شرح جوامع الأخبار (06)

عنوان الدرس: 
شرح جوامع الأخبار (06)
عنوان السلسلة: 
شرح جوامع الأخبار
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 11/ شعبان/ 1435 11:30 ص

سماع الدرس

الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، قال المؤلف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -عليه رحمة الله تعالى-:

الحديث الرابع والثلاثون: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً‏،‏ وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)‏)‏ [رواه مسلم]‏.‏

هذا الحديث العظيم يقول فيه -عليه الصلاة والسلام-: ((ما نقصت صدقة من مال)) الزكاة المفروضة والصدقات التي يتطوع بها أصحاب الأموال الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((ما نقصت صدقة من مال)) عندك ألف ريال تصدقت زكاة مفروضة بخمسة وعشرين ومثلهن نفل، نقص الألف وإلا ما نقص؟ ينقص وإلا يستمر الألف؟ يصير ألف إلا خمسين، يصير تسعمائة وخمسين، قد يقول: كيف ما نقص؟ لكن ما يتصور الإنسان قدر النمو والتطهير لهذا المال الذي زكي، وهذا أمر يعرفه العامة قبل الخاصة، يعرفه العامة قبل الخاصة، إذا فقد الإنسان شيئاً ثم وجده قال: الحمد لله هذا مال مزكى ما يضيع، هذا عند العوام يقولون هذا، وأنتم تجدون في دنيا الناس كثير ممن يبذل ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر وأمواله في ازدياد في الدنيا، وقد يحصل له الابتلاء، والله -جل وعلا- يبتلي بأعراض هذه الدنيا وجوداً وعدماً، قد يزكي ويبتلى بجوائح؛ لكن ما عند الله -جل وعلا- أعظم، والحسنة بعشر أمثالها؛ لأن بعض الناس وقد أورد من قبل المتقدمين يقول: لا شك أن الزكاة فيها أجر وفيها ثواب؛ لكن كيف يباع العاجل بالنسيئة؟ هنا ندفع أموال حاضرة والنسيئة تأتي بعدين، لو أن الله -جل وعلا- وعدك على الحسنة بحسنة، وعلى الريال بريال، يمكن تقول هذا الكلام، لكن وعدك على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، مثل هذا يخطر على بال عاقل؟! وإلا قيل مثل هذا الكلام، كيف نبيع عاجلاً بآجل؟ لو كانت المسألة متساوية تبيع ألف بألف مثلاً، أو سيارة تسام منك خمسين ألف تقول: اشترها يا فلان بخمسين ألف لمدة عشر سنوات، وأنت لا ترجو إعانة أخيك، نقول: ما يصح تبيع شيء بقيمته الحاضرة تنتقد في موازين الناس؛ لكن يبقى هل هذا الأمر متقارب بينما تدفع وما ترجو وما وعدت، فرق كبير جداً جداً لا نسبة بينهما، ولذا مثل هذا الكلام لا يرد البتة، والوعد الصادق: ((ما نقصت صدقة من مال)) لأن الصدقة سميت بذلك لأنها تصدق صاحبها أو علامة على صدق دعوى صاحبها أنه مسلم وملتزم بأحكام الإسلام إذا أدى هذه الزكاة، نعم صدق في دعواه، وهي أيضاً جاءت تسميتها بالزكاة؛ لأنها تزكي المال وتنميه، سواء كانت هذه التنمية بالكيفية أو بالكمية، وتنمية الأموال بالكمية ظاهر، الناس يبذلون الملايين فيما يرضي الله -جل وعلا- وأموالهم تزيد زيادات كبيرة جداً، وبالمقابل أهل الشح والبخل أموالهم تنقرض، وكثير من أموالهم يصرفها أهل الشح والبخل فيما لا يرضي الله -جل وعلا-، بل تتفلت منهم رغم أنوفهم، يبتلى بولدٍ مبذر، يبتلى بامرأة سفيهة، يبتلى بأمراض، يبتلى بكوارث ومصائب وجوارح، وهذا الواقع يشهد بهذا، ولهذا الوعد الصادق لا يتخلف، قد لا يزيد المال في الكمية، يزيد في الكيفية، يستفيد من هذا المال فيما يرضي الله -جل وعلا-، وفيما يسعده في دنياه، وهذا من الزيادة، والزيادة تحتمل أن تكون الكمية والكيفية، كزيادة العمر مع الصلة، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً؛ لأن الناس يتصورون إن الإنسان إذا عفا عمّن ظلمه يتصورون أنه أنزل نفسه، ويرمونه بالعجز، لولا أنه عاجز عن استيفاء حقه ما عفا، فيتصورونه أو قد يتبادر على بعض الأذان أنه ذل بعفوه، والحديث الصحيح يدل على العكس والواقع يشهد بذلك، ولا شك أن من عفا أجره على الله، {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [(237) سورة البقرة] وإذا كان أقرب للتقوى فهو العز الحقيقي، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، ما تواضع أحد لله يرجو بهذا التواضع ثواب الله -جل وعلا-، ما تواضع من أجل ثناء الناس عليه، ولا تواضع للأغنياء لكي يصلونه بشيءٍ من أموالهم، إنما تواضع لله -جل وعلا-، إذا تواضع لله -جل وعلا-، والمتواضع والتواضع خضوع وقرب حسي، وإن كان من حيث الناحية المعنوية رفعة عند الله -جل وعلا- وعند خلقه، وهذا شيء مجرب، بعض الناس لا يطيق رؤية المتكبر، بل وجد من يعتدي عليه، متكبر في مشيته، في كلامه، في تعامله مع الناس، هذا لا يطاق، مثل هذا وإن رفع نفسه أذله الله -جل وعلا-، يقول الشاعر:

تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه

 

على صفحات الماء وهو رفيعُ
إلى طبقات الجو وهو وضيعُ

لا شك أن المتكبر مثل الدخان رافع نفسه؛ لكن لا شيء، رؤيته تزكم الأنوف، مثل الدخان، وتقضي العيون، وأما بالنسبة للمتواضع المتحبب الأليف لا شك أن الناس يألفونه ويحبونه، وشواهد الأحوال على ذلك كثيرة، والتواضع لا شك أنه قرين للدين والعلم، كلما زادت عبادة الشخص وقربه من الله -جل وعلا- تواضع لله، وخضع له، وكلما زاد علم الإنسان بربه وبأحكامه زادت معرفته بنفسه، ثم دعاه ذلك إلى التواضع، والله المستعان.

الحديث الخامس والثلاثون: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:‏ (‏(‏كل عمل ابن آدم يضاعف‏، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف‏،‏ قال الله تعالى‏:‏ إلا الصوم‏‏ فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي‏،‏ للصائم فرحتان‏:‏ فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه‏‏ ولَخَلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك‏،‏ والصوم جُنَّة‏،‏ وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله، فليقل‏:‏ إني امرؤ صائم‏))‏ [متفق عليه]‏.‏

