، وَكَذَلِكَ أَبْصَارُهُمْ لِرُؤْيَتِهِمُ الْيَقِينَ، وذلك مثل قوله تعالى: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [(22) سورة ق]، فما كان يراه في الدنيا غيًا يراه رشدًا، إلا أن ذلك لا ينفعهم في الآخرة."

نعم؛ لانقطاع وقت التكليف، بعد المعاينة وانكشاف الأمور، لا ينفع مثل هذا -نسأل الله العافية-، والإيمان إذا لم يكن بالغيب ما نفع.

"وقيل: تقلب على جمر جهنم، كقوله تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} [(66) سورة الأحزاب]، {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} [(110) سورة الأنعام فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْمَعْنَى تَقَلُّبَهَا عَلَى لَهَبِ النَّارِ. وَقِيلَ: تُقَلَّبُ بِأَنْ تَلْفَحَهَا النَّارُ مَرَّةً، وَتُنْضِجَهَا مَرَّةً. وَقِيلَ: إِنَّ تَقَلُّبَ الْقُلُوبِ وَجِيبُهَا، وَتَقَلُّبُ الْأَبْصَارِ النَّظَرُ بِهَا إِلَى نَوَاحِي الْأَهْوَالِ.

{لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} [(38) سورة النــور] فَذَكَرَ الْجَزَاءَ عَلَى الْحَسَنَاتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَزَاءَ عَلَى السَّيِّئَاتِ وَإِنْ كَانَ يُجَازِي عَلَيْهَا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَرْغِيبٌ، فَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الرَّغْبَةِ. والثَّانِي: أَنَّهُ فِي صِفَةِ قَوْمٍ لَا تَكُونُ مِنْهُمُ الْكَبَائِرُ، فَكَانَتْ صَغَائِرُهُمْ مَغْفُورَةً. {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها، والثاني: ما يتفضل به من غير جزاء."

يعني إلى أكثر من ذلك، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وأهل العلم يقولون: قد خاب من فاقت آحاده عشراته، إذا كانت الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة فمن يهلك بعد هذا إلا من كتب الله له الشقاوة!؟

"الثاني: ما يتفضل به من غير جزاء، {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} أيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَاسِبَهُ عَلَى مَا أَعْطَاهُ؛ إِذْ لَا نِهَايَةَ لِعَطَائِهِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- ببناء مسجد قباء، فحضر عبد الله بن رواحة فقال: يا رسول الله، قد أفلح من بنى المساجد، قال: «نعم يا ابن رواحة» قال: وصلى فيها قائمًا وقاعدًا، قال: «نعم يا ابن رواحة» قال: ولم يبت لله إلا ساجدًا، قال: «نعم يا ابن رواحة، كف عن السجع، فما أعطي عبد شيئًا شرًّا من طلاقة في لسانه» ذكره الماوردي."

لا سيما إذا استعمله فيما لا يرضي الله -جل وعلا-، أما إذا استعمل هذه الطلاقة فيما يرضي الله والذب عن الدين وأهله يؤجر عليها، لذا جاء في الحديث الصحيح: «إن من البيان لسحرًا»، والسحر مذموم على كل حال، لكن هذا إن كان هذا البيان في نصر الحق فهو ممدوح، وإن كان في نصر الباطل فهو مذموم.

طالب: خبر أن مسجد قباء أول ما بني.

سبب نزول الآية؟

طالب: لما نزلت هذه الآية أمر ببناء مسجد قباء.

لا لا، مسجد قباء أول مسجد أسس على التقوى، بناه النبي -عليه الصلاة والسلام- قبل أن يدخل المدينة.

طالب: قبل مسجده؟

قبل مسجده -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: يعني ضعيف هذا الخبر.

نعم بلا شك، ماذا قالوا عنه؟

طالب: ذكره الماوردي في تفسيره بدون إسناده، ولم يعزوه لأحد، وعلى العموم هو غريب حيث لم يذكره أحد من أهل التفسير، والله أعلم.

وإذا لم يوجد في الدواوين المعروفة المسندة الأصلية فهذا أمارة وضع.