في هذا الحديث وهو مما يتعلق بالصيام بعد أن ذكر المؤلف بعض الأحاديث المتعلقة بالصلاة والزكاة على الأبواب ماشي -رحمه الله- ينتقي من كل باب أجمع حديث فيه، يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف)) الحسنة مضاعفة، والسيئات أفراد لا تضاعف، ولذا يقول أهل العلم: خاب وخسر من فاقت آحاده عشراته، الحسنة بعشر أمثالها، هذا أقل تقدير، أقل المضاعفات إلى سبعمائة ضعف، {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} [(261) سورة البقرة] الحبة صارت سبعمائة حبة إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، وهذه المضاعفات مردها إلى قوة الإخلاص لله -جل وعلا-، وحسن العمل فإذا كان العمل أدخل في هذين البابين الإخلاص والإصابة زادت المضاعفات؛ لكن إذا كانت صورته صورة العمل الشرعي وحصل ما حصل تنقص هذه المضاعفات، المقصود أن الله -جل وعلا- فضله لا يحد، سبعمائة ضعف، يتصور الإنسان أنه يقرأ القرآن في مدةٍ وجيزة ويحصل على ثلاثة ملايين حسنة، وهذا أقل تقدير، الحرف بعشر حسنات، فكيف إذا ضوعف الأجر إلى سبعمائة ضعف؟ من يقدر هذا القدر؟! وكم يختم الموفق في عمره، وإذا ضربت هذه المضاعفات بعدد ما قرأه المسلم من آي القرآن من الأمور السهلة الميسرة، يعني بالإمكان يجعل له ورد يومي بحيث يقرأ القرآن بالراحة، ويحصل على هذه الأجور ولو لم يقرأ لذهب الوقت في القيل والقال، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وذكرنا حديث المسند، وفيه كلام ضعيف عند أهل العلم؛ لكن هو لائق بفضل الله -جل وعلا- إلى ألفي ألف ضعف، مليون ضعف، هل يخطر ببال مسلم أنه من أين جاب هذه الأعداد؟ من فضل الله -جل وعلا- وفضله لا يحد، يعني ما هو ينفق من حساب مهما طالت أرقامه تنتهي، لو اجتمع الناس أو اجتمع الخلق كلهم إنسهم وجنهم من أول ما خلق الله الخليقة إلى أن تقوم الساعة فسألوا الله -جل وعلا- فأعطى كل واحدٍ مسألته ما نقص ذلك من ملكه شيئاً، وتعرفون حديث: أدنى أهل الجنة منزلة، وليس فيهم دنيء، أدناهم منزلة هو آخر من يخرج من النار يقال له: تمنَ، يكفيك ملك أعظم ملك في الدنيا؟ قال: يكفي، لك وعشرة أمثاله، هذا أقلهم منزلة، فكيف بمتوسطيهم؟! وكيف بأعلاهم؟! فما عند الله -جل وعلا- لا ينفد، قال الله تعالى: ((إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به)) والصوم يشمل صوم الفرض وصوم النفل هو لله -جل وعلا-، وإضافته إلى الله -جل وعلا- إضافة تشريف، ومزيد عناية وإلا فكل العبادات لله -جل وعلا-، ((إلا الصوم فإنه لي)) لأنه لا يمكن أن يصرف منه شيء، أمر غيبي لا يطلع عليه أحد، فلا يمكن أن يدخله الرياء إلا إذا كان الإنسان ما يحتمل الخير وإلا فبالإمكان أن يصوم الإنسان ولا يدرى به، ((إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به)) يعني جزاء لا يحد، ما يدخل في التضعيف المذكور سبعمائة ضعف، ((من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)) سبعين سنة، يوم واحد، وفي سبيل الله، منهم من يرى أنه في الجهاد، ومنهم من يقول: أنه خالصاً لوجه الله -جل وعلا-.

((يدع شهوته وطعامه من أجلي)) من أجلي، الباعث على هذا الصيام طلب ما عند الله -جل وعلا-، قد يقول قائل: زيد من الناس أصيب بمرض، فأوصاه الأطباء بالحمية، وقال: بدلاً من الحمية أصوم، هل هذا ترك شهوته وطعامه من أجل الله؟ له أجر وإلا ما له أجر؟ له أجر؛ لأنه ما عدل عن الحمية التي لا توافق الشرع إلى ما يوافق ما أمر به الشارع إلا طلباً لثواب الله -جل وعلا- فله أجره؛ لكن يبقى أن ثوابه ما هو مثل ثواب الذي من أجل الله -جل وعلا- ترك الطعام والشراب، وقل مثل هذا الكلام فيمن أمره الأطباء بكثرة المشي فقال: بدلاً من أن أجوب الأسواق طولاً وعرضاً أطوف، يطوف، ويسأل بعض الناس السعي فيه ثواب وإلا ما فيه ثواب؟ رياضة، يبي يمشي هو، يقول: لا السعي ما فيه ثواب إلا إذا كان في نسك حج أو عمرة، أما الطواف ففيه الثواب مطلقاً، وفيه النصوص المعروفة ((من طاف أسبوعاً يحصيه كان له بكل خطوةٍ حسنة)) المقصود أن فيه ثواب، فيقول: بدلاً من أن أجوب الأسواق رايح وجاي، والناس وش بك؟ وأين تبي؟ وين أنت رايح؟ وواحد اللي يوقفه يبي يشيله لا، بدون إحراج، باروح إلى المطاف وما شاء الله آخذ لي أسبوع أسبوعين ثلاثة، نقول: نعم، عدولك عن المشي المباح إلى المشي المستحب فيه ثواب؛ لكن يبقى أن الباعث يختلف، فليس ثوابه ثواب من عمل العبادة خالصاً لوجه الله تعالى.

((يدع شهوته وطعامه من أجلي)) شهوته يدخل فيها الجماع وما دونه مما يفطر، مما اشتمل على الشهوة، وبهذا يستدل من يقول: أن مجرد خروج المذي ما يفطر؛ لأنه ليس فيه شهوة، على كل حال الجماع مفطر إجماعاً، وفيه كفارة، والطعام أيضاً مفطر إلا إذا كان ناسياً فإنما أطعمه الله وسقاه، من أجل الله -جل وعلا- وطلباً في رضاه.

((للصائم فرحتان)) وكل صائم يدرك هذا بنفسه، ((للصائم فرحتان: فرحة عند فطرة)) ولولا هذا النص، فرحة عند فطرة، يعني الإنسان جبلة خلقة إذا قدم الفطور ينتظر أذان المغرب، ويبدأ بالفطور يفرح، هذا موجود عند الناس كلهم، ولولا مثل هذا النص لقلنا: أن هذا الفرح فرح بالفراغ من العبادة، وهذا ما هو طيب الشعور بهذا، لكنه ما دام ثبت في الشرع أن الصائم له أن يفرح فليوجه هذا الفرح بأنه فرح باستكمال هذه العبادة، الحمد لله أنه أكمل هذا اليوم من غير أن يعرض له شيء يضطره إلى الفطر، ومباشرة ما امتن الله به -جل وعلا- عليه وأباحه له، ((للصائم فرحتان: فرحة عند فطرة)) إذا افترضنا أن هناك اثنين، كلاهما صائم، واحد ينتظر كل شيء ينظر للساعة متى يؤذن؟ والثاني: غافل عن هذا الأمر يذكر الله ويتلو القرآن، والحمد لله هو في عبادة، هل نقول: أن الذي يفرح بقرب الفطور أفضل من الذي ينشغل عن هذا الأمر بعبادةٍ أخرى، أو على الأقل ما يخطر على باله يعني يستوي عنده أنه يؤذن أو ما يؤذن، يستوي عنده الأذان وعدمه، كله واحد، لو استمر النهار ساعتين ثلاث ما... في الحديث يقول: ((للصائم فرحتان)) له ذلك؛ لكن هل معنى هذا أنه يؤجر على هذه الفرحة أو لا يؤجر؟ بحسب ما يقر في قلبه من هذه الفرحة، إن كان متضايق من الصيام لا شك أن هذا لا يؤجر عليه البتة، هذا خلل؛ لأن هذه عبادة، نعم قد يحتاج إلى الأكل في

شدة أيام الحر فمثل هذا لا يؤاخذ، أما من لم يخطر الفطور والفطر على باله هذا لا شك أنه منسجم مع هذه العبادة وانشغل وقته بما يرضي الله -جل وعلا- لا شك أنه أكمل، وأما الفرحة هذه فرحة جبلية، الفرحة الثانية عند لقاء ربه، عند لقاء ربه إذا رأى ما وعد الله به عباده الصائمين، وفي الجنة باب يقال له: الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، لا شك أن مثل هذا يبعث على الفرح، ويحث على العمل.

((ولخلوف فم الصائم)) الخلوف الرائحة التي هي في عرف الناس كريهة، التي سببها فراغ المعدة من الطعام إذا فرغت المعدة من الطعام انبعث هذه الروائح الكريهة، وهذا يسمى خلوف، ((ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) لماذا؟ لأنها رائحة نشأت عن عبادة، أثر عبادة، ولذا الغبار في سبيل الله أمره عظيم، الدم دم الشهيد شأنه عظيم، وهو دم وهذه الرائحة الكريهة أيضاً أطيب عند الله من ريح المسك، ((والصوم جنة)) جنة وقاية يجتن بها الصائم، ويتقي بها، الصوم جنة، والتقوى من أعظم فوائد الصيام، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [(183) سورة البقرة] هذه العلة والحكم من مشروعية الصيام {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فهو جنة يقي العبد مما يكره في الدنيا والآخرة.

((وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخب)) الرفث: الكلام البذيء سواء كان منه ما يتعلق بالنساء وهو الأقرب أو غيره، ولا يصخب الكلام الذي فيه صخب ولغط ويؤدي إلى شجارٍ ونزاع كل هذا ممنوع منه المسلم مطلقاً، وهو يتأكد منع منه في حال الصيام، فلا رفث ولا فسوق ولا عصيان ولا صخب في حياة المسلم كلها، ومن باب أولى إذا كان متلبساً بعبادة كما هنا، فلا يرفث ولا يصخب، وفي الحج: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) ((فإن سابه أحد أو قاتله)) اعتدى عليه بلسانه أو بيده ضاربه أو بسلاحه ((فليقل: إني امرؤ صائم)) يخبره بذلك ليكف وليخبره أنه ليس بعاجز عن الرد عليه، وإنما يحجزه هذه العبادة التي تلبس بها، ((فليقل: إني امرؤ صائم)) من أهل العلم من يرى أن مثل هذا الكلام يقال في صوم الفرض؛ لأن الناس كلهم صائمون والفرض لا يدخله رياء، مطلوب من الناس كلهم، أما في النفل لا ينبغي أن يقول: إني امرؤ صائم؛ لئلا يخبر بسريرته، ويكشف حقيقة أمره، وإن كان النص عام، يعني إذا سابه أحد أو قاتله يخبره بأنه ما حجزه وما منعه عن الاقتضاء منه والاقتصاص إلا الصيام، وإلا ليس بعاجز.

الحديث السادس والثلاثون: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏إن الله قال‏:‏ من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب‏،‏ وما تقرب إلى عبدي بشيء أحبّ إلي مما افترضت عليه‏،‏ وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه‏،‏ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها‏،‏ ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه‏،‏ وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن‏:‏ يكره الموت، وأكره مساءته‏،‏ ولا بد له منه)‏)‏ [رواه البخاري‏].

هذا الحديث حديث أبي هريرة في حق الأولياء في مالهم عند الله -جل وعلا-، وفي أوصافهم، وهذا الحديث عند أهل العلم يسمى القدسي، الحديث الإلهي، الحديث الرباني؛ لأنه مضاف إلى الله -جل وعلا-، يقول: ((إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)) والولي: هو الذي يتقرب بالفرائض ويتبعها بالنوافل، هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، والمؤمنون كلهم أولياء لله، فليحذر المسلم من معاداة ولي الله؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: ((من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)) إذا عادى المؤمن المطيع لربه المجتنب عن محارم الله المتقرب إلى الله بالفرائض والنوافل فقد آذنته بالحرب، والعداوة قد تكون قلبية، ولا شك أن سبب هذا خلل إما في قلب الشخص وعدلاً من سلامته، أو فساد في تصوره وإلا فكيف يعادي المسلم أخاه المسلم بغير جريرة وبغير عداوةٍ منه أو اعتداءٍ عليه؟ باعث على هذه العداوة إما فساد في قلب الشخص أو خلل في تصوره، أو وجود حسد، ولا شك أن بعض الناس يعتدي على غيره حسداً، {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ} [(54) سورة النساء] وإلا فكيف تتصور شخص مطيع لله -جل وعلا- مؤدي ما افترض الله عليه، مجتنب لما نهى الله عنه فتعتدي عليه في يدك أو في لسانك وتعاديه وتهجره لغير سبب؟ فلينته المسلم لا سيما طالب العلم أن يعادي الأولياء بسبب لأنه إذا كان هناك سبب يقتضي العداء فإنه ليس بولي، إذا كان هناك سبب حقيقي يقتضي العداء فمثل هذا ليس بولي، على أن المسلم لا سيما من كانت عنده موافقة ومخالفة، تجده مطيع لله -جل وعلا-، مؤدي الفرائض، مجتنب لبعض المحرمات، مرتكب لبعضها، مثل هذا يحب بقدر ما عنده من إيمان، بقدر ما عنده من إسلام، بقدر ما عنده من طاعات؛ لكنه يبغض بقدر ما عنده من مخالفات ومعاصي، يجتمع في المسلم موافقة ومخالفة.

((فقد آذنته بالحرب)) ومن لديه قدرة على مبارزة الله -جل وعلا- بالحرب؟ وجاء في آكل الربا {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} [(279) سورة البقرة] ((وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إليّ مما افترضته عليه)) لا شك أن أداء الواجبات واجتناب المحرمات أولى من الانشغال بالمستحبات، ((وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحبّ إلي مما افترضته عليه)) يعني على الإنسان أن يؤدي ما افترض الله عليه، فإذا حصل فيها خلل غير مقصود وتنفل الإنسان بعدها جبر النافلة هذا الخلل، أما أن يعنى بالنوافل وهو مخل مصر على الخلل في الفرائض يخل بالفرائض عن قصد يقول: نكملها بالنوافل، ((وما تقرب إليّ عبدي أحب إلي مما افترضته عليه)) هنا مسألة يحتاجها كثير من الإخوان المشايخ وطلاب العلم، تجد بعضهم باذل في وجوه الخير والنفع لكن هذا البذل له أثر في عمله الأصلي الذي استؤجر عليه ووجب عليه، تجد مثلاً مدرس مقصر في التدريس الواجب وعنده في آخر النهار حلقة تحفيظ، أو أستاذ في جامعة أو في غيره عنده دروس لكنه يتخلف عن المحاضرات الواجبة عليه، ((وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحبّ إلي مما افترضته عليه)) عليه أن يؤدي هذا الواجب الذي يأخذ مقابله أجرة، ثم إذا تنفل بما زاد على ذلك نور على نور، وبعضهم يتسامح في مثل هذا الأمر، ويقول: ما دام العمل الثاني يحقق الهدف الذي من أجله استؤجر على العمل الأصلي هذا يجبر هذا، وعلى كل حال كل له نظرته؛ لكن ينبغي العناية بما أوجب الله عليك، احرص على أن تؤدي ما أنيط بك من عمل، وأخذت عليه أجرة كاملاً، وما زاد على ذلك لك أجره -إن شاء الله تعالى-، وعلى كل حال على الإنسان أن يؤدي ما اؤتمن عليه، وما استؤجر من أجله، وعليه أيضاً أن يبذل، ((وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) لكن هل الشخص الباذل الذي يبذل قدر زائد على ما أوجب عليه، هذا إذا حصل خلل فيما أوجب عليه يجبر بهذه النوافل، كما أن الصلوات المفروضة تجبر بالرواتب؛ لكن الإشكال إذا قال: أنا من أهل التحري والتثبت وأؤدي العمل الواجب، ولا أستطيع أن أتنفل، ويحرم من النفع العام الذي يؤديه إلى غيره، يحرم الناس بسبب أنه يريد أن يتحرر، ويؤدي الواجب، ويخشى أن يكون هذا العمل المندوب له أثر على الواجب فيحرم من ما يكمل هذا الواجب، فعلى الإنسان أن يحرص على الواجب ويؤدي المستحب.

((وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) يتقرب بالنوافل: وأعظم النوافل طلب العلم، طلب العلم ابتغاء وجه الله -جل وعلا-، هذا أعظم وأفضل من نوافل العبادة، فعلى الإنسان أن يحرص عليه ويتقرب بوجوه الخير الأخرى اللازمة والمتعدية من صلاةٍ وزكاةٍ وصيام وحج وعمرة، ونفع لإخوانه المسلمين، وإعانة للمحتاجين، وسعي في قضاء حوائجهم، ((وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه)) وفي هذا إثبات المحبة لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته ((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به)) وإذا كان الله -جل وعلا- سمع الإنسان فإنه لن يسمع إلا ما ينفعه في أموره ودنياه، وسوف يحمي سمعه عن سماع المحرم من غيبة ونميمة وأغاني وفحش وإسفاف ((وبصره الذي يبصر به)) وقل مثل هذا فيما يرى، فإذا أحب الله -جل وعلا- العبد حماه عن مزاولة المنكرات المسموعة والمرئية، وكنت يده التي يبطش بها، فلا يمد يده إلا إلى شيءٍ مشروع، أو على أقل الأحوال مباح ((ورجله التي يمشي بها)) فلا يمشي إلا إلى عبادة أو إلى شيءٍ مباح يستعين به على عبادته، ((ولئن سألني لأعطينه)) ومع ذلك يكون مجاب الدعوة، ومع ذلك يكون مجاب الدعوة، ((ولئن سألني لأعطينه)) لأن من حافظ على الواجبات، وتقرب بالنوافل عصمه الله -جل وعلا- عن المحرمات، لا سيما ما يدخل في جوفه من مأكولٍ ومشروبٍ، وما يلبسه على بدنه مما يقتضي رد الدعوة، فمثل هذا إذا عصم من الأكل الحرام، وشرب الحرام، وغذاء الحرام، وكسوة الحرام، مثل هذا يكون مجاب الدعوة؛ لأن من موانع الدعوة هذه الأمور، مزاولة المحرمات، ذكر الرجل ((يطيل السفر، أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له)) لكن هذا الولي ((ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني...)) سألني شيء ينفعه في دينه ودنياه لأعطينه، وإن استعاذني من شيء يضره في دينه ودنياه لأعيذنه.

((وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه)) إذا وجد أمر ينتابه أمران، أمر يحث عليه، وشيء يحذر منه، يحصل هنا التردد، هل يفعل أو يترك؟ يفعل نظراً إلى ما يحث عليه، يترك نظراً إلى ما يحذر وينفر منه؟ هذا بالنسبة لتردد المخلوق، تردد المخلوق في شيء لما ينتابه مما يأمره بالإقدام ويعارضه من الإحجام، هذا يورث التردد بالنسبة للمخلوق، وهذا الباعث على تردد المخلوق؛ لكن بالنسبة للخالق؟ هذا التردد يليق به -جل وعلا- ما لا يشبه تردد المخلوق، ويكره عبده الولي الموت فالله -جل وعلا- يكره قبض روحه؛ لأن الموت يسوء هذا الولي؛ لكنه أمر مكتوب محتوم عليه لا بد من وقوعه، فلا بد من نفاذه حينئذٍ.

الحديث السابع والثلاثون: عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏((‏البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا‏، فإن صدقا وبيَّنا‏‏ بورك لهما في بيعهما‏،‏ وإن كذبا وكتما‏‏ محقت بركة بيعهما‏)‏) [متفق عليه]‏.

نعم هذا الحديث في البيع وإثبات للخيار، وهو خيار المجلس بين الطرفين المتعاقدين، ما داما في مجلس العقد، هما بالخيار لكل واحدٍ منهما أن يمضي العقد أو يفسخ العقد، فكل منهما له أن يختار بين إمضاء البيع أو فسخه، ما لم يتفرقا بأبدانهما، كما يفيده هذا الحديث، لا بالأقوال كما يقوله بعضهم، كالحنفية والمالكية، لكن إثبات خيار المجلس هو الصحيح لهذا الحديث، وما جاء في معناه، فإذا تفرقا بأبدانهما عن مكان العقد لزم البيع، فلا خيار لأحدهما، ثم بين النبي -عليه الصلاة والسلام- ما ينبغي أن يتحلى به المتعاقدان، ((فإن صدقا)) ولم يكذب أحدهما على الآخر لا في السلعة وقيمتها، ولا فيما طلبت به وسيمت، لا يجوز للبائع أن يقول: اشتريتها بكذا، بل عليه أن يصدق إذا أراد أن يخبر إذا قال له المشتري: بكم اشتريت هذه؟ لا يجوز له أن يكذب في ثمنها، له أن لا يخبر؛ لكن إذا أخبر يجب عليه أن يصدق، إذا قيل له: كم سيمته؟ لا يجوز له أن يخبر بخلاف الواقع، بل يخبر ما سميته بدقة، وعن السوم الذي قريب من المجلس، قد تكون السلعة السيارة سيمت في العام الماضي لكن هذه السنة كم تسوى؟ تسوى ثلاثين مثلاً، تقول: كم سميت السيارة؟ يقول: والله سميت خمسين ألف، متى سميت خمسين ألف؟ هذا كذب بلا شك، لا بد من الصدق من المتعاقدين، وبينا لا بد من بيان حقيقة السلعة، لا بد من بيان حقيقة السلعة ووصفها بالوصف الدقيق وما فيها من عيوب، لا بد من البيان، فلا يجوز أن يكتم عيباً تشتمل عليه مما لا يراه المشتري، فإن حصل منهما ذلك حصل الصدق والبيان ((بورك لهما في بيعهما)) والبركة في هذا البيع يبارك السلعة للمشتري المثمن، ويبارك في القيمة للبائع، فيستفيد منه على أكمل وجه، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما، لو جاء شخص لصاحب سيارة وقال له: كم تسام هذه السيارة؟ قال: خمسين ألف، بالفعل قبل مدةٍ يسيرة بنفس اليوم سيمت خمسين ألف، قال: سميت خمسين ألف، وهو يبي ستين ألف، قال: ماني زائدك أكثر أزيدك ألف واحد وخمسين، النسبة للفضل والأجر والثواب والعقاب معروف مفروغ منه، لكن بالنسبة لأمور الدنيا؟ سميت خمسين ألف قال: هذه واحد وخمسين قال: هات، واحد وخمسين مع الصدق والبيان يبارك به -إن شاء الله-، لكن لو قال: سميت تسعة وخمسين على شان يقول له: ستين وليس بصادق أيهما أبرك؟ الواحد والخمسين وإلا الستين؟ شواهد الأحوال في الواقع تدل على أن الصدق والبيان مثل هذا يضمن البركة، فيستفيد البائع من القيمة على أكمل الوجوه، وأما إذا كذب أو غش ولم يبين وكتم، يمكن أن ترتفع قيمة السلعة، ويحصل على أعظم مبلغ لكن مع ذلك الشواهد تدل على أنه لا يستفيد من هذا المال البتة، والله المستعان.

((فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما)) والبركة تكون في الثمن والمثمن، إذا صدق الطرفان، وأما إذا صدق أحدهما دون الآخر حصلت لهما البركة بمفرده، والمحق للطرف الآخر، ((وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)) فلا البائع يستفيد من الثمن، ولا المشتري من المثمن، والله المستعان.

الحديث الثامن والثلاثون: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغَرر" [رواه مسلم]‏.‏

نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الحصاة، هذا نوع من البيوع كانوا يتعاملون به في الجاهلية، يأتي من يريد السلعة إلى صاحبها وعنده حصاة يقول: خذ حصاة واضرب بها أي شيءٍ تريده وما وقعت عليه هذه الحصاة فهو عليك بكذا، أو ارم هذه الحصاة فالحد الذي تصل إليه من الأرض عليك بكذا، هذا غرر لأن الناس يتفاوتون في دقة الإصابة، إصابة المراد، بعض الناس يرمي يريد أمامه، تروح يمين وإلا يسار، وبعض الناس يصيب بدقة، فإذا راحت يميناً وشمالاً لا شك أنها ستقع على سلعةٍ إما أن تكون بأكثر من الثمن أو بأقل، فيتضرر أحدهما، وفي هذا غرر وجهالة، وإن كان الرامي دقيقاً في رمي ما يريد وأصاب سلعةً قيمتها أكثر مما حددت به يتضرر البائع، وفي هذا من الغرر والجهالة ما لا يرد الشرع بمثله، هذا بيع الحصاة، وقل مثل هذا في البيوع التي تشتمل على الغرر، والصور كثيرة جداً، كل ما فيه غرر بحيث لا يتبين البائع والمشتري السلعة والثمن بدقة؛ لأن من شرط صحة البيع أن يكون الثمن معلوماً، وأن يكون المثمن الذي هو السلعة معلوماً، وأما الجهالة المفضية إلى النزاع والخصومة، مثل هذا ممنوع، والمراد ما من شأنه أن يفضي إلى النزاع والخصومة، بمعنى أنه لو تراضيا قال: أنا مستعد آخذ السلعة بكم؟ أي سلعة تقع عليها هذه الحصاة علي بمائة ريال، اتفقنا اتفقنا، رضيت رضيت، يأخذ الحصاة ويضرب ما قيمته ألف، قال: احنا متراضيين، قال: خلاص متراضيين متراضيين، ولو تراضيا، مثل هذا ما يجزئ، ما يكفي فيه الرضا، وإلا كان الميسر والرهان كان جائز، وأنه حصل برضا الطرفين، لكن الشرع جاء بتحريمه، القمار والميسر كلها غرر وجهالة، ما في بطون الأنعام، نهى عن بيع الحبلة، ونهى عن بيع حبل الحبلة، لك ما في بطن هذه الناقة بكذا، لك ما في بطن هذه الناقة هذا غرر وجهالة، ما تدري وش تلد؟ ذكر أنثى، مكتمل ناقص ما تدري، ميت لا تدري، كل هذا من بيوع الغرر والجهالة، في الأسواق وفي المحلات صور كثيرة للغرر، فلا بد أن يكون الثمن معلوم، والمثمن معلوم، طيب؟ صور التأمين الصحي وغير الصحي تدفع كذا مبلغ ألف ريال وتعالج في هذا المستشفى لمدة سنة أنت وأسرتك، هذا احتمال أن لا تراجع هذا المستشفى البتة، واحتمال أن تراجع هذه المستشفى بما قيمته عشرة آلاف بدل ألف هذا غرر وجهالة، ولذا حرم أهل العلم التأمين، الضمان، إذا كان مقابله له وقع في الثمن، غرر وجهالة، تشتري السيارة مضمونة لمدة سنتين، كيف مضمونة؟ إذا خربت يجوا يصلحونها لك؟ لكن ما مقابل هذا الضمان من الثمن؟ إن كان صاحب السلعة يقول: الثمن مائة ألف تبي ضمان نضمن، ما تبي بكيفك؟ ما يتغير الثمن، نقول: هذا تبرع بالإصلاح سهل؛ لكن إذا كانت مضمونة بمائة ألف وغير مضمونة بأقل بتسعين ألف مثلاً؟ نقول لا، هذا غرر وجهالة؛ لأنه يمكن هذه العشرة الآلاف التي دفعتها ما تستغرق منها شيء خلال السنتين، ويمكن أن تستغرق ضعف قيمة السيارة، هذا غرر وجهالة، وقل مثل هذا في ضمان الجوال مثلاً، إذا كان هذا الضمان يقابله نسبة من الثمن شيء له وقع في الثمن، الجوال والله بألفين، هذا بألفين، ضمان وإلا بألف وخمسمائة بدون ضمان، نقول: لا ما يجوز لأن هذا غرر وجهالة، يمكن يخرب كل يوم هذا الجوال، ويمكن ما يخرب، ولذلك تجدون في صور الضمان المشاكل كثيرة جداً، المشاكل كثيرة، تأتي إلى الوكالة وكالة السيارة تقول: والله الآن السيارة ما لها إلا شهر وخربت، تجي للمهندس يعني الأصل أن يصلح لك السيارة، يقول: لا هذا غير داخل تحت الضمان، أنت ما تدري عن شيء، تجي مرة ثانية يقول: لا هذا ناتج عن سوء استعمال، إيش معنى سوء استعمال؟ فمثل هذه المنازعات والخصومات الذي أوقعنا فيها إقدامنا على هذا الغرر والجهالة، بعض الغرر والجهالة قد يتجاوز عنه لندرته وقلته، أو لعدم الوصول إلى حقيقته، اشتريت بيت، ومن اللازم أن تشوف القاعدة كم عرضها مترين مترين، متر متر، ثلاثة أمتار، يا أخي غرر القاعدة ما تشوفها أنت، هذا غرر لكنه يسير، ولا يمكنه الوصول إليه، الأصل أن القاعدة المبنى ما دام على مخطط صادر من مهندس ومدروس الأصل فيه أن قواعده ماشية، الصور في هذا الباب كثيرة، يسأل كثيراً عن البيع الذي يسمونه تأجير منتهي بالتمليك، وهو صورة من صور الغرر، كيف؟ تشتري هذه السيارة لمدة ثلاث سنوات تدفع كل شهر ثلاثة آلاف ثم تدفع القيمة الأخيرة التي هي البيع عشرة آلاف، إذا انتهت الأقساط، إذا انتهت الأجور تدفع القيمة، هما عقدان في عقدٍ واحد، وواقع السلعة عند بيعها إذا انتهت الأقساط مجهولة، احتمال أن تسوى السلعة عشرين ألف السيارة، واحتمال ما تسوى إلا خمسة ألف، ولهذا أفتى العلماء بتحريم مثل هذا، من جهةٍ أخرى هذا العقد الضمان فيه عائر، لا يدرى هل هو على صاحب السلعة أو على دافع القيمة والأجرة؟ اشترى سيارة بهذا العقد، تأجير منتهي بالتمليك، بعد ستة أشهر احترقت السيارة، يأتي المستأجر يذهب إلى صاحب الوكالة يقول: أنا أجير، أمين ما أضمن، ما عليه ضمان، السيارة لك وأنا مستأجر أجرة، ولا تعديت ولا فطرت، إذاً من ضمانك؟ لكن الثاني يقول أنا بايع عليك، والضمان على المشتري، ما الذي يحل مثل هذا الإشكال؟ قد يقول قائل: يحله التأمين، كل وكالات السيارات مؤمنة، نقول: يا أخي الحلول لا ندري نتائج شرعية على مقدمات ممنوعة، لا بد أن تكون مقدماتنا شرعية؛ لأن بعض الناس يقول: سهل هذه مسألة محلولة، احترقت التأمين، نقول: لا يا أخي ما دام قلنا: أن التأمين حرام، إذاً كيف نبني عليه الحلال، فمثل هذا العقد الذي لا يعرف ضامنه لا يأتي الشرع بجوازه، ولذا أفتى العلماء بتحريم مثل هذه الصورة.

الحديث التاسع والثلاثون: عن عمرو بن عوف المزني -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ((الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً‏،‏ والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً‏))‏ [رواه أهل السنن إلا النسائي]‏.‏

هذا الحديث فيه الكلام عن الصلح {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [(128) سورة النساء] كما قال الله -جل وعلا- بجميع أنواعه وأشكاله وأطرافه، الصلح بين المتبايعين، الصلح بين المتخاصمين، الصلح بين أخوين، صلح بين زوجين، هو خير على كل حال، إلا ما استثني، الصلح الذي يحرم الحلال أو يحل الحرام لا يجوز بحال، ارتكاب ما حرم الله -جل وعلا- لا يجوز بحال، حصل نزاع وشقاق بين غاصبين، تحصل بينهما أو بين سارقين، أو بين مرتبطين بوعد محرم على شيءٍ محرم، ثم تخاصما وتشاجرا لا يكون بحال، إنما الصلح في المباحات والمشروعات من باب أولى، فالصلح جائز بين المسلمين، وهو من أفضل الأعمال، تصلح بين اثنين صدقة، والله -جل وعلا- يقول: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [(128) سورة النساء]  {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [(128) سورة النساء] بم يكون الصلح؟ يكون بتقريب وجهات النظر، بتنازل الطرفين، بهذا يكون الصلح، يعني إذا وجد خصومة بين شريكين، لا بد من أن يتنازل هذا عن بعض الشيء، وهذا عن بعض الشيء، ليتم تقريب وجهات النظر بينهما والإصلاح بينهما، ويكون بمساعي المصلحين، إذا حصل نزاع وشقاق بين زوج وزوجته يبعث حكم من أهله وحكم من أهلها، وتقرب وجهات النظر، ويصلح بينهما، ويتنازل الزوج عن بعض حقوقه، والمرأة عن بعض حقوقها، فالمرأة إذا رأت من زوجها إعراضاً عنها وتنازلت عن بعض ما أوجب الله لها لها ذلك، الأمر لا يعدوها، وإذا تنازل الزوج عن بعض حقوقه الأمر لا يعدوه، ولا يتم الصلح إلا بالتنازل، أما كل واحد يريد حقه كاملاً عند المشاحة لا يمكن أن يتم صلح؛ لكن عند المسامحة وينبغي أن يكون المسلم سمحاً في جميع تصرفاته، إلا إذا انتهك الحرمات، وإذا تحلى المسلم بهذا الخلق العظيم السماحة فإنه يكون قريباً من هذا الخير الذي هو الصلح؛ لكن إذا تضمن الصلح حرام من إحلال الحرام أو تحريم حلال فلا يصح، ولا يجوز بحال، أو تنازل عن واجب، حصل نزاع بين زوج وزوجته وبذلت المساعي للصلح بينهما فقال: نعم أنا أرضى وأتنازل عن حقوقي على أن لا تصلي الفجر مثلاً، أو لا توقضني لصلاة الفجر، نقول: لا هذا لا يجوز، أو تسمح له بأن يرتكب بعض المحرمات، نقول: لا، لا يجوز، وقل مثل هذا في الشركاء وغيرهم.

((والمسلمون على شروطهم)) إذا اشترط المسلم على أخيه، أو اشترط له والتزم له لا بد أن يفي، وأحق ما يوفى به من الشروط ما استحلت به الفروج، ما كان بين الزوجين، ((إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)) كسابقيه؛ لكن إذا لم يتضمن ذلك فالأصل أن الوفاء بالشروط واجب، من الشروط بين الزوجين تشترط المرأة على الزوج أن تواصل التعليم، وأن تعمل بعد التخرج، بعد سنة سنتين تضايق الزوج قال: أنا لا أريد هذا الشرط، نقول: يا أخي المسلمون على شروطهم؟ يقول: أنا بيدي خيار أنا أملك خيار ثاني، تبي تتنازل عن هذا الشرط وإلا ما صار شيء، تذهب لأهلها، نقول: ارتكب محرم وإلا ما ارتكب محرم؟ لأنه يملك الخيار الثاني، كونه شرط يجب الوفاء به من جهة أنها لو أصرت لا يستطيع إلزامها؛ لكن هو يملك الخيار الثاني تروح لها، لا يملك إجبارها في البقاء في بيته مع ترك الشرط، أما يملك الخيار الثاني يملك؛ لكن هي إذا رأت أن المصلحة بالتنازل عن هذا الشرط في مقابل أن تبقى عنده زوجة، الأمر لا يعدوهما، فمثل هذه الشروط هي مثلما يقال في حياة الناس: عرض وطلب، هو لما التزم بالشرط يعني إن كان في نيته أن لا يفي بهذا الشرط من الأصل لا يجوز له ذلك؛ لكن في نيته أن يفي لكنه تضرر من هذا الشرط، ويملك خيار آخر، نقول: هي أيضاً بالخيار، إن شاءت تبقى بدون عمل، تبقى في الخدمة في البيت، وعليه أن يوفر جميع ما تطلبه مما هو لائق بها، وإن أصرت على لزوم هذا الشرط على أن ينفذ ما له تنفيذه الأمر لا يعدوهما، طيب شخص اقترض من زيد مبلغ من المال، قال: الآن أنا والله محتاج عشرة آلاف على أن أسددها لك في كل شهر ألف لمدة عشرة أشهر، قال: تفضل، هذا عشرة ألف، بعد شهر نزلت بالمقرض حاجة، المقترض اشترط أن تسدد في كل شهر ألف، المقرض نزلت به حاجة واضطر إلى هذا المبلغ، هل له أن يلزم المقترض بدفعه فوراً، أو نقول: المسلمون على شروطهم؟ نعم، كيف؟ بمعنىً آخر هل القرض يقبل التأجيل أو لا يقبل؟ الجمهور على أنه لا يقبل التأجيل، بمعنى أنك لو اشترطت عليه، هو محسن، وليست حاجتك بأولى من حاجته، يلزمك أن تسدد فوراً، إذا احتاج إليها، متى طلب يلزمك تسدد؛ لأن القرض لا يقبل التأجيل، الإمام مالك -رحمه الله تعالى- يقول: لا المسلمون على شروطهم؛ لأن المقترض قد يتضرر، اقترض منك عشرة آلاف تصرف بها، فأنت تلجئه إلى ما فيه ضرر عليه، ((والمسلمون على شروطهم)) وهذا يرجحه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-، المسلمون على شروطهم.

قلت: مثل هذا في القروض المؤجلة ذات الأمد الطويل، لو احتاج المقرض مثلاً هل له أن يلزم المقترض؟ صندوق التنمية العقاري وغيره وكذا، ناس قدموا على هذا القرض على أساس أنه على خمسة وعشرين سنة، فهل للدولة أن تلزم الناس بالدفع فوراً؟ على الخلاف؛ لكن الذي رجحه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: المسلمون على شروطهم؛ لأنه يتضرر المقترض بهذا، وينقلب الإحسان إساءة، وحينئذٍ يكون هذا القرض على خلاف الهدف الشرعي من القرض وهو الإحسان.

الحديث الأربعون: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏مَطْل الغنيِّ ظلم‏،‏ وإذا أُتْبع أحدكم على مَلِئٍ فليَتْبع)‏)[متفق عليه]‏.

هذا الحديث يقول فيه النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((مطل الغني ظلم)) وفي لفظ: ((لي الواجد ظلم، يبيح عرضه وعقوبته)) مطل الغني: يعني تأجير التسديد من قبل الغني للدائن ظلم، والظلم كما تقدم ظلمات يوم القيامة، تجد الأموال عنده والأرصدة في البنوك فإذا جاء الدائن تأتينا بعد شهر -إن شاء الله-، إذا جاء بعد شهر قال: اصبر أسبوع، اصبر عشرة أيام، اصبر شهر ثاني، وهكذا، هذا لا يجوز حرام؛ لأنه ظلم، فلا يجوز للملي –الغني- أن يماطل بدفع الدين، بل عليه أن يسارع لإبراء ذمته، ولو لم يحضر صاحب الدين، إذا كان حالاً فهذا الظلم يجعل مثل هذا المطل محرم، وجاءت الأحاديث الأخرى أنه يبيح العرض والعقوبة، بحيث إذا رفع أمره إلى الإمام يعزر حتى يدفع؛ لكن ليس للشخص الممطول أن يعاقبه، يضربه أو يعتدي عليه، لا؛ لأن العقوبات منوطة بولي الأمر، وإلا صارت المسألة فوضى، عليه أن يرفع أمره إلى ولي الأمر فيعزره على هذا.

((يبيح عرضه وعقوبته)) يقول أهل العلم: ماذا يبيح من العرض؟ يبيح أن يتحدث الشخص بقوله: فلان مطلني فقط، لأن بعض الناس إذا سمع إباحة العرض خلاص الآن الفاكهة جاهزة مقدمة: الخبيث المخبث الفاعل التارك، نقول: لا، لا، لا يبيح لك أن تقول: مطل فلان مطلني، هذه إباحة العرض هنا، إباحة العقوبة يعزر من قبل الإمام، ومفهوم الحديث أنه إذا كان مطل الغني ظلم فالمعسر مطله وترديده ليس بظلم، بل يجب إنظاره {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [(280) سورة البقرة] يعني فالواجب نظرة إلى ميسرة، ((وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع)) الملي الواجد بحيث إذا طلب منه المال يدفع، بخلاف المفلس، فإذا أحيل صاحب الدين على واجد مليء عنده المال بحيث يسدد الدين متى طلب منه مثل هذا عليه أن يتبع، عليه أن يتبع، فإذا كان لك على زيدٍ من الناس مبلغ من المال وله نظير هذا المبلغ أو أكثر منه عند عمرو فأحالك على عمرو فإن كان عمرو مفلساً لا يلزمك القبول، وإن كان ملياً بحيث إذا طلبت منه المال أعطاك يلزمك أن تقبل، وحينئذٍ تبرأ ذمة المحيل، والجمهور على أن قبول الحوالة على المليء الباذل واجبة، وقال بعضهم: باستحبابها؛ لكن الجمهور على أنها واجبة للأمر بها ((فليتبع)) أما إذا كان معسراً أو في حكم المعسر مماطل أو لا يقدر استخراج الحق منه أحالك على ظالم، نقول: لا يا أخي لا قبول، أحالك على أبيك وأنت محرج من أبيك مثلاً، أحالك على أخيك وفي حرج عليك أو صهرك أو ما أشبه ذلك، يقول: لا يا أخي لا تحرجني، فهذا في حكم غير المليء.