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} [(39) سورة النــور] لَمَّا ضَرَبَ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ ضَرَبَ مَثَلَ الْكَافِرِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، كَانَ يَتَرَهَّبُ مُتَلَمِّسًا لِلدِّينِ، فَلَمَّا خَرَجَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَفَرَ. قال أَبُو سَهْلٍ: فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. وقال الضَّحَّاكُ: فِي أَعْمَالِ الْخَيْرِ لِلْكَافِرِ، كَصِلَةِ الرَّحِمِ وَنَفْعِ الْجِيرَانِ. وَالسَّرَابُ: مَا يُرَى نِصْفَ النَّهَارِ فِي اشْتِدَادِ الْحَرِّ، كَالْمَاءِ فِي الْمَفَاوِزِ يَلْتَصِقُ بِالْأَرْضِ. وَالْآلُ الَّذِي يَكُونُ ضُحًا كَالْمَاءِ إِلَّا أَنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. وَسُمِّيَ السَّرَابُ سَرَابًا؛ لِأَنَّهُ يَسْرُبُ أَيْ يَجْرِي كَالْمَاءِ. وَيُقَالُ: سَرَبَ الْفَحْلُ أَيْ مَضَى وَسَارَ فِي الْأَرْضِ. وَيُسَمَّى الْآلَ أَيْضًا، وَلَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْبَرِّيَّةِ وَالْحَرِّ فَيَغْتَرُّ بِهِ الْعَطْشَانُ. قَالَ الشَّاعِرُ:

فَكُنْتُ كَمُهْرِيقِ الَّذِي فِي سِقَائِهِ ... لِرَقْرَاقِ آلٍ فَوْقَ رَابِيَةٍ صَلْدِ

وقال آخر:

فلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُهُمْ ... كَلَمْعِ سَرَابٍ بِالْفَلَا مُتَأَلِّقِ

وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

أَلَمْ أُنْضِ الْمَطِيَّ بِكُلِّ خَرْقٍ ... أَمَقِّ الطُّولِ لَمَّاعِ السَّرَابِ

وَالْقِيعَةُ جَمْعُ الْقَاعِ، مِثْلَ جِيرَةٍ وَجَارٍ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قِيعَةٌ وَقَاعٌ وَاحِدٌ، حَكَاهُ النَّحَّاسُ. وَالْقَاعُ مَا انْبَسَطَ مِنَ الْأَرْضِ وَاتَّسَعَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَبْتٌ، وَفِيهِ يَكُونُ السَّرَابُ.""

ولا يكون السراب إلا في المنبسط من الأرض، أما الأرض التي فيها ارتفاع ونزول وجبال ورمال فهذه لا يكون فيها سراب، إنما السراب الذي يكون بالقيعة –الأرض المنبسطة-.

"وَأَصْلُ الْقَاعِ الْمَوْضِعُ الْمُنْخَفِضُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ الْمَاءُ، وَجَمْعُهُ قِيعَانُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْقَاعُ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ، وَالْجَمْعُ أَقْوُعٌ وَأَقْوَاعٌ وَقِيعَانٌ، صَارَتِ الْوَاوُ يَاءً؛ لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا، وَالْقِيعَةُ مِثْلُ الْقَاعِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْوَاوِ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ جَمْعٌ.

{يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ} أي العطشان، {مَاءً} أي يحسب السراب ماء، {حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} مِمَّا قَدَّرَهُ وَوَجَدَ أَرْضًا لَا مَاءَ فِيهَا. وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ، يُعَوِّلُونَ عَلَى ثَوَابِ أعمالهم، فإذا قدموا على الله تعالى وجدوا ثواب أعمالهم محبطةً بالكفر، أي لم يجدوا شيئًا، كما لم يجد صاحب السراب إلا أرضًا لا ماء فيها، فهو يهلك أو يموت."

لأنه يستمر في طلب هذا السراب إلى أن يهلك.

"{وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ} أي وجد الله بالمرصاد {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} أي جزاء عمله، قال امرؤ القيس:

فولى مدبرًا يهوي حثيثًا

 

وأيقن أنه لاقى الحسابا

وَقِيلَ: وَجَدَ وَعْدَ اللَّهِ بِالْجَزَاءِ عَلَى عَمَلِهِ. وَقِيلَ: وَجَدَ أَمْرَ اللَّهِ عِنْدَ حَشْرِهِ، والمعنى متقارب. وقرئ "بِقِيعَاتٍ". قال الْمَهْدَوِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ مُشْبَعَةً مِنْ فَتْحَةِ الْعَيْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ رَجُلِ عِزْهٍ وَعِزْهَاةٍ، لِلَّذِي لَا يَقْرَبُ النِّسَاءَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ قِيعَةٍ، وَيَكُونَ عَلَى هَذَا بِالتَّاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ. وَرُوِيَ عَنْ نافع وابن جَعْفَرٍ وَشَيْبَةَ: " الظَّمَانُ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمَا الْهَمْزُ، يُقَالُ: ظَمِئَ يَظْمَأُ ظَمأً فَهُوَ ظَمْآنُ، وَإِنْ خَفَّفْتَ الْهَمْزَةَ قُلْتَ: الظَّمَانُ.

وقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} ابتداء. {أَعْمَالُهُمْ} ابتداء ثان، والكاف من {كَسَرَابٍ} الخبر، والجملة خبر عن {الَّذِينَ} ويجوز أن تكون {أَعْمَالُهُمْ} بدلًا من {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} أي: وأعمال الذين كفروا كسراب، فحذف المضاف.

قوله تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} [(40) سورة النــور] ضرب تعالى مثلًا آخر للكفار، أي أعمالهم كسراب بقيعة، أو كظلمات، قال الزجاج: إن شئت مثِّل بالسراب، وإن شئت مثِّل بالظلمات فـ {أو} للإباحة حسبما تقدم من القول في {أَوْ كَصَيِّبٍ} [(19) سورة البقرة]، وقال الجورجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ذكر كفرهم".

فتكون (أو) هنا للتقسيم، ويجوز أن تكون أيضًا للتنويع، منهم من أعماله كسراب، ومنهم من أعماله كظلمات، فتكون للتقسيم والتنويع.

ونسقُ الكفر على أعمالهم؛ لأن الكفر أيضًا من أعمالهم، وقد قال تعالى: {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ} [(257) سورة البقرة] أي من الكفر إلى الإيمان، وقال أبو علي: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} أو كذي ظلمات، ودلَّ على هذا المضاف، قوله تعالى: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُفَالْكِنَايَةُ تَعُودُ إِلَى الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: فَعِنْدَ الزَّجَّاجِ التَّمْثِيلُ وَقَعَ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ، وَعِنْدَ الْجُرْجَانِيِّ لِكُفْرِ الْكَافِرِ، وَعِنْدَ أَبِي عَلِيٍّ لِلْكَافِرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ: هَذَا مَثَلُ قَلْبِ الْكَافِرِ.

{فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ}  قِيلَ: هُوَ مَنْسُوبُ اللُّجَّةِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ. وَاللُّجَّةُ مُعْظَمُ الْمَاءِ، وَالْجَمْعُ لُجَجٍ. وَالْتَجَّ الْبَحْرُ إِذَا تَلَاطَمَتْ أَمْوَاجُهُ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من ركب البحر إذا التج فقد برئت منه الذمة»."

خرَّجه؟ ماذا يقول؟

طالب: قال: ضعيف، ذكره الذهبي في الميزان، في ترجمة محمد بن زريع، وقال: تابعي لا يعرف، أرسل حديثًا ثم ذكره، ووافقه الحافظ في اللسان، حديثه أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والتأريخ عن زهير بن عبد الله عن رجل من الصحابة، فذكره مرفوعًا، وزهير مجهول لا يعرف، وإن وثّقه ابن حبان كعادته في توثيق المجاهيل والحديث حسنه الألباني في الأدب المفرد وهو الصحيحة.

معناه صحيح؛ لأنه من الإلقاء باليد إلى التهلكة، إذا رأى علامات الهلاك ومع ذلك يصرّ إلا أن يركب، ومثل هذا من يركب الطائرة مع سوء الأحوال الجوية التي قد تعرض هذه الطائرة للسقوط، أما مع عدم ذلك فالغالب السلامة.

"والتجَّ الأمر، إذا عظم واختلط. وقوله تعالى: {حَسِبَتْهُ لُجَّةً} [(44) سورة النمل] ما له عُمْقٌ. وَلَجَّجَتِ السَّفِينَةُ أَيْ خَاضَتِ اللُّجَّةَ (بِضَمِّ اللَّامِ). فَأَمَّا اللَّجَّةُ (بِفَتْحِ اللَّامِ) فَأَصْوَاتُ النَّاسِ، يقالُ: سَمِعْتُ لَجَّةَ النَّاسِ، أَيْ أَصْوَاتَهُمْ وَصَخَبَهُمْ. قَالَ أَبُو النَّجْمِ:

فِي لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلَانًا عَنْ فُلِ

وَالْتَجَّتِ الْأَصْوَاتُ أَيِ اخْتَلَطَتْ وَعَظُمَتْ. {يَغْشَاهُ مَوْجٌ} أي يعلو ذلك البحر اللجيَّ موج {مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} أيْ مِنْ فَوْقِ الْمَوْجِ مَوْجٌ، وَمِنْ فَوْقِ هَذَا الْمَوْجِ الثَّانِي سَحَابٌ، فَيَجْتَمِعُ خَوْفُ الْمَوْجِ وَخَوْفُ الرِّيحِ وَخَوْفُ السَّحَابِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ بَعْدِهِ مَوْجٌ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: الْمَوْجُ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا حَتَّى كَأَنَّ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وَهُوَ أَخْوَفُ مَا يَكُونُ إِذَا تَوَالَى مَوْجُهُ وَتَقَارَبَ، وَمِنْ فَوْقِ هَذَا الْمَوْجِ سَحَابٌ. وَهُوَ أَعْظَمُ لِلْخَوْفِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ غَطَّى النُّجُومَ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا. الثَّانِي: الرِّيحُ الَّتِي تَنْشَأُ مَعَ السَّحَابِ وَالْمَطَرُ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْهُ.

{ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَالْبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ" سَحَابُ ظُلُمَاتٍ" بِالْإِضَافَةِ وَالْخَفْضِ. وقُنْبُلٌ: " سَحَابٌ" مُنَوَّنًا" ظُلُمَاتٍ" بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ. والْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ قَرَأَ" مِنْ فَوْقِهِ سَحَابُ ظُلُمَاتٍ" بِالْإِضَافَةِ فَلِأَنَّ السَّحَابَ يَرْتَفِعُ وَقْتَ هَذِهِ الظُّلُمَاتِ فَأُضِيفَ إِلَيْهَا، كَمَا يُقَالُ: سَحَابُ رَحْمَةٍ إِذَا ارْتَفَعَ فِي وَقْتِ الْمَطَرِ. وَمَنْ قَرَأَ" سَحَابٌ ظُلُمَاتٍ" جَرَّ" ظُلُمَاتٍ" عَلَى التأكيد لـ"ظلمات" الأولى أو البدل منها."

أو كظلمات مجرور بالكاف، والثاني إذا كان مؤكدًا له أو بدلًا منه يجرّ.

{سَحَابٌ} ابتداء، و{مِّن فَوْقِهِ} الخبر، ومن قرأ {سحاب ظلمات} فظلمات خبر ابتداء محذوف، والتقدير: هي ظلمات أو هذه ظلمات، قال ابن الأنباري: {مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} غير تام؛ لأن قوله: {مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} صلة للموج، والوقف على قوله: {مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} حسن، ثم تبتدئ {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} على معنى: هي ظلمات بعضها فوق بعض.

وَرُوِيَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّهُمْ قَرَؤوا" ظُلُماتٌ" عَلَى مَعْنَى أَوْ كَظُلُمَاتٍ ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى السَّحَابِ. ثُمَّ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الظُّلُمَاتِ ظُلْمَةُ السَّحَابِ وَظُلْمَةُ الْمَوْجِ وَظُلْمَةُ اللَّيْلِ وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ، فَلَا يُبْصِرُ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الظُّلُمَاتِ شَيْئًا وَلَا كَوْكَبًا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالظُّلُمَاتِ الشَّدَائِدُ، أَيْ شَدَائِدُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالظُّلُمَاتِ أَعْمَالَ الْكَافِرِ."

هذه الظلمات -هذه الشدائد- تحجب العقل كما أن الظلمات تحجب الرؤية، يعني على قول من يقول: إن المراد بها الشدائد، ولا شك أن الكافر في شدائد، وفي ظلمات يتيه في دياجير الجهل وظلماته.

"وَبِالْبَحْرِ اللُّجِّيِّ قَلْبَهُ، وَبِالْمَوْجِ فَوْقَ الْمَوْجِ، مَا يَغْشَى قَلْبَهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ، وَبِالسَّحَابِ الرَّيْنَ وَالْخَتْمَ وَالطَّبْعَ عَلَى قَلْبِهِ. رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، أَيْ لَا يُبْصِرُ بِقَلْبِهِ نُورَ الْإِيمَانِ، كَمَا أَنَّ صَاحِبَ الظُّلُمَاتِ فِي الْبَحْرِ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا. وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: الْكَافِرُ يَتَقَلَّبُ فِي خَمْسٍ مِنَ الظُّلُمَاتِ: كَلَامُهُ ظُلْمَةٌ، وَعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمُدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمُخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَصِيرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الظُّلُمَاتِ فِي النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

{إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ} يعني الناظر {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أي من شدة الظلمات، قال الزجاج وأبو عبيدة: المعنى لم يرها ولم يكد، وهو معنى قول الحسن، ومعنى {لَمْ يَكَدْ} لَمْ يَطْمَعْ أَنْ يَرَاهَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَادَ صِلَةٌ، أَيْ لَمْ يَرَهَا، كَمَا تَقُولُ: مَا كِدْتُ أَعْرِفُهُ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: يَعْنِي لَمْ يَرَهَا إِلَّا مِنْ بَعْدِ الْجَهْدِ، كَمَا تَقُولُ: مَا كِدْتُ أَرَاكَ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَقَدْ رَآهُ بَعْدَ يَأْسٍ وَشِدَّةٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَرُبَ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَلَمْ يَرَ كَمَا يُقَالُ: كَادَ الْعَرُوسُ يَكُونُ أَمِيرًا، وَكَادَ النَّعَامُ يَطِيرُ، وَكَادَ الْمُنْتَعِلُ يَكُونُ رَاكِبًا. قال النَّحَّاسُ: وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي هَذَا أَنَّ الْمَعْنَى لَمْ يُقَارِبْ رُؤْيَتَهَا، فَإِذَا لَمْ يُقَارِبْ رُؤْيَتَهَا فَلَمْ يَرَهَا رُؤْيَةً بَعِيدَةً وَلَا قَرِيبَةً".

كاد إذا كانت منفية لها حكم، وإذا كانت مثبتة فلها حكم، إذا كانت منفية أثبتت على بُعد، وإذا كانت مثبتة (كاد) فهي للنفي، فإذا قلت: (لم يكد زيد أن ينجح) معناه أنه نجح لكنه بعد جهدٍ جهيد، وإذا أثبت كاد، وقلت: (كاد زيد أن ينجح) فهل هو نجح أم ما نجح؟ ما نجح، لكنه قرب منه، وجاء إخفاء الساعة وأنه لا يعلمها إلا الله -جل وعلا-، وقال الله -جل وعلا- عنها: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} [(15) سورة طـه]، فعلى هذا {أَكَادُ أُخْفِيهَا} هل هي مخفية أو غير مخفية؟

طالب: مخفية.

معروف، لكن الآن، من هذا الأسلوب هل هي مخفية أو غير مخفية؟ {أَكَادُ أُخْفِيهَا}.

يعني: أقرب من أن أخفيها، معناه أنه ما أخفاها؟

طالب: ليست مخفية.

نعم، لكنها مع الشدة، أنها إلى الخفاء أقرب، ومع ذلك ليست مخفية، ولذا يقول جمع من المفسرين: أكاد أخفيها حتى عن نفسي، وأما عن الخلق فهذا أمر مفروغ منه، أنها مخفية، ولا يعلمها أحد، ولا يعلم عن الساعة أحد إلا الله -جل وعلا-، وهذا من باب المبالغة في إخفائها.

{وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا}.

يهتدي به أَظْلَمَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ دِينًا فَمَا لَهُ مِنْ دِينٍ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يهتد إلى الجنة، كقوله تعالى: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [(28) سورة الحديد] وَقَالَ الزَّجَّاجُ: ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَالْمَعْنَى: مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ لَمْ يَهْتَدِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: نَزَلَتْ فِي عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، كَانَ يَلْتَمِسُ الدِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، ثُمَّ كَفَرَ فِي الْإِسْلَامِ. قال الْمَاوَرْدِيُّ: فِي شَيْبَةَ بن رَبِيعَةَ، وَكَانَ يَتَرَهَّبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيَلْبَسُ الصُّوفَ وَيَطْلُبُ الدِّينَ، فَكَفَرَ فِي الْإِسْلَامِ. قُلْتُ: وَكِلَاهُمَا مَاتَ كَافِرًا، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَا هُمَا الْمُرَادَ بِالْآيَةِ وَغَيْرَهُمَا."

نعم؛ لأن سبب النزول لا يقتضي القصر عليه، لا يقتضي قصر النازل عليه، بل حكمه في كل من حاله تشبه حاله.

قَدْ قِيلَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَكَانَ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ثُمَّ تَنَصَّرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ: وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله تعالى خلقني من نور، وخلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر، وخلق المؤمنين من أمتي من نور عمر، وخلق المؤمنات من أمتي من نور عائشة، فمن لم يحبني ويحب أبا بكرٍ وعمر وعائشة فما له من نور، فنزلت {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}»."

باطل؟

 الخبر باطل.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد.ٍ

"
مباشر شرح المقنع في فقه الإمام أحمد