الحديث الحادي والأربعون: عن سمرة بن جُنْدب -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيَه‏)‏) [رواه أهل السنن إلا النسائي]‏.

هذا الحديث يقول فيه الرسول -عليه الصلاة والسلام-: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) والمقصود باليد الحيازة يعني إذا أخذ مالاً من غيره أو متاعاً سواء كان بيده أو بواسطة شخص؛ لأن اليد هي الأصل في الأخذ فنص عليها، عليها أن ترد حقوق الناس، وسواء كانت أخذت غصباً وقهراً أو طوعاً واختياراً، إذا كانت بغصبٍ أو سرقة يلزمه الرد، يلزمه أن يردها، وإن كانت طوعاً واختياراً بعارية مثلاً يلزمه أن يردها متى انتهى منها، فعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه، أحياناً يكون الرد فيه شيء من الحرج، شخص غصب مال أو سرق مال وتاب توبة نصوح يلزمه أن يرد هذا المال؛ لكن يقول: لو ذهبت إلى فلان وقلت له: أنا والله سرقت هذا المال أو غصبته منك فيه حرج شديد، وقد يترتب على ذلك مفسدة عظيمة أعظم من المال، نقول: عليك أن تؤدي بأي طريقة لا يكون فيها ضرر عليك، ولا يكون فيها منّة لك عليه؛ لأن بعض الناس سرق من فلان مبلغ من المال، ثم تاب منه يذهب إلى صاحب المال ويقول: والله هذا المال هدية اقبلها يا أبو فلان، ليش؟ تقول: هدية أنا ما أقدر أقول سرقت، لك فيه منّة عليه ما يجوز، وما أديت، إنما تؤديه وتوصله إلى صاحبه بأي طريقة لا يكون فيها حرجاً عليك، ولا ضرر، ولا يكون فيها أيضاً منّة لك عليه بالطرق المناسبة، ولو كانت بواسطة شخصٍ آخر، المقصود أن المال يصل إلى صاحبه، على اليد ما أخذت حتى تؤديه، وهذا في الأخذ المحرم كالغصوب، والسرقات، وأيضاً لو كان أخذه بطريقةٍ مباحة كالعواري مثلاً، استعار والقروض فالعارية ترد، وجحدها حرام، والمماطلة بها ظلم، ومجرد ما ينتهي الإنسان من هذه العارية يردها؛ لأنه لا يدري ما يعرض له، وعليه أن يبيّن أن هذه العارية لفلان، وهذه من الوصايا الواجبة، لأنها من حقوق الناس، لا تبرأ ذمته إلا بإعادتها إلى صاحبها، يترتب على التأخير أمور قد يموت مثلاً، وهي ما أعيدت إلى صاحبها يبوء بها، وشخص استعار كتاب، الكتاب ما عليه إثم، الأصل أن الكتب ما يكتب عليها أسماء، استعار وطالت المدة فتصور أن الكتاب له، تصور أن الكتاب له، مع طول المدة عشرين أو خمسة وعشرين سنة، وصاحب الكتاب يعرف أن كتابه عند فلان؛ لكن محرج أن يطلبه منه، فبلغ المعير عن المستعير أن الكتاب له، بل حمّل شخصاً السلام له وقال: بلغ فلان منه السلام، وقل له: فلان يدعو لك وكل ما رأى هذا الكتاب تذكرك ودعا لك هذا كتابه أخذته أنت جزاك الله خير ووديته في المجلد جلدته ورجعته لك يعني صار له، يعني مع طول المدة يحصل مثل هذا ينسى الإنسان، فمثل هذه الأمور الواجبة لا بد من الاحتياط فيها، أحياناً الكتاب يكون عليه الاسم –اسم صاحبه- وصاحبه أحياناً يبيع كتب، فيدخل عليه صاحب الاسم هذا إلى مكتبة فلان ويجد كتابه بمكتبة فلان، لا يدري هل باعه عليه؟ ما يدري هل أعاره إياه؟ ما يدري كيف وصل إليه؟ تسأل صاحب المكتبة يقول: شلون جاءك هذا الكتاب؟ يقول: والله ما أدري هذا عندي من عشرين سنة ما أدري شلون، صحيح عليه اسمك ما أدري هل أنا استعرته منك أو اشتريته منك؟ ما أدري، وهذا يحصل كثيراً بين طلاب العلم، وحينئذٍ يتعارض الأصل مع الظاهر، الأصل إيش؟ أنه لفلان، الذي عليه اسمه، هذا الأصل، لكن الظاهر -ظاهر الحال- أنه لمن هو بيده، وحينئذٍ نحتاج إلى مرجح، فإذا عرفنا أن فلان صاحب الاسم معروف ببيع الكتب إذا استغنى عن كتابه باعه، هذا مرجح، يمكن باع الكتاب، وإذا عرفنا من حاله أنه لا يبيع الكتب البتة، غلب على ظننا أنه إعارة فنحتاج حينئذٍ إلى مرجح، وعلى الإنسان أن يحتاط لنفسه، ما يقول: هذا كتاب، والكتاب علم، والعلم مشاع، ولا يملكه أحد، نقول: لا هذا كتاب فلان أخذته عليه أن تؤديه، وقد استجاز بعضهم، بعض من لا يعتد بقوله استجاز سرقة الكتب؛ لأن العلم مشاع والكتب...، لا، لا، هذا قول لا يلتفت إليه، هذا قول باطل؛ لأنها مال، وسرقة الأموال معروف حكمها.

الحديث الثاني والأربعون: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال‏:‏ "‏قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالشفعة في كل ما لم يقسم‏،‏ فإذا وقعت الحدود، وصُرفت الطرق فلا شفعة" ‏[رواه البخاري]‏.

قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعني حكم النبي -عليه الصلاة والسلام- بالشفعة، وهي استحقاق نصيب الشريك لشريكه بنفس الثمن الذي بيعت به، قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالشفعة في كل ما لم يقسم، (كل) من صيغ العموم، و(ما) أيضاً لم يقسم يعني مما تقع فيه الشركة، فيدخل في ذلك العقار والمنقول من متاع وسيارات وغيره، لكن قوله: فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة، هذا مخصص للعموم، وأن الشفعة لا تكون إلا في العقار، ولا تكون في غيره، اشترك اثنان في سيارة، اثنان اشتركا في سيارة، كل واحد دفع خمسين ألف واشتروا هذه السيارة، استغنى أحدهم عن حصته فباعه على ثالث، الشريك له أن يشفع؟ ليس له أن يشفع، المشتري ينزل منزلة صاحب ولا ضرر في ذلك، من الطرائف يذكر عن شخصين اشتركا في سيارة أول ما جاءت السيارات، الناس ما يعرفون حقيقة هذه السيارات، اشتركا في سيارة فاختصما وتنازعا، وأحضرا المنشار يقتسمانها، هذا إتلاف للمال، المقصود أن مثل هذه لا شفعة فيها، إنما الشفعة في العقار فقط، لقوله: "فإذا وقعت الحدود" والحدود لا تقع إلا في العقار، "وصرفت الطرق فلا شفعة" يعني إذا تميز نصيب كل واحدٍ منهما لا شفعة، بحيث يعرف نصيب فلان وبينهما طريق ومعروف الحدود حينئذٍ يكون الشريك كغيره، فإذا تميز ارتفعت الشركة، إذا تميز نصيب كل واحدٍ منهما ارتفعت الشركة، فليس بشريك، إنما يكون حينئذٍ شريك وإلا جار؟ جار، الشريك حال الشركة له شفعة، فإذا باع شريكه نصيبه بمائتي ألف على زيد من الناس وأراده صاحبه الشريك هو أحق به، هو أحق به، فيلزم المشتري أن يتنازل ويلزم الشريك بأن يدفع نفس المبلغ، ما يقول: والله أنا شريك مانا بدافع، مشتريه بمثل بعطيك خمسين ليش أعطيك مائة ألف كاملة؟ يلزم بدفع ما باعه به، وعندئذٍ لا ضرر ولا ضرار، أنت للك حق في الشرع؛ لكن أيضاً شريكك له حق في المكسب، فهذه الشفعة، إذا قسمت الأراضي، وعرفت الحقوق، ووجدت الطرق، وعرفت الحدود، وقعت الحدود، صرفت الطرق صاروا جيران، ما صاروا شركاء، وجاء في الحديث: ((الجار أحق بسقبه)) وأثبت بعض أهل العلم الشفعة للجار، والجمهور على عدم ثبوتها لهذا الحديث؛ لأن الجار وقعت بينهما حدود وبينهما طرق، وجاء في الحديث: ((الجار أحق بسقبه)) والحنفية يرون الشفعة للجار لا سيما إذا كان الجار يتضرر، هما يشتركان في طريقٍ ضيق، يعني لو استطرق هذا الطريق الضيق فيه مضايقة لمن يخرج من هذا البيت من نساء من صغار من كذا، ويريده صاحبه يتوسع به الجار لا شك أن مثل هذا إذا تضرر أحق به من غيره، وإلا فالأصل أن الجار لا شفعة له؛ لأنه قد وقعت الحدود وعرفت، وحديث: ((الجار أحق بسقبه)) محمول على مثل هذه الصورة إذا كان يتضرر.

الحديث الثالث والأربعون: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ أنا ثالث الشريكين، ما لم يَخُن أحدهما صاحبه‏،‏ فإن خانه خرجت من بينهما‏)‏) [رواه أبو داود‏].

الشركات باختلاط الأموال والأبدان لا شك أن الناس يحتاجونها، فبعض الناس عنده مال لكن لا يستطيع أن يعمل، وبعض الناس عنده فراغ يود أن يعمل لكن ما عنده مال يعمل به، بعض الناس عنده مال لا يفي بهذا المشروع فيضطر ويحتاج إلى أن يشارك غيره للدخول في مثل هذا المشروع المباح، فالشركة بأنواعها المباحة مما تقرر جوازه في الشرع، وحينئذٍ إذا حصلت هذه الشركة لا بد من الصدق، ولا بد من البيان، يعني إذا كان يجب البيان والصدق والوضوح مع المشتري وإن كان بعيداً أجنبياً فالخليط لا شك أنه أولى بهذا، ((ما لم يكن أحدهما صاحبه)) فإذا وقعت الخيانة وقع الاختلاس، وقع التغطية والتدليس على شريكه، حينئذٍ فيخرج الله -جل وعلا- من بينهما، ((أنا ثالث الشريكين)) فهذان الشريكان إذا تعاملا بوضوح ونصح بينهما وصدق وحرص على مصلحة الطرفين على حدٍ سواء فالله -جل وعلا- معهما، وإذا كان معهما بارك في هذه الشركة، فإنه يبارك في هذه الشركة، أما إذا خان أحدهما الآخر خرج الله -جل وعلا- من هذه الشركة، والدخول والخروج أمر يضاف إلى الله -جل وعلا-، كما جاءت في مثل هذا الحديث، وعلى كل حال على ما يليق به -جل وعلا-، ودخوله في البركة، وخروجه بنزل البركة، كما قرر أهل العلم، ((خرجت من بينهما)) سوف يكون مآل هذه الشركة إلى الخسران والاضمحلال والزوال، أما إذا قارن ذلك الصدق والأمانة والبيان والنصح لكل واحدٍ منهما فليبشرا بهذه البركة.

الحديث الرابع والأربعون: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏((‏إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث‏:‏ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)‏)‏ [رواه مسلم]‏.‏

العبد في هذه الدنيا من بلوغه الحلم والتكليف يجري عليه القلم، فيكتب ما له وما عليه، لكنه إذا مات انقطع تكليفه، فلا يجري عليه شيء، ولا يجري له شيء، إلا ما كان بسببه، إلا ما كان له يد فيه، ويستوي في هذا الطرفان، إن كان مما يكتب له مما تسبب به دخل في هذا الحديث، وإن كان مما يكتب عليه مما تسبب به ولو بعد موته كما تقدم في حديث: ((من سن سنةً سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها)) والميت يعذب ببكاء أهله عليه؛ لأنه له يد في هذه الأمور، أيضاً إذا ألف كتاب فيه بدع وضلالات وشكوك وشبه هذا لا شك أن كل من قرأ هذا الكتاب وتأثر به عليه وزره إلى يوم القيامة، وبالمقابل إذا ألف كتاباً ينتفع به الناس يستفيدون منه في فهم كلام الله، وكلام نبيه -عليه الصلاة والسلام- هذا علم ينتفع به فله أجره، وفي هذا يقول: ((إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث)) لأنه الأصل أن ينقطع البتة، التكليف منوط بالحياة، ولا تكليف بعد الحياة؛ لكن باعتباره سبباً لهذه الأعمال، إما أن تكون حسنة أو سيئة، فيكبت له الحسنات ويكتب عليه السيئات لما كان سبباً فيه.

((صدقة جارية)) وقف مثلاً أو وصية؛ لأنه لا بد من تحقيق الهدف الشرعي من الوقف؛ لأن الأصل فيه أن يكون صدقة جارية، يعني مستمرة، فإذا كان الوقف لا يحقق الهدف الشرعي من مشروعية الوقف فلا فائدة فيه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن بعض الناس يوقف أوقاف وتترتب هذه الأوقاف، نعم فيها أمور حسنة، ويداخلها أمور سيئة، يكون فيها شيء من الحيف، شيء من الجور، شيء من دعم الحق، وشيء من دعم باطل مثلاً، مثل هذا لا يحقق الهدف الشرعي؛ لأن الإنسان يبتغي بهذا الوقف وجه الله، وما يقرب منه، فلينتبه الإنسان لهذا، قد يوقف وقف عظيم، ويجعل الصدقة أجره أو مثلاً غلته لواحد من أولاده، يحرم عليه هذا، فمثل هذا الوقف باطل وملغى؛ لأنه لا يحقق الهدف الشرعي من الوقف، يورد الضغائن والشحناء بين الأخوة، فالمسلم مأمور بالتعديل بين أولاده في حياته وبعد مماته، ولذا جاء في الحديث: ((لا وصية لوارث)) على ما سيأتي، ((صدقة جارية)) من أفضل الصدقات تسبيل وتوقيف ما يرفع حوائج المحتاجين، وما يعين على طاعة الله -جل وعلا-، من إعانة لمجاهدين، أو طلاب علم، وعباد يتفرغون لطاعة الله -جل وعلا-، أو يتصدق لما يعين على حياة الناس مثلاً وبقائهم من مأكولٍ ومشروب، يتصدق بمزرعة فيها ماء، فيها طعام، لتستمر ويستمر ريعها، ((أو علم ينتفع به)) بحيث يعلم الناس ويستمر نفعه باستمرارهم واستمرار تلاميذهم، أو بمؤلفاته النافعة، كل هذا علم ينتفع به بعد موته ((أو ولد صالح يدعو له)) وعلى هذا ليحرص المسلم على تربية ولده على الخير والفضل والاستقامة والصلاح ليكون مجاب الدعوة إذا دعا لوالده، ولذا ما قال: (ولد يدعو له) قال: ((ولد صالح)) فلنحرص على هذا الوصف، والله أعلم.

 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.